إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم) إلى (باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة)

شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم) إلى (باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقوقاً على أمته، ومن تلك الحقوق الصلاة والسلام عليه، وقد ورد في السنة أن الملائكة يبلغونه النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    السلام على النبي صلى الله عليه وسلم

    شرح حديث: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

    أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق حدثنا معاذ بن معاذ عن سفيان بن سعيد ح وأخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع وعبد الرزاق عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض النسخ: باب التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم: والسلام والتسليم لا فرق بينهما، إلا أن التسليم مصدر، والسلام اسم مصدر، كالبيان والتبيين والبلاغ والتبليغ، والسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام، هو أيضاً مثله الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، لأنه يصلى ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والملائكة تبلغ الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، ذكر النسائي هذا الحديث في السلام، وجاء في حديث آخر فيه ذكر الصلاة، وأن ذلك يبلغه عليه الصلاة والسلام، ولو كان الإنسان يصلي في مكان بعيد، أو يسلم في مكان بعيد، ولو كان في أماكن في أقصى الأرض، فإن الملائكة الموكلة بنقل ذلك توصل الصلاة والسلام إلى الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام) هذا الحديث يدل على عظم شأن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن المصلي المسلم على الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا حصل منه ذلك في أي مكان من الأرض، فإن الملائكة السياحين يبلغون ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وفيه: التنبيه إلى كثرة الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، وأن الملائكة تبلغ ذلك إلى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

    وفيه: بيان عظم منزلة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهو ما أكرمه الله عز وجل به من أمر المؤمنين، بأن يصلوا ويسلموا عليه، وأن الملائكة تبلغه ذلك السلام، عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    ثم إن الصلاة والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام، من حقه على أمته أن يصلوا ويسلموا عليه، عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى بعثه رحمة للعالمين، بعثه بالنور والهدى والحق الذي من سار عليه وصل إلى الجنة، وانتهى إلى العاقبة الحسنة، فمن حقه عليه الصلاة والسلام على أمته، أن يصلوا ويسلموا عليه، عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاءت أحاديث كثيرة تدل على فضل الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، وفيها الحث على الصلاة والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث فيه الدلالة على أن الإنسان يصلي على الرسول عليه الصلاة والسلام، ويسلم عليه، والملائكة تبلغ ذلك إلى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

    ومن حق الرسول عليه الصلاة والسلام على أمته أن يصلوا ويسلموا عليه، وأن يكثروا من ذلك؛ لأن الله تعالى ساق على يديه لهم نعمة عظيمة، وهي: نعمة الإسلام، نعمة الخروج إلى الإسلام، إلى النور، التي هي أجل النعم، وأفضل النعم، وخير النعم، فمن حقه عليه الصلاة والسلام على أمته -وقد ساق الله تعالى على يديه هذه النعمة العظيمة- أن يحبوه محبة تفوق محبة أي مخلوق، ولو كان الأب، والأم، والابن، والبنت، والصديق، والقريب، وسائر الناس؛ لأن النعمة التي ساقها الله على يديه، لا يساويها نعمة، ولا يماثلها نعمة، نعمة الإسلام، نعمة الخروج من الظلمات إلى النور، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ لأن الوالدين لهم فضل على الولد، وهما سبب وجوده، وحقهم عليه عظيم، وقد قرن الله تعالى حق الوالدين بحقه سبحانه وتعالى، لكن محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، يجب أن تكون أعظم من محبة الوالدين، ومحبة الأولاد، والأصدقاء، والأقرباء، والناس أجمعين؛ لأن كل من أسدى إليك نعمة من البشر، وكل من حصل منه إحسان إليك، فإنه لا يداني ولا يقارب الإحسان الذي حصل لك على يدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو الخروج من الظلمات إلى النور والهداية إلى الصراط المستقيم.

    فقوله عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سياحين) يعني: معناه أنهم يسيحون في الأرض، وينتشرون فيها، يأخذون الصلاة والسلام عليه، فيبلغونه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وهذا أيضاً فيه الإيمان بالملائكة، وأن الملائكة موكلون بأعمال، ومن أعمال بعضهم: هذا الانتشار الذي يكون في الأرض، لتبليغ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، السلام الذي يسلم عليه من أي مكان من الأرض، فإن ذلك يبلغ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فالملائكة الإيمان بهم من أصول الإيمان الستة، التي بينها عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) فيؤمن الإنسان بالملائكة، وأنهم خلق من خلق الله، وأن الله تعالى وكل إليهم أعمالاً يقومون بها، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ففيهم الموكلون بنقل الصلاة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وفيهم الموكلون بالوحي، وفيهم الموكل بالقطر، وفيهم الموكل بالموت، وفيهم الموكل بالجبال، وفيهم الموكل بالجنة، وفيهم الموكل بالنار، وفيهم الموكل بالحفظ، والموكل بالكتابة، أعمال كثيرة جاءت بالكتاب والسنة، هي من أعمال الملائكة، فيؤمن العبد بكل ما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام من ذكر الملائكة وذكر الأعمال التي أنيطت بهم، والتي يقومون بها امتثالاً لأمر الله عز وجل، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

    وهذا الحديث من جملة الأحاديث الكثيرة، الدالة على الإيمان بالملائكة، وأن لهم أعمالاً جاء بيانها وإيضاحها في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وهذا الحديث يدلنا على أن الإنسان سلامه يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، من كل مكان ولو كان في أقصى الأرض، ولا يكون السلام عند قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه يكون من كل مكان، الإنسان يصلي ويسلم عليه، والملائكة تبلغ ذلك إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا فإن ما يفعله بعض الناس من أنهم إذا رأوا أحداً قدم إلى المدينة، أو اتجه إلى المدينة يقول له: سلم لي على الرسول عليه الصلاة والسلام، أو أبلغ سلامي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا غير مشروع، هذا ما جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي جاءت به السنة: أن الإنسان يكثر من الصلاة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في أي مكان من الأرض، وهذا الحديث يدل على أن الملائكة تبلغ السلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا جاء في الحديث: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) يعني: أن الإنسان يصلي من أي مكان، ويسلم من أي مكان، على الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك يبلغ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والجمع بين الصلاة والتسليم عليه، صلى الله عليه وسلم هو الأكمل والأفضل؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، فإذا ذكر الإنسان النبي عليه الصلاة والسلام، يصلي ويسلم عليه جميعاً، فلا يصلي عليه فقط ولا يسلم عليه فقط، وإنما يجمع بين الصلاة والسلام عليه، كما أمر الله تعالى بذلك في كتابه العزيز في قوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، فيقول: صلى الله عليه وسلم، أو عليه الصلاة والسلام عند ذكره.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)

    قوله: [أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الحكم].

    عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [حدثنا معاذ بن معاذ].

    هو معاذ بن معاذ العنبري البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان بن سعيد].

    وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو، وصف رفيع، من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وهو فقيه، محدث، حجة، إمام، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ح وأخبرنا محمود بن غيلان].

    ثم قال النسائي: ح وأخبرنا، وحاء هذه يؤتى بها للتحول، علامة على التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأن النسائي رحمه الله لما ذكر الإسناد عن شيخه عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق عن معاذ بن معاذ عن سفيان بن سعيد تحول إلى إسناد آخر، فقال: ح وأخبرنا محمود بن غيلان وهو المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود.

    [حدثنا وكيع وعبد الرزاق].

    وكيع، هو ابن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، حافظ، مصنف، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وعبد الرزاق هو ابن همام الصنعاني، وهو ثقة، مصنف، صاحب كتاب المصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من جملة الذين وصفوا بالتشيع، لكن تشيعه، أنه كان يقدم علياً على عثمان في الفضل، وهذه مسألة خلافية بين أهل السنة، وجمهورهم على أن عثمان أفضل، وجاء عن بعضهم وهم قليلون منهم: عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، والأعمش، وابن خزيمة، قالوا: إن علياً أفضل، وهذا التقديم إنما هو في الفضل، وليس بالخلافة؛ لأن الخلافة، العلماء متفقون على أن عثمان أولى بالخلافة؛ لأن الصحابة قدموه، ومن اعترض على تقديمه - أي: تقديم عثمان - ورأى أن غيره أولى منه، فقد اعترض على فعل الصحابة الذين هم أعلم، والذين هم أدرى وهم أخبر، ولهذا جاء عن بعض العلماء: (من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر العقيدة الواسطية: أن تقديم علي على عثمان في الفضل هذه مسألة خلافية بين أهل السنة، لا يبدع من يقول بها، وإنما الذي يبدع من قال بالتقديم في الخلافة، وأنه أولى منه بالخلافة؛ لأن معناه إنكار الذي فعله الصحابة، وأن الصحابة عملوا أمراً غير صحيح، فمن رأى أنه أولى منه بالخلافة، فهذا هو الذي يبدع، أما من رأى أنه أفضل منه، وليس أولى منه بالخلافة، فهذا قول قال به بعض أهل السنة ومنهم: عبد الرزاق الذي معنا، وهذا لا يؤثر ولا يقدح في الرجل، لأنه كما هو معلوم يجوز أن يولى المفضول، مع وجود الفاضل، كون علي أفضل من عثمان، ومع ذلك قدم عثمان على علي، في رأي هؤلاء معلوم، أن المفضول قد يولى مع وجود الفاضل، فليس بلازم أن يكون كل من ولي أفضل ممن ولي عليه، ومن المعلوم أن عمرو بن العاص رضي الله عنه، ولي على الجيش في ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر وعمر، وهذه الولاية لا تدل على التفضيل، فالذين قالوا بأن علياً أفضل، لا يقولون بأنه أولى منه بالخلافة، ، لكن المعروف والمشهور عند أهل السنة، تقديم عثمان على علي، وهذا هو الذي كان معروفاً عند الصحابة، وكانوا كما جاء عن ابن عمر في الحديث الذي في صحيح البخاري يقول: (كنا نخير بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي، فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره) فهذا التفضيل الذي كان بين الصحابة يدل على أن عثمان أفضل من علي رضي الله تعالى عن الجميع.

    [عن سفيان].

    هو ابن سعيد بن مسروق الثوري، الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.

    [عن عبد الله بن السائب].

    يعني: سفيان في الإسنادين، لأن الإسنادين يلتقيان عند سفيان، أعني: إسناد محمود بن غيلان الثاني، وإسناد عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق في الإسناد الأول، يلتقيان عند سفيان الثوري، عن عبد الله بن السائب الكندي وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والنسائي.

    [عن زاذان].

    وهو زاذان الكندي، وهو صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الله].

    هو عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المهاجرين الأولين هاجر الهجرتين، وهو من علماء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    فضل التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم

    شرح حديث: (يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم.

    أخبرنا إسحاق بن منصور الكوسج أخبرنا عفان حدثنا حماد حدثنا ثابت أنه قدم علينا سليمان مولى الحسن بن علي زمن الحجاج فحدثنا عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشرى في وجهه، فقلنا: إنا لنرى البشرى في وجهك، فقال: إنه أتاني الملك فقال: يا محمد، إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشراً)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الترجمة معقودة لبيان فضل الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، وأن صاحبها يؤجر عليها بحيث تكون صلاته بعشر، وتسليمه بعشر، فيصلي الله عليه، بصلاته على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة، يصلي عليه بها عشراً، ويسلم عليه بتسليمه على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة، يسلم عليه بها عشراً، وقد أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليهم أي: على جماعة من أصحابه وفي وجهه البشرى، يعني: يظهر على وجهه البشر والسرور، فعرفوا ذلك في وجهه عليه الصلاة والسلام وسألوه، فقالوا: إننا نرى في وجهك البشرى، فقال عليه الصلاة والسلام: [(قال: إنه أتاني الملك فقال: يا محمد، إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً)].

    فهذا دال على فضل الصلاة عليه، وفضل التسليم عليه، صلى الله عليه وسلم، وأن فاعل ذلك، يثيبه الله عز وجل بأن يصلي عليه، ومن المعلوم أن صلاة الله عز وجل على رسوله ثناؤه عليه، وكذلك صلاة الله على العبد ثناؤه عليه في الملأ الأعلى (أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشراً) فهذا واضح الدلالة على أن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، يثيبه الله تعالى بهذا الثواب، والحسنة بعشر أمثالها، فالصلاة بعشر صلوات، والتسليم بعشر تسليمات؛ لأن الله يسلم عليه عشراً، كما سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم واحدة، وقد جاء مثل ذلك في صحيح مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً) فهو دال على ما دل عليه هذا الحديث الذي معنا، هذا الحديث الذي رواه النسائي مثله ما جاء في صحيح مسلم، في بيان فضل الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاءت أحاديث عديدة جمعها الحافظ ابن حجر في كتابه: فتح الباري، عند شرح حديث الصلاة على الرسول الصلاة الإبراهيمية، جمع الأحاديث التي هي صحيحة أو حسنة، وقال بعد أن ذكرها: إن هناك أحاديث كثيرة، منها ما هو موضوع، ومنها ما هو ضعيف، وفي ما صح وثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما يغني ويكفي عما ليس بصحيح، وكثير من الأحاديث التي تروى، وتأتي في الكتب التي تجمع بين كل ما هب ودب، يأتون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن الأمر كما قال الحافظ ابن حجر في الأحاديث الصحيحة ما يغني ويكفي، عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

    ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك، الدالة على فضل الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) وكذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ( البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) وذكر الحافظ ابن حجر أحاديث عديدة منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، والذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، يكفي ويغني، ولا حاجة إلى الأخذ بالأحاديث الضعيفة، أو التمسك بالأحاديث الضعيفة، فإن الأخذ بما ثبت وصح يغني ويكفي عما لم يثبت ولم يصح.

    يقول أبو طلحة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليهم وفي وجهه البشرى، يعني: أنه مسرور يظهر عليه السرور، وذلك لما ظهر على وجهه من ذلك، فسألوه عن هذا الذي ظهر على وجهه، فأخبرهم وأنه قد فرح وسر بهذا الخبر، الذي جاء به الملك من الله عز وجل، وهو: أن الله عز وجل يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد، إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد، إلا سلمت عليه عشراً، فهذا فيه الحث على الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان فضل الصلاة على الرسول والسلام عليه، صلى الله عليه وسلم وأن الحسنة بعشر أمثالها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور الكوسج].

    إسحاق بن منصور الكوسج المروزي والكوسج لقب، والمروزي نسبة، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود، هو مثل: محمود بن غيلان الذي تقدم قريباً، فإن كلاً منهما خرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.

    [أخبرنا عفان].

    وهو ابن مسلم الصفار البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا حماد].

    وهو ابن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، يعتبر أثبت الناس في حديث ثابت، وهو هنا يروي عن ثابت البناني، وحماد بن سلمة بن دينار البصري، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا ثابت].

    وهو ابن أسلم البناني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أنه قدم علينا سليمان مولى الحسن بن علي].

    سليمان مولى الحسن بن علي، ويقال له: سليمان الهاشمي؛ لأنه ينسب إلى الحسن بن علي يعني: مولى الحسن بن علي بن أبي طالب، فيقال له الهاشمي؛ لأنه هاشمي بالولاء، فيقال له: سليمان الهاشمي، وقال عنه الحافظ في التقريب: إنه مجهول، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: أنه صحح حديثه ابن حبان، والحاكم. والألباني قال: إنه حسن، ومن المعلوم أن الحديث الذي أشرت إليه، هو في صحيح مسلم هو شاهد له، وهو دال على ما دل عليه (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً) فهو دال على ما دل عليه ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، وحديثه أخرجه النسائي وحده.

    [عن عبد الله بن أبي طلحة].

    وهو المدني، وهو قد ولد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ووثقه ابن سعد، وحديثه أخرجه مسلم، والنسائي، وهو أخو أنس بن مالك لأمه، فـعبد الله بن أبي طلحة، أمه أم سليم أم أنس بن مالك فهو أخو أنس بن مالك لأمه.

    [عن أبيه].

    أبو هو أبو طلحة، وهو زيد بن سهل مشهور بكنيته زيد بن سهل الأنصاري، كنيته أبو طلحة، وهو مشهور بها، أكثر شهرة من اسمه، وكثيراً ما يأتي ذكره بالكنية وهو أبو طلحة، وكذلك أولاده ينسبون إليه فيقال: ابن أبي طلحة، فهو مشهور بالكنية، وحديثه أي: حديث أبي طلحة أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    التمجيد والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام

    شرح حديث فضالة بن عبيد في التمجيد والصلاة على النبي قبل الشروع في الدعاء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة.

    أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن أبي هانئ أن أبا علي الجنبي حدثه أنه سمع فضالة بن عبيد رضي الله عنه يقول: (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجلت أيها المصلي، ثم علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي فمجد الله وحمده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع تجب وسل تعط)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، التمجيد لله عز وجل، والثناء عليه، والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والمقصود من ذلك: أن الداعي يمهد بين يدي دعائه، بالثناء على الله، وبالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا من أسباب قبول الدعاء، وقد أورد النسائي حديث فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً يدعو في صلاته، لم يمجد الله ولم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (عجلت أيها المصلي)، ثم علم أصحابه أنهم يأتون بين يدي الدعاء بالثناء على الله، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سمع رجلاً يصلي فمجد الله وحمده، وصلى على الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (ادع تجب وسل تعط)، فهذا يدلنا على أن من أسباب قبول الدعاء: أن يمهد له، وأن يكون بين يديه الثناء على الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وفي هذا الحديث، بيان استحباب والحث على أن يسبق الدعاء، الصلاة والسلام على رسول الله، وقبل ذلك التمجيد لله عز وجل، ومن المعلوم أن من المواطن التي تكون في الصلاة، ويكون فيها الدعاء هي في التشهد الأخير، وكذلك في السجود، فإنه في السجود جاء قوله عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)، وكذلك في التشهد، جاء أن الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) يعني: بعد ما يأتي بالتشهد، ويأتي بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن التشهد فيه حمد لله وثناء عليه؛ لأن (التحيات لله والصلوات والطيبات) ثناء على الله عز وجل وتعظيم له وتمجيد، و: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله) فيه سلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، و: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) فيه صلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يأتي بالدعاء وراء هذا الثناء، وبعد هذه الصلاة والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وكذلك في السجود يكثر الإنسان من الدعاء، وكذلك يعظم الله عز وجل، كما ورد تسبيح الله عز وجل، يقول: سبحان ربي الأعلى، فإن هذا من تعظيم الله عز وجل وتمجيده، فإذا سبح الله، وصلى على رسوله عليه الصلاة والسلام، وأكثر من الدعاء، والسجود من مواطن إكثار الدعاء، وهو أيضاً من المواطن التي يستجاب فيها الدعاء؛ لأنه جاء في الحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فإذا سبق ذلك ثناء على الله، وتعظيم لله وصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم دعا فإن ذلك يكون من أسباب أو حري بأن يستجاب للإنسان، وأن يحصل له القبول، وقد جاء في الحديث: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن -أي: حري أن يستجاب لكم-).

    ثم أيضاً صلاة الجنازة لما كان الميت وهو على وشك المواراة في قبره، شرعت صلاة الجنازة، وصلاة الجنازة المقصود منها الدعاء، ولكن قبل الدعاء يأتي: الحمد لله والصلاة على رسوله، في قراءة الفاتحة، التي فيها حمد وثناء لله عز وجل، ثم بعد ذلك الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك الدعاء، تكون هذا الموطن، أو هذه الحالة التي العبد أحوج ما يكون فيها إلى دعاء الداعين، شرع قبل الدعاء له في الصلاة أن يؤتى بحمد الله والصلاة على رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    ويفهم من الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام خاطبه وهو في الصلاة؛ لأنه قال: (عجلت أيها المصلي)، وذاك قال: (ادع تجب وسل تعط).

    تراجم رجال إسناد حديث فضالة بن عبيد في التمجيد والصلاة على النبي قبل الشروع في الدعاء

    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].

    وهو المرادي المصري وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، هذا هو محمد بن سلمة المرادي المصري، شيخ النسائي، وهناك محمد بن سلمة، وهو أيضاً باهلي من طبقة شيوخ شيوخه، وقد خرج له مسلم، فإذا جاء محمد بن سلمة، في شيوخ النسائي فالمراد به المصري، وإذا جاء محمد بن سلمة في طبقة شيوخ شيوخه فالمراد به الباهلي.

    [حدثنا ابن وهب].

    وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هانئ].

    هو حميد بن هانئ، وهو لا بأس به، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبي علي].

    هو أبو علي الجنبي، وهو عمرو بن مالك، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن فضالة بن عبيد].

    صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.