إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب كم مرة يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...؟) إلى (باب نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة)

شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب كم مرة يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...؟) إلى (باب نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأتباعه أذكاراً بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة؛ ليكملوا بذلك ما نقص من صلاتهم، ومن ذلك التهليل، ودعاء كفارة المجلس، وغير ذلك من الأدعية.

    1.   

    كم مرة يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...)

    شرح حديث المغيرة بن شعبة في قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له...) ثلاث مرات عقب الصلاة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كم مرة يقول ذلك.

    أخبرنا الحسن بن إسماعيل المجالدي أنبأنا هشيم أخبرنا المغيرة وذكر آخر، ح، وأخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم حدثنا غير واحد منهم المغيرة عن الشعبي عن وراد كاتب المغيرة: أن معاوية كتب إلى المغيرة أن اكتب إلي بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثلاث مرات)].

    يقول النسائي رحمه الله: كم مرة يقول ذلك؟ أي: التهليل الذي يكون بعد السلام، وهو: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وقد مر في البابين السابقين، أو في الحديثين السابقين حديث وراد الذي يرويه عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، والذي فيه هذا الذكر ومعه: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، ولم يذكر فيه العدد.

    والحديث رواه البخاري، ومسلم وغيرهما، وليس فيه ذكر العدد، وقد رواه النسائي من هذه الطريق وفيها ذكر العدد وأنه ثلاث مرات، أي: يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، بعد الصلوات أو بعد كل صلاة ثلاث مرات، والذي جاء بالطرق الكثيرة في الصحيحين وفي غيرهما ذكر هذا الذكر وليس فيه ذكر العدد، وإنما الذي جاء به ذكر العدد هذه الرواية عند النسائي، وقد ذكر الشيخ الألباني أن هذه الرواية شاذة؛ لأن الحديث إسناده ثقات، ولكن الرواة الآخرون الذين رووه من غير هذا الطريق لم يذكروا العدد، والشاذ تعريفه عند المحدثين هو: ما يرويه الثقة مخالفاً من هو أوثق منه، فالثقات رووه بدون ذكر الثلاث، وهم كثيرون في الصحيحين وفي غيرهما، وهنا فيه ذكر العدد، فتعتبر الرواية شاذة من جهة أن الثقة خالف من هو أوثق منه.

    إذاً: فالثابت هو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وقد جاء مرة واحدة خرجه أئمة كثيرون منهم البخاري، ومسلم، وليس فيه ذكر هذه الزيادة التي هي ثلاث مرات.

    تراجم رجال إسناد حديث المغيرة بن شعبة في قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...) ثلاث مرات عقب الصلاة

    قوله: [أخبرنا الحسن بن إسماعيل المجالدي].

    هو الحسن بن إسماعيل المجالدي المصيصي، ثقة، أخرج حديثه النسائي .

    [أنبأنا هشيم].

    هو ابن بشير الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، قال عنه الحافظ في التقريب: كثير التدليس والإرسال الخفي.

    التدليس هو: رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمع منه بلفظ موهم السماع كعن أو قال، هذا هو تدليس الإسناد، والإرسال الخفي هو: أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، بحيث يكون معاصراً له واللقي ممكن فيروي عنه ما لم يسمع منه، فهذا يقال له: إرسال خفي؛ لأن الإرسال هو إضافة الحديث إلى من لم يلقه، وقد يكون فيه انقطاع، أي: بأن يكون فيه مسافة طويلة، وقد يكون مدركاً له في زمنه، والذي مدركاً زمنه ومعاصراً له هو الذي يكون فيه خفاء؛ لأنه إذا نظر في تاريخ الولادة، وتاريخ الوفاة يقال: إنه قد أدركه، فالسماع ممكن، والرواية ممكنة، لكن إذا كان بين وفاة هذا وولادة هذا مدة عُرف أن فيه انقطاع، ويكون الانقطاع واضح، والإرسال واضح.

    فالفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاءه إياه، أي: يدلس عن شيخ من شيوخه، أما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي، ولكن الإرسال المعروف عند المحدثين هو أن يقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا هو المرسل عند المحدثين، ويطلق الإرسال عند الفقهاء على ما هو أعم، وهو: أن من روى عمن لم يدرك عصره أو عاصره ولم يسمع منه، يقال له: مرسل بهذا المعنى، لكونه يضيف الحديث إلى من لم يسمع منه، سواء عاصره أو لم يعاصره، فهو يقال له: مرسل بهذا المعنى، ويقال: إن هذا هو اصطلاح الفقهاء، وأما اصطلاح المحدثين والمشهور عندهم فإنهم يقولون: المرسل قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أي: يخصون ذلك بالتابعي، وأما المعنى العام الذي منه هذا الإرسال الخفي الذي عرف به هشيم بن بشير، وهو متأخر، فهذا من المرسل بالمعنى العام الذي هو اصطلاح الفقهاء.

    وهشيم بن بشير الواسطي أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بالتدليس، ولهذا العراقي عندما مثّل في ألفيته للمدلسين في الصحيح ذكر هشيم، قال:

    وفي الصحيح عدة كالأعمش وكهشيم بعده وفتش

    أي: تجد كثيراً من رواة الصحيحين وصفوا بالتدليس، ومنهم هشيم بن بشير هذا الواسطي.

    [عن المغيرة].

    وهو: المغيرة بن مقسم الضبي الكوفي، ثقة، متقن، يدلس، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [وذكر آخر].

    قوله: وذكر آخر، يعني: أن هشيماً ذكر مع المغيرة بن مقسم شخص آخر، لكنه هنا أُبهم، هذا يسمى المبهم، أي: كون الرجل يذكر بأن يقال مثلاً: رجل أو قال شخص آخر، هذا يقال له المبهم، بخلاف المهمل، فالمهمل هو: أن يذكر اسمه أو اسمه واسم أبيه، ولكنه يلتبس بغيره ممن يوافقه في الاسم واسم الأب، فهذا يسمى المهمل، وأما إذا قيل: رجل أو امرأة، فهذا يسمى المبهم، قال: وذكر رجلاً آخر، أي: فلم يذكره في الإسناد هنا، وإنما أشار إليه إشارة، وأبهمه ولم يسمه، ومن المعلوم أن ذلك لا يؤثر؛ لأن العمدة على الشخص المذكور؛ لأن الإسناد لم يبن على شخص مبهم، بل ذكر شخص ثقة، وأضيف إليه شخص مبهم، فوجود المبهم مثل عدمه، لا يؤثر، وإنما يضر الإبهام لو كان الإسناد مبنياً عليه، بأن يكون هشيم روى عن شخص لم يسم، أو قال: عن رجل، فهذا يقال له: مبهم، ويؤثر، لكن هنا لا يؤثر.

    تراجم رجال إسناد حديث المغيرة بن شعبة بعد تحويل السند

    [ح].

    ح، ثم ذكر تحويلاً وهو (ح)، وهي حاء مهملة يؤتى بها للإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد يعني: المحدث يمضي في الإسناد، ثم يريد أن يستأنف إسناداً آخر من جديد يتلاقى مع الإسناد الأول، فبدل ما يمشي في الإسناد من أوله إلى آخره ثم يذكر إسناداً آخر تتكرر الأسماء في الآخر، فيريد أن لا يكرر، فيذكر الإسناد ويمضي فيه إلى مكان يكون فيه التلاقي بين الإسناد المذكور والإسناد الذي سيذكره، فيأتي بكلمة (حاء) الدالة على التحويل، أي: التحول من إسناد إلى إسناد، فالذي بعد (حاء)، يعتبر شيخ من شيوخ النسائي ؛ لأنه بدأ بإسناد آخر يمشي مع هذا الإسناد الأول، ويلتقيان عند شخص، ثم يتحد الإسناد بعد ذلك، فيكون طريقان يلتقيان عند شخص، ثم يتحد الطريقان بعد ذلك.

    فـ(حاء) هذه تدل على التحويل، والإمام مسلم رحمه الله يستعملها كثيراً جداً، والسبب في هذا، أنه يجمع الأحاديث في مكان واحد، لا يفرقها مثل البخاري، والنسائي يفرقها في أبواب ويعقد تراجم، ويأتي بحديث لعدة تراجم، فيذكر الحديث بإسناد في مكان، وبإسناد في مكان، فلا يحتاج إلى التحويل، لكن مسلم رحمه الله، يجمع الأحاديث في مكان واحد، فيحتاج إلى كثرة التحويل لجمعه الأحاديث في مكان واحد، والنسائي رحمه الله، ليس كثير التحويل، أي: بالنسبة لـمسلم، وإن كان يوجد عنده تحويل، لكنه ليس بالكثرة الكاثرة، وإنما هو قليل بالنسبة لمثل مسلم، والبخاري مثل النسائي، يحول، يعني: يستعمل التحويل، ولكنه ليس كثيراً كـمسلم، رحمة الله على الجميع.

    [أخبرني يعقوب بن إبراهيم الدورقي].

    وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وأصحاب الكتب الستة هم البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي ويعتبر يعقوب بن إبراهيم شيخاً لهم جميعاً، كلهم يروون عنه مباشرة وبدون واسطة، فهو من صغار شيوخ البخاري، وقد مات قبل البخاري بأربع سنوات، البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فالفرق بينهما أربع سنوات.

    ومثل يعقوب بن إبراهيم الدورقي في كونه توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكذلك بكونه شيخاً لأصحاب الكتب الستة، شخصان آخران وهما: محمد بن المثنى الملقب الزمن العنزي، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فهذان الشخصان كل منهما توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكل منهما شيخ لأصحاب الكتب الستة، فهؤلاء الثلاثة يعتبرون من صغار شيوخ البخاري، وماتوا قبل البخاري بأربع سنوات وكانت وفاتهما في سنة واحدة.

    [حدثنا هشيم].

    هو هشيم بن بشير الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

    [حدثني غير واحد].

    قوله: حدثني غير واحد؛ لأن لفظ يعقوب بن إبراهيم الدورقي في روايته عن هشيم، أن هشيماً قال: حدثني غير واحد، أو أخبرني غير واحد منهم المغيرة أي: ابن مقسم، فذاك الإسناد الأول يقول: وذكر آخر، يعني: أن هشيماً ذكر آخر في روايته عن يعقوب عن المغيرة بن مقسم، وأما في طريق يعقوب بن إبراهيم الدورقي فإنه في الرواية عن هشيم قال: حدثني غير واحد منهم المغيرة بن مقسم الضبي الكوفي.

    [عن الشعبي].

    هو عامر بن شراحيل الشعبي، ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن وراد].

    وراد هو مولى المغيرة بن شعبة، وقد مر ذكره في الإسنادين السابقين قبل هذا، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن المغيرة بن شعبة الثقفي].

    صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وذكرت في الدرس الماضي أن معاوية رضي الله عنه ليس من رواة الحديث أي: ليس من رجال الإسناد؛ لأن ذكر معاوية فيه ورد عرضاً؛ لأنه كتب إلى المغيرة يريد منه أن يحدثه بحديث عن رسول الله، فالذي يروي الحديث هو وراد عن المغيرة، لكن رسالة معاوية هي السبب في كون وراد سمع من المغيرة، أو كتب للمغيرة هذا الحديث الذي أرسل به إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    1.   

    نوع آخر من الذكر بعد التسليم

    شرح حديث عائشة في كفارة المجلس

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر بعد التسليم.

    أخبرني محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة حدثنا خلاد بن سليمان قال أبو سلمة وكان من الخائفين، عن خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس مجلساً أو صلى تكلم بكلمات فسألته عائشة عن الكلمات فقال: إن تكلم بخير كان طابعاً عليهن إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك كان كفارة له: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك)].

    ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر بعد التسليم، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتكلم بكلمات، فسألته عن تلك الكلمات فذكرها، ولكنه ذكر قبلها ما يدل على أهميتها، وهي: أنه كان إذا جلس مجلساً وقال خيراً، فإنها تكون طابعاً عليه، يعني: كالخاتم عليه، أي: حصَّل خيراً وختم بخير، وإن كان غير ذلك -يعني: شراً- كان كفارة، ولهذا فهذا الحديث يقال عنه: أنه حديث كفارة المجلس، فالإنسان إذا جلس مجلساً ثم قام منه وقال هذه الكلمات فإنها تكون كفارة لما حصل في ذلك المجلس، وإن كان خيراً كان طابعاً على ذلك الخير وختماً على ذلك الخير، وهذا يدل على أهمية هذا الذكر وعلى الترغيب فيه.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في كفارة المجلس

    قوله: [أخبرنا محمد بن إسحاق الصاغاني].

    وهو ثقة، ثبت، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا أبو سلمة الخزاعي].

    واسمه: منصور بن سلمة، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، ولم يخرج له الترمذي، ولا ابن ماجه.

    وأبو سلمة منصور بن سلمة ممن وافقت كنيته اسم أبيه، لأنه منصور بن سلمة وهو أبو سلمة، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، وهو معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة هذا النوع ألا يظن التصحيف؛ لأنه إذا كان معروفاً عند بعض الناس بالنسبة وذكر بالكنية قد يظن أنه تصحيف، فيظن أن (ابن) صحفت إلى (أبو)، لو جاء منصور أبو سلمة، يظن من لا يعرف أن كنيته أبا سلمة يقول: إن (أبو) مصحفة عن (ابن)، لكن من عرف أن كنيته اسم أبيه، يعرف ألا تصحيف، وأن الكل صواب، إن قيل: منصور أبو سلمة فهو صواب، وإن قيل: منصور بن سلمة فهو صواب.

    [عن خلاد بن سليمان].

    وهو ثقة، خرج له النسائي.

    [عن خالد بن أبي عمران].

    وهو فقيه، صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.

    [عن عروة].

    وهو عروة بن الزبير بن العوام تابعي مشهور، ثقة وفقيه من فقهاء المدينة السبعة؛ لأنه اشتهر في عصر التابعين سبعة يقال لهم: الفقهاء السبعة، يطلق عليهم لقب الفقهاء السبعة، إذا جاء في كتب الفقه قال به الفقهاء السبعة، فالمراد بهم فقهاء المدينة السبعة، وعروة بن الزبير بن العوام أحد هؤلاء الفقهاء السبعة، وهم: ستة متفق عليهم والسابع مختلف فيه، فالستة المتفق عليهم: سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد ذكر الفقهاء السبعة ابن القيم في أول كتابه إعلام الموقعين، وذكر سابعهم أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين من الشعر البيت الثاني يشتمل على السبعة، فلا أدري من الذي قال ذلك الشعر هل هو ابن القيم أم غيره، يقول:

    إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة

    فقل هم: عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة

    وحديث عبد الله بن الزبير أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة رضي الله تعالى عنها].

    أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وهي الصحابية الوحيدة التي روت الكثير من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرتُ في الدرس الماضي أن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام سبعة، هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    فالمراد بزوجة النبي: عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    1.   

    نوع آخر من الذكر والدعاء بعد التسليم

    شرح حديث عائشة: (... رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أعذني من حر النار وعذاب القبر)

    قال رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر والدعاء بعد التسليم.

    أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يعلى حدثنا قدامة عن جسرة قالت: حدثتني عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت علي امرأة من اليهود فقالت: إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت، فقال: صدقت، فما صلى بعد يومئذ صلاة إلا قال في دبر الصلاة: رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أعذني من حر النار، وعذاب القبر)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر والدعاء بعد التسليم؛ لأنه ذكر: ذكر ودعاء؛ لأن فيه ذكر وهو الثناء على الله بكونه رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، وفيه دعاء وهو قوله: أعذني من حر النار، وعذاب القبر، ففيه ذكر، وفيه دعاء، أوله ذكر وثناء، وآخره دعاء، فقال: الذكر والدعاء بعد التسليم، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها في قصة اليهودية التي جاءت إليها وقالت: (إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت، فقال: صدقت) صدقت فيما قالت، ثم قالت: (فما صلى بعد يومئذٍ صلاة إلا قال في دبر الصلاة: رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أعذني من حر النار، وعذاب القبر) المقصود من إيراد هذا الذكر والدعاء الذي في آخر الحديث، هذا هو الذكر والدعاء بعد الصلاة وبعد التسليم.

    والحديث يدل على إثبات عذاب القبر، وعذاب القبر تواترت فيه الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، من حيث إثباته وبيان أنه حق، ومن حيث ورود الأدعية الكثيرة في التعوذ بالله من عذاب القبر، وكذلك جاء في القرآن إثباته في قصة عذاب آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فإن هذا يدل على إثبات عذاب القبر؛ لأن الله تعالى قال: النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، ثم قال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] معناه: أنهم يعذبون قبل قيام الساعة، يعذبون بالنار في قبورهم قبل قيام الساعة وقبل البعث والنشور، فهذا يدل على إثبات عذاب القبر ولكنه فيما يتعلق بالكفار؛ لأن هذا عذاب الكفار.

    وعذاب القبر، جاء في حق الكفار، وفي حق المسلمين الذين هم أهل للعذاب، وقد مر في الحديث الذي في الصحيحين مرور النبي صلى الله عليه وسلم في القبرين، قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) فكان عذابهما بهذين السببين، فأحاديث عذاب القبر متواترة ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وجاء في الحديث أنهم كانوا يقرضون منه الثوب والجلد، وهذا من الآصار التي كانت على من قبلنا، وأما هذه الأمة فإنهم يغسلون النجاسة ويغسلون الثياب فتطهر بالغسل.

    وقوله في الدعاء: (جبريل وميكائيل وإسرافيل) هذا توسل إلى الله عز وجل بربوبيته، لجبريل وميكائيل وإسرافيل، وتوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته، هذا هو التوسل المشروع، فخير التوسل: أن يتوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى التوسل إلى الله عز وجل بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يتوسل إلى الله عز وجل بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل.

    والحديث ذكر الشيخ الألباني أنه ضعيف الإسناد.

    ترجمة رجال إسناد حديث: (... رب جبريل وميكائيل وإسرافيل أعذني من حر النار وعذاب القبر)

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].

    وهو أحمد بن سليمان الرهاوي، ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي.

    [حدثنا يعلى].

    وهو: ابن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا قدامة].

    وهو ابن عبد الله العامري الكوفي، مقبول، أخرج حديثه ابن ماجه، والنسائي.

    [عن جسرة بنت دجاجة العامرية].

    وهي مقبولة، خرج حديثها أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن عائشة].

    وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد تقدم ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا، والإسناد فيه قدامة وفيه جسرة بنت دجاجة، وقد قال عن كل منهما الحافظ في التقريب أنه مقبول، والمقبول هو الذي لا يعول على حديثه إلا إذا توبع.

    1.   

    نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة

    شرح حديث: (... اللهم أصلح ديني الذي جعلته لي عصمة ...)

    قال رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة.

    أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو حدثنا ابن وهب أخبرني حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعباً حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى إنا لنجد في التوراة: أن داود نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته قال: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وحدثني كعب أن صهيباً حدثه أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يقولهن عند انصرافه من صلاته].

    ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر بعد التسليم، وأورد فيه هذا الحديث عن صهيب رضي الله تعالى عنه، والذي ذكر في أوله عن كعب الأحبار أنه قال: إنا نجد في التوراة أن داود عليه الصلاة والسلام كان إذا انصرف من صلاته قال: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمه، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخط، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد، منك الجد.

    هذا المعنى الذي جاء في هذا الحديث جاء في أحاديث ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر)، فهاتان الجملتان في هذا الحديث جاءتا في صحيح مسلم، وحديث: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك) أيضاً جاء في أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديث: (لا مانع لما أعطيت ولما معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) جاء في أحاديث منها ما تقدم قريباً في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه.

    وهذا الإسناد قال عنه الألباني إنه ضعيف الإسناد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة ...)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود].

    وهو ثقة، روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا ابن وهب].

    وهو عبد الله بن وهب المصري ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن حفص بن ميسرة].

    وهو ثقة ربما وهم، خرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن موسى بن عقبة].

    وهو ثقة، إمام في المغازي، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عطاء بن أبي مروان].

    وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.

    [عن أبيه].

    أبو مروان قيل: اسمه مغيث، وقيل: اسمه سعيد، وقيل غير ذلك، وقيل: إن له صحبة، وقال عنه النسائي إنه ليس بمعروف، ولعل الكلام في الحديث من جهة أبي مروان هذا، ثم أبو مروان يروي عن كعب الأحبار.

    [عن صهيب].

    وهو صهيب بن سنان الرومي صحابي مشهور حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وفي الحديث شيء يدل على نكارته في المتن، وذلك أنه قال: إنا نجد في التوراة أن داود، وداود إنما كان بعد موسى؛ لأن موسى أنزلت عليه التوراة وداود كان بعد زمن موسى، فهذا يدل على النكارة من حيث المتن، وإن كان يمكن أن يذكر أمر مستقبل في التوراة، لكن هنا فيه حكاية: أنه كان يقول إذا انصرف من صلاته قال: كذا وكذا، فهذا قد يظهر منه أنه فيه نكارة من حيث المتن، بالإضافة إلى ضعف الإسناد الذي قال الشيخ الألباني.