إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب التعوذ في دبر الصلاة) إلى (باب نوع آخر من عدد التسبيح)

شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب التعوذ في دبر الصلاة) إلى (باب نوع آخر من عدد التسبيح)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ دبر كل صلاة من الكفر والفقر وعذاب القبر، ورغب الشارع في التسبيح عشراً، والحمد عشراً، والتكبير عشراً عقب الصلاة، كما ثبت الترغيب في زيادتها إلى ثلاث وثلاثين.

    1.   

    التعوذ في دبر الصلاة

    شرح حديث أبي بكرة في قول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر) دبر الصلاة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التعوذ في دبر الصلاة.

    أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن عثمان الشحام عن مسلم بن أبي بكرة قال: كان أبي يقول في دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر، فكنت أقولهن، فقال أبي: أي بني عمن أخذت هذا؟ قلت: عنك، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقولهن في دبر الصلاة].

    يقول النسائي رحمه الله: نوع آخر من التعوذ في الصلاة. سبق أن عرفنا فيما مضى أن الدبر تطلق على آخر الشيء وعلى ما يلي آخر الشيء، وقد جاء في الأحاديث إطلاق الدبر على ما كان في آخر الصلاة قبل التسليم وعلى ما كان بعد التسليم، كل ذلك يطلق عليه دبر الصلاة، ودبر الشيء هو آخره أو هو آخره وما يلي آخره، والنسائي أورد هذا الحديث فيما كان بعد السلام؛ لأنه ذكر ما يتعلق بما كان قبل التسليم في أبواب سابقة، ثم ذكر بعد ذلك -أي بعد التسليم- ما يتعلق بما كان بعد السلام من تسبيح، وتكبير، وتعوذ، وما إلى ذلك.

    وهذا ذهابٌ من النسائي إلى أن المراد بهذا التعوذ إنما هو بعد السلام، واللفظ يقتضيه، وإذا فعله الإنسان قبل السلام وبعد السلام فكل ذلك حق؛ لأن لفظ دبر يحتمل المعنيين، وقد جاء في الحديث فيما يتعلق بالصلاة أنه بعدما يأتي بالتشهد قال: (يتخير من الدعاء ما شاء)، فهو يأتي بما يناسب من الدعاء، ولا سيما الذي جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث أبي بكرة الثقفي رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول في دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الكفر، والفقر، وعذاب القبر. يتعوذ من هذه الأمور الثلاثة: الكفر، والفقر، وعذاب القبر، وكان ابنه قد سمعه وهو يتعوذ بهذه التعوذات ويدعو بهذا الدعاء، ففعل مثلما كان يفعل والده، ثم إن الأب سأله: عمن أخذت هذا؟ قال: عنك، سمعتك تقول فقلت، فأخبر أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقولها في دبر الصلاة، هذا هو الذي يدل على رفعه وأنه مضاف إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    والتعوذ بالله من الكفر تعوذ من أخطر الأمور وأشدها وأعظمها، ألا وهو الكفر بالله عز وجل، والتعوذ من الفقر الذي يترتب عليه عند كثير من الناس الوقوع في محاذير بسبب ذلك، والتعوذ من عذاب القبر الذي يكون في البرزخ، لأن ما بين الموت والبعث هو في القبر إما معذب وإما منعم، وعذاب القبر حق لمن كان له عقل، والمراد من ذلك: ما كان بعد الموت وقبل البعث، فإن من كان مستحقاً لعذاب القبر عذب ولو لم يكن من المقبورين، أي لم يحفر له في التراب ويدفن، كأن أكلته السباع، أو أحرق وذر في الهواء، أو أكلته الحيتان في البحر، أو ما إلى ذلك، من كان مستحقاً لعذاب القبر -وهو عذاب البرزخ الذي يكون بعد الموت وقبل البعث- فإنه يصل إليه العذاب، ولا يقال: إن الناس إذا حفروا قبوراً ما يرون جنة ولا ناراً؛ لأن عذاب القبر من أمور الغيب التي علينا أن نصدق بها، وأن نؤمن بها، ولو لم ندرك ونشاهد، فالمستحق للعذاب يصل إليه العذاب، والمستحق للنعيم يصل إليه النعيم، ولو كانا في قبر واحد، فإن هذا في عذاب لا يدري عن نعيم ذاك، وهذا الآخر في نعيم لا يدري عن عذاب هذا، فالمنعم منعم والمعذب معذب، وهما متجاوران، وهذه أمور غيبية على المسلم أن يصدق بها، وإن لم يدرك الحقيقة؛ لأن هذا من الإيمان بالغيب.

    ثم إن في أمور الدنيا وفي أحوال الدنيا ما يوضح وما يرشد إلى هذه الحقيقة، وهي أن الاثنين يكونان في مكان واحد وفي غرفة واحدة، أو قد يكونان في لحاف واحد، مثل الزوج وزوجته، ثم ينامان ويستيقظان، ويكون أحدهما في نعيم وهو في هذه النومة، والثاني في عذاب وهو في تلك النومة، وهذا ما درى عن هذا وهذا ما درى عن هذا، واحد منهم ينام ثم يرى رؤى طيبة ويرى أموراً سارة ويأكل نعيماً ويحصل له أمور طيبة، والآخر بجواره وهو بضده، يرى أن الحيتان تلاحقه، وأن السباع تنهشه، وأن العقارب تلسعه، ثم يستيقظان هذا في نعيم ما درى عن الذي بجواره، وهذا في عذاب ما درى عنه الذي في جواره، وإذا كان هذا حاصل في أمور الدنيا المشاهدة المعاينة فإن أمور الآخرة أو أمور البرزخ يجب الإيمان بها والتصديق ولو لم يشاهد الإنسان تلك الحقيقة؛ لأن أمور الغيب ليست مثل أمور الدنيا، أمور القبر ليست مثل أمور الدنيا، الواجب على الإنسان التصديق والإيمان.

    فكان عليه الصلاة والسلام يتعوذ من هذه الأمور الثلاثة: الكفر الذي هو أعظم الذنوب وأخطر الذنوب وأشدها، والفقر الذي يفضي أو يؤدي إلى كثير من الخطايا والمحرمات، وعذاب القبر الذي يحصل للإنسان بعد الموت وقبل البعث.

    ثم أيضاً المحاورة التي جرت بين أبي بكرة وابنه تدلنا على ما كان عليه سلف هذه الأمة من تلقي العلم وأخذه عن أهله، وأن العالم يقتدى به؛ لأن ابن أبي بكرة لما سمع أباه يتعوذ تبعه وأخذ بما سمع من والده، وأبوه سأله عن المستند، فأخبره بأنه سمعه يقول فقال مثلما قال، فأخبره بالذي استند عليه في ذلك، وأنه فعل الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وهو يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الملازمة والاتباع لهديه عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك يدلنا على ما كان عليه التابعون من التلقي عن الصحابة ومن متابعة الصحابة فيما يسمعونهم يدعون به ويتلقون عنهم، وهذا يدلنا على فضل السابقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وحرصهم على تلقي العلم وعلى بذل العلم؛ لأن فعل أبي بكرة فيه بذل العلم، وفيه التنبيه إلى التمسك به، والابن بادر إلى التعوذ بهذه التعوذات العظيمة، التي هي التعوذ بالله من الكفر، والفقر، وعذاب القبر.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي بكرة في قول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر) دبر الصلاة

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    هو الفلاس، ثقة، ناقد، محدث، من أئمة الجرح والتعديل، وكلامه في الرجال كثير، وكثيراً ما يأتي بلفظ الفلاس، يعني: يأتي بلقبه، وهو الفلاس، قال الفلاس كذا، وثقه الفلاس، ضعفه الفلاس، قال فيه الفلاس، والمراد به عمرو بن علي هذا، ومعرفة ألقاب المحدثين مهمة؛ لأن بمعرفتها دفع توهم أن الشخص الواحد يكون شخصين فيما لو ذكر في مكان عمرو بن علي، وفي مكان آخر الفلاس، الذي ما يعرف أن عمرو بن علي هو الفلاس، يظن أن الفلاس شخص وأن عمرو بن علي شخص آخر، لكن من عرف أن هذا شخص واحد اسمه كذا ولقبه كذا إذا جاء في موضع بخلاف الموضع الآخر، هذا باللقب وهذا بالاسم لا يلتبس عليه الأمر، والذي لا يعرف ذلك يتلبس عليه الأمر، يظن أن الفلاس شخص غير عمرو بن علي، قد يأتي في الإسناد شخص مرة بلقبه ومرة باسمه في أسانيد في مكان واحد، فيظن من لا يعرف أن هذا شخص آخر غير هذا، ومن عرف أن هذا لقب لا يلتبس عليه الأمر، ولهذا اعتنى المحدثون بمعرفة الألقاب، وفائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين إذا ذكر باسمه مرة وذكر بلقبه أخرى، وعمرو بن علي كلامه في الرجال كثير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا يحيى].

    وهو ابن سعيد القطان، وهو محدث، ناقد، ثقة، ثبت، وكلامه في الرجال كثير، ويأتي كثيراً بـالقطان -أي: يأتي بلقبه القطان- وأحياناً يحيى بن سعيد القطان، وكلامه في الرجال كثير، وقد ذكره الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، ذكره هو وعبد الرحمن بن مهدي وأثنى عليهما، وقال: إنهما إذا اتفقا على جرح شخص فلا يكاد يندمل جرحه، معناه: أنهما يصيبان الهدف وأنه يعول على كلامهما، وحديث يحيى بن سعيد القطان أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وفي طبقة يحيى بن سعيد القطان: يحيى بن سعيد الأموي، وقبلهما بطبقة أو بطبقتين: يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد التيمي، فهما من طبقة صغار التابعين، يعني: الإمام مالك يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو قبله، وممن بعده -أي: بعد الإمام مالك -يحيى بن سعيد القطان، فاثنان في طبقة واثنان في طبقة، وكل منهما يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن سعيد الأموي في طبقة واحدة متأخرة، وهي ما فوق شيوخ الشيخين البخاري، ومسلم، ومن طبقة صغار التابعين يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد التيمي، وكلهم ثقات.

    [عثمان الشحام].

    وهو الشحام العدوي، لا بأس به، وكلمة (لا بأس به): تعادل صدوق كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في المقدمة، بأنه الذي دون الثقة، ويقل عن الثقة الذي يعتبر حديثه صحيحاً، أي: من يقل عنه يقال له: صدوق، ويقال له: لا بأس به أو ليس به بأس، وحديث من يكون كذلك هو الحسن لذاته، فإذا جاء ما يعضده ارتفع إلى الصحيح لغيره، فكلمة: (لا بأس به) تعادل صدوق، وحديثه أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن مسلم بن أبي بكرة].

    وهو الثقفي، وهو صدوق، أخرج حديثه مثل الذي قبله مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن أبي بكرة].

    وهو الثقفي نفيع بن الحارث، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    عدد التسبيح بعد التسليم

    شرح حديث: (يسبح أحدكم دبر كل صلاة عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب عدد التسبيح بعد التسليم.

    أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس يسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً، فهي خمسون ومائة في اللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن بيده، وإذا أوى أحدكم إلى فراشه أو مضجعه، سبح ثلاثاً وثلاثين، وحمد ثلاثاً وثلاثين، وكبر أربعاً وثلاثين، فهي مائة على اللسان، وألف في الميزان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأيكم يعمل في كل يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ قيل: يا رسول الله، وكيف لا نحصيهما؟ فقال: إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، ويأتيه عند منامه فينيمه)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب عدد التسبيح بعد التسليم. وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل)، ثم ذكر الخلتين، وهما: أن يسبح بعد كل صلاة عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً، فتلك مائة وخمسون باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان؛ لأن الصلوات خمس وبعد كل صلاة ثلاثين، فتكون الجملة في اليوم والليلة مائة وخمسين، والحسنة بعشر أمثالها، فتكون في الميزان ألفاً وخمسمائة.

    ثم ذكر عليه الصلاة والسلام الخلة الثانية، يعني: كون الإنسان عندما يأوي إلى فراشه يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، ويكبر أربعاً وثلاثين، فتكون مائة باللسان وألفاً في الميزان، فيكون المجموع ألفين وخمسمائة، ألف وخمسمائة فيما يتعلق بالتسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات، وألف فيما يتعلق بالتسبيح والتحميد والتكبير عند النوم، هاتان هما الخلتان.

    ثم قالوا: (وكيف لا نحصيهما؟)، يعني: هاتين الخلتين، وهو أن يعملوا بهذا العمل، وأن يأتوا بهذا الذكر في هذين الموطنين، فقال عليه الصلاة والسلام: (أيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟)، يعني: هذا فيه ألفان وخمسمائة حسنة، فأيكم يعمل ألفين وخمسمائة سيئة؟ معناه: أن الحسنات تقضي على السيئات، فإذا كان الإنسان عمل سيئات في اليوم والليلة -ولا يسلم من ذلك إلا من سلمه الله- فالحسنات تذهب السيئات، فألفان وخمسمائة حسنة تقضي على تلك السيئات التي تحصل من الإنسان، فيبقى بقية بعد ذلك، بعدما تقضي الحسنات على السيئات، معناه: أن السيئات لا تعادل الحسنات بل تكون أقل منها؛ لأن الحسنات تضاعف والسيئات لا تضاعف كما جاء في الحديث الصحيح: (إن الإنسان إذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشراً)، كونه هم بها ولم يعمل، مجرد الهم تكتب له حسنة كاملة، وإذا هم بسيئة ينظر، إن عملها كتبت سيئة واحدة وإن لم يعملها ما كتب عليه شيء، فالحسنات تفوق السيئات، وهذا العدد الكبير من الحسنات يذهب السيئات التي تحصل من الإنسان في اليوم والليلة.

    قالوا: (وكيف لا نحصيهما؟) -أي: الخصلتين- وهذا يرجع إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة)، قالوا: وكيف لا نحصيهما؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام بين السبب الذي يحصل بسببه النقص على الإنسان، وهو أن الشيطان يأتي للإنسان في صلاته فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، فينشغل في صلاته عن صلاته، فيكون فيها نقص، فيكون هذا التسبيح فيه جبر لذلك النقص ولتلك السيئات التي حصلت بسبب كون الشيطان حال بين الإنسان وبين صلاته أو شغله في صلاته، فهو أتى بها، ولكن شغله عن أمور كثيرة فيها، وكذلك أيضاً يأتي عند النوم فينيمه دون أن يأتي بتلك التسبيحات، والتحميدات، والتكبيرات، يأتيه فينيمه ثم لا يكون أتى بتلك الأعمال التي تأتي بألف حسنة -التي هي مائة في اللسان وألف في الميزان- فبين عليه الصلاة والسلام المداخل التي يدخل الشيطان بها على الإنسان، فينقص عمله أو يفوت عليه العمل، ينقص العمل بالنسبة للصلاة، حيث يقول له: اذكر كذا، واذكر كذا فيشغله عنها، أو يذهبه كلية بحيث ينام وقد نسي، أو غفل عن أن يأتي بهذا الذكر الذي فيه هذا الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله سبحانه وتعالى.

    ثم إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم في مقدمة الحديث: (خلتان -والمقصود بهما خصلتان- لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل)، هذا فيه تشويق وترغيب في سماع ما سيذكر؛ لأن هذا مما يرغب السامع، ويشوقه إلى الشيء الذي سيذكر؛ لأنه لو جاء الكلام على أن الصلوات الخمس هي كذا، وكذا، وكذا، ما يكون مثل ما لو مهد للكلام بشيء يشوق إليه ويجعل الإنسان يستعد له ويتهيأ، وهذا في كلام الرسول عليه الصلاة والسلام كثير، كثيراً ما يأتي في الأحاديث: ثلاث كذا، ثلاث من فعلهن فله كذا، وكذا، سواء في الخير أو في الشر، (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان)، ثم ذكر الثلاث، (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)، فيأتي بشيء يمهد -أي فيه وصف الذي سيأتي- حتى يستعد له الإنسان، ومن أمثلة ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد مهد لهما بهذه الأوصاف التي تدل على عظم شأنهما وعلى عظم أجرهما مع خفتهما، مهد لذلك قبل أن يذكرها، فالسامع عندما يسمع: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، يسأل ما هي الكلمتان الذي هذا شأنهم؟ هما: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وهذا من كمال بيانه عليه الصلاة والسلام وفصاحته وبلاغته ونصحه عليه الصلاة والسلام لأمته، وهذا من تمام إبلاغه لأمته، فقد بلغ البلاغ المبين وبين للناس ما يحتاجون إليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً ...)

    قوله: [يحيى بن حبيب بن عربي].

    وهو بصري ثقة، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن حماد].

    وحماد غير منسوب، وفي هذه الطبقة شخصان هما حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، حماد بن زيد بن درهم وحماد بن سلمة بن دينار، وهما بصريان، اتفقا في كثير من الشيوخ والتلاميذ، ولهذا يأتي في بعض التراجم: روى عنه الحمادان، أو روى عن الحمادين، المقصود بها: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، فهما في طبقة واحدة، وهنا ذكر حماد ولكنه غير منسوب، فيحتمل ابن زيد ويحتمل ابن سلمة، فأيهما؟

    في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي في تهذيب الكمال للمزي، ذكر أنه روى عن حماد بن زيد فقط، ولم يرو عن حماد بن سلمة، إذاً عرفنا أن هذا المهمل هو حماد بن زيد؛ لأن يحيى بن حبيب بن عربي روى عن حماد بن زيد فقط، وما روى عن حماد بن سلمة في الكتب الستة، أو عند رجال أصحاب الكتب الستة.

    إذاً: عرفنا المهمل وتعيينه، ومثل هذا يسمى المهمل، وهو أن يتفق الاثنان في الاسم، أو في الاسم واسم الأب، ثم لا يعرف من هو، فذلك يعرف بالشيوخ والتلاميذ، وإذاً فـيحيى بن حبيب بن عربي هو تلميذ لـحماد بن زيد، وليس تلميذاً لـحماد بن سلمة.

    وحماد بن زيد بن درهم البصري ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عطاء].

    هو عطاء بن السائب الثقفي، هو صدوق اختلط، والمختلط الطريقة في معرفة ما يقبل من روايته وما يرد: أن الذي حدث به قبل الاختلاط يعتبره ويؤخذ به، وما حدث به بعد الاختلاط هذا هو الذي لا يعول عليه، ويعرف ذلك عن طريق التلاميذ؛ لأن منهم من روى قبل الاختلاط ومنهم من روى بعد الاختلاط، وحماد بن زيد ممن روى عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط.

    إذاً: حديثه معتبر، أو ما جاء من رواية حماد بن زيد عن عطاء بن السائب -الذي اختلط أخيراً- فإنه يعتبر؛ لأنه ممن سمع قبل الاختلاط، فأمن المحذور الذي هو كونه بعد الاختلاط وكونه مما حصل بعد اختلاطه، بكون حماد بن زيد إنما روى قبل الاختلاط، والحافظ ابن حجر ذكر في ترجمة عطاء بن السائب في آخرها جملة الذين رووا عنه قبل الاختلاط، ومنهم حماد بن زيد.

    إذاً: رواية حماد بن زيد عن عطاء بن السائب هي مما يعتبر ويعول عليه؛ لأن المحذور زال، ومن روى عن المختلط قبل اختلاطه فروايته مقبولة معتبرة، وعطاء بن السائب أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبيه].

    قيل هو السائب بن مالك الثقفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، وهو: مثل ابنه.

    [عن عبد الله بن عمرو].

    هو ابن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي ابن صحابي، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه ليس من السبعة الذين عرفوا بالكثرة وتميزوا على غيرهم، والذين مر ذكرهم في الدرس الماضي، ولكنه معروف بكثرة الحديث؛ لأنه كان يكتب كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: (إنه كان يكتب ولا أكتب)، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين مر ذكرهم في الدرس الماضي، وهم من صغار الصحابة: عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، إذا قيل: العبادلة الأربعة من الصحابة، فالمراد بهم هؤلاء الأربعة.

    وعمرو بن العاص قيل: أنه تزوج وهو صغير، وولد له عبد الله بن عمرو وقيل: إن عمر عمرو بن العاص حين ولادة ابنه عبد الله ثلاث عشرة سنة، أي: احتلم مبكراً، وتزوج مبكراً، وولد له في سنة مبكرة، فـعمرو بن العاص يكبر ابنه بثلاثة عشرة سنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    نوع آخر من عدد التسبيح بعد التسليم

    شرح حديث: (معقبات لا يخيب قائلهن: يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب نوع آخر من عدد التسبيح.

    أخبرنا محمد بن إسماعيل بن سمرة عن أسباط حدثنا عمرو بن قيس عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (معقبات لا يخيب قائلهن: يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره أربعاً وثلاثين)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من عدد التسبيح بعد التسليم، وأورد فيه حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (معقبات لا يخيب قائلهن: يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره أربعاً وثلاثين)، فيكون المجموع مائة، ونظير هذا من الأحاديث التي وردت (أنه يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويكبر ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، وهنا المائة تكون بتكبيرة تكمل عدد التكبير أربعاً وثلاثين، وبهذا تكمل المائة.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (معقبات لا يخيب قائلهن)، المعقبات قيل إن معناها: أنها تتعاقب وتتوالى، وقيل: لأنها تعقب الصلاة وتأتي عقبها، فهي معقبات تأتي عقب الصلاة وتقال عقب الصلاة، لا يخيب قائلهن، وهي التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير أربعاً وثلاثين.

    تراجم رجال إسناد حديث: (معقبات لا يخيب قائلهن: يسبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن سمرة].

    وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه -يعني ثلاثة من أصحاب السنن- ولم يخرج له الشيخان ولا أبو داود.

    [عن أسباط].

    وهو: ابن محمد القرشي مولاهم، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو بن قيس].

    وهو الملائي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن الحكم].

    وهو الحكم بن عتيبة الكندي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكثيراً ما يأتي اسم أبيه في الكتب مصحفاً فيقال: الحكم بن عتبة مصحفاً بهذا اللفظ عتبة. والحكم بن عتيبة الكندي كوفي.

    يروي [عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].

    وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وابنه محمد بن عبد الرحمن هذا المشهور عند الفقهاء في الفقه، فهو فقيه، وكلامه في الفقه كثير، لكنه في الحديث متكلم فيه، وأما عبد الرحمن بن أبي ليلى هذا الذي معنا فهو تابعي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    يروي [عن كعب بن عجرة].

    صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى هو الذي روى عن كعب بن عجرة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة الإبراهيمية، والذي قال فيه: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقلت: بلى، فأهدها إلي، فقال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)، هذه الهدية التي أهداها كعب بن عجرة وهو صحابي إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو من ثقات التابعين.

    1.   

    الأسئلة

    الروح والجسد في الدنيا والبرزخ والآخرة

    السؤال: ما صحة القول إن في الحياة الدنيا تكون الروح تبعاً للجسد في العذاب والنعيم، وفي حياة البرزخ يكون الجسد تبعاً للروح في العذاب والنعيم، وفي الآخرة تكون الروح والجسد متساويين؟

    الجواب: هذا كلام مستقيم؛ لأن كما هو معلوم بالنسبة للدنيا المشاهد هو الجسد والروح غير مشاهدة، فالذي يشاهد والذي يحصل له ما يحصل من خير أو شر هو الجسد والروح تابعة له لا شك، وأما في القبر فإن الروح تنعم متصلة بالجسد ومنفصلة عنه، ولهذا جاء في الحديث: (أن أرواح الشهداء في أجواف طير)، ونسمة المؤمن في طير، ومع ذلك فإن الروح لها اتصال بالجسد، فهي في الجنة تنعم فيها ومع ذلك لها اتصال بالجسد، فالنعيم في القبر للروح والجسد، والعذاب للروح والجسد، وأما بالنسبة للآخرة كما هو معلوم، فإن الأرواح ترد إلى الأجساد ويحصل الجزاء للروح والجسد على وجه التمام والكمال؛ لأن الإحسان في الدنيا إنما حصل من مجموع الروح والجسد، والإساءة حصلت من مجموع الروح والجسد، هذا كلام مستقيم.

    الأفضلية في التسبيح بعد الصلاة

    السؤال: جاء في حديث عبد الله بن عمرو: التسبيح عشراً، وفي حديث كعب بن عجرة: التسبيح ثلاثاً وثلاثين، فأيهما الأولى أو الأفضل المداومة عليه؟

    الجواب: لا شك أن الإتيان بالأكمل يدخل فيه الأقل، كون الإنسان يأتي بالأكمل بثلاث وثلاثين، ويأتي في بعض الأحيان تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا شك أن هذا هو الأولى والأفضل، وكله خير، لكن من أتى بالأكمل دخل فيه الأصغر.

    الجمع بين رواية العشر والثلاث والثلاثين في التسبيح بعد الصلاة

    السؤال: هذا سؤال مشابه: كيف نجمع بين التسبيح والتكبير، والتحميد عشراً الأحاديث الواردة بثلاث وثلاثين؟

    الجواب: الإنسان يمكن أن يأتي بهذا العدد الذي فيه العشر، لكن كونه يأتي بالأكمل أولى، معناه يحصل الزيادة في الأجر؛ لأن هذا الأقل يحصل له به أجر، والأكمل يحصل فيه زيادة؛ لأن هذا الأقل يحصل فيه ألفاً وخمسمائة، فذاك الأكمل سيحصل فيه أكثر.

    مداخلة: كيف نفعل بالنسبة للتسبيح بعد الصلاة، حيث ورد فيه عدة صفات، فهل يجمع بينها أم يكتفى بأحدها ويحصل له الأجر؟

    الشيخ: لا يكتفى بأحدهما، بل يأخذ بالأكمل، إلا إذا كان العدد متساوياً فيمكن أن يأتي بهذا مرة وبهذا مرة، مثل ما سيأتي أن التسبيح يكون خمساً وعشرين، ويزاد التهليل، فيصير العدد مائة فيمكن أن يأتي بهذا أو بهذا، لكن الذي هو عشر هذا يدخل في الثلاث والثلاثين.