إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الكسوف - (باب قدر القراءة في صلاة الكسوف) إلى (باب التشهد والتسليم في صلاة الكسوف)

شرح سنن النسائي - كتاب الكسوف - (باب قدر القراءة في صلاة الكسوف) إلى (باب التشهد والتسليم في صلاة الكسوف)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد في السنة أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في القيام من صلاة الكسوف نحواً من سورة البقرة، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه جهر بالقراءة وفي أخرى أنه أسر بها، ولهذا اختلف أهل العلم في كيفية الجمع بينهما.

    1.   

    قدر القراءة في صلاة الكسوف

    شرح حديث ابن عباس: (خسفت الشمس فصلى رسول الله... فقام قياماً طويلاً قرأ نحواً من سورة البقرة..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قدر القراءة في صلاة الكسوف.

    أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن القاسم عن مالك حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقام قياماً طويلاً قرأ نحواً من سورة البقرة، قال: ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم قام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله عز وجل، قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، قال: إني رأيت الجنة، أو أُريت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: لم يا رسول الله؟! قال: بكفرهن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب قدر القراءة في صلاة الكسوف. المقصود من هذه الترجمة بيان أن القراءة في صلاة الكسوف تطال، وكانت صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام كنحو من سورة البقرة، بهذا المقدار أو قريباً من هذا المقدار، وهذا فيه أن صلاة الكسوف تطال فيها القراءة، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، المشتمل على كيفية على صلاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للكسوف، وأنها خسفت الشمس فصلى بهم، فقام قياماً طويلاً كنحو من سورة البقرة، ثم ركع ركوعين، ثم سجد، ثم قام وصلى الركعة الثانية فيها ركوعان، ثم سجد، وكل ركوع هو دون الذي قبله، فالركعة الثانية دون الركعة الأولى وأقل منها.

    ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب الناس، وقال: (إن الشمس، والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما، أو إذا رأيتم ذلك فصلوا)، ثم إنهم سألوه: قالوا: رأيناك كأنك تتناول شيئاً في الصلاة، وكان عليه الصلاة والسلام مد يده في الصلاة ليتناول شيئاً، هم يرون اليد الممدودة، ولا يرون الذي مدت إليه اليد، ورأوه تكعكع، أي: تأخر، ورجع القهقرى، فقال: إنها عرضت عليّ الجنة، وعرضت عليّ النار، ورأى عناقيد العنب متدلية في الجنة، ولما رأوه مد يده كان قد مد يده ليتناول عنقوداً من تلك العناقيد، ولكنه ترك ولم يأخذ شيئاً، قال عليه الصلاة والسلام: (ولو أخذت منه لأكلتم ما بقيت الدنيا)، وهذا يبين لنا عظم شأن نعيم الآخرة، وأن نعيم الدنيا ليس بشيء عند هذا النعيم، ذلك أن عنقوداً من عناقيد الجنة إلى قيام الساعة، يكفي الناس، ويأكل الناس منه إلى قيام الساعة، ولكن الله عز وجل شاء أن تكون أمور الآخرة مغيبة، وأن يكون النعيم مغيباً، وأن يكون العذاب مغيباً؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، وحتى يتبين أولياء الله من أعداء الله، وحتى يتبين من يصدق ومن يكذب، من يصدق أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ويستسلم لها، ويعتقد أنها حق على حقيقتها، وأنها لا بد، وأن توجد إن كانت مستقبلة طبقاً لما أخبر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهذا هو السر الذي من أجله لم يأخذ النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال: (لو أخذت لأكلتم ما بقيت الدنيا)، وعلى هذا تكون أمور الآخرة مشاهدة لا تكون غيبية، والله تعالى شاء أن تكون أمور الآخرة غيبة؛ حتى يتبين من يؤمن بالآخرة، ومن لا يؤمن بها، ومن يؤمن بما جاء به الوعد، والوعيد في الدار الآخرة، ومن لا يؤمن بذلك، فيتبين المصدق من المكذب، والمؤمن من غير المؤمن، فيتبين أولياء الله من أعداء الله، ورأوه تكعكع، أي: رجع القهقرى تأخر؛ لأنه رأى النار.

    ثم إنه رأى أكثر أهلها النساء، فقيل: (لم يا رسول الله؟! قال: يكفرن العشير، والإحسان)، (يكفرن العشير)، أي: كفرهن هذا كفر نعمة، كفر النعم، وليس الكفر بالله عز وجل، وإنما هو كفر النعم، وعدم الشكر على النعمة، ثم بين عليه الصلاة والسلام شأن النساء غالباً، فقال: (إنك لو أحسنت إلى أحداهن الدهر)، معناه أكثرت الإحسان إليها، (ثم رأت منك شيئاً)، أي: شيئاً يسوءها في يوم من الأيام، أنكرت الجميل الماضي الكثير الذي كان في مختلف الأيام، ومختلف العصور، وقالت: ما رأيت منك خيراً قط، فهذا هو كفر الجميل، وكفر الإحسان، وكفر العشير، والعشير هو الزوج، تكفر الإحسان: تنسى معروفه، وتجحد إحسانه إليها، وهو كثير؛ لأنها رأت أمراً ساءها، أو حصل لها أمر فيه ما يسوءها، فأنكرت الماضي، وقالت: ما رأيت منك خيراً قط، فبين عليه الصلاة والسلام أن هذا من سبب العذاب في النار، لكن دخول النار في حق من كان عاصياً، ولم يتجاوز الله عنه، ويغفر له ذنبه، فإنه إذا دخل النار لا يدوم بها، ويبقى فيها بقاء الكفار، وإنما يبقى فيها المدة التي شاء الله عز وجل أن يبقاها، ثم من دخل وهو مؤمن غير كافر، وهو من العصاة، لا بد وأن يأتي عليه وقت يخرج منها، ويدخل الجنة، فلا يبقى في النار أبد الآباد إلا من كان كافراً بالله، هذا هو الذي لا سبيل له إلى الخروج من النار، ولا سبيل له إلى دخول الجنة، وأما من كان عاصياً، ولو بلغت معصيته ما بلغت من الكبائر، والذنوب، فإن أمره إلى الله عز وجل، إن شاء تجاوز عنه، ولم يعذبه، وإن شاء عذبه، ولكن لا بد، وأن يخرج من النار، ويدخل الجنة، ولو طال الأمد في النار، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها، ولا سبيل لهم إلى الخروج منها، فهذا مما اشتملت عليه خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خطب الناس بها بعد صلاة الكسوف، والتي ألقاها على الناس بعد صلاته الكسوف.

    والمقصود من إيراد الحديث هو بيان قدر القراءة، وأنها تكون طويلة، وجاء في الحديث أنها ( كقدر سورة البقرة أو كنحوٍ من سورة البقرة).

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (خسفت الشمس فصلى رسول الله... فقام قياماً طويلاً قرأ فيه نحواً من سورة البقرة)

    قوله: [محمد بن سلمة].

    هو المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، أخرجه حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    ولقد ذكرت فيما مضى من رجال النسائي شخصاً آخر، ولكنه متقدم بطبقة على هذا الرجل، فهو من طبقة شيوخ شيوخه، وهو محمد بن سلمة الحراني، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة فهو الحراني، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة فهو المصري.

    [عن ابن القاسم].

    هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.

    وبمناسبة ذكر عبد الرحمن بن القاسم، سبق أن مر بنا محمد بن حمير قريباً، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه؛ لأنه في بعض النسخ كالنسخة المصرية رمز لـابن القاسم البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وكذلك رمز لـابن حمير الطبعة المصرية، ولكن الموجود في تهذيب الكمال: التنصيص على أنه خرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه، فنص على أن ابن ماجه خرج حديثه، أي: حديث محمد بن حمير الحمصي، فهذا قريباً منه، هذا كمثله إلا أنه يزيد ابن ماجه، محمد بن حمير مثل: عبد الرحمن بن القاسم، إلا أنه يزيد ابن ماجه، أي: خرج له ابن ماجه، أو خرج حديثه ابن ماجه.

    [عن مالك].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وهو الإمام مالك ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ومن المعلوم أن هؤلاء هم الأئمة الأربعة.

    هناك علماء مثلهم في زمانهم، وقبل زمانهم، وهم فقهاء ومحدثون، واشتهروا بالفقه، ولكن لم يحصل لهم مثل ما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة من وجود أتباعهم يعنون بفقههم، ويدونونه ويرتبونه وينظمونه، وإلا فإن هناك علماء مثل: إسحاق بن راهويه، ومثل: سفيان الثوري، ومثل: الأوزاعي، ومثل: الليث بن سعد، ومنهم القريب من زمانهم، وهم فقهاء أجلاء معروفون بالفقه، ومعروفون بالحديث، ولكنه ما حصل لهم مثل ما حصل لهؤلاء الأربعة من وجود أتباع يعنون بفقههم، ويرتبونه وينظمونه ويؤلفون فيه، وهؤلاء الأربعة، وغيرهم هم من العلماء المجتهدين الذين يجتهدون في المسألة، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، وخطؤهم مغفور، لكن ليس لأحد أن يتعصب، ولا أن يجفو، ولا أن يكون غالياً في أحد من الأئمة، أو جافياً في حق أحد من الأئمة، وإنما يعرف قدرهم، ويعرف فضلهم، ويعرف علمهم، ويستفيد من علمهم، ويرجع إلى كتبهم، وما ألفوه، وما أُلف في مذاهبهم، ويستفيد من ذلك، فلا يتعصب ولا يجفو، لا يقول: إن الأئمة هؤلاء الحق معهم، وأن غيرهم ليس كذلك، ولا يقول: إننا لا نرجع إلى كلام الأئمة، وإنما نحن رجال، وهم رجال، لا هذا، ولا هذا، يعتنى بفقههم، ويعرف فضلهم، ويدعو لهم، ويثنى عليهم، ويذكرون بالجميل اللائق بهم، بدون إفراط أو تفريط، وبدون غلو وجفاء، ويكون الأمر كما قال ابن القيم رحمه الله، في آخر كتاب (الروح)، قال: أشار إلى أنه يعرف الإنسان فضلهم، ويرجع إلى علمهم، ويستفيد من علمهم، لا سيما إذا كانت المسألة فيها خفاء، فهو يستعين بعلمهم في الوصول إلى الدليل، وإلى معرفة الحق، لكنه إذا وصل إلى الدليل، وعرفه انتهى إلى ما تكون النهاية إليه، ثم ضرب مثلاً لذلك فقال: إنهم مثل النجم الذي يهتدى به إلى جهة القبلة، حيث يكون الإنسان في فلاة يهتدي إلى جهة القبلة عن طريق النجوم، لكن إذا وصل إلى القبلة، وصار تحت الكعبة، ما يحتاج أن ينظر في السماء يبحث عن القبلة، فالكعبة أمامه، فكذلك هؤلاء، حيث يكون الدليل واضحاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، المعول عليه الدليل، لكن إذا كانت المسألة فيها خفاء، والأمر ليس فيه وضوح، فيستفيد منهم، ويستعين بفقههم في معرفة الحق والوصول إليه، هذا هو الإنصاف، وهذا هو العدل، وهذا هو الذي فيه الأخذ بوصاياهم؛ لأن كل واحد منهم أوصى بأنه يرجع إلى الحديث، وإلى الدليل عندما يوجد للواحد منهم قول في مسألة، قد جاء الدليل على خلافه، كل واحد منهم جاء عنه كلمات مأثورة جميلة تحث على الأخذ بالدليل، وأنه إذا وجد له قول يخالف الدليل، فإن العبرة بالدليل، وليس بقوله، وأنه إذا صح الحديث فهو مذهبه.

    ولهذا كان الإمام الشافعي رحمة الله عليه، في بعض المسائل التي لم يصح فيها الحديث عنده، فيعلق القول بها على صحة الحديث، يقول: إن صح الحديث قلت به، ويقول الشافعي: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس له أن يدعها لقول أحد منهم كائناً من كان، وهذا هو كلامهم، والأخذ بالدليل، والحرص على معرفة الدليل أخذ بوصاياهم، أما تقليدهم، والتعصب لهم، والنيل من غيرهم، فهذا ما لا يحمدونه هم، ولا يحمده كل منصف، وكل ذي عدل لا يحمد مثل هذا الصنيع.

    الإمام مالك رحمة الله عليه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة المشهورة من مذاهب أهل السنة، والإمام مالك رحمه الله جاء عنه كلمة، وكان في هذا المسجد، يقول: الكل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    والحاصل: أن الأئمة الأربعة كل واحد منهم جاء عنه كلمات مأثورة ترشد إلى الحث على اتباع الدليل، وإلى البحث عن الدليل، وإلى أنه يصار إلى الدليل، وأنه إذا وجد لواحد منهم قول يخالف، أو لا يتفق مع ما ثبت به الدليل، فإنه يحمل على أحسن المحامل، وأنه ما بلغه الحديث، أو أنه بلغه من وجه لم يصح، ولم يثبت عنده، أو غير ذلك من وجوه الأعذار التي يعتذر بها عن الأئمة، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة قيمة سماها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، بين فيها عظيم قدر الأئمة ومنازلهم، وتقديرهم ومعرفة فضلهم ونبلهم، والاعتذار عنهم فيما إذا وجد عن الواحد منهم قول قد جاء دليل صحيح بخلاف ذلك القول الذي قال به الإمام، وهو كتاب نفيس مع صغر حجمه، فقد أثنى عليه بعض العلماء، وهو الشيخ جمال الدين القاسمي، فإنه قال بعد أن ذكر هذا الكتاب، وأثنى عليه شيخ الإسلام لدفاعه عن الأئمة وثنائه عليهم، واحترامه لهم، قال: إن هذا الكتاب لو كان بالصين، فسافر أحد من أجل أن يظفر بنسخة منه، لكانت سفرته رابحة؛ لأنه مع قلة حجمه وصغره، معناه عظيم وواسع، فهو قليل المبنى، واسع المعنى.

    وهؤلاء الأئمة الأربعة، الإمام أحمد هو آخرهم، وكانت وفاته سنة مائتين، وواحد، وأربعين، وقبله الشافعي، وكانت وفاته سنة مائتين، وأربع، وكان أحمد تلميذاً للشافعي، والشافعي قبله الإمام مالك، وهو تلميذ للإمام مالك، وكانت وفاة الإمام مالك سنة مائة واثنين وسبعين، وأول الأئمة الأربعة أبو حنيفة، كانت وفاته سنة مائة وخمسين، مات في السنة التي ولد فيها الشافعي، وهي سنة مائة وخمسين، وتوفي الشافعي وعمره أربع وخمسون سنة، يعني: ولد سنة مائة وخمسين، ومات في سنة مائتين، وأربع، فثلاثة من الأئمة بعضهم شيخ لبعض، فـمالك شيخ للشافعي، والشافعي شيخ أحمد، وقد أورد الإمام أحمد حديثاً في مسنده من روايته عن الإمام الشافعي، والإمام الشافعي يرويه عن الإمام مالك، وهو حديث (نسمة المؤمن طائرٌ يعلق في الجنة)، وقد ذكر هذا الحديث ابن كثير في التفسير عند قول الله عز وجل: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، في آخر سورة آل عمران، وذكر هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال: إن هذا حديث إسناده عزيز، أي: نادر، وهو من الأسانيد التي اجتمع فيها ثلاثة من الأئمة أصحاب المذاهب المشهورة.

    [عن زيد بن أسلم].

    ثقة يرسل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عطاء بن يسار].

    هو الهلالي مولى ميمونة، وهو ثقة فاضل، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن عباس].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

    1.   

    الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف

    شرح حديث عائشة: (أن النبي صلى أربع ركعات في أربع سجدات، وجهر فيها بالقراءة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرني الوليد حدثنا عبد الرحمن بن نمر: أنه سمع الزهري يحدث عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى أربع ركعات في أربع سجدات، وجهر فيها بالقراءة، كلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)].

    أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، أي: يجهر فيها بالقراءة في الليل والنهار، وصلاة الكسوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم حصلت بالنهار، وقد جهر فيها بالقراءة، وأورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما خسفت الشمس صلى بهم أربع ركعات في أربع سجدات، وقد جاء في بعض الروايات: (أربع ركوعات في ركعتين، وأربع سجدات)، فالمقصود بالركوعات هي ركعتان في كل ركعة ركوعان، المجموع أربعة، والسجدات أربع، يعني: في كل ركعة ركوعان وسجدتان، فالمجموع أربع ركوعات، وأربع سجدات، ومقدار الركعات ركعتين، جهر فيها بالقراءة، وكان كلما يرفع رأسه، أي: من الركوع، سواءً الركوع الأول، أو الركوع الثاني، يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد).

    الحديث دال على ما ترجم له النسائي من مشروعية الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، سواءً في الليل أو النهار؛ لأن كسوف الشمس الذي حصل في عهده صلى الله عليه وسلم، والذي صلى فيه صلاة الكسوف كان في النهار، وقد جهر فيه بالقراءة، كما جاء مبيناً في حديث عائشة هذا.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى أربع ركعات في أربع سجدات، وجهر فيها بالقراءة ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو ابن مخلد الحنظلي المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، ثبت، مجتهد، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.

    [أخبرني الوليد].

    هو ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، يدلس تدليس الإسناد، وتدليس التسوية، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، يروي..

    [عن عبد الرحمن بن نمر].

    هو الدمشقي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [عن الزهري].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث ابن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، وكلاب هو أبو قصي، وأبو زهرة؛ ولهذا يقال له: الزهري نسبةً إلى جده زهرة، ويقال له: ابن شهاب نسبةً إلى جده شهاب، وهو جد جده، وهاتان النسبتان إلى أجداده هما اللتان اشتهر بهما ذكر الزهري، فيقال: الزهري، أو ابن شهاب، وهو ثقة، فقيه، ومحدث، مكثر، وهو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، وفيه يقول السيوطي بالألفية:

    أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر

    [عن عروة].

    هو ابن الزبير بن العوام، ثقة، فقيه، هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وهم سبعة أشخاص: ستة متفق على عدهم من الفقهاء السبعة، وواحد مختلف فيه، فالستة هم: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

    [عن عائشة].

    وعروة بن الزبير يروي عن خالته عائشة؛ لأن أمه أسماء بنت أبي بكر، فهو يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهي من أوعية السنة وحفاظها، لا سيما الأحاديث الكثيرة فيما يكون بين الرجل، وأهل بيته، وفي غير ذلك؛ ولهذا فإن السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، ستة رجال، وامرأة واحدة، والمرأة هي عائشة، والستة هم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد الخدري، هؤلاء ستة رجال وامرأة واحدة.

    1.   

    ترك الجهر فيها بالقراءة

    شرح حديث سمرة: (أن النبي صلى بهم في كسوف الشمس لا نسمع له صوتاً ...)

    وقال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك الجهر فيها بالقراءة.

    أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس عن ابن عباد رجل من بني عبد القيس عن سمرة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في كسوف الشمس لا نسمع له صوتاً)].

    أورد النسائي ترك الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف. وأورد حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، وهو حديث طويل قد مر، وهنا ذكر جملةً منه، وإنه صلى بهم الكسوف لا يسمعون له صوتاً، وهذا الحديث في إسناده شخص قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، وهو الذي يقبل حديثه إذا توبع، وهو لم يتابع على هذه الرواية التي فيها أنهم لا يسمعون له صوتاً؛ ولهذا أورد الحديث النسائي من أجل الاستدلال بترك القراءة، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى مرةً واحدة، وقد ثبت في الحديث الذي مضى أنه جهر في القراءة، فإذاً: هذا الحديث يكون ضعيفاً؛ لأنه أولاً: يخالف ما هو بثابت، والأمر الثاني: أن في سنده شخص لا يعول على حديثه إلا إذا توبع، وهو ثعلبة بن عباد البصري، فإنه مقبول، والمقبول لا يعول على حديثه إلا إذا توبع، فهو غير ثابت كونهم لم يسمعوا له صوتاً.

    ويحتمل أن يكون سمرة ممن تأخر في الصفوف، فكان لا يسمع لتأخره، وليس ذلك لكون النبي صلى الله عليه، وسلم ما جهر، بل الجهر ثابت في حديث عائشة المتقدم، وأما ترك الجهر فليس بثابت، ولو ثبت الحديث، فإنه يكون محمولاً على أن بعضهم ممن يكون موقفه بعيداً لا يسمع القراءة، لكن من يكون قريباً فإنه يسمع القراءة.

    تراجم رجال إسناد حديث سمرة: (أن النبي صلى بهم في كسوف الشمس لا نسمع له صوتاً ...)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].

    عمرو بن منصور النسائي هو ثقة، ثبت، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو شيخ النسائي من بلدة واحدة.

    [عن أبي نعيم].

    هو الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره بها كثيراً كما هنا، وهو من شيوخ البخاري، بل من كبار شيوخ البخاري، والنسائي لا يروي عنه إلا بواسطة.

    [حدثنا سفيان].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، إمام، حجة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن الأسود بن قيس].

    هو الأسود بن قيس الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ثعلبة بن عباد].

    مقبول، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن سمرة].

    هو سمرة بن جندب بن جنادة، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    القول في السجود في صلاة الكسوف

    شرح حديث: (... وجعل يبكي في سجوده وينفخ ويقول: رب لم تعدني هذا ...)

    وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القول في السجود في صلاة الكسوف.

    أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري حدثنا غندر عن شعبة عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: (كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال، قال شعبة: وأحسبه قال في السجود نحو ذلك، وجعل يبكي في سجوده، وينفخ، ويقول: رب لم تعدني هذا، وأنا أستغفرك، لم تعدني هذا، وأنا فيهم، فلما صلى قال: عرضت عليّ الجنة، حتى لو مددت يدي تناولت من قطوفها، وعرضت عليّ النار، فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها، ورأيت فيها سارق بدنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورأيت فيها أخا بني دعدع سارق الحجيج، فإذا فطن له قال: هذا عمل المحجن، ورأيت فيها امرأةً طويلةً سوداء تعذب في هرة ربطتها، فلم تطعمها ولم تسقها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت، وإن الشمس، والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا انكسفت إحداهما، أو قال: فعل أحدهما شيئاً من ذلك، فاسعوا إلى ذكر الله عز وجل)].

    أورد النسائي ما يقوله في السجود باب قوله في السجود في صلاة الكسوف أورد فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقد مر قريباً، وهو مشتمل على كيفية صلاة الكسوف، وعلى جمل من خطبة رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد صلاة الكسوف، وقد مر في الرواية السابقة أنه قال: (ورأيت صاحب السبتيتين)، وهنا قال: (سارق بدنتي رسول الله عليه الصلاة والسلام)، وقد ذكرت فيما مضى: أن بعض العلماء قال: لعل هذا هو المقصود بصاحب السبتيتين، وأنه سارق بدنتي الرسول صلى الله عليه وسلم اللتين بعث بهما إلى مكة، فأخذهما رجل من المشركين، وسماهما سائبتين، فهذا لعله يبين المقصود من ذلك، الذي هو صاحب السبتيتين، (سارق الحجيج، فإذا فطن له قال: هذا عمل المحجن)، يعني: المحجن هي عصا محنية الرأس، فإذا رأى متاعاً، أو كذا، مد المحجن حتى ينشب بها، فإن تفطن له الناس علق بالمحجن، وقال: هذا عمل المحجن، ورأى فيها أيضاً المرأة التي تعذب في الهرة التي حبستها حتى ماتت جوعاً، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

    فالحاصل أن خطبة رسول الله عليه الصلاة والسلام مشتملة على جمل، وجاءت في أحاديث مفرقة، مثل هذه الأمور التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في النار، وحديث ابن عباس الذي مر أنه رأى النساء، يعني في النار.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... وجعل يبكي في سجوده وينفخ ويقول: رب لم تعدني هذا ...)

    قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري].

    هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، هذا الرجل ينتهي نسبه إلى المسور بن مخرمة صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا يقال له: المسوري، يعني: نسبة إلى المسور بن مخرمة.

    [عن غندر].

    هو محمد بن جعفر البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ولقبه غندر، واسمه محمد بن جعفر، يأتي ذكره باسمه كثيراً، ويأتي ذكره بلقبه أحياناً كما هنا، هنا ذكر بلقبه، ومعرفة ألقاب المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث، فائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين، الذي ما يعرف أن غندر هو محمد بن جعفر، لو وجد محمد بن جعفر في طريق، وغندر في طريق، يظن أن غندر شخص، وأن محمد بن جعفر شخص، لكن من يعرف أن هذا لقب لهذا لا يلتبس عليه الأمر، فـغندر محمد بن جعفر البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكثيراً ما يأتي ذكره يروي عن شعبة، بل يأتي أحياناً غير منسوب، اسمه محمد، ويروي عن شعبة، والمراد به غندر محمد بن جعفر، وهنا ذكره باللقب، وهو مشهور باللقب.

    [عن شعبة].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عطاء بن السائب].

    صدوق، اختلط، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة. وعادة أصحاب التراجم الذي هو تهذيب الكمال: أن الشخص إذا كان روي له في الصحيح، ولو كان مقروناً، فإنهم يرمزون له برمز صاحب الصحيح، فإن عطاء بن السائب ليس له في صحيح البخاري إلا حديث واحد مقرون، في تفسير سورة الكوثر، حديث واحد مقرون، ما ذكر وحده بل معه غيره، ورمز له بالخاء، وكذلك عاصم بن أبي النجود، عاصم بن بهدلة صاحب القراءة المشهورة، أحد القراء السبعة، قال عنه في التقريب: رمز له لأصحاب الكتب الستة، وقال: حديثه في الصحيحين مقرون، أي: أنه عندما يجد ذكره في الصحيحين، فإنما يأتي مقروناً بغيره، ولا يأتي استقلالاً، ويروى عنه استقلالاً، بل يروى عنه وعن غيره، ويقال لمن كان من هذا القبيل: حديثه في الصحيحين مقرون، أو يقال: متابعة.

    [عن أبيه].

    هو السائب بن مالك، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الله بن عمرو].

    هو عبد الله بن عمرو بن العاص، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ومن الأشياء اللطيفة في أبيه: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه ولد له ابنه عبد الله وعمره ثلاثة عشر سنة، عمر عمرو بن العاص لما ولد له ابنه عبد الله ثلاثة عشر سنة، أي: احتلم وهو صغير، وبلغ وهو صغير، وتزوج وولد له وهو لم يبلغ الرابع عشرة والخامس عشرة من عمره.

    1.   

    التشهد والتسليم في صلاة الكسوف

    شرح حديث: (كسفت الشمس ... ثم تشهد ثم سلم فقام فيهم...)

    وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشهد، والتسليم في صلاة الكسوف.

    أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير عن الوليد عن عبد الرحمن بن نمر: (أنه سأل الزهري عن سنة صلاة الكسوف؟ فقال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: كسفت الشمس، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فنادى: أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر ثم قرأ قراءةً طويلة، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً مثل قيامه، أو أطول، ثم رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده، ثم قرأ قراءةً طويلةً هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر فسجد سجوداً طويلاً مثل ركوعه أو أطول، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فقام، فقرأ قراءةً طويلةً هي أدنى من الأولى، ثم كبر، ثم ركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم قرأ قراءةً طويلةً، وهي أدنى من القراءة الأولى في القيام الثاني، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً دون الركوع الأول، ثم كبر فرفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر فسجد أدنى من سجوده الأول، ثم تشهد، ثم سلم فقام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس، والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فأيهما خسف به، أو بأحدهما، فافزعوا إلى الله عز وجل بذكر الصلاة)].

    الحديث الذي مضى أو هذه الترجمة التي هي: القول في السجود في صلاة الكسوف، المقصود منها كون النبي صلى الله عليه وسلم، قال في سجوده: (لم تعدني أن تعذبهم وأنا أستغفر)، هذا هو الذي عقد من أجله الترجمة، وهذا لا يصلح إلا لرسول عليه الصلاة والسلام، هو الذي يقول هذا الكلام، هو الذي وعد، وهو الذي قال هذا خضوعاً وابتهالاً إلى الله عز وجل، فغيره لا يقول مثل هذا الكلام، لكنه يأتي بالدعاء، والالتجاء إلى الله عز وجل وسؤاله.

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: التشهد، والتسليم في صلاة الكسوف، أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها، المشتمل على تفصيل صلاة الكسوف، على الطريقة، أو على الكيفية التي ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام عن جماعة من الصحابة، وهي ركعتان في كل ركعة ركوعان، وسجدتان، لكن في هذه الرواية زيادة: (ثم تشهد وسلم)، معناه: أن هذه الصلاة فيها تشهد، وتسليم، وعلى هذا فإن صلاة الكسوف توافق بقية الصلوات في هيئتها وكيفيتها، إلا أنها فيها ركوعان.. في كل ركعة ركوعان، وفيها إطالة القراءة، والركوع والسجود، وإلا فإنها مثل بقية الصلوات في ركوعها، وسجودها وتشهدها، وجلوسها، وسلامها، هي مثلها إلا أن الذي تخالف فيه، أو الذي جاء يخصها الإطالة، والركوع الذي هو من خصائص صلاة الكسوف، كونه يؤتى بزيادة ركوع في كل ركعة، فهذا من خصائص صلاة الكسوف.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كسفت الشمس ... ثم تشهد ثم سلم فقام فيهم ...)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير].

    هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن الوليد].

    هو الوليد بن مسلم الدمشقي، وقد مر ذكره قريباً.

    [عن عبد الرحمن بن نمر].

    وقد مر ذكره.

    [أنه سأل الزهري].

    وكذلك الزهري قد مر ذكره.

    [أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة].

    قد مر ذكرهما.

    شرح حديث: (صلى رسول الله في الكسوف فقام فأطال القيام ...)

    وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب حدثنا موسى بن داود حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكسوف، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع ثم سجد فأطال السجود، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع، ثم انصرف)].

    أورد النسائي حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين، هذا الحديث الذي بينت فيه كيفية صلاة الكسوف، على الكيفية التي جاءت فيها الأحاديث الكثيرة، وهي في كل ركعة ركوعان وسجدتان، وهنا أورده في باب التشهد والتسليم؛ لأن فيه ذكر التسليم، والذي هو الانصراف؛ لأن الانصراف هنا التسليم، أورده من أجل ما جاء في آخره من ذكر الانصراف، ثم انصرف، أي: ثم سلم، فليس فيه ذكر التشهد، ولكن فيه ذكر الانصراف الذي هو التسليم، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذه الترجمة، وهي التشهد والتسليم في صلاة الكسوف.