إسلام ويب

شرح سنن النسائي - كتاب التطبيق - باب التطبيقللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان التطبيق في الركوع وهو جمع اليدين وجعلهما بين الفخذين مشروعاً ثم نسخ بوضعهما على الركبتين، وقد نقل لنا الصحابة الأمرين معاً، وأوضحوا المتقدم من المتأخر منهما، وذلك من حرصهم على تبليغ السنن.

    1.   

    كتاب التطبيق، باب التطبيق

    شرح حديث ابن مسعود: (... وليفرش كفيه على فخذيه فكأنما أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله) في التطبيق في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب التطبيق، باب التطبيق.

    أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن سليمان سمعت إبراهيم يحدث عن علقمة والأسود: (أنهما كانا مع عبد الله رضي الله عنه في بيته، فقال: أصلى هؤلاء؟ قلنا: نعم، فأمهما وقام بينهما بغير أذان ولا إقامة، قال: إذا كنتم ثلاثة فاصنعوا هكذا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وليفرش كفيه على فخذيه، فكأنما أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب التطبيق، ذكر في هذه النسخة: كتاب التطبيق قبل باب التطبيق، والسبب في هذا كما ذكروا - أي: الذين أخرجوا هذه النسخة - أن الطبعة التي حصلت للنسائي في أوائل القرن الرابع عشر الماضي في مصر ،كان بها كتاب التطبيق قبل باب التطبيق، وعلى هذه النسخة وما تعلق بها من الكتب والأبواب، عمل الذين وضعوا الفهارس للكتب الستة، مثل المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي وغيره.

    ومن المعلوم أن التطبيق هو: كون الإنسان عندما يركع يجمع بين يديه ويشبك بينهما، ويجعلهما بين فخذيه، وكان هذا قبل أن يشرع وضع الأيدي على الركب في الركوع، هو عمل قد نسخ.

    والنسائي رحمه الله ذكر باب التطبيق، ثم ذكر النسخ الذي حصل، وهو وضع الأيدي على الركب، وما وراء هذه الأبواب كلها من أبواب صفة الصلاة؛ لأنه أتى بكتاب الافتتاح، مع أنه في الحقيقة هو كتاب الصلاة، لكن الترجمة التي ترجمت في الكتاب السابق تتعلق بأوائل الصلاة، وما وراء ذلك تبع، والكثير من العلماء يعملون الترجمة للكتاب في مثل هذا؛ لأن فيه صفة الصلاة من أولها إلى آخرها، لكن الذي عمله النسائي هو كتاب الافتتاح، وأتى بما يتعلق بافتتاح الصلاة، ثم أتى بصفة الصلاة إلى آخرها تبعاً لهذه الترجمة التي تشير إلى أوائلها.

    والمحصل أن هذه الطبعة المصرية التي حصلت في أوائل القرن الماضي الرابع عشر، ذكرت قبل باب التطبيق كتاب التطبيق، وفي الحقيقة هو ليس كتاب، وإنما هو باب يتعلق بهيئة معينة خاصة بالركوع أو في التشهد معه، وقد نسخت هذه الهيئة كما ذكرنا، والسنة التي ثبتت واستقرت هي أن توضع اليدان على الركبتين.

    وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي جاء عنه التطبيق.

    قوله: [عن علقمة والأسود: (أنهما كانا مع عبد الله في بيته، فقال: أصلى هؤلاء؟ قلنا: نعم، فأمهما وقام بينهما بغير أذان ولا إقامة)].

    علقمة، والأسود لما دخلا عليه وصلى بهما، أمهما ووقف بينهما، يعني واحد عن يمينه وواحد عن شماله، وصلى بهما بدون أذان ولا إقامة، ولما صلى بهما قال: [(إذا كنتم ثلاثة فاصنعوا هكذا)]، معناه: الإمام يكون في الوسط، لكن السنة ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن الاثنين جماعة، وأنهم يكونون وراء الإمام، ولا يكونوا عن يمينه وشماله، وإنما الذي يكون عن يمينه المأموم الواحد، ولا يكون صفاً وحده، أما إذا كان امرأة، فإنها تكون وراءه ولا تصف بجواره، لا عن يمينه ولا عن يساره؛ لأنها لا تصاف الرجل، ولا تقف بجواره.

    إذاً: فهذا الذي جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ثبتت السنة بخلافه، وقد جاءت الأحاديث في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بإمامة الاثنين، وأنهما يكونان وراءه، لا عن يمينه وشماله، ولا عن يمينه فقط، ولا فرق بين الاثنين والثلاثة، وأكثر من ذلك.

    قوله: [(وإذا كنتم أكثر من ذلك)]، يعني: أكثر من ثلاثة، [(فليؤمكم أحدكم)]، معناه: يتقدم ويكون المأمومون صفاً أو صفوفاً وراءه.

    قوله: [(وليفرش كفيه على فخذيه)]، هذا محتمل عدة احتمالات، منهم من قال: إن هذا يراد به فرشهما في حال التشهد، وقيل: تشبيك الأصابع ووضعها بين الفخذين وهو محل الشاهد أي: التطبيق، ولهذا أورده النسائي في هذه الترجمة - باب التطبيق-، وقد جاءت روايات صلاة عبد الله بن مسعود بـعلقمة، والأسود، وفيها التنصيص على أن المراد بذلك التطبيق، وكما جاء عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - والذي سيذكره المصنف بعد هذا - وهو أنه لما بلغه صنيع عبد الله، قال: صدق أخي، ولكن هذا انتهى، وأمرنا بأن نضع الأيدي على الركب، فصدقه فيما قال، وأن هذا كان في أول الأمر.

    قوله: [(فكأنما أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم)] أي: بالتشبيك، كون أطرافهما باين اختلافهما؛ لأنه في حال التطبيق المساواة تكون متماثلة، لكن هنا فيه اختلاف الأصابع، وهذا إنما يكون عن طريق التشبيك، وقد سبق أن أورد النسائي التشبيك في الصلاة، وأورد فيه هذا الحديث الذي فيه التطبيق.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (... وليفرش كفيه على فخذيه فكأنما أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله) في التطبيق في الصلاة

    قوله: [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود ].

    أبو مسعود، بصري ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، مثل هناد بن السري أبو السري، ومثل عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو، وعدد كبير من المحدثين توافق كنيته اسم أبيه، وقالوا: إن معرفة هذا النوع فائدتها: أن لا يظن التصحيف فيما إذا كان الشخص معروفاً بنسبه، ثم جاء غير منسوب، ولكنه مكنىً بعد اسمه كما هنا، بأن يكون معروفاً بإسماعيل بن مسعود، فلو جاء في بعض الأسانيد إسماعيل أبو مسعود، يكون كلاماً صحيحاً؛ لأنه أبو مسعود، وهو ابن مسعود، بخلاف من لا يعرف الكنية ويعرف النسب، فقد يظن أن ابن صحفت وجاء مكانها أبو .

    [حدثنا خالد].

    هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن شعبة].

    وهو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سليمان].

    وهو سليمان بن مهران الكاهلي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو كوفي. ولقبه الأعمش، ويأتي ذكره باللقب كثيراً، ويأتي ذكره بالاسم أحياناً كما هنا، وفائدة معرفة ألقاب المحدثين: أن لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه مرة، وذكر بلقبه أخرى، والذي يعلم بأن هذا لقب لهذا لا يلتبس عليه الأمر.

    [سمعت إبراهيم].

    هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث فقيه، وغالباً إذا أطلق إبراهيم في أهل الكوفة أو في مثل هذه الطبقة - وهو يروي عن الكوفيين - فالمراد به إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي . ومما أضيف إليه ونسب إليه: كما ذكر - ذلك ابن القيم في كتابه ( زاد المعاد في هدي خير العباد) -أنه أول من عبر -عن مثل الذباب والجراد- بقوله: ( ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) وعنه تلقاها الفقهاء من بعده.

    والمراد بالنفس: الدم؛ لأن النفس تطلق على الدم، كما يطلق على النفس التي بها حياة الإنسان التي هي الروح، إذا خرجت نفسه أي: خرجت روحه، مات .

    [عن علقمة والأسود].

    علقمة هو ابن قيس النخعي، وهو ثقة، ثبت، عابد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    والأسود هو ابن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، مخضرم، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله].

    وهو ابن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة وعلمائهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وليس من العبادلة الأربعة في الصحابة؛ لأن العبادلة هم من صغار الصحابة، وقد عاشوا في زمن واحد، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وفي الصحابة غيرهم ممن يسمى عبد الله، مثل عبد الله بن مسعود، ومثل عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري، وغيرهم كثير.

    شرح حديث ابن مسعود في التطبيق من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرني أحمد بن سعيد الرباطي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله حدثنا عمرو وهو ابن أبي قيس عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة قالا: (صلينا مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في بيته فقام بيننا، فوضعنا أيدينا على ركبنا، فنزعها فخالف بين أصابعنا، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله)].

    أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود، من طريق أخرى، وهو يتعلق بصلاة علقمة والأسود معه، وأنهم وضعوا أيديهم على الركب، وأنه نزعها وخالف بينها، ويجعلونها بين أفخاذهم الذي هو التطبيق؛ لأن هذا هو محل الشاهد من إيراده تحت باب التطبيق، وابن مسعود رضي الله عنه كان يفعل هذا، ولعله لم يبلغه الناسخ ،وهو وضع الأيدي على الركب.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في التطبيق من طريق ثانية

    قوله: [أخبرني أحمد بن سعيد الرباطي].

    ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .

    [حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله].

    هو عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في رفع اليدين، والأربعة.

    [حدثنا عمرو].

    وهو ابن أبي قيس الرازي، والأول أيضاً رازي، وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، والأربعة.

    وقوله: [وهو ابن أبي قيس] هذه أتى بها من دون تلميذ عمرو هذا، يعني: من دون عبد الرحمن بن عبد الله، وهو إما أحمد بن سعيد الرباطي أو من دونه، أو النسائي أو من دونه، وإنما أتي بكلمة (هو) حتى يتبين أنها ليست من التلميذ، وأنها ممن دون التلميذ، أراد أن يوضح أن هذه الزيادة زيدت من بعد التلميذ، وهذه الصيغة دالة على ذلك؛ لأن التلميذ لا يحتاج أن يقول: (هو)، بل ينسبه كما يريد، بدون أن يأتي بكلمة (هو)، أو بدون كلمة (يعني).

    [عن الزبير بن عدي].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن إبراهيم، عن الأسود، وعلقمة قالا: صلينا مع عبد الله ].

    وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

    شرح حديث ابن مسعود في التطبيق من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا نوح بن حبيب أنبأنا ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فقام فكبر، فلما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه وركع، فبلغ ذلك سعداً رضي الله عنه، فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل هذا ثم أمرنا بهذا، يعني: الإمساك بالركب)].

    أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طريق أخرى: أن النبي عليه الصلاة والسلام علمهم الصلاة، وأنه صلى ووضع يديه بين فخذيه، ولما بلغ ذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: صدق أخي، يعني: أن هذا كان موجوداً أولاً، ولكننا أُمرنا أن نضع الأيدي على الركب، بدل أن يضعوها بين الفخذين، والمراد بذلك حصول النسخ .

    فالحديث دال على ما دل عليه الذي قبله من جهة حصول التطبيق، ولكن فيه الدلالة على النسخ، فالذي جاء ذكره في آخر الحديث، فإن هذا هو الناسخ، وعلى هذا فالحديث يدل على التطبيق، ويدل على نسخ ذلك .

    وقوله: [(صدق أخي)]، يقصد عبد الله بن مسعود، وهذا من أدب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأنه لما حصل من ابن مسعود ما حصل، وأرشد إلى ما أرشد إليه، وأراد سعد أن يبين الحكم الذي استقر الأمر فيه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال:[(ولكننا أمرنا بعد ذلك بأن نضع الأيدي على الركب)]، أي: أن هذا حصل، ولكنه نسخ.

    ومثله الحديث الذي في صحيح مسلم في قصة السبعين الألف، الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؛ فإن سبب الحديث يقول: أنه انقض شهاب فقال: (أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، قال: ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة). خشي أن يظن أنه مستيقظ أنه يصلي، وأنه لما رأى الكوكب الذي انقض، ظن أنه يصلي، فبادر إلى أن يذكر عن حاله، وأنه لم يكن يصلي، قال: (أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فماذا صنعت، قال: ارتقيت). يعني: عملت رقية، قال: (فما حملك على هذا؟ قلت: حديث حدثناه فلان أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، ثم قال: قد أحسن من انتهى إلى ما قدم، ولكن حدثنا ابن عباس أنه قال: عرضت علَيَّ الأمم فرأيت كذا وكذا)، ومحل الشاهد قوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما قدم)، قد أحسن الإنسان إذا وقف وعمل بما وصل إليه من النصوص، قد أحسن، ولكنه أرشده إلى ما هو الأكمل والأفضل، وهو عدم الاسترقاء، وهو ما جاء في حديث السبعين الألف، (أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون).

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في التطبيق من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا نوح بن حبيب].

    ثقة سني، أخرج له أبو داود، والنسائي.

    [أنبأنا ابن إدريس].

    وهو عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عاصم بن كليب].

    صدوق، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الرحمن بن الأسود].

    هو عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    يروي [عن علقمة]، وقد مر ذكره وذكر عبد الله بن مسعود الذي يروي عنه علقمة.

    وأما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. والحديث هو من مسند عبد الله فيما يتعلق بالتطبيق، ومن مسند سعد بن أبي وقاص فيما يتعلق بالتطبيق ونسخه بوضع الأيدي على الركب.

    1.   

    نسخ التطبيق

    شرح حديث سعد بن أبي وقاص في نسخ التطبيق

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نسخ ذلك.

    أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن أبي يعفور عن مصعب بن سعد، قال: (صليت إلى جنب أبي وجعلت يدي بين ركبتي، فقال لي: اضرب بكفيك على ركبتيك، قال: ثم فعلت ذلك مرة أخرى، فضرب يدي وقال: إنا قد نهينا عن هذا، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نسخ ذلك، يعني: نسخ التطبيق، وأن الحكم الناسخ هو وضع الأيدي على الركب في الركوع، وقد أورد فيه حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن ابنه مصعب صلى إلى جنبه فعمل التطبيق، فأرشده إلى أن يضرب بيديه على الركبتين. ثم إنه فعل ذلك مرة أخرى، فضرب على يده يريد أنه يترك هذا الشيء، في الصلاة، وهذا فيه دليل على أنه إذا حصل تنبيه في الصلاة على أمر مشروع ثابت، أن ذلك لا بأس به؛ لأن سعداً ضرب على يد ابنه، وقد أخبره من قبل بأننا أمرنا بأن نضع الأيدي على الركب، وهذا هو الحكم الناسخ الذي استقر عليه الأمر.

    تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في نسخ التطبيق

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا أبو عوانة].

    وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، مشهور بكنيته أبو عوانة ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وممن اشتهر بكنيته أبو عوانة شخص آخر متأخر عن هذا وهو صاحب المستخرج على صحيح مسلم الذي يقال له: الصحيح، ويقال له: المستخرج، ويقال له: المسند، وهو صحيح، وهو مستخرج؛ لأنه مستخرج على صحيح مسلم، أما هذا فهو متقدم؛ لأنه من طبقة شيوخ البخاري، ومسلم، وكذلك أيضاً هو شيخ شيخ النسائي.

    [ عن أبي يعفور].

    هو واقد أو وقدان العبدي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو يعفور كنية تطلق على شخصين: أبو يعفور الأكبر وأبو يعفور الأصغر، والذي معنا في الإسناد هو أبو يعفور الأكبر، واقد أو وقدان، اختلف في اسمه.

    [عن مصعب بن سعد].

    هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه سعد بن أبي وقاص].

    وقد سبق ذكره.

    شرح حديث سعد بن أبي وقاص في نسخ التطبيق من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن الزبير بن عدي عن مصعب بن سعد قال: (ركعت فطبقت، فقال أبي: إن هذا شيء كنا نفعله، ثم ارتفعنا إلى الركب)].

    أورد النسائي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله، وأن ابنه مصعب كان يطبق، يضع يديه بين فخذيه، فقال: (إن هذا شيء كنا نفعله فنهينا عنه، وارتفعنا إلى الركب)، يعني: بدلاً من أن ندخلها بين الفخذين، نظهرها ونجعلها على ركبنا، فالحديث دال على النسخ.

    تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في نسخ التطبيق من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    حدثنا الفلاس، ثقة، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ يحيى بن سعيد].

    هو يحيى بن سعيد القطان، وهو محدث، ناقد، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن إسماعيل بن أبي خالد].

    هو إسماعيل بن أبي خالد البجلي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزبير بن عدي].

    وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مصعب عن أبيه].

    وقد مر ذكرهما.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الغناء

    السؤال: قرأت في بعض كتب المعاصرين يقول صاحب الكتاب: إن الغناء ليس محرماً إذا لم يضل عن سبيل الله، وعلل بذلك بأن الله قال: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لقمان:6]، وقال: إن اللام في (ليضل) للتعليل.. إلى آخره.

    الجواب: ليس الدليل على ذلك الآية فقط، وإنما الآية والأحاديث التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم أيضاً لا يكون الشيء أنه يكون للتعليل، وإنما بيان أن هذا من شأنه، وأنه يكون من شأنه كذلك، والأحاديث جاءت في تحريم ذلك، وهي كافية في قيام تحريمه، كما جاء في البخاري وغيره من الأحاديث الدالة على تحريم الغناء، سواءً كان أريد به الإضلال، أو أريد به الطرب والاستلذاذ والتمتع بالصوت الذي فيه طرب، كل ذلك لا يجوز، لا إن أريد به الإفساد، ولا إن أريد به الطرب.

    مدى تعلق عمل الجوارح بالإيمان

    السؤال: الإيمان هو قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، فهل هناك مؤلفات كتبت في عمل الجوارح؟

    الجواب: كل الأعمال هي أعمال الجوارح، كل ما هو عمل يعمله الإنسان بجوارحه.. وهذا هو الكثير؛ لأن الصلاة من عمل الجوارح، والزكاة من عمل الجوارح، والحج من عمل الجوارح، وكل هذه يقال لها: أعمال جوارح، ولهذا يأتي كثيراً ذكر الإيمان معطوف عليه العمل الصالح، وليس عطفه عليه لأنه مغاير، ولكن نص عليه مع الإيمان، ونص عليه على حدة؛ لأن هذا هو الميدان، وهذا هو النجاة الذي يكون فيه التفاوت بين الناس.

    حكم الوقوف إلى جهة قبر النبي عليه الصلاة والسلام

    السؤال: فضيلة الشيخ حفظه الله: في هذه الأيام رأينا ظاهرة غريبة وهي لقد كثر الواقفون إلى جهة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كوقوفهم في الصلاة، يزعمون أنهم يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، فهل هذه الظاهرة يجوز العمل بها؟

    الجواب: كون الإنسان يكون في المسجد في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقف متجهاً إلى القبر عند باب المسجد، أو في مكان آخر غير المكان الذي هو مقابل، يعني أمام القبر الشريف؛ لأن سلام الزيارة يكون أمام القبر الشريف، أما السلام من بعد، سواءً عند الباب أو في أي مكان من المسجد، بحيث يقف ويتجه إلى القبر، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم من مكان، ليس المكان المقابل للقبر الذي هو أمامه، وبينه وبين القبلة، يعني في جهة المواجهة للقبر الشريف، هذا عمل غير صحيح، وعمل محدث، والرسول عليه الصلاة والسلام يصلي الإنسان ويسلم عليه عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وفي المسجد وفي أي مكان، يقول: صلى الله عليه وسلم أو عليه الصلاة والسلام، والملائكة تبلغه كما جاء ذلك في الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، يعني: بواسطة الملائكة، كما جاء في الحديث الآخر: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام).

    وعلي بن حسين رحمة الله عليه لما رأى رجلاً يتردد إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويأتي إلى فرجة ويقف عندها، فقال له: ألا أحدثك حديثاً سمعته عن أبي عن جدي؟ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، ثم قال: ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء)، يعني: أن الملائكة تبلغ السلام إلى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    ومما يوضح أن هذا عمل محدث الذي هو كون الناس، أو بعض الناس يقف عند باب المسجد، ويستقبل القبر، وقد يضع يديه على صدره كهيئة الصلاة.. مما يوضح أنه عمل محدث: أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام لما كان موجوداً بين أظهرهم، يكون في حجرته ويكون أيضاً في مصلاه، ما كان الواحد منهم إذا أراد أن يخرج اتجه إلى الحجرة، والرسول صلى الله عليه وسلم فيها، أو اتجه إلى جهة مصلاه، والرسول صلى الله عليه وسلم فيه، وسلم عليه، وعمل هذه الهيئة، ما كانوا يفعلون هذا، وإنما كان شأنهم أنه لما كان بين أظهرهم الواحد منهم إذا وصل عنده قال: السلام عليك يا رسول الله، أما كونه يقف عند باب المسجد، أو يقف في مكان بعيد، فإن هذا ما كانوا يفعلونه.