إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الجمعة - (باب القراءة في الخطبة) إلى (باب ما يستحب من تقصير الخطبة)

شرح سنن النسائي - كتاب الجمعة - (باب القراءة في الخطبة) إلى (باب ما يستحب من تقصير الخطبة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقرأ سورة (ق) في خطبة الجمعة، وإذا أتى بشهادة التوحيد فيها لا يزيد على أن يشير بالسبابة، وكان يقصر الخطبة ويطيل الصلاة.

    1.   

    القراءة في الخطبة

    شرح حديث ابنة حارثة بن النعمان: (حفظت ق والقرآن المجيد من في رسول الله وهو على المنبر يوم الجمعة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القراءة في الخطبة.

    أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا هارون بن إسماعيل حدثنا علي وهو ابن المبارك عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن ابنة حارثة بن النعمان، قالت: (حفظت ق والقرآن المجيد من في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يوم الجمعة)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب القراءة في الخطبة، مقصود النسائي رحمه الله في هذه الترجمة: أن الخطبة يوم الجمعة، يمكن أن تشتمل على شيء من القرآن، وأن يقرأ فيها شيء من القرآن؛ لأن القرآن هو أعظم زاجر، وفيه أعظم تذكير بما ينبغي أن يذكر به، فاشتمال الخطبة على شيء من القرآن، جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومقصود النسائي هو: أن الخطبة أنها يمكن أن تشتمل، أو ينبغي أن تشتمل على شيء من القرآن.

    وأورد النسائي حديث ابنة حارثة بن النعمان الأنصارية رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: [(حفظت ق من في رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يخطب)]، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له المصنف، وعلى أن قراءة (ق) تكررت من رسول الله عليه الصلاة والسلام، في الخطبة يوم الجمعة، وأن هذه الصحابية رضي الله عنها حفظت هذه السورة من قراءة النبي عليه الصلاة والسلام لها في خطبة الجمعة، وإنما قرأ النبي عليه الصلاة والسلام في الخطبة هذه السورة العظيمة؛ لأنها مشتملة على أمور عديدة من الخلق الأول، والبعث، والنشور، والقوارع، والزواجر، التي اشتملت عليها هذه السورة، فهي سورة عظيمة فيها عبر وعظات، وفيها تذكير، وفيها ذكر الخلق الأول، والخلق الثاني، وأن إعادة الناس وخلقهم وبعثهم اشتملت عليه هذه السورة من وجوه متعددة، ثم كذلك ما جاء فيه من ذكر الجنة والنار، ومن ذكر الأمور الأخرى التي فيها عبر وعظات، فهي سورة عظيمة مشتملة على أمور فيها عبر وذكرى، والقرآن كله عبر وعظات، لكن هذه السورة، مشتملة على أمور عظيمة، فيها تذكير بالمبدأ والمعاد، وحشر الناس، ودخولهم الجنة أو النار، فهي مشتملة على أمور عظيمة لأجلها كان النبي عليه الصلاة والسلام يأتي بها في خطبة الجمعة.

    ثم جاء في بعض الأحاديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يقصر الخطبة ويطيل الصلاة، ومن المعلوم أن قصر الخطبة قصر نسبي، وإلا فإنه إذا قرئ فيها سورة (ق)، واشتملت الخطبة على قراءة سورة (ق)، فإن فيها شيء من الطول، إلا أنه وصف بأنه يقصر الخطبة، المقصود بها القصر النسبي، وكون هذه السورة يأتي بها في خطبة الجمعة، يدل على أنها مشتملة على ما هو أكثر من ذلك، وإذاً فالقصر إنما هو نسبي.

    كما أن الحديث الذي سيأتي أنه كان يقصر الخطبة ويطيل الصلاة، وقد جاء الأمر بالتخصيص أن هذه الإطالة إطالة نسبية، الطول والقصر أمران نسبيان، والحديث واضح الدلالة على الترجمة، وهي: أن الخطبة يوم الجمعة، ينبغي أن تشتمل على ذكر شيء من القرآن، وعلى تلاوة شيء من القرآن؛ لأن هذا الحديث واضح الدلالة على هذه الترجمة.

    تراجم رجال إسناد حديث ابنة حارثة بن النعمان: (حفظت ق والقرآن المجيد من في رسول الله وهو على المنبر يوم الجمعة)

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].

    هو العنزي أبو موسى، الملقب: الزمن، كنيته أبو موسى، وهو مشهور بها، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، ولم يكن بين وفاته وبين وفاة البخاري إلا أربع سنوات، فإن البخاري، توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

    [عن هارون].

    هو ابن إسماعيل البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود.

    [عن علي هو ابن المبارك].

    وكلمة: (هو ابن المبارك)، هي التي زادها من دون هارون بن إسماعيل؛ لأن هارون بن إسماعيل، لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن المبارك، وإنما يقول: علي بن المبارك، بدون أن يقول: هو، وإنما الذي يحتاج إلى أن يقول: (هو) هو من دون التلميذ؛ لأن التلميذ اقتصر على علي، ومن دون التلميذ، أراد أن يوضح من هو هذا المهمل، فأتى بكلمة (هو) الدالة على أن هذه الإضافة، هي ممن دون التلميذ، وليست من التلميذ، وهذا موجود في الأسانيد، في الكتب المختلفة، كتب الحديث، وهذا هو المقصود منه، وهذا من دقة المحدثين وعنايتهم، وأن الواحد منهم إذا أراد أن يوضح، أو أتى بشيء يوضح من عنده، فإنه يأت بما يدل عليه؛ لأنه لو لم يأت بكلمة: (هو) لفهم أن الذي قال: علي بن المبارك مثلاً هو تلميذه، مع أن تلميذه ما قال في هذا الإسناد: علي بن المبارك، وإنما قال: علي فقط، فمن دون هارون بن إسماعيل، هو الذي أتى بهذه الإضافة، وأتى بكلمة (هو) الدالة على أن الإضافة ليست من التلميذ وإنما هي ممن دونه، ومثلها عبارة أخرى يؤتى بها وهي: (يعني)، (يعني ابن فلان)، (يعني) بدل (هو) ابن فلان، يقال: يعني ابن فلان، هذه أيضاً تأتي.. عبارة أخرى يؤتى بها لتمييز المهمل، حيث يميزه من دون التلميذ.

    وعلي بن المبارك هذا ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى].

    هو ابن أبي كثير اليمامي، ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن عبد الرحمن].

    هو محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابنة حارثة بن النعمان الأنصارية].

    وقيل: هي أم هشام، وهي صحابية مشهورة، أخرج حديثها مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    1.   

    الإشارة في الخطبة

    شرح حديث عمارة بن رويبة: (ما زاد رسول الله على هذا وأشار بأصبعه السبابة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإشارة في الخطبة.

    أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن حصين (أن بشر بن مروان رفع يديه يوم الجمعة على المنبر، فسبه عمارة بن رويبة الثقفي وقال: ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، وأشار بأصبعه السبابة)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الإشارة في الخطبة، يعني: الإشارة بالإصبع بالسبابة بالتوحيد، يعني عندما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، يحرك أصبعه هكذا، فـالنسائي رحمه الله، أورد حديث عمارة بن رويبة الثقفي رضي الله تعالى عنه، يقول حصين بن عبد الرحمن: أن بشر بن مروان وهو أحد الأمراء، كان يخطب على المنبر يوم الجمعة، فكان يرفع يديه في الدعاء، فسبه عمارة بن رويبة وقال: [(ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، وأشار بأصبعه السبابة)]، فهذا يدل على ثبوت الإشارة عند التشهد، وعند ذكر الله عز جل، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، يشير بأصبعيه هكذا إلى وحدانية الله عز وجل، وإلى إفراده بالعبادة، وأنه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.

    ويدل على أن رفع اليدين عند خطبة الجمعة، ليس من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أنكر عمارة بن رويبة عمل هذا الأمير، وقال: [(إن النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد هكذا، وأشار بأصبعه)]، فهو يدل على مشروعية، أو جواز الإشارة بالأصبع عند التشهد في الخطبة، ويدل على عدم رفع اليدين في الدعاء، في الخطبة إلا في الاستسقاء؛ فإنه جاء ما يدل على ذلك، في قصة الرجل الذي دخل والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال... إلى آخره، فرفع يديه ودعا)، فدل هذا على أن رفع اليدين للدعاء في خطبة الجمعة، إنما يكون عند الاستسقاء، وأما غير ذلك، فإنه لا يؤتى برفع اليدين؛ لأنه ما جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا أنكر هذا الصحابي على هذا الأمير فعله، وأخبر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، ما زاد على أن يشير بأصبعه السبابة، أي: عند ذكر الله عز وجل، وعند التشهد، ففيه الدلالة على ما ترجم له، وهو الإشارة في الخطبة، يعني: بالأصبع عند أشهد أن لا إله إلا الله.

    تراجم رجال إسناد حديث عمارة بن رويبة: (ما زاد رسول الله على هذا وأشار بأصبعه السبابة)

    قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].

    هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.

    [عن وكيع].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    وسفيان هنا غير منسوب، يحتمل أنه الثوري، ويحتمل ابن عيينة، ولكن المراد به الثوري، وليس ابن عيينة؛ لأن وكيع معروف بالرواية عن الثوري، وهو مكثر من الرواية عن الثوري، ومقل من الرواية عن ابن عيينة، فإذا أهمل شيخه، فإنه يحمل على من له به كثرة اتصال، وذلك أنه من أهل بلده، أي: وكيع بن الجراح كوفي، وسفيان بن عيينة كوفي، وهو كثير الاتصال به، وكثير الأخذ عنه؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إذا جاء وكيع عن سفيان، فالمراد به: الثوري؛ لأنه معروف بالإكثار من الرواية عن سفيان، ومقل من روايته عن سفيان بن عيينة، وهذا مما يعرف به المهمل ويميز المهمل: بأن يحمل على من له كثرة اتصال، ومن له خصوصية بشيخه من حيث كونه من بلده، أو كونه كثير الحديث عنه.

    فـسفيان الثوري، هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، إمام، محدث، فقيه، وثقة، حجة، ثبت، وإمام مشهور، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن حصين].

    هو حصين بن عبد الرحمن الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمارة بن رويبة].

    وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    وأما بشر بن مروان، فهذا ليس من رواة الحديث، ليس من رجال الإسناد، وإنما هو سبب إيراد الحديث، والمناسبة التي روي فيها الحديث كونه يخطب ويرفع يديه، وهو أمير من الأمراء، وقد أنكر فعله هذا عمارة بن رويبة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر بأنه ما زاد رسول الله عليه الصلاة والسلام، على أن يشير بأصبعه.

    1.   

    نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة، وقطعه كلامه ورجوعه إليه يوم الجمعة

    شرح حديث: (كان النبي يخطب فجاء الحسن والحسين ... فنزل النبي فقطع كلامه فحملهما...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة، وقطعه كلامه ورجوعه إليه يوم الجمعة.

    أخبرنا محمد بن عبد العزيز حدثنا الفضل بن موسى عن حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما وعليهما قميصان أحمران يعثران فيهما، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فقطع كلامه فحملهما، ثم عاد إلى المنبر، ثم قال: صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، رأيت هذين يعثران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب نزول الإمام عن المنبر وقطعه كلامه ثم رجوع إليه، مقصود النسائي من هذه الترجمة أن الإمام وهو يخطب، يجوز له أن يقطع الخطبة لشيء، أو لأمر ما من الأمور التي قد يحتاج إليها، ثم يعود إلى مواصلة الكلام، بعد أن يرجع ويصعد المنبر مرة أخرى، بعد أن يكون فعل ما يريد من النزول، فإنه يقطع كلامه، ثم يعود إليه، هذا هو مقصود النسائي من الترجمة، أن ذلك سائغاً، والحديث الذي أورده واضح الدلالة على هذا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يخطب في الناس، فجاء الحسن والحسين، ابني ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، عنهما وعن أمهما وعن الصحابة أجمعين، وعليهما ثوبان أحمران يعثران فيهما، فالرسول صلى الله عليه وسلم قطع خطبته، وقطع كلامه، ونزل وحملهما، ثم عاد إلى كلامه وقال: [(صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، رأيت هذين يعثران، فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما)]، الحديث واضح الدلالة على الترجمة.

    وفيه بيان ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، من الشفقة والرحمة بالصغار، والعطف عليهم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما رآهما ما صبر، بل قطع كلامه وهو يخطب، ونزل وحملهما، ثم عاد إلى خطبته صلى الله عليه وسلم، وهو دال على ما ترجم له المصنف، من قطع الخطبة والرجوع إليها، ودال أيضاً على جواز لبس الثياب الحمر كما جاء في هذا الحديث: أنهما عليهما ثوبان أحمران.

    وأما قوله: [(يعثران فيهما)]، معنى هذا: أنهما لصغرهما يحصل منهما التعثر والسقوط في الأرض؛ لأنهما صغيران، ولا يفهم منه أنهما يجران الثياب، وأنهما ثيابهما نازلة، وأنهما يعثران بها لأنها طويلة، وإنما يحمل هذا على صغرهما، وعلى كون الواحد يميل يميناً وشمالاً، فيحصل منه التعثر بسبب صغره، وكونه صغيراً، وليس معنى ذلك أنهما كانا يجران الثياب، ومن المعلوم أن الصغار يعاملون معاملة الكبار، بحيث أنهم يعودون على ما يسوغ، ويمنعون مما لا يسوغ، فلا يلبسون الملابس الطويلة، التي فيها الإسبال، وكما أنهم لا يلبسون الحرير، ولا يلبسون الشيء الذي لا يجوز أن يلبسه الكبار، وإنما المقصود منه هو هذا.

    ثم أيضاً فيه دلالة على أن الإنسان عندما يقع شيء، ثم يكون هذا الذي وقع مطابق لما جاء في القرآن، فإنه يقول: صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]؛ لأن الله عز وجل قال: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، ولما رآهما الرسول صلى الله عليه وسلم، شق عليه أن يتركهما، فنزل وحملهما وقال: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، صدق الله، في قوله كذا، فإن هذا الذي حصل، هو من جملة هذا الذي نص الله عليه في كتابه العزيز، وأن هذه من فتنة الولد، وأن الوالد يفتن بولده، ولهذا نزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأشفق عليهما وحملهما، ولم يتركهما، لم يصبر عليه الصلاة والسلام، ففيه الدلالة على جواز مثل ذلك حينما يكون الإنسان وقع شيء مطابق لما جاء في القرآن، وأنه مثال من الأمثلة التي اشتمل عليها القرآن، يقول: صدق الله، يعني: الذي قال كذا وكذا، هذا هو الواقع، وهذا هو الذي حصل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي يخطب فجاء الحسن والحسين ... فنزل النبي فقطع كلامه فحملهما ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد العزيز].

    هو محمد بن عبد العزيز بن غزوان، وهو مروزي، ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، وأبوه يقال له: أبو رزمة، واسمه غزوان، وقد ذكره النسائي مرة منسوباً إلى أبي بكر، وفي الإسناد الذي بعد هذا ذكره منسوباً إلى جده فقال: محمد بن عبد العزيز بن غزوان.

    [عن الفضل بن موسى].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مروزي أيضاً.

    [عن حسين بن واقد].

    هو بصري نزل مرو، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، فهو أيضاً يقال له: مروزي.

    [عن عبد الله بن بريدة بن الحصيب].

    هو مروزي وقاضي بمرو، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    بريدة بن الحصيب الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وأربعة من رجال هذا الإسناد، مروزيون نسبتهم المروزي: محمد بن عبد العزيز، والفضل بن موسى، وحسين بن واقد، وعبد الله بن بريدة، إلا الصحابي الذي هو بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه.

    وقوله: [صدق الله العظيم].

    العظيم وصف لله عز وجل، إذا قال: صدق الله العظيم، أو صدق الله الكريم، أو صدق الله الجليل، أو ما إلى ذلك، ما في بأس، كون الإنسان يقولها بمناسبة وقوع شيء فيعتبر مثال من الأمثلة التي تندرج تحت الآية، والتي يظهر فيها ما جاء في القرآن واضحاً جلياً في المشهد المعاين، وهو كون الإنسان يفتتن بأولاده، فيحرص عليهم ويشفق عليهم إلى حد أنه ترك الخطبة ونزل وحملهما، فإذا أضيف إليه (العظيم) قال: صدق الله العظيم أو ما إلى ذلك، ما في بأس، لكن ليس هذا من قبيل ما اعتاده كثير من القراء، عندما ينتهي من القرآن، أو يقرأ شيئاً من القرآن، يقول: صدق الله العظيم؛ فإن هذا ما فيه شيء يدل على ملازمته، وعلى ثبوته، وإنما هذا الذي نحن فيه شيء آخر، غير الكلام الذي اعتاده الكثير من القراء، وهي أنهم يختمون قراءتهم بـ(صدق الله العظيم).

    1.   

    ما يستحب من تقصير الخطبة

    شرح حديث: (كان رسول الله يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يستحب من تقصير الخطبة.

    أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن غزوان أخبرنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد حدثني يحيى بن عقيل سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة)].

    أورد النسائي رحمه الله: باب ما يستحب من تقصير الخطبة، أي: كونها قصيرة، ومن المعلوم أن القصر كما ذكرت آنفاً نسبي؛ لأن الخطبة تشتمل على شيء خاص في بعض الأحيان، ومثل هذا فيه شيء من الطول، ولكن القصر هو وصف نسبي.

    أورد النسائي تحت هذه الترجمة: حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه: [(أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة)]، هذه من صفات رسول الله عليه الصلاة والسلام: أنه كان يكثر الذكر، ويقل اللغو.

    [(يقل اللغو)]، فسر بتفسيرين: إما أن يكون المقصود بالقل هنا العدم، لأنه يعبر به عن العدم، أي: أنه لا يحصل منه اللغو، أو أنه يراد باللغو: هو الكلام الذي يكون دون غيره في عظم الفائدة، مثل المزح فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يمزح، ولا يقول إلا حقاً في مزحه صلى الله عليه وسلم، لكن ما كان يكثر المزح، ولو كان مزحه لا يكون إلا في حق، وإنما الذي كان يكثر منه الكلام الجامع، والكلام الذي هو غير المزح، الذي مثله يصلح أن يقال: إنه لغو، بمعنى أنه أقل فائدة من غيره، فكثرة كلامه صلى الله عليه وسلم، إنما هي في الكلام الجامع الذي هو كثير الفوائد، وأحياناً يحصل منه أنه يمزح، ولكن مع كونه يمزح لا يقول إلا حقاً عليه الصلاة والسلام في مزحه، مثلما قال في بعض الأحاديث، المرأة التي قال: (لا يدخل الجنة عجوز)، ويريد أنها لا تدخلها وهي عجوز، وإنما تدخلها وقد عادت شابة بكراً، تدخلها في هذه الهيئة وهذه الصورة، من كونها عجوز، فهذا من مزحه صلى الله عليه وسلم، وهو حق، وكذلك الرجل الذي قال له: (نحملك على ولد الناقة، قال: وكيف يحملني ولد الناقة؟ قال: وهل الإبل كلها إلا من أولاد النوق)، يعني: فهذا من مزحه صلى الله عليه وسلم، فيكون يحمل اللغو على ما كان من هذا القبيل، فهو من ما يفسر إقلاله اللغو، بأن الإقلال معناه العدم، وأنه مثل (قليلاً ما يؤمنون)، أي: أنهم لا يؤمنون.

    [(ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة)]، وهذا هو محل الشاهد، (يقصر الخطبة).

    [(ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين ليقضي له الحاجة)]، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم، وقربه من الناس، وشفقته عليهم، وقربه منهم صلى الله عليه وسلم، فهذه من صفاته وشمائله، أنه كان قريباً من الناس، وكان رفيقاً رحيماً، لا يأنف أن يمشي مع الأرملة، والمسكين، ليقضي له الحاجة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذه من صفاته.

    ومحل الشاهد من الحديث هو قوله: [(ويقصر الخطبة)].

    تراجم رجال إسناد: (كان رسول الله يكثر الذكي ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة)

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن غزوان].

    وهو الذي مر ذكره.

    [عن الفضل بن موسى].

    وقد مر ذكره.

    [عن حسين بن واقد].

    وقد مر ذكره، وهؤلاء الثلاثة مروزيون.

    [عن يحيى بن عقيل].

    وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعقيل بالتصغير.

    [سمعت عبد الله بن أبي أوفى].

    صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    المراد بالإشارة بالأصبع يوم الجمعة

    السؤال: هل المقصود بالإشارة بالأصبع يوم الجمعة هو عند الدعاء؟

    الجواب: الله تعالى أعلم، لكن الذي ورد في التشهد يحركها يدعو بها، لكن هذا أنه ما كان يزيد على أن يشير بأصبعه، والذي يظهر أنه عندما يأتي التشهد يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، يشير بأصبعه.

    ترتب الأجر على حج الصغير

    السؤال: فضيلة الشيخ، هل الصبي يؤجر إذا حج ولم يبلغ الحلم؟ وإن كان يؤجر، فما الدليل؟ وإن لم يكن له أجر، فلماذا شرع له الحج؟

    الجواب: الصبي إذا حج به وهو قبل البلوغ، فإنه له حج، وأجره له، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم للمرأة التي كانت رفعت صبياً وقالت: (ألهذا حج يا رسول الله؟! قال: نعم ولكِ أجر)، فأثبت له الحج، فقال: نعم له حج، ولكن لها أجر لكونها حجت به؛ لأنها كانت السبب في ذلك، فحجه له، ووليه له أجر إذا قام بتحجيجه، يعني: كونه سبباً في ذلك، ومن المعلوم: أن حجه له، لكنه لا يكفي عن حجة الإسلام، إذا بلغ عليه أن يأتي بحجة الإسلام، وهذا من المسائل التي يقال فيها: إنه يصح النفل، ولا يصح الفرض، يعني: يؤتى بالنفل أو يجوز النفل، ولا يجوز الفرض؛ لأنه قبل البلوغ ما يجوز الفرض، ولا يصح الفرض، وإنما يصح النفل.

    العبرة بالمحرمية بزوجة الابن مجرد العقد

    السؤال: يقول: يا شيخ! رجل عقد على امرأة، ثم فارقها قبل الدخول، فهل لوالد هذا الرجل، أو ابنه أن يتزوج بتلك المرأة؟

    الجواب: أبداً، بمجرد العقد تحرم على الأب وعلى الابن، ليست القضية بالدخول، وإنما هو بالعقد، فإذا عقد رجل على امرأة، بمجرد عقده عليها حرمت على أبيه، وحرمت على ابنه.

    هل يعتبر الرجل محرماً لزوجة والد زوجته

    السؤال: فضيلة الشيخ! هل يعتبر الرجل محرماً لزوجة والد زوجته؟

    الجواب: يعني أنها جارة أم زوجته، لأن الرجل قد يكون له زوجات وواحدة من الزوجات تزوج بنتها، فطبعاً هو محرم لأم زوجته، أما الزوجة الثانية التي ليست أم زوجته، فهي أجنبية منه؛ ولهذا يجوز له أن يجمع بين بنت الرجل ومطلقته، أو المتوفى عنها، التي هي غير أم الزوجة، يجوز له أن يجمع بينهما؛ لأنها أجنبية.

    قطع النافلة للحوق صلاة الجنازة

    السؤال: فضيلة الشيخ! ما الحكم في رجل دخل في صلاة النافلة، ومضى منها ركعة، فكبر لصلاة الجنازة، فقطع النافلة ودخل في صلاة الجنازة، هل هذا العمل له دليل؟

    الجواب: ما أعلم، لكن لو أتمها خفيفة، وصلى الجنازة، ما أدرك صلى وما فاته قضى، فهذا هو الأولى، وأما كونه يقطع النافلة بمثل هذا، ما أعلم شيئاً يدل عليه، لكن الأولى في العمل هو كون الإنسان يتمها خفيفة.

    وقت الإشارة بالسبابة في الصلاة

    السؤال: فضيلة الشيخ! هل الإشارة بالسبابة تكون أيضاً في التشهد الأول والثاني في الصلاة؟

    الجواب: إي نعم، تكون في التشهدين.

    دعاء الاستخارة بعد السلام

    السؤال: فضيلة الشيخ! دعاء الاستخارة هل يكون في داخل الصلاة؟

    الجواب: بعد السلام، بعدما يسلم يأتي بالدعاء.

    حكم رفع اليدين في دعاء الاستخارة

    السؤال: هل يشرع في دعاء الاستخارة رفع اليدين؟

    الجواب: لا أعلم، لكن ما فيه بأس؛ لأن الذي ما ورد فيه شيء فيه ملازمة، وفيه دلالة على الترك، الأصل هو رفع اليدين، إلا إذا جاء شيء فيه رفع اليدين في أماكن معينة، مثل شيء تحصل المداومة عليه، كما عرف في رفع اليدين، مثل الخطبة، ومثل بعد الصلاة بعد الفريضة، مع كثرته، ما نقل أنه رفع يديه، فإن الأصل أنه ترفع اليدين، ولكن بالنسبة لصلاة الاستخارة بالذات، هل ورد أنها ترفع اليدين فيها؟ لا أدري.

    كيفية التفريق بين من خرج له النسائي باسم سمي أحدهما ثقة والآخر مجهول

    السؤال: يقول: فضيلة الشيخ! يوجد ممن خرج له الإمام النسائي رحمه الله من اسمه سمي اثنان، وفي طبقة واحدة، أحدهما ثقة، والآخر مجهول كما في التقريب، فكيف نفرق بينهما؟

    الجواب: طبعاً المعروف الذي خرج له أصحاب الكتب الستة، هو: سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، هذا هو المشهور.

    التعريف بالجيلاني وطريقته

    السؤال: من هو عبد القادر الجيلاني ؟ وما معنى أن له طريقة وله أتباعها؟

    الجواب: عبد القادر الجيلاني رجل من العلماء المتقدمين، ويقال للطريقة التي تنسب إليه، القادرية، بالنسبة إلى عبد القادر الجيلاني، ومن المعلوم أنه ليس هناك طرق توصل إلى الله عز وجل إلا طريق واحد، وهو ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، هذا هو الطريق الذي ليس هناك طريق يوصل إلى عز وجل إلا هو، وأما طريقة الجيلاني وتفاصيلها ما أذكرها، لكن الذي أعلمه، أنه ليس هناك طريق يوصل إلى عز وجل إلا طريق واحد، وهو ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاءت عنه الأحاديث الدالة على ذلك: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، من هي يا رسول الله الفرقة الناجية؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي).

    حكم إعطاء راتب العمال في بلد بسعر عملة بلدهم

    السؤال: فضيلة الشيخ! جاء تاجر من بلد عربي، ويستلم العاملين هنا ريالات سعودية، ويعطيهم مكتوباً بذلك على أن يكون التسليم في رمضان بعملة ذلك البلد في ذلك البلد، وعادة يعطي سعراً أعلى، فإذا كان ريالاً فهو الآن مائة وثلاثون من عملة ذلك البلد، يعطي عند الأجل الريال بمائة وسبعين؟

    الجواب: إذا كان بيعاً فهو لا يجوز؛ لأن البيع لا بد من القبض، ولا يجوز النسيئة فيه، أما إذا كان يقترض منهم ريالات سعودية، على أنه يوفيهم إياها في البلد بعملة أخرى، أي: توفية القرض، هذا لا بأس به، إذا اقترض ريالات وأوفاها بعملة أخرى، أما كونه يبيع ويشتري، والعملة غائبة، فهذا هو النسيئة التي لا تجوز.

    القول بمشروعية سب الأمراء أخذاً من بعض الأحاديث

    السؤال: فضيلة الشيخ! هل يؤخذ من حديث عمارة بن رويبة الثقفي مشروعية سب الأمراء؟

    الجواب: لا، هو الذي يحصل منه شيء يخالف السنة ينكر عليه؛ لأنه ما سب هذا الأمير إلا لأنه خالف السنة، يعني فعل فعلاً ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    الأكل والشرب مضطجعاً ومتكئاً

    السؤال: يا شيخ! هل يجوز الأكل والشرب مضطجعاً أو نائماً؟ وهل يجوز الاتكاء على يد واحدة؟

    الجواب: الأكل كما هو معلوم الأكل والشرب يكون عن جلوس، وأولى من أن يكون عن قيام، وأما في حال الاضطجاع ما أدري، ما أستطيع أقول فيه شيء في الأكل، وكذلك الشرب.

    وكون الإنسان يميل على أحد جنبيه أو يديه ويتكئ عليها، هذا ما أعلم شيئاً يمنعه، كونه يضطجع، ولكنه يكون متكئاً على عضده، على ذراعه، ما أعلم شيئاً يمنع هذا.

    معنى الإسفار بالفجر

    السؤال: فضيلة الشيخ! الإسفار بالفجر قلتم معناه: التأكد من دخول الوقت، هل معنى ذلك حتى يؤذن أم الإقامة؟

    الجواب: المراد طبعاً الصلاة، الدخول في الصلاة، المراد بالإسفار بالصلاة -يعني: الفجر- أي: أنه لا يسفر بمعنى أنها تؤخر، وإنما الأذان يكون في أول الوقت، والصلاة يبادر بها، فالمراد بالإسفار: أنه يدخل فيها، ومع طول القراءة يكون حصل شيء من الإسفار، وليس معنى ذلك أنه لا ينادى لها إلا بعدما يحصل الإسفار.