إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب السهو - باب السلام بالأيدي في الصلاة - باب رد السلام بالإشارة في الصلاة

شرح سنن النسائي - كتاب السهو - باب السلام بالأيدي في الصلاة - باب رد السلام بالإشارة في الصلاةللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد الثناء على من يعظم شعائر الله ومن ذلك الصلاة فإنه لا يجوز الكلام فيها، حتى رد السلام فإنما يكون بالإشارة. وقد ورد النهي عن التشبه بالحيوانات والبهائم في الصلاة ومن ذلك كيفية التسليم، فقد كان الصحابة يرفعون أيديهم إذا أرادوا الخروج من الصلاة، فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك وشبه هذا الفعل بفعل الخيل الشمس.

    1.   

    السلام بالأيدي في الصلاة

    شرح حديث جابر بن سمرة في السلام بالأيدي في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السلام بالأيدي في الصلاة.

    أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبثر عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما أنه قال: ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، فقال: ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة كأنها أذناب الخيل الشمس؟! اسكنوا في الصلاة )].

    يقول النسائي رحمه الله: باب السلام بالأيدي في الصلاة، المقصود بالسلام هنا: الإشارة بالأيدي عند الفراغ من الصلاة، وتحريكها إشارة إلى السلام، بأن يحرك اليدين ويشير باليد اليمنى إلى جهة اليمين، عندما يسلم على اليمين، ويشير باليد اليسرى، عندما يسلم إلى جهة الشمال، والمقصود من هذه الترجمة، السلام بالأيدي الذي لا يجوز؛ لأنه ذكر بعده باباً وهو رد السلام بالإشارة، إذا سلم على المصلي، وهو يصلي، فإنه يرد بالإشارة، هذا هو السائغ الجائز، وأما هذه الترجمة فهي: السلام بالأيدي الذي هو غير سائغ وجائز، وهو تحريك الأيدي ورفعها، والإشارة يميناً وشمالاً عند الفراغ من الصلاة، وعند السلام من الصلاة؛ لأن هذه الهيئة حركة غير مشروعة، وغير جائزة، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها، وهي من المواضع التي جاءت الشريعة فيها بالنهي عن مشابهة الحيوانات في الصلاة، وهي بروك البعير، وافتراش الذراعين كافتراس السبع، وتحريك الأيدي في الصلاة عند السلام مثلما تفعل الخيل الشمس، وهي التي عندها نفار واضطراب وعدم هدوء، فإن ذيلها يتحرك بسبب حركتها، فهذه الترجمة المقصود منها الهيئة الغير مشروعة التي لا تجوز، والتي فيها مشابهة للبهائم.

    وقد أورد النسائي، حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام، خرج عليهم وهم رافعوا أيديهم في الصلاة)، وهذه الرواية مطلقة، لكن جاءت الرواية التي بعدها مفسرة لها ومبينة لها، وأن ذلك عند الخروج من الصلاة، ولهذا النسائي أورد الحديثين تحت باب السلام بالأيدي في الصلاة، أورد الحديثين تحتها، فالرواية الأولى مطلقة، والثانية مفسرة لها ومبينة لها، وأنهم يفعلون ذلك عند خروجهم من الصلاة، يعملون هذه الهيئة، وهي الهيئة التي يفعلها الآن الروافض عند خرجهم من الصلاة، فإنهم ينفرون ويعملون هذا العمل، الذي جاءت الشريعة بالنهي عنه عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وقال: ( اسكنوا في الصلاة )، يعني: معناها أن الإنسان لا يعمل هذه الحركة، التي غير سائغة وغير جائزة، وإنما يضع يديه على فخذيه، وإذا سلم يقول: السلام عليكم ورحمة الله، أو يقول: السلام عليكم، ولكن لا يفعل هذه الهيئة التي هي عبث، وعمل غير مشروع في الصلاة.

    وقوله: (اسكنوا في الصلاة)، قالها بعد ذكر هذه الهيئة المحرمة، فلا يعني ذلك أن الهيئات التي جاءت في الصلاة بتحريك الأيدي- مثل رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، وكما جاء في بعض الأحاديث في أماكن أخرى في الصلاة في بعض الأحيان- منهي عنها فإن تلك مما جاءت بها السنة.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة في السلام بالأيدي في الصلاة

    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].

    وهو ابن جميل بن طريف البغلاني، هو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا عبثر].

    وهو ابن القاسم الزبيدي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الأعمش].

    وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن المسيب بن رافع].

    وهو الكاهلي الأسدي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.

    [عن تميم بن طرفة].

    وهو تميم بن طرفة الطائي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ما خرج له البخاري، ولا الترمذي.

    [عن جابر بن سمرة].

    وهو جابر بن سمرة بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث جابر بن سمرة في السلام بالأيدي في الصلاة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يحيى بن آدم عن مسعر عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما أنه قال: ( كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم فنسلم بأيدينا، فقال: ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس، أما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يقول: السلام عليكم، السلام عليكم؟ )].

    وهذه الطريق الأخرى، لحديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، هي المبينة والموضحة للطريق السابقة التي ليس فيها تحديد موضع رفع الأيدي في الصلاة، وذلك أنهم كانوا يحركون أيديهم في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه، أو يديه على فخذيه، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم)، فإن الخروج من الصلاة ليس بفعل الأيدي، وإنما هو بهذا الكلام، والالتفات يميناً وشمالاً، فهذا هو ختام الصلاة، وهذا هو نهاية الصلاة، وليس معه حركة تصحبه، مثل تحريك الأيدي في الصلاة كتحريك الخيل الشمس أذيالها، فإن تلك هيئة نهى عنها رسول الله صلى اله عليه وسلم؛ لكونها فيها مشابهة للحيوانات.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة في السلام بالأيدي في الصلاة من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].

    وهو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا يحيى بن آدم].

    وهو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب كتاب الخراج المطبوع.

    [عن مسعر].

    وهو مسعر بن كدام الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله بن القبطية].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ما خرج له البخاري في الصحيح، ولا خرج له الترمذي، ولا ابن ماجه .

    [عن جابر بن سمرة].

    وهو الصحابي الذي مر ذكره في الطريق الأولى التي قبل هذه الطريق.

    1.   

    رد السلام بالإشارة في الصلاة

    شرح حديث صهيب: (مررت على رسول الله وهو يصلي فسلمت عليه فردَّ عليَّ إشارة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رد السلام بالإشارة في الصلاة.

    أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن بكير عن نابل صاحب العباء عن ابن عمر عن صهيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه، فرد علي إشارة، ولا أعلم إلا أنه قال بأصبعه )].

    النسائي رحمه الله، بعد ما أورد الترجمة السابقة، وهي: السلام بالأيدي في الصلاة، والمراد من ذلك الخروج من الصلاة، وأن تلك الهيئة محرمة لا تسوغ ولا تجوز، عقبها بهذه الترجمة، التي هي: رد السلام بالإشارة، يعني: إذا سلم على المصلي وهو في الصلاة، فإنه يرد بالإشارة ولا يرد بالكلام، ما يقول: وعليكم السلام ورحمة الله، وإنما يرد بالإشارة، فلما أورد الترجمة السابقة التي فيها السلام بالأيدي في الصلاة، وهو عند الخروج منها، وأورد حديث جابر بن سمرة الدال على أن ذلك غير سائغ، وأن الخروج من الصلاة يكون بالكلام وليس بالإشارة، عقبه بهذه الترجمة التي هي رد السلام بالإشارة.

    وأورد تحت هذه الترجمة عدة أحاديث، منها: حديث صهيب بن سنان الرومي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فرد علي بالإشارة، وقال: ولا أعلمه إلا قال بأصبعه )، يعني: أشار بإصبعه، يعني: في رد السلام، فالحديث دال على الترجمة، وأن المصلي يمكن أن يسلم عليه، وأنه يرد بالإشارة وليس بالكلام، وقد جاءت أحاديث متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أصحابه كانوا يسلمون عليه وهو يصلي، وكان يرد عليهم بالإشارة، وحديث صهيب هذا، من الأحاديث الدالة على ذلك، حيث أخبر بأنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلم عليه، فرد عليه بالإشارة، وأضاف وقال: (لا أعلم إلا أنه قال بإصبعه)، يعني: أن الراوي عن صهيب يقول: (لا أعلم إلا أنه قال بإصبعه)، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رد عليه مشيراً بالإصبع، يعني في رد السلام عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث صهيب: (مررت على رسول الله وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي إشارة)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وقد مر ذكره قريباً.

    [حدثنا الليث].

    وهو الليث بن سعد المصري، الثقة، الثبت، المحدث، الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن بكير].

    وهو بكير بن عبد الله بن الأشج المصري أيضاً، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن نابل صاحب العباء].

    نابل صاحب العباء والأكسية والشمال، يعني: وهي العبي والشمال جمع شملة، وكذلك الأكسية جمع كساء، فإنه كان معروفاً بها ويقال له: صاحب هذه الأشياء، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ما خرج له الشيخان، ولا خرج له ابن ماجه .

    [عن ابن عمر].

    وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، هؤلاء أربعة من الصحابة ممن يسمى عبد الله، والذين يسمون بعبد الله كثيرون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، منهم: عبد الله بن مسعود، ومنهم: عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، ومنهم: عبد الله بن أبي بكر، وجماعة كثيرون يسمون بهذا الاسم، إلا أن لقب العبادلة غلب على هؤلاء الأربعة، وهم من صغار أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم في سن متقارب، وقد عاشوا وأدركهم كثيرون ممن لم يدركوا مثل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    فـعبد الله بن عمر عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم أحد وعمره أربعة عشر سنة، وطلب أن يجيزه في الجهاد، فلم يأذن له حتى بلغ الخامسة عشرة، وعبد الله بن عباس في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام، وعبد الله بن الزبير، هو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة، فإنه ولد بقباء في أول ما وصل المهاجرون إلى المدينة، ولد بقباء، فهؤلاء الأربعة هم من صغار الصحابة.

    وأيضاً عبد الله بن عمر، من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس الذي هو الحبر أو البحر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    [ عن صهيب].

    وهو ابن سنان الرومي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث صهيب في رد السلام بالإشارة في الصلاة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله: [أخبرنا محمد بن منصور المكي حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم قال ابن عمر رضي الله عنهما: ( دخل النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء ليصلي فيه، فدخل عليه رجال يسلمون عليه، فسألت صهيباً وكان معه: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا سلم عليه؟ قال: كان يشير بيده )].

    ثم أورد النسائي، حديث صهيب رضي الله تعالى عنه، وهو عن ابن عمر يعني يرويه عنه، وهو أن صهيباً كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في قباء، دخل مسجد قباء ودخل في الصلاة، فجاء الناس يسلمون عليه، (فكانوا إذا دخلوا وهو يصلي سلموا، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يرد بالإشارة)، وهذا هو المقصود من الترجمة؛ لأن الترجمة: رد المصلي السلام بالإشارة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يرد على هؤلاء الصحابة الذين يدخلون المسجد وهو يصلي، فيسلمون عليه فيرد عليهم بالإشارة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو دال على ما دل عليه الحديث الذي قبله؛ لأن صهيباً سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم فرد عليه بالإشارة، وهنا يروي صهيب، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في قباء، والناس يدخلون مسجد قباء فيسلمون عليه وهو يصلي، فيرد عليهم بالإشارة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا دال على أن المشروع في رد السلام من المصلي إذا سلم عليه، إنما هو بالإشارة وليس بالكلام، فلا يخاطب بالكلام فيقول: عليكم السلام، وإنما يرد بالإشارة كما فعل ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث صهيب في رد السلام بالإشارة في الصلاة من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا محمد بن منصور المكي].

    أخبرنا محمد بن منصور المكي وقد سبق أن مر أن النسائي يروي عن محمد بن منصور الجواز، ويروي عن محمد بن منصور الطوسي، وأنه عندما يأتي غير منسوب، وهو يروي عن سفيان، فإنه يُراد به محمد بن منصور الجواز المكي، وهنا جاء منسوباً فقيل له: المكي، لأنه أحياناً ينسبه فيما إذا روى عن سفيان، وأحياناً يهمله فلا ينسبه، وهنا جاء منسوباً، قال: محمد بن منصور المكي، فتبين أنه ليس مهملاً، هذا الموضع ليس من المواضع التي فيها إهمال، وإنما فيها تعيين وتحديد؛ لأن الطوسي خرج بقوله المكي، ولكن عندما يحصل الإطلاق ويقال: محمد بن منصور وهو يروي عن سفيان بن عيينة، فإنه يحمل على المكي؛ لأن ابن عيينة مكي ومحمد بن منصور مكي، فإذاً يحمل على من يكون له به علاقة، ومن له به اتصال، بخلاف الطوسي؛ لأن من كان من غير البلد، فإنه لا يبقى شيخه؛ لأنه لا يروي عنه إلا في أحيانٍ نادرة، يعني: يحصل عن طريق السفر، أو عن طريق رحلة، أو عن طريق تلاقي، أما إذا كان هو وإياه في بلد، دائماً يلقاه ويراه صباحاً ومساء، ويأخذ منه الحديث، فإن هذا يميز به المهمل، ولكن كما ذكرت هنا جاء منسوباً فقيل: المكي.

    ومحمد بن منصور الجواز المكي ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا سفيان] .

    وهو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وسفيان هنا غير منسوب، فيحمل على ابن عيينة وليس الثوري.

    [عن زيد بن أسلم].

    وهو زيد بن أسلم المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [قال: ابن عمر].

    ابن عمر رضي الله عنهما، وقد مر ذكره.

    [عن صهيب].

    وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

    فالحديث السابق الذي فيه أن صهيباً سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم فرد عليه، وهذا الحديث الذي أخبر فيه على أن أهل قباء كانوا يدخلون ويسلمون عليه وهو يرد عليهم بالإشارة، كل منهما من رواية صحابي عن صحابي، من رواية ابن عمر عن صهيب بن سنان الرومي رضي الله تعالى عن عبد الله بن عمر وعن صهيب وعن الصحابة أجمعين.

    شرح حديث عمار بن ياسر: (أنه سلم على رسول الله وهو يصلي فرد عليه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا وهب يعني: ابن جرير حدثنا أبي عن قيس بن سعد عن عطاء عن محمد بن علي عن عمار بن ياسر رضي الله عنه: (أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فرد عليه)].

    وأورد النسائي حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه: أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فرد عليه، وهنا مطلق الرد، لكن الأحاديث الأخرى، تفسره وتبينه، وأنه بالإشارة وليس بالكلام؛ لأنه ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد بالكلام وهو في الصلاة، وإنما كان يرد بالإشارة، فهذا الحديث المطلق الذي لم يعين فيه كيفية الرد، تبينه الأحاديث الأخرى التي فيها بيان الكيفية، وأنها بالإشارة وليس بالكلام.

    تراجم رجال إسناد حديث عمار بن ياسر: (أنه سلم على رسول الله وهو يصلي فردَّ عليه)

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    وهو البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري ؛ لأنه توفي قبل البخاري بأربع سنوات، إذ وفاة البخاري سنة 256هـ ووفاة محمد بن بشار سنة 252هـ، ومثل محمد بن بشار في كونه من صغار شيوخ البخاري، وأنه مات في تلك السنة، شخصان آخران وهما: محمد بن المثنى الملقب الزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وهم جميعاً ماتوا في سنة واحدة وهي 252هـ، أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات. ومحمد بن بشار لقبه بندار .

    [حدثنا وهب يعني: ابن جرير].

    وهو وهب بن جرير بن حازم الأزدي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: يعني ابن جرير، هذه الإضافة وهي كلمة: يعني: ابن جرير، هذه ممن دون تلميذ وهب، يعني: ممن دون محمد بن بشار، وهو النسائي، أو من دون النسائي، هم الذين أتوا بكلمة: يعني: ابن جرير، وهذه من الطرق، أو الهيئات، أو الصفات، التي يفعلها من يريد ممن كان دون التلميذ، أن يضيف شيئاً أكثر مما ذكره التلميذ؛ لأن محمد بن بشار ما زاد على كلمة: وهب، ما نسبه، ولكن أهمله، لكن النسائي، أو من دون النسائي نسبه، ولكنه أتى بكلمة: يعني، حتى يتبين أنها ليست من كلام محمد بن بشار، وإنما هي من كلام من دونه، فإذاً كلمة (يعني) فعل وفاعل، فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر يرجع إلى محمد بن بشار .

    [حدثنا أبي].

    وأبوه جرير بن حازم الأزدي البصري، وهو ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، ومن المعلوم أن هذا الحديث جاءت أحاديث أخرى متعددة بمعناه، وتدل على ما دل عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، الذي هو جرير بن حازم، وهو غير جرير بن عبد الحميد الذي هو متأخر عنه بطبقة، فإن ذاك متقدم بطبقة، وأما جرير بن حازم فهو بطبقة وهب بن جرير .

    [عن قيس].

    وهو قيس بن سعد المكي، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: ما خرج له الترمذي، وما خرج له البخاري في الموصولات، وإنما خرج له في التعاليق.

    [عن عطاء].

    وهو ابن أبي رباح المكي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن علي].

    هو محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بـابن الحنفية، وهو ثقة، عالم، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمار].

    وهو عمار بن ياسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث جابر: (بعثني رسول الله لحاجةٍ ثم أدركته وهو يصلي فسلمت عليه فأشار إلي...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة ثم أدركته وهو يصلي، فسلمت عليه فأشار إلي، فلما فرغ دعاني فقال: إنك سلمت علي آنفاً وأنا أصلي، وإنما هو موجه يومئذ إلى المشرق )].

    أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام بعثه في حاجة، وكان مسافراً وكان راكباً على دابته عليه الصلاة والسلام، فذهب للحاجة، ولما رجع سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم رد عليه بالإشارة؛ لأنه كان يصلي على الراحلة، كان يصلي على راحلته وهو موجه نحو المشرق، يعني إلى غير القبلة، فرد عليه بالإشارة، ولما فرغ دعاه، وقال: (إنك سلمت علي وأنا أصلي)، ثم قال جابر: (أنه موجه إلى المشرق)، يعني: أنه إلى غير القبلة يصلي على الراحلة، وهذا يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، بأن المصلي إذا سلم عليه يرد بالإشارة، ويدل على أن المسافر يتنفل على راحلته، وأنه يتنفل عليها ولو كانت متجهة إلى غير القبلة، يعني: بأن تكون القبلة وراءه أو عن يمينه أو عن شماله، فالسنة جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وغيره: أنه كان يصلي على الراحلة، وأنه يصلي حيث اتجهت به راحلته الوجهة التي يريدها، سواء كانت إلى القبلة أو إلى غير القبلة، فإنه كان يصلي على الراحلة، فالمقصود، أن حديث جابر بن عبد الله دال على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، من رد النبي صلى الله عليه وسلم السلام بالإشارة، وهو في الصلاة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر: (بعثني رسول الله لحاجة ثم أدركته وهو يصلي فسلمت عليه فأشار إليَّ ...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث].

    وقد مر ذكرهما.

    [عن أبي الزبير].

    وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن جابر].

    وهو جابر بن عبد الله الأنصاري، صحابي ابن صحابي، وأبوه ممن استشهد يوم أحد، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني: جابر بن عبد الله أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذين سبق أن مر ذكرهم قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الحديث رباعي، من الأحاديث الرباعية، وهي أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات ما عنده ثلاثيات، وهذا فيه أربعة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: قتيبة، والليث بن سعد، وأبو الزبير، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.

    شرح حديث جابر في رد السلام بالإشارة في الصلاة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن هاشم البعلبكي حدثنا محمد بن شعيب بن شابور عن عمرو بن الحارث حدثني أبو الزبير عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: ( بعثني النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته وهو يسير مشرقاً أو مغرباً، فسلمت عليه فأشار بيده، ثم سلمت عليه فأشار بيده، فانصرفت، فناداني: يا جابر، فناداني الناس: يا جابر، فأتيته فقلت: يا رسول الله، إني سلمت عليك فلم ترد علي، قال: إني كنت أصلي )].

    أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، من طريق أخرى، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في حاجة، وأنه لما وصل، سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ورد عليه بالإشارة، ثم أعاد السلام فرد عليه بالإشارة، ثم إنه انصرف، ولما فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة نادى جابراً وقال: (يا جابر)، يصوت له ويناديه، فصار الناس يصوتون لـجابر يقولون: (يا جابر)، ينادونه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يريده ويدعوه، فكانوا يصوتون حتى يبلغ الصوت إلى جابر، ثم إنه جاء وقال: (يا رسول الله، إني سلمت عليك فلم ترد علي، قال: إني كنت أصلي)، وكان قد رد عليه بالإشارة، يعني: ما رد عليه بالكلام، ولكن رد عليه بالإشارة؛ لأنه سلم مرتين، وكلها يرد عليه بالإشارة، فأفهمه عليه الصلاة والسلام بأن هذه الإشارة التي حصلت منه، إنما هي رد للسلام عليه، ودل هذا الحديث على ما دلت عليه الأحاديث السابقة من أن المصلي إذا كان يصلي وسلم عليه آخر، فإنه يرد بالإشارة وليس بالكلام.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر في رد السلام بالإشارة في الصلاة من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا محمد بن هاشم].

    وهو محمد بن هاشم البعلبكي، وهو صدوق، خرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا محمد بن شعيب بن شابور] .

    صدوق، صحيح الكتاب، حديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

    [عن عمرو بن الحارث].

    وهو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني أبو الزبير عن جابر].

    وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

    1.   

    الأسئلة

    رد السلام بالإشارة في النفل وعلاقة ذلك بالفرض

    السؤال: هل رد السلام بالإشارة خاص بالنوافل أم مطلق؟

    الجواب: لا، مطلقاً، حتى الفريضة.

    مدى أفضلية ترك السلام على المصلي إذا كان فيه تشويش عليه

    السؤال: إذا كان المصلي من وراء ستار بحيث لا يراه المسلم، فهل يشرع أن يرد السلام بالإشارة؟

    الجواب: هو رد السلام بالإشارة إذا سلم على شخص وهو يصلي، ومن المعلوم أن السلام إنما يكون عندما يراه، أما إذا كان بينه وبينه ستار فكيف يسلم عليه وهو ما رآه،؟!ثم أيضاً ما ينبغي للإنسان كل ما دخل، يسلم على الناس وهم في الصلاة؛ لأن هذا يشوش عليهم، لكن هذا يدل على أن ذلك جائز، لكن ما يرفع الصوت، وإنما يكون بخفض الصوت، وإذا لم يحصل السلام على المصلين فهو أولى، يعني: لما قد يحصل فيه من التشويش عليهم، بخلاف ما إذا كان واحد يتنفل أو واحد يصلي على حدة، الأمر في ذلك أهون، لكن إذا كانوا جماعة وسلم عليهم، يعني: يكون فيه تشويش عليهم، لا سيما إذا كان فيه رفع صوت، فأمر السلام ليس لازم.. أولاً: السلام كما هو معلوم ابتداؤه سنة حتى في غير الصلاة، ورده واجب.

    كيفية رد السلام بالإشارة في الصلاة

    السؤال: كيف يكون رد السلام بالإشارة في الصلاة؟ نريد تطبيقاً عملياً.

    الجواب: هو جاء في الحديث أنه أشار بأصبعه، (ولا أعلم إلا أنه قال-في الحديث الأول- بأصبعه) يعني: أشار بأصبعه.

    حكم رد السلام بالإشارة أثناء الخطبة

    السؤال: هل يشرع رد السلام بالإشارة أثناء خطبة الجمعة؟

    الجواب: إذا جاز رد السلام في الصلاة، فخطبة الجمعة دونها، يعني: لا بأس بذلك، لكن كما قلت: إن السلام على الناس، ورفع الصوت عليهم، يحدث تشويشاً، فعدمه أولى.

    مدى صحة اعتبار السنن الكبرى للنسائي من الكتب الستة

    السؤال: هل السنن الكبرى للنسائي من الكتب الستة؟

    الجواب: السنن الصغرى هي التي تعد إحدى الكتب الستة، المراد بها الصغرى المجتبى وليس الكبرى.

    وصف الله بالملل بين الإثبات والنفي

    السؤال: جاء في الحديث: ( إن الله لا يمل حتى تملوا )، فهل فيه إثبات صفة الملل له عز وجل؟

    الجواب: لا، لا يدل على إثبات صفة الملل،والمعنى انه حتى إن حصل منهم الملل هو لا يمل، وليس معنى ذلك أنهم يملون ثم يمل، وإنما إنه إذا وجد منهم ملل فإنه لا يمل حتى لو ملوا، فلا يوصف الله بالملل، ولا يوصف بصفة الملل؛ لأن صفة الملل صفة نقص.

    تفويض الكيفية وتفويض المعنى وعلاقة كل منهما بعقيدة السلف

    السؤال: ما هو معنى التفويض؟ وهل هو من عقيدة السلف؟

    الجواب: التفويض تفويضان: تفويض كيفية، وهذه من عقيدة السلف، ولهذا جاء عن الإمام مالك رحمة الله عليه قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، يعني: كيف استوى، هذه لا يجوز الخوض فيها، ولا يجوز الكلام فيها، والتفويض في ذلك متعين، الله تعالى أعلم بالكيفية التي حصل بها الاستواء، لكن معنى الاستواء معلوم، وهو الارتفاع والعلو على العرش، فهذا هو معناه، فلا يفوض بالمعنى ولكن يفوض بالكيف، فالتفويض بالكيف هي طريقة السلف، والتفويض بالمعنى ليست طريقة السلف، وإنما هي طريقة المتكلمين؛ لأن المتكلمين صنفان، صنف يؤول وصنف يفوض، ويقول أحد من كتب في عقيدة هؤلاء:

    وكل لفظ أوهم التشبيه أوله أو فوض ورم تنزيها

    فتفويض المعنى أن يقول الإنسان: أنا ما أعلم ما معنى الكلام هذا: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] الله أعلم بمراده! ما ندري ما معناها، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، ما يدري ما معناه، وغير ذلك من الصفات، يقول: يكون المعنى غير معلوم، وهذا كلام لا شك أنه ليس بصحيح، وليست هذه عقيدة السلف، بل عقيدة السلف أنهم خوطبوا بكلام يعرفون معناه، وأنهم يفهمون المعنى الذي خوطبوا به، ولكنهم لا يبحثون عن الكيفية، والإمام مالك رحمه الله تعالى ذكر أن الاستواء معلوم؛ لأن الناس خوطبوا بكلام يفهمون معناه، والكيف هو المجهول، الاستواء معلوم هو الارتفاع والعلو، هذا هو معناه، لكن الكيف هو المجهول، فتفويض المعنى ليس من طريقة السلف، وإنما هي من طريقة الخلف، أو سلف الخلف.