إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الجمعة - باب التشديد في التخلف عن الجمعة

شرح سنن النسائي - كتاب الجمعة - باب التشديد في التخلف عن الجمعةللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بيّن الشرع الحكيم خطورة من يترك صلاة الجمعة بلا عذر أو ضرورة، إذ إن من فعل ذلك فإن الله يطبع على قلبه، ومن طبع الله على قلبه فلا يكون في قلبه إلا الشر.

    1.   

    التشديد في التخلف عن الجمعة

    شرح حديث: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشديد في التخلف عن الجمعة. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم

    حدثنا يحيى بن سعيد

    عن محمد بن عمرو

    عن عبيدة بن سفيان الحضرمي

    عن أبي الجعد الضمري

    وكانت له صحبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)]. يقول النسائي

    رحمه الله: التشديد في التخلف عن الجمعة. والمقصود من هذه الترجمة بيان ما ورد من الوعيد، وما دلت عليه الأحاديث التي أوردها من خطورة شأن التخلف عن الجمعة، وأن ذلك خطير، وأنه يورث عقوبة كبيرة وعظيمة من الله عز وجل، ويترتب عليها أضرار لا حد لها. وأورد النسائي

    فيه حديث أبي الجعد الضمري

    رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، وهذا واضح الدلالة على ما ترجم له؛ بأن هذا تشديد وتغليظ، وبيان خطورة هذا الفعل الخطير الذي هو التخلف عن الجمعة، ثم قال: [تهاوناً]، يعني: قلة مبالاة مع عدم الاهتمام، وإن كان مقراً بها، وإن كان لا يجحدها؛ لأن من تركها جحوداً، أو ترك صلاة واحدة جحوداً، فذلك ردة، وكفر واضح لا إشكال فيه؛ لأن من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة فقد كفر، فمن جحد الصلاة، وأنكرها فقد كفر، لكن من تركها تهاوناً، فهذا هو الذي فيه الخطورة. وترك الصلاة تهاوناً فيه خلاف بين العلماء في تكفير من حصل منه، أو عدم تكفيره، والحديث يدل على خطورة التخلف عن الجمعة، وأن من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه، والطبع على القلب عقوبة شديدة؛ لأنه إذا طبع على قلبه لا يكون فيه مجالاً للخير، وإنما لا يحصل فيه إلا الشر. وهذا الحديث يدلنا على أن من خطورة السيئة أن يعاقب عليها بالطبع على القلب، والختم على القلب، فلا يكون فيه خير، ولا مجال فيه للخير، وإنما هو شر. ثم إن الذنب الذي يحصل من الإنسان سيء، ولكن من العقوبة عليه أن يترتب عليه ما هو أخطر منه؛ وهو الطبع على القلب الذي يكون لا مجال فيه للخير، ولهذا جاء في القرآن: ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ))[الصف:5]، فالزيغ هو: ميل عن الحق، وإعراض عن الحق، يترتب عليه الإزاغة، فيكون الأمر في ذلك أخطر، والأمر في ذلك أشد، زيغ يترتب عليه إزاغة عن الحق والهدى، فيتيه في الضلال، ويعمى عن الحق، ويتقلب في الظلمات، ويحال بينه وبين الخير؛ لأنه طبع على قلبه، ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ))[الصف:5]، وهذه من أعظم عقوبات الذنوب؛ أن يعاقب عليها بالختم على القلب. والله عز وجل يقول: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))[النور:63]. وقد جاء عن الإمام أحمد

    رحمة الله عليه، أنه قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، (فقوله: لعله إذا رد بعض قوله)، يعني: بعض قول النبي صلى الله عليه وسلم، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيهلك بسبب ذلك، فالذنب يورث ما هو أخطر من الذنب، وهو الطبع على القلب، والختم عليه، فلا يدخله خير، ولا مجال فيه إلا للشر والعياذ بالله، وقوله: أتدري ما الفتنة؟ هي التي في قوله تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ))[النور:63]، يعني: العقوبة على مخالفة الأمر فتنة، فما هي الفتنة؟ قال: الفتنة الشرك، يعني: قد يصل الأمر إلى ما هو أخطر من الذنب -الذي هو المعصية- وهو الشرك، قال: وذلك أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك بسبب ذلك؛ فإذا رد بعض قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ويقول الله عز وجل: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً))[الأحزاب:36]. فمن العقوبة على السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة أن يوفق لحسنة بعدها، الحسنة تجلب الحسنة، والسيئة تجلب السيئة، بل تجلب ما هو أخطر منها وأعظم منها والعياذ بالله. فالحاصل: أن الحديث دال على ما ترجم له المصنف من التشديد في التخلف عن الجمعة، وأن ذلك أمر خطير، وأنه أمر في غاية الخطورة؛ لأن هذا الذنب -الذي هو التخلف- يورث العقوبة عليه؛ بأن يطبع على قلب صاحبه، والعياذ بالله.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)

    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].

    هو الدورقي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه كلهم مباشرة وبدون واسطة، ومثل يعقوب بن إبراهيم الدورقي، محمد بن المثنى العنزي الملقب الزمن، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فإن هؤلاء الثلاثة كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، فأصحاب الكتب الستة جميعاً رووا عن هؤلاء الثلاثة مباشرة، وبدون واسطة، فهؤلاء شيوخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً.

    [حدثنا يحيى بن سعيد].

    هو القطان، المحدث، الناقد، الثقة، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، يأتي ذكره كثيراً بأن يقال: ضعفه القطان، أو وثقه القطان، وقد ذكر الذهبي في كتابه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وقال: إنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، ومعناه: أنهما يصيبان في قولهما، وأنه يعول على كلامهما، ويعتمد على كلامهما؛ لأنهما يصيبان الهدف فيما يقولان، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن عمرو].

    هو ابن وقاص الليثي، وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيدة بن سفيان الحضرمي].

    هو عبيدة بن سفيان الحضرمي، وعبيدة بفتح العين، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبي الجعد الضمري].

    هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن اسمه: أدرع، وقيل غير ذلك، وله هذا الحديث الواحد عند أصحاب السنن الأربعة، وليس له عند البخاري، ومسلم شيء، وعند أصحاب السنن الأربعة هذا الحديث الواحد؛ وهو الذي يتعلق بالتشديد في التخلف عن صلاة الجمعة، وبيان خطورة ذلك.

    شرح حديث: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن سواد أنبأنا ابن وهب انبأنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أبي أسيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)].

    هنا أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وهو بمعنى الحديث الذي قبله، فقوله: [من ترك ثلاث جمع من غير ضرورة طبع الله على قلبه]، وقوله هنا: [من غير ضرورة]، يعني: يبين عدم التهاون الذي ذكر في الحديث الذي قبله؛ لأن هناك تركها تهاوناً، وهنا تركها من غير ضرورة، يعني: أنه تركها تهاوناً؛ لأن هذا يفيد أنه إذا كان هناك ضرورة فإنه معذور، فيعتبر من أهل الأعذار، فيما إذا كان هناك ضرورة تلجئه إلى ذلك، أما إذا كان من غير ضرورة، وإنما دفعه عليه التهاون، وعدم الاهتمام، وقلة المبالاة، فإنه يعاقب بهذه العقوبة العظيمة؛ وهي الطبع على قلبه، والعياذ بالله.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد].

    ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [أنبأنا ابن وهب].

    هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أنبأنا ابن أبي ذئب].

    هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أسيد بن أبي أسيد].

    هو أسيد بن أبي أسيد البراد المديني، صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الله بن أبي قتادة].

    هو عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري وأبوه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبد الله ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فهو ابن صحابي، عبد الله بن أبي قتادة، فأبوه صحابي، وهو تابعي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن جابر بن عبد الله].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وعن أبيه، وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد السبعة المكثرين، والذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    فـجابر هو واحد منهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    وهذا الحديث ذكر في بعض النسخ أو في هوامشها، وهو بمعنى الحديث الذي قبله، ودال على ما دل عليه الحديث الذي قبله من جهة بيان خطورة التخلف عن صلاة الجمعة.

    شرح حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن معمر حدثنا حبان حدثنا أبان حدثنا يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن زيد عن أبي سلام عن الحكم بن ميناء: أنه سمع ابن عباس وابن عمر يحدثان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، وليكونن من الغافلين)].

    هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال وهو على المنبر: [لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين]، وهذا فيه: بيان خطورة التخلف عن الجمعة، وأنه يورث الختم على القلب، وهذا دال على ما دل عليه الذي قبله؛ لأن هناك (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، وهنا [أن من لم ينته عن ترك الجمعات، ليختمن الله تعالى على قلبه، ثم ليكونن من الغافلين]، وهذا يدلنا على خطورة التخلف عن الجمعة، وأن أمره خطير، وأنه يورث أن يختم على قلبه، والختم على القلب هو الطبع على القلب، وهو من جنس الذي قبله.

    ثم ينتج عن ذلك الطبع أن يكون من الغافلين عن الله عز وجل، وعن طاعته، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فيتيه في الضلال، ويعمى عن الحق والهدى، فيتخبط في الظلمات، ولا يكون له نصيب من النور الذي تكون به الحياة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن معمر].

    هو البصري البحراني، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا حبان].

    هو ابن هلال، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وحبان بفتح الحاء وفيه حِبان، يعني: هنا ذكره حبان وغير منسوب وهو حبان بن هلال، وفيه حبان بن موسى، ومثل هذا النوع يسمى المؤتلف والمختلف، يعني: يتفقان في اللفظ ويختلفان في النطق، فالحروف واحدة ولكن النطق مختلف، هذا بفتح الحاء وهذا بكسر الحاء، فيقال له: المؤتلف والمختلف، يعني: مؤتلف خطاً مختلف نطقاً؛ لأن الخط واحد، والفرق التمييز بين اللفظين بالشكل، فهذا من أنواع علوم الحديث يسمى: المؤتلف والمختلف، وهو ما يتفق الاسمان فيه خطاً، ويختلفان نطقاً، فـحبان هو بفتح الحاء وليس بكسرها.

    ثم إن ذكر الاسم بدون النسب يسمى في أنواع علوم الحديث المهمل؛ وهو كونه يسمى ولا ينسب فيقال له: المهمل، بخلاف المبهم فهو الذي لا يسمى، ولكن يشار إليه بأن يقال: رجل، أو امرأة، أو شخص، أو إنسان، أو رجل آخر، أو ما إلى ذلك، فهذا يقال له: المبهم، وأما إذا ذكر اسمه ولم ينسب فإنه يقال له: المهمل.

    [حدثنا أبان].

    هو أبان بن يزيد العطار، وهو ثقة، له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. وأبان بن يزيد العطار هو من رجال البخاري، وتكلم فيه، ولكن الحافظ ابن حجر ذكر في ترجمته أن الإسناد إلى الذي تكلم فيه غير ثابت، فالإسناد إلى المتكلم فيه غير ثابت، وهذا يوضح لنا ويبين لنا أن العلماء اعتنوا بالأسانيد إلى الرجال، وأن كلام الرجال يروى بالأسانيد، وأنه قد يضاف إلى الرجل شيء وهو غير ثابت، وقد يضاف إلى الرجل الذي تكلم في الرجل كلام ولا يكون ثابتاً؛ لأن في الإسناد إليه من لا يعتد بحديثه، فكما أنه لا يعتد بالرجل الذي لا يحتج به إذا روى حديثاً، فكذلك لا يحتج بكلامه إذا روى خبراً عن شخص، أو أخبر عن شخص بخبر ما، بأن قال عن فلان أنه كذا وكذا، وفي الإسناد من هو ضعيف لا يعول على كلامه، فيكون ذلك الكلام الذي قيل في الشخص، والذي قدح في الشخص من أجله، لا يعتبر ثابتاً؛ لأنه ما جاء عن ثقة، وما رواه ثقة.

    وهذا من عناية العلماء في الأسانيد، والرجال، والمتون، وأنه حتى كلام الرجال إذا قال فلان ثقة، أو قال فلان ضعيف يروونه بالإسناد؛ حدثني فلان، قال: حدثني فلان، أن فلان قال: فلان ثقة، أو أن فلان قال: فلان ضعيف أو أن فلان قال: فلان فيه كذا وكذا، وكثيراً ما يأتي عند الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد الكلام في الرجال يأتي بالأسانيد؛ لأنه مسند -وهو الكتاب الواسع الكبير- ذكر الأسانيد إلى الرجال في كلامهم عن الرجال؛ في توثيقهم، وتجريحهم، وما إلى ذلك.

    [حدثنا يحيى بن أبي كثير].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، واليمامي نسبة إلى اليمامة، وهو صاحب الكلمة العظيمة التي رواها مسلم عنه بإسناده؛ قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان أن يحيى بن أبي كثير قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، فإسنادها إليه فقال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، ومعنى هذا: أن من أراد العلم فليتعب، ولينصب، وليبذل في سبيل حصوله النفس، والنفيس، ويحرص على شغل وقته به ليحصل منه ما يفيده، ويفيد غيره، وما ينفعه، وينفع غيره، فهذه كلمة تذكر إذا ذكر يحيى بن أبي كثير؛ لأنها كلمة عظيمة، كلمة لها وزنها ولها أهميتها، ولها دلالتها، وتدل على أهمية الاشتغال بالعلم، وعلى أن تحصيله لا يتم إلا بالعناء، والنصب، والمشقة، ويقولون في المثل: ملء الراحة لا يدرك بالراحة، أي: ملء الراحة الذي هو راحة اليد -وهو كناية عن الشيء القليل- لا يدرك بالراحة، ولكن الأشياء تحصل بالتعب، والنصب، والمشقة. وقد قيل: (من جد وجد ومن زرع حصد)، (ومن سار على الدرب وصل).

    وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجساد

    ويقول الشاعر:

    لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال

    أي: لو أن السيادة تحصل بلا شيء أصبح الناس كلهم سادة؛ لأن السؤدد ما دام أنه يحصل بدون مقابل، وبدون تعب، وبدون نصب، ليس هناك فرق بين أحد وأحد، لكن لما كان السؤدد لا يحصل إلا بالتعب، والنصب، والمشقة، ما كل يحصل السؤدد.. لكن ما كل يصبر على المشقة، وما كل يصبر على التعب، والنصب، فما يصبر على الشيء الذي يوصله إلى ما فيه الخير، وإلى ما يعود عليه بالخير.

    والحاصل أن هذه كلمة تذكر إذا ذكر يحيى بن أبي كثير رحمة الله عليه، وتدل على أهمية الاشتغال بالعلم، والعناية بالعلم، والاهتمام بالعلم، وأن الإنسان يشغل وقته فيه ليحصل شيئاً ينفعه، وينفع غيره.

    [عن الحضرمي بن لاحق].

    هو التميمي، لا بأس به، أخرج له أبو داود، والنسائي، وكلمة (لا بأس به) تعادل صدوق؛ لأنها في درجتها وفي معناها، وبعض العلماء عنده اصطلاح خاص في كلمة: (لا بأس به)، وهي أنه يطلقها على الثقة، وهو يحيى بن معين، فلا بأس به عند يحيى بن معين توثيق، فهي تعادل ثقة، فإذا قال في الشخص الذي هو في القمة، وفي الشخص الذي هو مشهور بالعدالة، والحفظ، والإتقان: (لا بأس به) فالمراد به أنه ثقة، فهو اصطلاح خاص به، لكن لا بأس به المشهور عند المحدثين، وعند العلماء أنها تقال عن الثقة، وأنه بمنزلة صدوق، وهو الذي يعتبر حديثه حسناً، لأنه قل ضبطه وخف عن درجة الثقة فيقال له: صدوق، ويقال: لا بأس به، أو ليس به بأس، وحديثه يعتبر من قبيل الحديث الحسن.

    ثم أيضاً هذا من الأسماء التي هي على صيغة النسب؛ يعني: أحياناً تأتي الأسماء على صيغة النسب، فالحضرمي نسب ينسب به الشخص إلى حضرموت فيقال له: حضرمي، لكن هذا اسمه الحضرمي، ليست نسبة وإنما هذا اسمه، فأحياناً تأتي الاسم على صيغة النسب، مثل الحضرمي، ومثل المكي بن إبراهيم من كبار شيوخ البخاري، فاسمه على صيغة النسب، وعلى وزن النسب وعلى صفة النسب، أي: ليس نسبة إلى مكة، فهذا الذي اسمه مكي، ليس نسباً، وإنما النسب يأتي في الآخر فلان بن فلان المكي، وأما هذا اسمه مكي بن إبراهيم، وهذا اسمه الحضرمي بن لاحق، فاسمه الحضرمي بن لاحق اسم على لفظ النسب.

    [عن زيد].

    هو زيد بن سلام بن أبي سلام، وجده أبو سلام اسمه ممطور، ثقة يرسل، حديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن جده أبي سلام].

    أبو سلام ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن الحكم].

    هو الحكم بن ميناء، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود.

    [أن ابن عباس وابن عمر].

    هما عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن عباس هو ابن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومثله عبد الله بن عمر؛ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والعبادة الأربعة هم من صغار الصحابة؛ عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر -وهما في هذا الإسناد- وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    وهذا الإسناد من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأنه تسعة أشخاص، أي: ليس عند النسائي أطول منه إلا العشاري الذي مر في فضل سورة: قل هو الله أحد، فقال: إن هذا أطول إسناد، وهذا الإسناد قريب منه؛ لأنه تساعي؛ لأن الإسناد محمد بن معمر يروي عن حبان بن هلال، وحبان بن هلال يروي عن أبان بن يزيد العطار، وأبان بن يزيد العطار يروي عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن أبي كثير يروي عن الحضرمي بن لاحق، والحضرمي بن لاحق يروي عن زيد بن سلام بن أبي سلام، وزيد بن أبي سلام يروي عن جده أبي سلام، وأبو سلام يروي عن الحكم بن ميناء، والحكم بن ميناء يروي عن شخصين، والشخصان هؤلاء يعتبرون في درجة واحدة، ما يقال: إنه عشاري؛ لأن ابن عمر، وابن عباس في رتبة واحدة وفي درجة واحدة، والحديث عنهما جميعاً، فهو يعتبر حديثين؛ لأن الحديث هو باعتبار الصحابي، فيعتبرون الحديث حديثاً باعتبار الصحابي، ولهذا هو يعتبر حديثين؛ لأنه من مسند عبد الله بن عباس، ومن مسند عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإذاً: فهو تساعي باعتبار الرواية، فلان عن فلان عن فلان، والحكم بن ميناء يروي عن اثنين في طبقة واحدة، وفي درجة واحدة، فيقال له: تساعي، وليس عشارياً، وكما قلت: هذا من أطول الأسانيد عند النسائي، وقد سبق أن مر بنا مراراً وتكراراً أن أعلى الأسانيد عنده الرباعيات، وأطولها العشاري.

    1.   

    الأسئلة

    بيان قول القائل: (من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كفر)

    السؤال: فضيلة الشيخ! أرجو توضيح هذه العبارة: (من ترك معلوماً من الدين بالضرورة كفر) مع التمثيل؟

    الجواب: أولاً ليس من ترك، الصحيح من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة فإنه يكفر، يعني: مثل كون الإنسان ينكر كون الخمر حراماً، ويقول: لا، الخمر حلال، فهذا معلوم من الدين بالضرورة تحريمه. أو ينكر مثلاً الزكاة، ويقول: الزكاة ليست واجبة، وهي معلومة من الدين بالضرورة أنها واجبة، وأنها ركن من أركان الإسلام، فهذا هو معنى قوله: (من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، فإنه يكون كافراً).

    لكن الترك قد يترك ولا يكون كافراً، قد لا يخرج الزكاة ولا يكون كافراً ما دام أنه لم يجحد، ولم ينكر، فإذا كان الإنسان لا يخرج الزكاة بخلاً وتكاسلاً، فلا يقال: إنه كافر، بل تؤخذ منه قهراً، ولا يحكم بكفره، والدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث أنه قال: (ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يؤدي زكاته إلا جاء يوم القيامة صفحت له صفائح من نار -ثم قال-: حتى يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)، والكافر لا يرى سبيله إلى الجنة، وليس له سبيل إلى الجنة؛ لأن من حكم بكفره فلا سبيل له إلى الجنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال في حقه: (حتى يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)، فالذي يقال فيه: (إما إلى الجنة، وإما إلى النار) ما يقال: إنه كافر، لكن من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، كوجوبه أو تحريمه فإنه يكون كافراً.

    حكم الثمار التي تسقى بماء المجاري

    السؤال: فضيلة الشيخ! لقد قمت بشراء ثمار مزرعة في منطقة الخليلي، وهذه المزرعة تسقى من مياه المجاري أكرمكم الله، فهل يؤثر ذلك على الثمار؟ وما حكم الأكل منها؟

    الجواب: لا يؤثر؛ لأن قضية كونه يشرب من ماء غير نظيف لا يؤثر على الثمرة، لكن كما هو معلوم النفوس تعافه، وإلا فإنه لا يكون حراماً.

    مدى اعتبار الشخص عماً من الرضاعة إذا رضع من الجدة

    السؤال: فضيلة الشيخ! أرضعت جدتي لوالدي طفلاً بعد وصولها سن اليأس، فهل يكون هذا الرجل عماً لي باعتباره أخو أبي من الرضاعة؟

    الجواب: على كل لم يكن هناك ولادة؛ يعني: بالرضاع ينتشر الحرمة، فإذا درت المرأة وهي غير ذات لبن، وليست عن ولادة، فإنه يحصل التحريم بذلك إذا رضع الرضعات المحرمة؛ وهي خمس رضعات فأكثر.

    حكم خروج المرأة أثناء عدتها لقضاء الحاجات الضرورية

    السؤال: فضيلة الشيخ! امرأة مات عنها زوجها وهي ما زالت في عدتها، فهل لها أن تخرج إذا اضطرت إلى ذلك، كأن تذهب إلى المدرسة لإجراء الاختبارات؟

    الجواب: نعم لها ذلك، فمثل هذه الأمور الضرورية لها أن تخرج إليها.

    القول بعدم تكفير الرافضة المتوسلية بآل البيت إلا بعد مماتهم

    السؤال: ما حكم الإسلام في الرافضة الذين يتوسلون بآل البيت، ويطلبون منهم قضاء الحوائج، فقد قال لي شخص طالب علم: إنهم لا يحكم بكفرهم إلا إذا ماتوا على ذلك؟

    الجواب: هو لا شك أن العبرة بالنهاية؛ لأن الإنسان قد يكون على حالة طيبة ثم يختم له بحالة سيئة والعياذ بالله، وقد يكون العكس؛ على حالة سيئة ثم يختم له بحالة طيبة؛ والناس بالنسبة للنهايات والبدايات أربعة أقسام، يعني: من الناس من تكون بدايته طيبة ونهايته طيبة، يعني: ينشأ على خير.

    ويستمر على خير، فيموت على خير، ومن الناس من يكون بخلاف ذلك؛ ينشأ على شر، ويعيش على شر، فيموت على شر.

    ومن الناس من تكون بدايته سيئة ونهايته حسنة، وهذا مثل السحرة الذين قتلهم فرعون، يعني: كان عمرهم كله وهم في السحر والكفر، ثم من الله عليهم بالإسلام في آخر العمر، وقتلوا وماتوا على خير، وعلى العكس من ذلك؛ من يكون عاش على خير وعلى هدى، ثم أدركه الخذلان فارتد عن دين الإسلام، ومات على الردة، فهذه هي أحوال الناس بالنسبة للبدايات والنهايات.

    والعبرة هو بما يموت عليه الإنسان، ولهذا كان من طريقة ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: أنه إذا ذكر شخصاً عنده شيء يقتضي كفره، أو كلاماً يكون في شخص كافر معروف كفره ومعلوم كفره، فإنه إذا لعنه يقيد ذلك بالنهاية والموت على ذلك.

    وأذكر مثالين في البداية والنهاية: أحدهما: أن نصرانياً أنشأ قصيدة طويلة يذم فيها الإسلام، ونبي الإسلام، وأهل الإسلام، وقد أوردها ابن كثير في البداية والنهاية، وأورد قصيدة لـابن حزم أطول منها رداً على النصراني في هذه القصيدة التي يتكلم فيها في الإسلام يذم هذا النصراني ويرد عليه بقصيدة طويلة، فلما ذكر ابن كثير قصيدة النصراني قال: عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إن كان مات كافراً. فأتى بهذا القيد؛ لأنه قد يكون على كفر، ولكن يختم له بخير، هذا المثال الأول.

    المثال الثاني: لما جاء في ترجمة أبي نصر الفارابي في البداية والنهاية، قال: مما جاء عنه أنه لا يقول بمعاد الأجساد، وإنما يقول: بمعاد الأرواح، أي: الأرواح تعاد والأجساد لا تعاد، فعقب عليها بقوله: فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين.