إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب الذكر بعد الاستغفار) إلى (باب نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة)

شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب الذكر بعد الاستغفار) إلى (باب نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب الذكر عقب الصلاة، وقد ورد في السنة عدة صيغ منها: الاستغفار، والتهليل، والتكبير، وغيرها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبتدئ بـ: (اللهم أنت السلام ومنك السلام ...).

    1.   

    الذكر بعد الاستغفار

    شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا سلم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الذكر بعد الاستغفار.

    أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن إبراهيم بن صدران عن خالد حدثنا شعبة عن عاصم عن عبد الله بن الحارث عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)].

    يقول النسائي رحمه الله: الذكر بعد الاستغفار. وقد أورد النسائي قبل هذا: الاستغفار بعد السلام، وهو أن يستغفر ويقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله ثلاث مرات، ثم يأتي بهذا الذكر الذي هو: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام).

    وقد مر الحديث مشتملاً على ذكر الاستغفار، وعلى هذا الذكر الذي هو: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، وأورد النسائي هذه الترجمة ليستدل بها، أو ليورد تحتها الحديث الدال على هذا؛ لأن مقصوده هنا: الذكر عموماً، وقبل ذلك التنصيص على الاستغفار، والحديث الذي مر فيه الجمع بين الاستغفار وبين هذا الذكر، وهذا الحديث فيه ذكر الذكر فقط الذي هو: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، والسنة جاءت بالاثنين، أي: يجمع بينهما، فيقول بعد ما يسلم مباشرة: (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام).

    وقوله: (اللهم أنت السلام)، (السلام) اسم من أسماء الله عز وجل، وأسماء الله عز وجل توقيفية، يوقف فيها عند النصوص من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله عليه الصلاة والسلام، هذا هو الذي تثبت به الأسماء، وتثبت به الصفات؛ لأن الأسماء والصفات توقيفية، لا يقال عن شيء منها إثباتاً أو نفياً إلا بدليل يدل على ذلك، مع اعتقاد أن الله متصف بكل كمال، وأنه منزه عن كل نقص.

    يقول: (اللهم أنت السلام)، أي: السلام اسم من أسمائك، (ومنك السلام)، أي: أنت الذي تمنح السلامة، وتتفضل بالسلامة، فيكون الإنسان أثنى على الله عز وجل من جهة ذكر اسم من أسمائه، ومن جهة ذكر أنه هو الذي يتفضل بالسلام، وهو الذي يجود بالسلامة ويتفضل بالسلامة.

    (تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، ثناء على الله عز وجل، وأنه المتصف بأنه ذو الجلال والإكرام، كما قال الله عز وجل في آخر سورة الرحمن: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:78]، فهو سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام، وهذا الذكر بعد السلام فيه ثناء على الله عز وجل، وتعظيم له وتمجيد، وبيان أنه هو الذي يجود بالسلامة، وهو المتصف بأنه ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى.

    وقوله: (كان رسول الله عليه الصلاة والسلام)، (كان) في الغالب أنها للتكرار والاستمرار والدوام، كان يفعل كذا، أي: أنه يداوم على ذلك، بعدما يسلم يأتي بهذا الذكر، فكلمة (كان) الغالب أنها تدل على الدوام والاستمرار، لكن ليس ذلك بلازم، فإنها تأتي أحياناً لا تدل على الاستمرار والتكرار، وإنما تدل على المرة الواحدة، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، ومن المعلوم أنه في الحج عندما يرمي الجمرة، ويحلق رأسه، يتحلل ويتطيب، ثم يذهب إلى البيت، ويطوف به طواف الإفاضة، ومعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام حج حجة واحدة، هي حجة الوداع، فقول عائشة: (كنت أطيب رسول الله عليه الصلاة والسلام)، هذا دليل على أن (كان) تأتي أحياناً لا تفيد الاستمرار؛ لأن ذلك حصل مرة واحدة.

    فإذاً: الغالب على (كان) أو الإتيان بـ(كان)، أنه يفيد الاستمرار، ويفيد الدوام، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يداوم على ذلك، ولكن ذلك ليس بمطرد دائماً وأبداً، فقد تأتي (كان) لا تفيد الدوام والاستمرار، ودليله: هذا الحديث الذي يتعلق بصفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا سلم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].

    هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم في الصحيح، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    محمد بن إبراهيم بن صدران].

    هو محمد بن إبراهيم بن صدران، وهذا شيخ آخر للنسائي، أي أن النسائي روى عن الاثنين، ومحمد بن إبراهيم بن صدران صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، والترمذي.

    [عن خالد بن الحارث].

    هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، فهو من جملة أمراء المؤمنين في الحديث، وهم عدد قليل من المحدثين وصفوا بهذا الوصف، وهو وصف عال، ولقب رفيع، لم يظفر به إلا القليل من المحدثين، منهم: شعبة، ومنهم: سفيان الثوري، ومنهم: البخاري، ومنهم: الدارقطني، ومنهم: إسحاق بن راهويه، عدد قليل من المحدثين منهم هؤلاء، ومن أرفع صيغ التعديل أن يوصف الشخص بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديث شعبة بن الحجاج أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عاصم].

    هو عاصم بن سليمان الأحول، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن الحارث].

    هو أبو الوليد البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    هي أم المؤمنين، عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي من أوعية السنة، اشتهرت بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم ترو امرأة من النساء الصحابيات مثل ما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فهي مكثرة من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد ذكروا أن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام سبعة، ستة رجال وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    وهؤلاء السبعة هم: أبو هريرة رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر رضي الله عنه، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه، وعبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، فهؤلاء سبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    والمرد بزوجة النبي: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    1.   

    التهليل بعد التسليم

    شرح حديث: (كان رسول الله إذا سلم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التهليل بعد التسليم.

    أخبرنا محمد بن شجاع المروذي حدثنا إسماعيل بن علية عن الحجاج بن أبي عثمان حدثني أبو الزبير سمعت عبد الله بن الزبير يحدث على هذا المنبر، وهو يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)].

    ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: التهليل بعد التسليم، وأتى بهذا الذكر، وهو يكون بعد الذكر الماضي الذي ورد في الأحاديث الماضية، وهو الاستغفار ثلاثاً، وقوله: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، فهي أول ما يبدأ به، والإمام يقولها وهو متجه إلى القبلة، ثم ينحرف إلى جهة المأمومين ويأتي ببقية الذكر.

    وهنا أورد النسائي الترجمة وهي: التهليل بعد التسليم، والتهليل: قول: لا إله إلا الله، وما يتصل به وما يرتبط به، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي عليه الصلاة السلام، كان إذا انصرف من صلاته قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن)، وقد جاء في بعض الروايات بغير هذا اللفظ، (له الحمد وله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن)، وهنا قال: (أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، هذا الذكر يؤتى به بعد الذكر الماضي الذي هو الاستغفار. وقوله: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، فيه التهليل، لأن فيه أولاً: لا إله إلا الله، وهذا هو التهليل، وجاءت كلمة: وحده لا شريك له، وهي بمعنى: لا إله إلا الله؛ لأن (وحده) تأكيد لـ(إلا الله)، و(لا شريك له) تأكيد لـ(لا إله)، فهي بمعنى: لا إله إلا الله، كأن لا إله إلا الله جاءت مرتين: مرة على سبيل الابتداء، ومرة على سبيل التأكيد، ولكن بلفظ آخر غير اللفظ الأول؛ لأن كلمة (وحده) هذه مؤكدة لـ(إلا الله)، ولا شريك له مؤكدة لـ(لا إله)، فهي بمعنى: لا إله إلا الله.

    (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، فقد جاء فيه ذكر: لا إله إلا الله عدة مرات، مع إضافة ثناء على الله عز وجل بعد ذكر التهليل.

    فإذاً: الحديث دال على التهليل بعد الصلوات.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا سلم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن شجاع].

    هو محمد بن شجاع المروذي، والمروذي نسبة إلى مرو الروذ؛ لأن هناك مروان، مرو الشاهجان، ومرو الروذ، ويفرقون بين مرو الشاهجان فينسبون إليها فيقولون: المروزي، بزيادة زاي، وأما مرو الروذ فيقال فيها: المروروذي، ويقال: المروذي باختصار كما هنا، أي: نسبة إلى مرو الروذ، وهي بلدة من بلاد خراسان قريبة من مرو الشاهجان التي ينسب إليها، فيقال: مروزي، ولهذا يأتي في النسب أحياناً مروزي، وأحياناً يأتي مروذي كما هنا، وهذا هو الفرق بين هاتين النسبتين، وهما بلدتان من بلاد خراسان بينهما أربعون فرسخاً.

    و محمد بن شجاع المروذي ثقة، أخرج له الترمذي، والنسائي، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا أبو داود، ولا ابن ماجه.

    [حدثنا إسماعيل بن علية].

    علية هي أمه، واشتهر بالنسبة إليها، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، ولكنه مشهور بـابن علية، ولهذا يأتي أحياناً يقال: إسماعيل بن إبراهيم بن علية، نسبة إلى أبيه وإلى أمه، يعني: تذكر أمه؛ لأنه اشتهر بذلك، وهو ثقة، ثبت، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وإسماعيل بن إبراهيم هذا إمام من أئمة أهل السنة، وله ابنان: ابن هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ثقة، وهو من أهل السنة، وله ابن آخر من الجهمية هو إبراهيم بن إسماعيل، وإبراهيم بن إسماعيل هذا جهمي، وقال عنه الذهبي: جهمي هالك، هو الذي يأتي ذكره في الفقه في المسائل الشاذة عندما تأتي مسائل فيها شذوذ، يخالف فيها ابن علية، المراد به ابنه إبراهيم الجهمي المبتدع، وليس إسماعيل المشهور، ولا ابنه محمد بن إسماعيل، وإنما المراد به إبراهيم بن إسماعيل، ومن المسائل الشاذة التي خالف فيها: مسألة الإجارة، يقول: الإجارة غير جائزة، هي حرام، يعني: كون الإنسان يستأجر إنساناً، أو يستأجر داراً أو ما إلى ذلك، يقول: إن ذلك لا يجوز، وهو حرام، وهذا شذوذ، فمن من الناس يستغني عن الإجارة؟! وغالباً ما يكون في الحرف؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يكون محيطاً بأنواع الحرف بحيث يقوم بمصالحه، فلا بد أن يستأجر غيره ليقوم بالشيء الذي لا يتقنه، فهذا من المسائل التي شذ بها إبراهيم بن علية الجهمي.

    وإسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي بن علية هذا ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن حجاج بن أبي عثمان].

    هو حجاج بن أبي عثمان البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني أبو الزبير].

    هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق يدلس، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت عبد الله بن الزبير].

    هو عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي رضي الله تعالى عنه، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة؛ لأنه رضي الله تعالى عنه لما هاجرت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى المدينة مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكانوا نزلوا في قباء، قبل أن ينتقلوا إلى المدينة، فولد في قباء في الأيام القليلة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم مكث في قباء فيها، قبل أن يتحول إلى المدينة، وأتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وحنكه.

    فـعبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم من صغار الصحابة، عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، إذا قيل: العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالمراد بهم هؤلاء الأربعة.

    وحديث عبد الله بن الزبير أخرجه أصحاب الكتب الستة رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    عدد التهليل والذكر بعد التسليم

    شرح حديث عبد الله بن الزبير في عدد التهليل بعد التسليم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب عدد التهليل والذكر بعد التسليم.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبدة حدثنا هشام بن عروة عن أبي الزبير كان عبد الله بن الزبير يهلل في دبر الصلاة يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ثم يقول ابن الزبير: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن في دبر الصلاة].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: عدد التهليل والذكر بعد التسليم، وهنا لم يذكر مقداراً من حيث العدد، ولكنه ذكر التهليل عدة مرات، جاءت ثلاث مرات التهليل؛ لأنه جاء: لا إله إلا الله ثلاث مرات مضافاً إليها ثناء على الله عز وجل آخر، وهذا هو مقصود النسائي بهذه الترجمة وهي العدد، من حيث أن: (لا إله إلا الله) جاءت بهذا الذكر ثلاث مرات مضافاً إليها ثناء على الله عز وجل بما هو أهله، فهذا هو مقصود النسائي بقوله: بالعدد؛ لأن لا إله إلا الله الذي هو التهليل جاءت ثلاث مرات بهذا الذكر، وهو الذكر الذي مر في الحديث الذي قبل هذا، ولكنه أورده من طريق أخرى للاستدلال به على العدد، والعدد ليس من حيث التنصيص عليه، ولكن من حيث وجود التعدد، وهو الإتيان بلا إله إلا الله ثلاث مرات.

    (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، فجاءت لا إله إلا الله ثلاث مرات، أي: أن الذي اشتمل عليه هذا الذكر من عدد التهليل إنما هو ثلاث مرات، هذا هو مقصود النسائي من ذكر العدد في هذه الترجمة.

    وابن الزبير رضي الله عنه كان يأتي بهذا الذكر، ولكن جاء في آخر الحديث ما يدل على أنه مرفوع؛ لأنه قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر الصلاة). فقوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم)، هذا هو الدليل على رفع ذلك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي: أن ابن الزبير كان يفعل ذلك ويرفعه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن الزبير في عدد التهليل بعد التسليم

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، المشهور بـابن راهويه المروزي، وراهويه هذه من الألفاظ المركبة التي اللغويون لهم فيها نطق، والمحدثون لهم فيها نطق آخر، فالمحدثون يأتون بها الهاء مضمومة والواو ساكنة والياء مفتوحة، وبعدها هاء، راهويه، وأما اللغويون: فيجعلونها مختومه بـ(ويه)، راهويه، يعني: آخره ويه، الواو مفتوحة والياء ساكنة وبعدها هاه، فالمحدثون يقولون: راهُوْيَه، وأهل اللغة يقولون: راهَوَيْه.

    وإسحاق بن إبراهيم هذا ثقة، ثبت، مجتهد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، فهو من جملة الذين وصفوا بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع كما ذكرت عند ذكر شعبة بن الحجاج قريباً: أنه لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين.

    أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فـابن ماجه لم يخرج له شيئاً.

    [حدثنا عبدة].

    هو عبدة بن سليمان الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا هشام بن عروة].

    هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير].

    وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

    1.   

    نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة

    شرح حديث: (كان رسول الله إذا قضى صلاته قال: اللهم لا مانع لما أعطيت ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة.

    أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان سمعته من عبدة بن أبي لبابة وسمعته من عبد الملك بن أعين كلاهما سمعه من وراد كاتب المغيرة بن شعبة كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قضى الصلاة قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر بعد الصلاة، (نوع آخر)؛ لأنه ذكر قبل ذلك حديث عبد الله بن الزبير، وهنا أورد هذا الذكر الذي جاء عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، وذلك أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كتب إليه -أي: كتب إلى المغيرة بن شعبة- يطلب منه أن يخبره عن شيء سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام من الحرص على معرفة السنن، وعلى معرفة أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن بعضهم يتلقى عن بعض، وبعضهم يسأل عن بعض، بل يكاتبه ويطلب منه أن يكتب له بالشيء الذي سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وهنا أورد النسائي حديث: المغيرة عن وراد مولى المغيرة بن شعبة، ويخبر أن معاوية كتب إليه يطلب منه أن يخبره بشيء سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكتب له أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد الصلاة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، وهذا فيه ثناء على الله عز وجل؛ لأن قوله: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)، دال على إثبات القدر، وأن ما قدره الله عز وجل لا بد وأن يكون، وأن ما أراد الله حصوله لا يمكن لأحد أن يحول عنه، وما أراد الله منعه لا يمكن لأحد أن يأتي به، كما جاء في حديث آخر وهو حديث ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، فهذا فيه إثبات القدر، ويقول الله عز وجل: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:2]، فالذي يعطيه الله عز وجل، والذي يقدر الله عز وجل أن يكون، لا يحال دون حصوله، وما شاء الله أنه لا يكون، لا يمكن أن يكون، وهذا هو معنى قول المسلمين: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما شاءه الله لا بد أن يكون، وكل ما لم يشأه الله لا يمكن أن يكون، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

    (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، الجد هنا: المراد به الحظ والنصيب، والغنى، والمعنى: لا ينفع صاحب الحظ حظه عندك، وإنما ينفعه العمل الصالح، هذا هو الذي ينفع، فالمال والحظ والنصيب ومتاع الحياة الدنيا، وكون الإنسان يحصل من الدنيا ما يحصل، ليس هذا هو الذي ينفع الإنسان عند الله عز وجل، وإنما ينفع عنده العمل الصالح، لا ينفع ذا الجد منك الجد، ذا الجد مفعول مقدم، يعني: لا ينفع الحظ صاحبه عندك، وإنما ينفعه العمل الصالح، فالمراد بالجد هنا الحظ والنصيب.

    والجد يأتي بالفتح، يعني: يأتي لثلاثة معان، يأتي للحظ، والنصيب كما هنا، ويأتي بمعنى أبو الأب الذي هو الجد وأبو الأم، ويأتي بمعنى العظمة، ومنه قول الله عز وجل: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً [الجن:3]، يعني: تعالى عظمته.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا قضى صلاته قال: اللهم لا مانع لما أعطيت ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].

    للنسائي شيخان كل منهما يقال له: محمد بن منصور: محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الطوسي، وكل منهما يروي عن سفيان بن عيينة، ولكن عندما يأتي مهملاً غير منسوب، يعني: ما قال: المكي، وما قال: الجواز، وما قال: الطوسي، فيحتمل هذا وهذا، لكن يحمل على أنه المكي؛ وذلك لأن ابن عيينة مكي، ومن المعلوم أنه إذا كان الشخص محتمل يراد به فلان، أو يراد به فلان، فمن يكون له ملازمة، أو اتصال بالشيخ، فإنه يكون محمولاً عليه، أو أقرب من حمله على غيره؛ لأن هذا هو الذي يراد به عند الإهمال، وهو من يكون له علاقة بالذي يروي عنه، ومحمد بن جواز المكي هو مكي، وسفيان بن عيينة مكي.

    إذاً: يحمل المهمل على المكي الجواز وليس على الطوسي، وإنما يحمل على المكي، وهذه هي الطريقة في المهمل.

    ومحمد بن منصور الجواز المكي ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.

    [عن سفيان].

    هو سفيان بن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [سمعته من عبدة بن أبي لبابة].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له في السنن ولكن خرج له في المسائل.

    [وسمعته من عبد الملك بن أعين].

    صدوق، ووصف بأنه شيعي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، لكن ليس له في الصحيحين إلا حديث واحد مقرون بغيره، وهنا النسائي أورده مقروناً بغيره؛ لأنه ذكر عبدة بن أبي لبابة، وذكر عبد الملك بن أعين، فهو ذكر الاثنين معاً، فقد ذكره مقروناً.

    [كلاهما سمعه من وراد].

    هو وراد الثقفي مولى المغيرة بن شعبة وكاتب المغيرة بن شعبة، ولهذا يقال له: الثقفي نسبة إلى ثقيف الذين هم قبيلة المغيرة بن شعبة بالولاء، يعني: نسبة ولاء؛ لأن النسب تأتي أحياناً نسباً، وتأتي أحياناً ولاء، فـالمغيرة بن شعبة الثقفي نسباً، ووراد الثقفي ولاءً، ووراد مولى المغيرة بن شعبة وكاتبه، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة الثقفي رضي الله عنه].

    صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان أميراً على البصرة، ثم كان أميراً على الكوفة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من الدهاة، ومن أهل القوة في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في صحيح البخاري أن جيشاً غزى ..(انقطاع)..

    يعني: طلب أن يأتي واحد منهم، فذهب المغيرة بن شعبة، وقال: ما أنتم؟ والمترجم يترجم فقال: نحن قوم من العرب كنا نمص النوى، ونلبس الشعر، وكنا متفرقين، وكنا كذا، وذكر صفات من صفاتهم في الجاهلية.. وأرسل الله إلينا رسولاً من أنفسنا، فأخبرنا بأننا نقاتل ونجاهد، وأن من مات منا فهو في الجنة، ومن مات منكم فهو في النار، فهذا هو المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    حديث: (أن رسول الله كان يقول دبر الصلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن منصور عن المسيب أبي العلاء عن وراد قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر الصلاة إذا سلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)].

    أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، إلا أن لفظه: (له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن)، والأولى: (أهل النعمة والفضل والثناء الحسن)، فهو في المتن مثل الذي قبله.

    قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].

    هو المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.

    [حدثنا جرير].

    هو جرير بن عبد الحميد الكوفي، وهو ثقة، صحيح الكتاب، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن منصور].

    هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن المسيب أبي العلاء].

    هو المسيب بن رافع أبو العلاء، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن وراد قال: كتب المغيرة بن شعبة].

    وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

    أما معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فليس من رجال الإسناد، ليس من الرواة هنا؛ وإنما ذكر لأن وراد كاتب المغيرة يخبر أن معاوية كتب إلى المغيرة يطلب منه أن يخبره بحديث، فكتب إليه بالحديث، فالراوي للحديث هو وراد يروي عن مولاه المغيرة بن شعبة، ومعاوية رضي الله عنه ليس من رواة الحديث هنا في هذا الإسناد.