إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب التطبيق - (تابع باب نوع آخر من الدعاء في السجود)

شرح سنن النسائي - كتاب التطبيق - (تابع باب نوع آخر من الدعاء في السجود)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، لذا يستحب أن يكثر المصلي من الدعاء، ويلح على الله عز وجل، تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تابع نوع آخر من الدعاء في السجود

    شرح حديث عائشة في دعاء النبي في السجود: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء في السجود، وقال: نوع آخر.

    أخبرنا محمد بن قدامة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن هلال بن يساف قالت عائشة رضي الله عنها: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضجعه، فجعلت ألتمسه، وظننت أنه أتى بعض جواريه، فوقعت يدي عليه وهو ساجد، وهو يقول: اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)].

    فالتراجم هذه تتعلق بالدعاء في السجود، وقد مر بعض الأحاديث المشتملة على الأدعية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء في السجود، وقد عرفنا من قبل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن السجود يكثر فيه من الدعاء، وأن الركوع يعظم فيه الرب، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم).

    وقد وردت أدعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السجود، وقد عقد النسائي عدة تراجم بهذه الأنواع من الأدعية، وقد مر بعضها وهو الدعاء الذي فيه: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً..)، إلى آخره، والدعاء الذي فيه -أيضاً- التعظيم لله عز وجل وهو حديث عائشة، أنه ( كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي )، وهو مشتمل على دعاء، وعلى ثناء على الله عز وجل، ثم بعد ذلك جملة من التراجم المشتملة على أنواع من الأدعية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السجود، ومن هذه الأنواع هذا الحديث، أو ما اشتمل عليه هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم في سجوده: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)، وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها: أنها سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء، وكان ذلك في مناسبة حصلت لها، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندها، وكان في مضجعه، فتنبهت وإذا هو ليس في مضجعه، فظنت أنه ذهب إلى بعض جواريه، وهذا فيه بيان ما كانت عليه النساء من الغيرة على الأزواج، فبحثت عنه عليه الصلاة والسلام، فوجدته ساجداً، وهو يدعو في سجوده ويقول هذا الدعاء: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)، يعني أنه قام من مضجعه يصلي عليه الصلاة والسلام، وكان يدعو في سجوده بهذا الدعاء: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت) وهذا من الجوامع، أن العبد يسأل الله عز وجل أن يغفر له سره وعلانيته، ما حصل له في السر، وما حصل له في العلانية، ومن المعلوم أن أحواله تنقسم إلى قسمين: سر وعلانية، فالمصلي عندما يدعو ربه بهذا الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسأل الله عز وجل أن يغفر له ما أسره وما أعلنه، وهذا من جوامع الأدعية التي كان يدعو بها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في دعاء النبي في السجود: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].

    وهو محمد بن قدامة المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    [حدثنا جرير].

    وهو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن منصور].

    وهو منصور بن المعتمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن هلال بن يساف].

    ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [قالت عائشة...].

    وهي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله براءتها في آيات من سورة النور، وهي من أوعية السنة، وممن حفظ الله تعالى بها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنها روت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سيما الأحاديث المتعلقة بأحوال البيوت، والتي تجري بين الرجل وبين أهله، فإنها حفظت الشيء الكثير في ذلك وفي غيره، رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    ومن المعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هم الذين حفظوا السنن وتلقوها وأدوها إلى من بعدهم، فمن أخذ وعمل بتلك السنن التي جاءت عن طريق الصحابي، أو عن طريق الصحابية، كالذي جاء عن طريق عائشة رضي الله عنها وأرضاها من السنن، فإن أي عامل يعمل بتلك السنن، فإنه مأجور على عمله الذي جاء عن طريقه ذلك، والذي استفاد عن طريقه ذلك، يكون مأجوراً مثل أجور ذلك العامل، ولهذا فإن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم مأجورون على أعمالهم، ومأجورون على ما يعمله العاملون من السنن التي جاءت عن طريقهم، فإن الأحاديث التي يروونها هم الواسطة وهم السبب فيها، فكل من عمل بتلك السنة، فإنه يكون مأجوراً على عمله بها، ويكتب الله عز وجل لمن كان هو الدليل، ولمن كان واسطةً في ذلك، وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل أجور العاملين، وكذلك يكتب لمن بعدهم والذين كانوا سبباً في حفظها، أي: حفظ السنن، مثل أجور من عمل بها؛ لأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: (من دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، وكذلك: (من دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله)، ومعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، هم الذين دلوا على هذا الخير، الذي تلقوه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا صاروا أفضل الناس، وصاروا خير الناس، ولهم مثل أجور من جاء بعدهم ممن أخذوا عنهم السنن، وممن عملوا بتلك السنن التي جاءت عن طريقهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولهذا فإن محبتهم علامة الإيمان، وبغضهم أو بغض أحد منهم علامة النفاق، وعلامة الخذلان، وليس هناك أعظم خذلاناً ممن يبتلى بأن يكون في قلبه غل على أصحاب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، والله عز وجل أخبر في سورة الحشر أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، والأنصار، والذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار، سائلين الله عز وجل ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، فهذه هي علامة الإيمان، وعلامة الهداية، والناس ثلاثة أصناف لا رابع لها، الناجون، والذين هم على الحق والهدى، هم هؤلاء الأصناف الثلاثة: المهاجرون، والأنصار، والذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار مستغفرين لهم، سائلين الله عز وجل ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وحقداً عليهم، ومن كان في قلبه حقد وغل على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن هذه هي العلامة الواضحة على أنه مخذول، وعلى أنه جنى على نفسه، وعلى أنه جر البلاء إلى نفسه؛ لأن هؤلاء الأخيار، وهؤلاء الصفوة المختارة، لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، وقد جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في حق الأنصار: (أن آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق: بغض الأنصار)؛ وذلك لأنهم نصروا الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أظهر الله على أيديهم دينه، وكذلك المهاجرون مثلهم؛ لأنهم تركوا بلادهم، وجاءوا لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وللجهاد معه، فمن يحب أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام سعى إلى جلب الخير إلى نفسه، ومن كان في قلبه بغض لهم، أو لأحد منهم، فإنه جنى على نفسه، وجلب المصائب على نفسه، ونادى على نفسه بأنه مخذول ممن خذله الله.

    فـعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، ممن حفظ الله تعالى بها سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك غيرها من الصحابة، الذين حفظ الله تعالى بهم السنة، وكانوا هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمسلمون لا يربطهم بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا الصحابة، ولا يعرفون شيئاً جاء عن رسول الله، إلا عن طريق الصحابة، فإذا قطعت الصلة بالرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك بالقدح في الصحابة، وبالنيل من الصحابة، فإن هذا علامة الخذلان، وأن الإنسان لا صلة له بالرسول صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولا علاقة له بالرسول، ولا تربطه به أي علاقة؛ لأن فيه رد للشريعة، ورد للكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، وقد قال أبو زرعة الرازي رحمة الله عليه، وهو من علماء القرن الثالث الهجري، ومن أئمة الجرح والتعديل، ومعروف بكلامه في ذلك، كان يقول كلمة رواها عنه الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية بإسناده إليه، أنه قال: إذا رأيتم أحداً ينتقص أحداً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنه زنديق، ثم بين ذلك فقال: وذلك أن الرسول حق، والكتاب حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة، أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء -يعني يشير إلى الذين يقدحون فيهم- يجرحون شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، وذلك أن القدح في الناقل قدح في المنقول، القدح في الصحابة قدح للكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة ما جاء إلا عن طريق الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، ثم قال: والجرح بهم أولى وهم زنادقة، وإذا كان من خذله الله عز وجل لا يقدر الصحابة، ولا يعرف فضل الصحابة، بل يذمهم، ويعيبهم، ولا يقبل ما جاء عن طريقهم، فما هو الحق الذي في يده؟! إنه ليس في يده إلا الخذلان، وليس في يده إلا الحرمان، وليس في يده إلا الوقوع في حبائل الشيطان.

    شرح حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظننت أنه أتى بعض جواريه، فطلبته، فإذا هو ساجد يقول: رب! اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)].

    ثم ذكر الحديث من طريق آخر، وهو مثل الذي قبله إلا أنه بلفظ: (رب! اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)، بدل: (اللهم اغفر لي) فهو رب، يعني: يا رب، و(اللهم)، يعني: يا ألله؛ لأن (اللهم) معناها يا ألله، يعني حذفت ياء النداء وعوض عنها ميم في الآخر، والروايتان جاءتا بلفظ واحد إلا في هذا اللفظ، ولا فرق بين اللفظين؛ لأن (اللهم) هي بمعنى يا رب، أو بمعنى رب.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت) من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].

    وهو أبو موسى الملقب بـالزمن، كنيته أبو موسى، وهو العنزي الملقب بـالزمن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، إذ كانت وفاته قبل البخاري بأربع سنوات، فـالبخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقد ذكرت فيما مضى أن هناك شيخين للبخاري، هما مثل محمد بن المثنى في كونهم من صغار الشيوخ، وكونهم ماتوا في سنة واحدة، وهما: محمد بن بشار بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فإن هؤلاء الثلاثة: محمد بن المثنى الذي معنا، ومحمد بن بشار بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، هؤلاء الثلاثة روى لهم أصحاب الكتب الستة مباشرةً وبدون واسطة، وهم من صغار شيوخ البخاري، وقد ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

    [حدثنا محمد].

    غير منسوب، والمراد به محمد بن جعفر الملقب غندر، إذا جاء محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى يرويان عن محمد غير منسوب، فالمراد به ابن جعفر الذي هو: غندر، وكذلك إذا جاء محمد يروي عن شعبة غير منسوب، فالمراد به محمد بن جعفر غندر، فمحمد هذا غير منسوب وهو ابن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وما بعد شعبة قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا منصور بن المعتمر، وهلال بن يساف، وعائشة.

    1.   

    نوع آخر من الدعاء

    شرح حديث علي: (أن رسول الله كان إذا سجد يقول: اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك آمنت...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.

    أخبرنا عمرو بن علي ، أخبرنا عبد الرحمن هو: ابن مهدي ، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، حدثني عمي الماجشون بن أبي سلمة ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يقول: اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].

    أورد النسائي نوعاً آخر من الدعاء في السجود، وهو عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: [(أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سجوده يقول: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سجد وجهي لله الذي خلقه، وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].

    فهذا دعاء من الأدعية الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في السجود، وقد جاء عن علي رضي الله تعالى عنه، بهذا اللفظ وبألفاظ أخرى، وفيه ثناء على الله عز وجل وتعظيم له، وأن وجهه سجد له، ثم يثني على ربه الذي خلقه فأحسن خلقه، وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، فجعل في وجهه السمع والبصر، ويسمع بسمعه الأصوات، ويبصر ببصره المرئيات، وهي من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده، فالعبد يثني على ربه، ويعظمه، ويذكر آلاءه عليه، ونعمه عليه، وأنه ما من نعمة إلا وهي منه سبحانه وتعالى، ثم بعدما ذكر هذه الهيئة التي خلقه الله تعالى عليها، وهي أنه خلقه وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، قال: (فتبارك الله أحسن الخالقين)، والمراد بالخالق هنا بمعنى المقدر، الخالقين بمعنى: المقدرين؛ لأن الخالق يأتي بمعنى الموجد من العدم، وهذا لا يوصف به إلا الله عز وجل، فهو الذي يوجد الشيء من العدم، ويأتي بمعنى التقدير، وهذا يضاف إلى الله عز وجل، ويضاف إلى غيره، ولكن إنما يضاف إلى الله عز وجل من التقدير ما يناسبه ويليق بكماله وجلاله، وما يضاف إلى العباد يليق بنقصهم وافتقارهم؛ ولهذا جاء: (فتبارك الله أحسن الخالقين) والمراد بذلك: المقدرين؛ لأن الله تعالى يقدر، وغيره يقدر، ولكن تقدير الله عز وجل يليق بكماله وجلاله، وتقدير المخلوقين يليق بضعفهم وافتقارهم، وكل تقديره يناسبه، ولكن ليس أحد يقدر كتقدير الله، بل الله عز وجل يعلم الشيء كيف يكون، ثم يوجده على الوجه الذي كان عليه، وأما الناس فقد يقدر الإنسان، ولكنه لا يقدر على أن ينفذ الشيء الذي قدره، وعلى هذا فإن الخلق يفسر بمعنى الإيجاد من العدم، وهذا لا يضاف إلا إلى الله عز وجل، ويفسر بمعنى التقدير، وهذا هو الذي يضاف إلى الله عز وجل ويضاف إلى غيره، مع الفرق بين ما يضاف إلى الله عز وجل وما يضاف إلى المخلوقين.

    وقوله: (فتبارك الله أحسن الخالقين) هو من هذا القبيل، الذي هو من قبيل التقدير، وأن الله تعالى يقدر وغيره يقدر، ولكن ليس تقدير غيره يشبه تقديره، بل تقديره وفعله هو الذي في غاية الكمال، وأما غيره فهو يليق بضعفه وافتقاره، وقد ذكر هذا ابن القيم رحمه الله، في كتابه شفاء العليل، بين أن هذا المعنى، أو أن هذه الآية الذي يناسب في تفسيرها، ما دام أنه ذكر فيها من هو خالق مع الله، أنه بمعنى التقدير، (تبارك الله أحسن الخالقين)، الله تعالى يخلق وغيره يخلق، بمعنى يقدر، لكن لا أحد يوجد من العدم، بل هو وحده الذي يوجد من العدم، ولهذا يأتي في كلام العرب ذكر الخلق مضافاً إلى العباد ويراد به التقدير، ومن ذلك قول الشاعر يمدح ممدوحه:

    ولا أنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

    يعني: أنت تقدر وترسم لنفسك خطة ثم تنفذ، يعني: تقول وتفعل، لست ممن يقول ثم لا يتمكن من الفعل، بل أنت ترسم الخطة وترسم الشيء الذي تريده، وتنفذ ما أردت وما قدرت، ولا أنت تفري ما خلقت، وأصل الفري هو أن الحذاء عندما يريد أن يعمل النعال، يكون عنده الجلد، فيعمل بالقلم، يعني رسمة لمقدار الرجل، يعني على هيئة الرجل في الجلد، ثم يأتي بالمقص ويقص على مكان التقدير، فإذا كان حاذقاً في القص، يأتي به بسرعة على نفس الرسم، وإذا كان ليس بحاذق، فإنه يميل شمالاً ويكون معروجاً ولا يكون مستقيماً، فهذا هو معنى قوله: ولا أنت تفري ما خلقت، يعني: تقدر ثم تشك طبقاً لتقديرك، وطبقاً لما رسمته لنفسك.

    ومنه قول الحجاج في خطبته في العراق:

    إنني لا أقول إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت

    ولا أخلق إلا فريت، يعني: ما أقدر إلا وأنفذ، معناه: لست من الناس الذين يتكلمون، ثم تخالف أفعالهم، أقوالهم، أقول القول ثم لا أنفذه، بل أنا أقول القول وأنفذه، وأنا لا أقول إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، يعني: ما أقدر إلا وفريت وفقاً لتقديري، فهذا هو معنى الخلق في هذه الآية الذي يناسبه ذكر الخالقين، وأما الخلق بمعنى الإيجاد من العدم، فهذا مما اختص به الله سبحانه وتعالى، ولهذا من الأسماء التي لا يصلح أن يسمى بها غير الله: الرحمن، والخالق، والصمد. هذه من الأسماء التي لا تضاف إلا إليه سبحانه وتعالى، ولا تطلق إلا عليه، ولا تطلق على غيره، يعني هذا الإطلاق، الصمد أو الخالق أو الرحمن، وإنما هذه من الأسماء التي يختص بها، وقد ذكر هذا ابن كثير رحمه الله في أول تفسيره لسورة الفاتحة، في تفسير القرآن العظيم عند تفسير سورة الفاتحة، وذكر الرحمن الرحيم، إما في البسملة وإما في الرحمن الرحيم، ذكر أن الرحمن من الأسماء التي لا تضاف إلا إلى الله عز وجل، بخلاف الرحيم، فإنه يطلق على غير الله، وقد جاء في القرآن وصف الرسول أنه رحيم، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، فهذا وصف الله تعالى به رسوله عليه الصلاة والسلام بأنه رءوف رحيم، لكن (رحمن) ما تطلق إلا على الله، و(خالق) ما يطلق إلا على الله، و(الصمد) ما يطلق إلا على الله، وقد ذكر هذا ابن كثير رحمه الله كما قلت في أول تفسيره للقرآن الكريم عند تفسير سورة الفاتحة؛ ولهذا لما تطاول مسيلمة الكذاب وقال عن نفسه: إنه رحمان اليمامة، وأطلق عليه ذلك، ظفر بهذا اللقب الذي يلازم اسمه فصار يقال له: الكذاب، بحيث لا يذكر اسمه إلا ويقرن به كلمة: (الكذاب).

    تراجم رجال إسناد حديث علي: (أن رسول الله كان إذا سجد يقول: اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك آمنت...)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    هو الفلاس، المحدث، الناقد، ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من النقاد، وكثيراً ما يأتي ذكره عند تراجم الرجال يقال: قال فيه الفلاس كذا، ويقال: عمرو بن علي، وهو الفلاس، والنسائي كثيراً ما يذكره بهذا اللفظ عمرو بن علي.

    [أخبرنا عبد الرحمن هو ابن مهدي].

    وهو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة ثبت، ممن كلامه في الرجال كثير، وهو محدث، ناقد، وعمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن، ولم يقل: ابن مهدي، لكن من دون عمرو بن علي، أي: النسائي أو من دون النسائي، هو الذي قال: هو ابن مهدي، أراد أن يوضح من هو عبد الرحمن؛ لأن عمرو بن علي لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما يقول: عبد الرحمن بن مهدي رأساً، ينسبه كما يريد؛ لأن التلميذ ينسب شيخه كما يريد، لكن من دون التلميذ هو الذي يحتاج إلى أن يضيف هذه الإضافة، حتى يعلم أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وعبد الرحمن بن مهدي حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة].

    وهو عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني عمي الماجشون بن أبي سلمة].

    وهو يعقوب، ولقبه الماجشون، واسمه يعقوب بن أبي سلمة، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن عبد الرحمن الأعرج].

    هو عبد الرحمن بن هرمز الملقب بـالأعرج، ذكر باسمه ولقبه، وهو مشهور باللقب، ومشهور أيضاً بالاسم، يأتي ذكره عبد الرحمن بن هرمز، ويأتي ذكره الأعرج، ويجمع بين الاسم واللقب فيقال: عبد الرحمن الأعرج، وهو: المدني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله بن أبي رافع].

    أبوه هو أبو رافع مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبيد الله بن أبي رافع هذا ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو كاتب علي رضي الله عنه، كان كاتباً لـعلي رضي الله عنه، وهو هنا يروي عن علي، وكان كاتب علي، ومعناه الارتباط بينه وبينه حاصل وموجود، من جهة أنه ملازم له؛ لأنه كان كاتباً له.

    [عن علي].

    وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وصهره على ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهو أبو الحسنين: الحسن، والحسين رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، وهو رابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله تعالى عن الجميع، ومناقبه جمة، وفضائله كثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    نوع آخر من الدعاء

    حديث جابر: (أن النبي كان يقول في سجوده: اللهم لك سجدت...) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.

    أخبرنا يحيى بن عثمان ، أخبرنا أبو حيوة ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه كان يقول في سجوده: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].

    أورد النسائي: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو قريب من لفظ حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه المتقدم.

    قوله: [أخبرنا يحيى بن عثمان].

    وهو يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .

    [أخبرنا أبو حيوة].

    وهو شريح بن يزيد الحمصي، وقد وثقه ابن حبان، وأخرج له أبو داود، والنسائي.

    [حدثنا شعيب بن أبي حمزة].

    وهو شعيب بن أبي حمزة الحمصي أيضاً، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن المنكدر].

    وهو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن جابر].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري، صحابي ابن صحابي، أبوه استشهد يوم أحد، وهو عبد الله بن حرام، وهو الذي جاء عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـجابر: (إن الله لم يكلم أحداً إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحاً)، وجابر بن عبد الله أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وجابر، وعائشة أم المؤمنين، وقد قال فيهم السيوطي في الألفية:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    1.   

    نوع آخر من الدعاء

    حديث محمد بن سلمة: (أن النبي كان إذا قام من الليل يصلي تطوعاً قال إذا سجد: اللهم لك سجدت...) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.

    أخبرنا يحيى بن عثمان ، أخبرنا ابن حمير ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر وذكر آخر قبله، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي تطوعاً قال إذا سجد: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، اللهم أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].

    أورد النسائي حديث محمد بن مسلمة، وهو مثل أو قريب من حديث علي وجابر المتقدمين.

    قوله: [أخبرنا يحيى بن عثمان].

    وهو الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

    [أخبرنا ابن حمير].

    وهو محمد بن حمير الحمصي، وهو صدوق، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه .

    [حدثنا شعيب بن أبي حمزة].

    وقد مر ذكره.

    [عن محمد بن المنكدر وذكر آخر قبله].

    يعني شعيب بن أبي حمزة روى عن شخصين، لكن لم يصرح من هو دون شعيب بهذا الثاني، ومن المعلوم أن عدم التصريح به لا يؤثر على الإسناد؛ لأن الإسناد عن محمد بن المنكدر، ومحمد بن المنكدر ثقة فاضل، ما يتفرد به يعول عليه، فسواءً عرف أن أحداً شاركه أو لم يعرف، فالرجل ثقة، ويعول على ما يأتي من طريقه، ولم يسم ذلك الشخص الذي ذكره شعيب، لم يسمه من دون شعيب، وإنما اكتفى بذكر محمد بن المنكدر وقال: إنه ذكر، أي شعيب آخر قبله، يعني: قبله في الذكر.

    [عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج].

    وقد مر ذكره.

    [عن محمد بن مسلمة]

    ومحمد بن مسلمة هو الأنصاري، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويقال: هو أكبر من يسمى محمداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم.

    والحديث سبق أن مر بنا في ذكر الركوع، وفيه الثناء في الركوع، وفيه ذكر محمد بن المنكدر، ورجل آخر قبله.

    1.   

    نوع آخر من الدعاء في السجود

    شرح حديث عائشة: (أن النبي كان يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.

    أخبرنا سوار بن عبد الله بن سوار القاضي ومحمد بن بشار، عن عبد الوهاب، حدثنا خالد، عن أبي العالية، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)].

    أورد النسائي حديث آخر، يتعلق بدعاء من أدعية السجود، وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن)، وسجود القرآن يحتمل أن يكون سجود تلاوة، أو يكون سجود صلاة الليل التي يقرأ فيها القرآن، وتطول فيها القراءة، ويمر المصلي بالسور التي فيها السجدة فيسجد، فيمكن أن يكون المراد بسجود القرآن سجود التلاوة، ويمكن أن يراد به غيره، ومن المعلوم أنه في سجود التلاوة يقال ما يقال في سجود الصلاة، وهذا اللفظ ثبت في الصلاة من طرق أخرى عن غير عائشة رضي الله تعالى عنها، فيصلح أن يؤتى به في سجود التلاوة، وأن يؤتى به في سجود الصلاة، أنه كان يقول: (سجد وجهي لله الذي خلقه، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته) يعني هذا الفعل الذي فعله الله عز وجل هو بحوله وقوته؛ لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهو الذي أوجد الإنسان على هذه الهيئة، وهو الذي شاء ذلك وفعل، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أن النبي كان يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه...)

    قوله: [أخبرنا سوار بن عبد الله بن سوار القاضي].

    وهو سوار بن عبد الله بن سوار القاضي البصري، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    محمد بن بشار].

    ومحمد بن بشار -أيضاً- شيخ ثان له، وهو بندار الذي سبق الإشارة إليه قريباً مع محمد بن المثنى، وهو رفيق محمد بن المثنى، وزميله الذي شاركه في الشيوخ والتلاميذ، وشاركه في سنة الولادة وسنة الوفاة، وقد قال عنهما الحافظ ابن حجر: وكانا كفرسي رهان؛ لأنهما ولدا في سنة واحدة، وماتا في سنة واحدة، وهما من أهل البصرة، واتفقا في الشيوخ، واتفقا في التلاميذ، فهما كفرسي رهان، ما كل واحد يسابق الثاني؛ لتباريهما وتقاربهما، فهما متماثلان في هذه الأمور، فأطلق عليهما أنهما كفرسي رهان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة.

    [عن عبد الوهاب].

    وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا خالد].

    وهو خالد بن مهران البصري الحذاء، وهو مشتهر بلقب الحذاء، وقيل: السبب في ذلك أنه كان يجالس الحذائين فنسب إليهم، وهي من النسب التي إلى غير ما يسبق إلى الذهن؛ لأن الذي يسبق إلى الذهن إذا قيل: الحذاء، أنه يصنع الأحذية أو يبيعها، فيقال: الحذاء، لكن كونه يقال له: الحذاء؛ فقط لكونه يجلس عند الحذائين، فهذا لا يسبق إلى الذهن، ولا يتبادر للذهن أنه ينسب حذاء بسبب جلوسه عند الحذائين، وإنما الذي يتبادر للذهن أنه يبيع الأحذية، أو يصنعها، إما يعملها ويصنعها، أو أنه يبيعها فيقال له: حذاء.

    1.   

    نوع آخر من الدعاء في السجود

    شرح حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (أعوذ برضاك من سخطك...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فوجدته وهو ساجد وصدور قدميه نحو القبلة، فسمعته يقول: (أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).

    أورد النسائي رحمه الله نوعاً آخر، وهو حديث عائشة رضي الله عنها: أنها فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبحثت عنه ووجدته ساجداً ناصباً قدميه، وصدور قدميه نحو القبلة، بمعنى أنه يجعل أصابعه متجهةً إلى القبلة، وهذا مثل ما جاء في حديث أبي حميد الساعدي: أنه يستقبل بأصابعه القبلة، أصابع قدميه، بحيث ينصب القدمين وتكون الأصابع متجهةً إلى القبلة، فهو في حديث أبي حميد الساعدي، وفي حديث عائشة هذا؛ لأن كونها صدورها إلى القبلة، معناه: أن الأصابع متجهةً إلى القبلة، وقد نصبها، فلم يضعها وضعاً، ولم يعرضها على يمينها وشمالها، وإنما جعلها منصوبة، وصدورها إلى القبلة، أطراف الأصابع متجهةً إلى القبلة، (وكان يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، وهذا الحديث سبق أن مر بنا في مواضع من سنن النسائي، وذكرت أن من أحسن من تكلم عليه وشرحه ابن القيم في كتابه شفاء العليل، فإنه عقد له باباً خاصاً من أبواب شفاء العليل، تكلم فيه على هذا الحديث وما اشتمل عليه من الحكم والأسرار، وما اشتمل عليه من الإيمان بالقضاء والقدر، وما اشتمل عليه من صفات الله عز وجل، والاستعاذة بصفاته وبأفعاله، والباب الذي عقده ابن القيم له من كتابه شفاء العليل، هو الباب السادس والعشرون من أبواب شفاء العليل؛ لأن شفاء العليل مشتمل على ثلاثين باباً تتعلق بالقضاء والقدر، والباب السادس والعشرون من هذا الكتاب هو شرح لهذا الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (أعوذ برضاك من سخطك...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة ثبت، إمام مجتهد، محدث فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.

    [أنبأنا جرير].

    هو جرير بن عبد الحميد، وقد مر ذكره قريباً.

    [عن يحيى بن سعيد].

    هو الأنصاري المدني، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن إبراهيم].

    هو التيمي، وهو ثقة، له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وقد مر ذكرها.

    ويحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إبراهيم جاءا في إسناد أول حديث في صحيح البخاري، وهو حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، يعني: يرويه من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن شيخه محمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن إبراهيم التيمي يروي عن علقمة بن وقاص الليثي، وعلقمة بن وقاص الليثي يروي عن عمر بن الخطاب.

    محمد بن إبراهيم التيمي هنا يروي عن عائشة، وهو من أوساط التابعين؛ لأن يحيى بن سعيد الأنصاري من صغارهم، ومحمد بن إبراهيم التيمي من أوساطهم.

    ويحيى بن سعيد يطلق على أربعة أشخاص: اثنان في طبقة، واثنان في طبقة.

    يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن سعيد الأموي، هذان في طبقة واحدة، من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة، يحيى بن سعيد القطان الذي يمر ذكره كثيراً في شيوخ شيوخ النسائي، ويحيى بن سعيد الأموي، أما الآخران فهما: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد، ولعله التيمي أبو حيان، وهما في طبقة واحدة من طبقة صغار التابعين، والأربعة من رجال أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    نوع آخر من الدعاء في السجود

    شرح حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.

    أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي المقسمي، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، أخبرنا ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسسته فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. فقالت: بأبي أنت وأمي إني لفي شأنٍ، وإنك لفي آخر)].

    أورد النسائي حديث عائشة: وهو أنها فقدت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وظنته ذهب إلى بعض نسائه، فبحثت عنه فوجدته راكعاً أو ساجداً، ويقول: (سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، فقالت: بأبي أنت وأمي إنك لفي شأن، وأنا في شأن آخر). قولها: (بأبي أنت وأمي) يعني: ليس قسم وليس حلف، وإنما هو تفدية، أي: أنت مفدي بأبي وأمي، هذا هو المقصود بهذا الكلام، قولها: (أنت في شأن وأنا في شأن آخر) يعني: هي تظن أنه ذهب إلى بعض نسائه، وهو في شأن آخر وهو الصلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت...)

    قوله: [أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي المقسمي].

    ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    [حدثنا حجاج].

    وهو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن جريج].

    وهو عبد الملك بن عبد العزيز المكي، مشهور بـابن جريج، وهو ثقة، فقيه يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عطاء].

    هو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرنا ابن أبي مليكة].

    وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    وقد مر ذكرها.