إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب التطبيق - باب أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل - باب فضل السجود

شرح سنن النسائي - كتاب التطبيق - باب أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل - باب فضل السجودللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أشرف المواطن في الصلاة هي السجود؛ لأن العبد في حال سجوده يكون خاضعاً لله عز وجل مخبتاً إليه، قد وضع أشرف شيء فيه -وهو وجهه- على التراب وعلى الأرض خضوعاً لله عز وجل، واستكانة إليه سبحانه وتعالى؛ لذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإكثار فيه من الدعاء.

    1.   

    أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل

    شرح حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل.

    أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو يعني ابن الحارث عن عمارة بن غزية عن سمي: أنه سمع أبا صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)].

    يقول النسائي: أقرب ما يكون العبد من ربه؛ أي: الحالة التي يكون عليها الإنسان أقرب ما يكون إلى ربه سبحانه وتعالى، والمراد من ذلك حالة السجود؛ لأنه في حال سجوده يكون خاضعاً لله عز وجل مخبتاً إليه، قد وضع أشرف شيء فيه -وهو وجهه- على التراب وعلى الأرض خضوعاً لله عز وجل، واستكانة إليه سبحانه وتعالى، وفي هذه الحالة شرع الإكثار من الدعاء، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (فإنه قمن أن يستجاب لكم)، فهو من مواطن الدعاء، ومن مواضع قبول الدعاء، والمواضع التي حري أن يجاب بها الدعاء، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [فأكثروا الدعاء]، يعني: فأكثروا الدعاء في هذا السجود؛ لأن هذه الحالة هي هيئة خضوع وذل لله سبحانه وتعالى، أي: في حال السجود يكثر الإنسان فيها من الدعاء، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في هذا الحديث، وأمر به في حديث آخر، وبين أن هذا من أسباب قبول الدعاء، حيث قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، فقوله: (فقمن أن يستجاب لكم)، يعني: أنه حري أن يستجاب لكم، فهي من الأحوال التي يكون فيها قبول الدعاء، ولهذا شرع للإنسان أن يكثر من الدعاء في هذه الحال التي هي حالة خضوع وذل لله سبحانه وتعالى.

    ومن المعلوم أن الإنسان تتفاوت أحواله في القرب من الله عز وجل، واتجاهه إليه سبحانه وتعالى، فإن الإنسان يكون في بعض الأحوال في حال غفلة وسهو ولهو، فلا يكون له ذلك الذي يربطه بالله عز وجل، ويجعله متعلقاً به سبحانه وتعالى، وفي بعض الحالات -مثل حالة السجود- يكون الإنسان مقبلاً على ربه، خاضعاً له في سجوده، يكثر من دعائه، ويبتهل إليه، ويعفر أشرف شيء فيه -وهو وجهه- بالأرض والتراب خضوعاً لله عز وجل واستكانة إليه، ولهذا شرع الإكثار من الدعاء.

    ثم إن هذا القرب هو بالنسبة للعبد، ومن المعلوم أن هذا يختلف عن إضافة قرب الله عز وجل؛ لأن قرب الله صفة من صفاته، وصفاته مثل ذاته لا يعرف كنهها، وأما بالنسبة للإنسان فهو معلوم، يعني هيئته وصفته، وإذاً: فالمراد منها هو كون هذه الحالة -التي هي حالة سجوده- حالة إقبال على الله عز وجل وخضوع، وذل، واستكانة، وهي من مواطن قبول الدعاء، والإنسان يكثر من الدعاء فيها.

    وبعض المتكلمين تكلم عند شرح هذا الحديث: بأن هذا فيه ذكر الجهة، وأن الجهة لا تضاف إلى الله عز وجل، وليس الكلام في الجهة عند هذا الحديث له وجه، ثم أيضاً الكلام في الجهة ليست من الألفاظ التي وردت في الكتاب والسنة، وهي تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً، فالحق أن الجهة هل تضاف إلى الله عز وجل أو لا تضاف إلى الله عز وجل؟ فيها تفصيل، إذا أريد بالجهة الجهة الوجودية؛ أن يراد بها داخل المخلوقات، فالله عز وجل ليس في جهة بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى أعظم وأجل من أن يحويه شيء مخلوق، وأن يكون حواه شيء مخلوق، فالسموات والأرض وما فيهما هي كالخردلة في كف أحد منا كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: (السموات والأرضين وما فيهن كالخردلة بيد أحدنا هي في كف الرحمن كالخردلة في يد واحد منا)؛ معناه: أنها حقيرة أمام عظمة الله عز وجل، وأمام جلاله سبحانه وتعالى، فإذا أريد بالجهة أمر وجودي وهو داخل السموات، فالله تعالى لا يحويه شيء مخلوق، وإن أريد بالجهة ما وراء العالم وما وراء العرش، وما فوق العرش، فإن ذلك عدم، وليس شيئاً موجوداً، والله عز وجل موجود فوق العرش، وهو بجهة في هذا الاعتبار، لكن إطلاق الجهة لكونه يحتمل حقاً وباطلاً لا ينبغي إضافته إلى الله عز وجل، ولكن إذا فسر فإنه يثبت المعنى، وهو أن الله عز وجل فوق العرش، وأنه فوق عباده، وأنه فوق المخلوقات سبحانه وتعالى، وهو مستو على عرشه سبحانه وتعالى، فإطلاق الجهة عليه بهذا الاعتبار حق، وإطلاق الجهة باعتبار أن الجهة يراد بها الموجودات، وما هو داخل الموجودات، فإن هذا لا يجوز إطلاقه على الله عز وجل؛ لأن الله أكبر وأعظم من أن يحويه شيء مخلوق حقير أمام عظمة الباري سبحانه وتعالى.

    إذاً: فالحديث فيه إضافة القرب إلى العبد، وأنه يكون قريباً من الله عز وجل، ومن المعلوم أن الإنسان معروف ذاته وصفاته، وأما الله عز وجل لا تعلم ذاته ولا صفاته، فالقرب الذي يضاف إليه يليق به، والقرب المضاف للمخلوقين -كما هو معلوم- معروف هيئاتهم وصفاتهم، وإذاً: فمعنى هذا أن هذا فيه قرب العبد من ربه في خضوعه، واستكانته، والاتجاه إليه والالتجاء إليه، وهو من مواطن قبول الدعاء، ولهذا قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: [(فأكثروا الدعاء)]، وأما القرب المضاف إلى الله عز وجل، فالله تعالى هو فوق عرشه، وهو قريب من عباده، والقرب يكون عاماً، ويكون خاصاً، فهو قريب من المخلوقات كلها؛ بمعنى أنه سبحانه وتعالى كما جاء في القرآن الكريم: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ [المجادلة:7]، فهو عال في دنوه، وقريب في علوه، هو عال في دنوه إذا دنى ونزل النزول الذي يليق به، الذي لا يعرف كنهه، فهو عالٍ، ما يقال: إنه لا يكون عالياً في حالة دنوه، ولا يقال: إنه لا يكون قريباً في حالة علوه، فهو في حالة علوه قريب، وفي حالة دنوه عالٍ، ولهذا من العبارات المشهورة عن السلف: أنه عال في دنوه قريب في علوه، لا يقال: إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا كما يليق به، تحويه المخلوقات، وأنه لا يكون عالياً، بل هو عال، والعلو وصف من أوصافه سبحانه وتعالى، وهو عال مطلقاً، لا يكون له خلاف ذلك الوصف، ولكنه كما جاء عن بعض السلف: عال في دنوه قريب في علوه، هذا هو القرب العام؛ الذي يعني مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7]، وقرب خاص، وهو ما يكون لأوليائه سبحانه وتعالى، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56]، فهناك قرب عام وقرب خاص، والقرب كما يليق بالله عز وجل، وأما قرب المخلوق كما هو معلوم، فإنه يكون بخضوعه والتجائه إليه سبحانه وتعالى في تلك الحال التي يكون فيها مخبتاً مستكيناً إلى الله عز وجل، يعفر أشرف شيء فيه على الأرض؛ خضوعاً لله عز وجل واستكانةً له. هذا هو معنى الحديث، ولهذا جاء: [(فأكثروا الدعاء)]، والمراد من إكثار الدعاء أنه موطن من مواطن الإجابة كما جاء في الحديث الآخر: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، يعني: حري أن يستجاب لكم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].

    هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد سبق أن ذكرت: أن ممن خرج لهم النسائي غير محمد بن سلمة هذا شخص آخر، ولكنه أعلى منه بطبقة، فهو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وهو محمد بن سلمة الباهلي، وأما محمد بن سلمة المرادي المصري فهذا من طبقة شيوخه، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة فهو المرادي، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة فهو الباهلي، والذي معنا هو محمد بن سلمة المرادي .

    [حدثنا ابن وهب].

    هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو يعني: ابن الحارث].

    هو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: (يعني ابن الحارث)، المراد أن عبد الله بن وهب الذي هو الراوي عن عمرو بن الحارث ما زاد في ذكر شيخه على قوله: عمرو، قال: عن عمرو، والمراد به عمرو بن الحارث المصري، فمن دون عبد الله بن وهب وهو محمد بن سلمة أو النسائي أو من دون النسائي، أضافوا كلمة: ابن الحارث للتعريف والتمييز، وبيان أن هذا هو المقصود، وأتى بكلمة (يعني) -وأحياناً يؤتى بكلمة (هو)- التي تبين بأن هذا اللفظ ليس من التلميذ، بل هو ممن دون التلميذ، وكلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، فقائلها من دون عبد الله بن وهب، وفاعلها عبد الله بن وهب؛ لأن (يعني) فعل مضارع فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى عبد الله بن وهب، (يعني) قال من دون عبد الله بن وهب، لما ذكر عمرو بدون نسبة قال: (يعني)، أي: يعني ابن وهب ، فلها قائل ولها فاعل، قائلها من دون عبد الله بن وهب، وفاعلها ضمير مستتر يرجع إلى عبد الله بن وهب.

    [عن عمارة بن غزية].

    لا بأس به، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن سمي].

    هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [سمع أبا صالح].

    هو ذكوان السمان، مشهور بكنيته أبي صالح، واسمه ذكوان، ولقبه السمان أو الزيات، وهو مدني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    هو أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على أشهر الأقوال في اسمه واسم أبيه، الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق عنه صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لكثرة ملازمته للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكونه بقي في المدينة والناس يفدون فيها حتى توفي، وكان الناس عندما يفدون إلى المدينة ويصدرون عنها يلقونه ويحدثونه بما عندهم ويحدثهم بما عنده، وأيضاً دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له بالحفظ، وكانت هذه من الأسباب التي صار بها أبو هريرة أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وإن كان إسلامه إنما حصل في السنة السابعة من الهجرة، ولكن ملازمته للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم له، وكذلك أيضاً سكناه في المدينة وبقاؤه بها، وهي المكان الذي يرد إليه الناس ويصدرون، فيلتقون به ويحدثونه بما عندهم ويحدثهم بما عنده، فكثر حديثه رضي الله عنه عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    1.   

    فضل السجود

    شرح حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: (... فأعني على نفسك بكثرة السجود)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل السجود.

    أخبرنا هشام بن عمار عن هقل بن زياد الدمشقي حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: (كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وبحاجته، فقال: سلني، قلت: مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)].

    هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي فضل السجود. والمقصود من ذلك: أنه يؤدي إلى الجنة، وأن ثوابه الجنة، والحديث الذي مر أيضاً يدل على فضل السجود؛ وهو قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، أيضاً هو دال على فضل السجود؛ لأنه موطن من مواطن الإجابة، وهو دال على فضله، وفضل هذه الهيئة التي يكون عليها الإنسان في إخباته إلى الله سبحانه وتعالى، والنسائي عقد الترجمة لهذا الحديث الذي أورده عن ربيعة بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال: [كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وحاجته].

    قوله: [فقال: سلني، قال: أسألك مرافقتك في الجنة]، يعني أن يكون معه في الجنة، [قال: أو غير ذلك؟]؛ أو تريد شيئاً آخر غير هذا، [قال: هو ذاك]؛ يعني: هذا الذي أريد، يعني أن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم، [قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود]، يعني أرشده عليه الصلاة والسلام إلى سبب من الأسباب العظيمة التي توصل الإنسان إلى الجنة.

    والمراد من ذلك كثرة الصلاة؛ لأن السجود وحده لا يفعل وحده، ولا يتقرب إلى الله عز وجل بالسجدة الواحدة، وإنما السجود المراد به الصلاة، ويطلق على مواضع الصلاة أنها مساجد؛ لأن الأرض يلامسها في حالات المصلي هذه الأعضاء السبعة: وهي الوجه، والأنف، والجبهة، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين، فأطلق على مواضع الصلاة مساجد، مع أن أحوال المصلي جلوس وقيام وركوع، ما قيل: لها مجالس، ولا مراكع، ولا مواقف، وإنما قيل لها: مساجد، أخذاً من السجود، ومن مواضع السجود، وذلك أن حالة السجود يكون فيها هذه الهيئة التي هي تعفير الوجه الذي هو أشرف شيء في الإنسان على الأرض خضوعاً لله سبحانه وتعالى، ووضعه على الأرض خضوعاً لله سبحانه وتعالى، فالمراد بالسجود هنا الصلاة، وليس المقصود من ذلك أن الإنسان يسجد فقط ولا يصلي، وإنما يكون ساجداً يصلي، هذا هو المقصود بالسجود؛ كثرة السجود من كثرة الصلاة، الصلاة فيها قيام، وركوع، وسجود، وجلوس، لكن أطلق على السجود؛ لأنها هي الهيئة التي فيها الخضوع لله عز وجل، وفيها قرب العبد من ربه، وهي من مواطن الإجابة، هذا هو المقصود بقوله: [أعني على نفسك بكثرة السجود].

    ومعنى هذا: أن الإنسان ما يكون مهمته أن يكون سائلاً لغيره دون أن يعمل، بل الرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى العمل الذي يؤدي إلى هذه الغاية، والذي يكون معه في الجنة، ويكون رفيقاً له في الجنة؛ أن يكثر من الصلاة، يأتي بالصلاة المفروضة على أكمل هيئة، ويأتي بالنوافل التي يتقرب إلى الله عز وجل بها، وذلك في الصلاة التي هي فيها تعفير الوجه الله عز وجل بالتراب، فتكون الصلاة والإقبال على الله عز وجل في الصلاة من أسباب دخول الجنة، وقد جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فإذا كان التقرب إلى الله تعالى بالصلاة التي هي شأنها عظيم، وصلة العبد بربه وثيقة بها دائماً وأبداً في الصلوات الخمس، وفي النوافل يكون على صلة بالله سبحانه وتعالى، هذا يدل على عظم شأن الصلاة، وأنها من أسباب الوصول إلى الجنة؛ لأن كثرة النوافل، والمحافظة عليها، والمداومة عليها من أسباب دخول الجنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشده إلى فعل يحصل منه ما يكون مهمته أن يكون سائلاً دون أن يكون فاعلاً، بل أرشده إلى العمل وإلى الفعل الذي يؤدي به إلى تلك الغاية، ويوصله إلى ذلك الثواب؛ الذي هو كونه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.

    قوله: (آتي بوضوئه)، المراد بالوضوء -بفتح الواو- هو الماء الذي يتوضأ به؛ لأنه بالفتح اسم للماء المستعمل، وأما الوضوء بالضم فهو اسم للفعل؛ فالهيئة التي بها فعل الوضوء يقال لها: وضوء، وأما الماء الذي يتوضأ به فيقال له: وضوء، يعني فهذا اللفظ واحد، ولكنه بفتح الواو يكون للشيء المستعمل، وبضمها للفعل، ولهذا ألفاظ كثيرة تشابه هذا اللفظ، مثل: سحور وسحور، السحور -بالفتح- الذي يؤكل في السحر لمن يريد أن يصوم، والسحور -بالضم- هي عملية الأكل؛ كون الإنسان يأكل، هذا يقال له: سحور، وأما السحور فهو الطعام، وكذلك السعوط -بفتح السين- الشيء الذي يستطعم، والسعوط بالضم هو الجذب، يعني كون الإنسان يجذب بأنفه ذلك الشيء الذي يستطعم، وكذلك الوجور والوجور، الوجور هو ما يوضع في الفم، والوجور هو وضع الشيء في الحلق، ومثله الطهور والطهور؛ لأن كلمة (الوضوء) هذا هو معناها، والمراد بها الماء، وسبق أن مر بنا حديث عثمان بن عفان أنه دعا بوضوء ثم قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا)، يعني الأولى وضوء والثانية وضوء، (نحو وضوئه)، يعني: العمل الذي فعله، فهو بالفتح اسم للماء، وبالضم اسم للفعل الذي هو التوضؤ والتطهر.

    قال ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه: [(كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وبحاجته، فقال: سلني، قلت: مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)].

    ربيعة بن كعب رضي الله تعالى عنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المسألة، وهذا يدل على حرص الصحابة على الخير، وتسابقهم إلى الخيرات، فهنا حرص ربيعة بن كعب، كما أنه ملازم للرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا يخدمه، ويقرب له وضوءه، وحاجته، أراد أن يكون ملازماً له بالجنة، مثل ما كان ملازماً له في الدنيا، يريد أن يكون معه في الجنة؛ لأنه كان معه في الدنيا ملازماً له يقرب له حاجاته ووضوءه، وأراد أن تمتد هذه المرافقة، وأن تكون في الآخرة كما كانت في الدنيا؛ بأن يكون معه يخدمه ويقرب له وضوءه وحاجته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا يدلنا على حرص الصحابة على الخير، وعلى تعلقهم بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وملازمته وخدمته، وفدائه بالنفس والنفيس، وأحب ما يكون عندهم أن يكونوا معه في الجنة كما كانوا معه في الدنيا.

    والله عز وجل وعد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الحسنى، فقال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10]، يعني: الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا والذين أنفقوا من قبله وقاتلوا، الكل وعدهم الله الحسنى، فهم خير الناس، وهم أفضل الناس، وكانوا أحرص الناس على الخير، وأسبق الناس إلى كل خير، وهم القدوة في الخيرات بعد رسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم هم المقتدون به، والمؤتسون به، فالذي يسير على منوالهم ويسير على نهجهم سائر على درب الخير وعلى طريق الخير رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    ثم أيضاً يدلنا -كما ذكرت- على أن الإنسان لا يكون مهمته أن يعتمد على غيره، وأن يعول على غيره، وعلى دعاء غيره، وإنما مهمته أن يعمل، ومن المعلوم أن الشفاعة تكون بأمرين: الشافع والمشفوع، أو تكون عند توفر أمرين: الرضا عن المشفوع، والإذن للشافع أن يشفع، وإذاً فالإنسان عليه أن يعول على المبادرة إلى الخيرات وفعلها، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، دعا أقرباءه وقال: (يا فلان، يا فلان، لا أغني عنكم من الله شيء)، معناه: اعملوا، ما تقولون: نحن أقرباء الرسول صلى الله عليه وسلم يكفينا أننا أقرباءه، ولا نعمل، لا، اعملوا؛ لأنه جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في صحيح مسلم: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، أي: من أخره عمله عن دخول الجنة ليس نسبه هو الذي يقربه إليها، وإنما الإنسان يحرص على الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

    قال: [(فأعني على نفسك بكثرة السجود)]، يعني: بكثرة الصلاة، ولهذا يقال للصلاة: سجود، ويقال: لها ركوع، ويقال: لها قيام، يطلق عليها هذا وهذا، إطلاق الجزء من الشيء على كله، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:40]، (وأدبار السجود)، يعني: أدبار الصلوات، فالسجود يطلق على الصلاة أنها سجود، [(أعني على نفسك بكثرة السجود)]، بكثرة الصلاة، وليس معنى ذلك أن الإنسان يروح يسجد وهو ما يركع ولا يقوم ولا يقرأ القرآن، المقصود أن يصلي، وإذا صلى الإنسان فهذا هو السجود، وإنما نص على السجود؛ لأنه الهيئة التي يكون الإنسان فيها في الصلاة، وهو أقرب ما يكون إلى الله عز وجل، وهو من مواطن الإجابة.

    تراجم رجال إسناد حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: (... فأعني على نفسك بكثرة السجود)

    قوله: [أخبرنا هشام بن عمار].

    هشام بن عمار صدوق، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن هقل بن زياد].

    هو هقل بن زياد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا الأوزاعي].

    هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي الدمشقي، وهو فقيه، محدث، فقيه مشهور، ومحدث الشام وفقيهها، هو في الشام مثل الليث بن سعد في مصر، مشهور بالفقه والحديث، وهذا مشهور بالفقه والحديث، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن أبوه عمرو وكنيته أبو عمرو، وقد عرفنا فيما مضى أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه من أنواع علوم الحديث؛ وفائدتها ألا يظن التصحيف لما لو ذكر بالكنية ولم يذكر بالنسب، فإن من لا يعرف أن الكنية مطابقة لاسم الأب يظن أن فيه تصحيف، وأن (ابن) صحفت وجاء مكانها (أبو). لكن من يعرف الأمر لا يلتبس عليه الأمر فيكون الكل صواب، إن جاء أبو عمرو وإن جاء ابن عمرو، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا يحيى بن أبي كثير].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].

    هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، وهو مدني، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني ربيعة بن كعب].

    صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.