إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - (باب موضع الإبهامين عند الرفع) إلى (باب القول الذي يفتتح به الصلاة)

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - (باب موضع الإبهامين عند الرفع) إلى (باب القول الذي يفتتح به الصلاة)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مبينة لكل أفعال الصلاة ومن ضمنها رفع اليدين وموضع الإبهامين عند الرفع، كما بينت أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها.

    1.   

    موضع الإبهامين عند الرفع

    شرح حديث وائل بن حجر في موضع الإبهامين عند رفع اليدين للتكبير

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع الإبهامين عند الرفع.

    أخبرنا محمد بن رافع حدثنا محمد بن بشر حدثنا فطر بن خليفة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه رضي الله عنه أنه: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه) ].

    يقول النسائي رحمه الله: موضع الإبهامين عند رفع اليدين، فالمقصود من ذلك: أنهما تكادان تحاذيان شحمة الأذنين، وقد أورد النسائي حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه. والمراد بذلك ما كان بأسفلهما، أي: القطعة الرقيقة اللينة التي في أسفل الأذنين، هذه هي المراد، وهذا يتفق مع الأحاديث المتقدمة عن مالك بن الحويرث: حتى يحاذي فروع أذنيه، والمراد بذلك الأعالي، الفروع هي أعالي الأذنين، وإذا كانت الإبهامان تكاد، أي: تقرب أن تحاذي شحمة الأذنين، فإن الأصابع تحاذي أعلى الأذنين أو أعالي الأذنين، فهو متفق مع ما تقدم من ذكر الرفع حتى محاذاة فروع الأذنين، فهذا الحديث موافق لما جاء في الأحاديث المتقدمة من جهة رفع اليدين، وهذه إحدى الحالات التي ترفع اليدين فيها، وقد جاء في بعض الأحاديث أنها حذو المنكبين.

    تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في موضع الإبهامين عند رفع اليدين بالتكبير

    قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].

    محمد بن رافع هو القشيري النيسابوري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، مثل إسحاق بن راهويه أخرج له اصحاب الكتب الستة عدا ابن ماجة، وهو: من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم، ومن طريقه روى حديث صحيفة همام بن منبه، أو أحاديث صحيفة همام بن منبه التي أوردها في مواضع كثيرة من صحيحه، فإنها كلها بإسناد واحد، وهي من طريق شيخه محمد بن رافع.

    [حدثنا محمد بن بشر].

    وهو الكوفي، وهو ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا فطر بن خليفة].

    وهو صدوق، رمي بالتشيع، وأخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الجبار بن وائل].

    عبد الجبار بن وائل الحضرمي، وهو ثقة، أرسل عن أبيه، روايته عن أبيه مرسلة، وأخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبيه]

    وائل بن حجر الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وسبق أن مر بنا حديث أو حديثان من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، وعرفنا أنها مرسلة، لكن قد جاء ما يعضد هذه الروايات التي جاءت عنه فيما يتعلق برفع اليدين، مثل حديث مالك بن الحويرث، فإنه دال على ما دل عليه حديث وائل بن حجر فيما يتعلق بالنسبة لرفع اليدين.

    والشيخ الألباني وضع هذا الحديث ضمن الأحاديث الضعيفة في سنن النسائي، ولا يظهر لي وجه إدخاله؛ لأن الحديث الذي قبله الذي من طرق عبد الجبار بن وائل، والذي ذكره في جملة الصحيحة، هذا من جنسه، وأيضاً له شاهد كما أن لذاك شاهد، وهو الحديث الذي تقدم في الدرس الفائت.

    1.   

    رفع اليدين مداً

    شرح حديث: (ثلاث كان رسول الله يعمل بهن... كان يرفع يديه في الصلاة مداً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع اليدين مداً.

    أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا سعيد بن سمعان قال: (جاء أبو هريرة إلى مسجد بني زريق، فقال: ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بهن تركهن الناس: كان يرفع يديه في الصلاة مداً، ويسكت هنيهة، ويكبر إذا سجد، وإذا رفع) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع اليدين مداً، أي عندما يرفع الإنسان يديه للتكبير، فإنه يرفعهما مداً، والمد إما أنه يراد المبالغة في الرفع، أو يراد به أن اليدين تكونان ممدودتين، أي: ما تكونا عندما يرفعهما مقبوضتين، وإنما تكون ممدودة الأصابع، وأورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: (ثلاثٌ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن وقد تركهن الناس: كان يرفع يديه مداً، ويسكت هنيهة، ويكبر إذا سجد وإذا رفع).

    فقوله: (يرفع يديه مداً)، هذا هو المقصود بالترجمة، والمراد منه أنه يرفع يديه عند التكبير، يعني عند افتتاح الصلاة، ومثل ذلك عند الركوع، والرفع منه، والقيام للتشهد الأول كما عرفنا في الدرس الماضي، (ويسكت هنيهة)، قيل: إن المراد من ذلك هو السكوت عند افتتاح الصلاة، يعني بعد التكبير، في الصلاة الجهرية، فإنه يسكت، ويأتي بدعاء الاستفتاح، وأبو هريرة رضي الله عنه هو الذي سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام عما يقوله في سكوته، أي في هذه الحال، وأخبره بدعاء الاستفتاح، وأنه كان يأتي بدعاء الاستفتاح، (ويكبر عند السجود وعند الرفع)، يعني أنه عندما يسجد يكبر، وعندما يرفع يكبر، قد جاء في بعض الأحاديث أنه يكبر عند كل خفض، ورفع طبعاً، ويستثنى من ذلك الرفع من الركوع؛ لأنه لا تكبير فيه، وإنما فيه التسميع، وما عدا ذلك فجميع ما يذكر عند الانتقال هو التكبير، إلا في موضع واحد وهو القيام من الركوع، فإنه يؤتى بالتسميع: سمع الله لمن حمده.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاث كان رسول رسول الله يعمل بهن... كان يرفع يديه في الصلاة مداً)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    الفلاس، وهو ثقة، محدث، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا يحيى].

    وهو ابن سعيد القطان، وهو محدث، ناقد، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قال فيه الذهبي وعبد الرحمن بن مهدي: أنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه. يعني: أنهما يصيبان الهدف إذا اتفقا على جرح شخص.

    [حدثنا ابن أبي ذئب].

    وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [قال حدثنا سعيد بن سمعان].

    وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [أبو هريرة]

    وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    1.   

    فرض التكبيرة الأولى

    شرح حديث المسيء صلاته

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فرض التكبيرة الأولى.

    أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى حدثنا عبيد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي فرض التكبيرة الأولى، يعني: أنها فرض لازم، وذلك أن الصلاة لا تنعقد إلا بها، ولا يكون الإنسان داخلاً في الصلاة إلا بهذه التكبيرة التي هي تكبيرة الإحرام، وتسمى تكبيرة الإحرام؛ لأن الإنسان إذا أتى بها دخل في الصلاة لإتيانه بها، فيحرم عليه بعدها ما كان حلالاً له قبلها؛ لأنه قبل أن يكبر، ويدخل في الصلاة، له أن يأكل، ويشرب، وله أن يمشي، وله أن يتكلم مع غيره، وله أن يلتفت، وله أن يتصرف التصرفات التي يسوغ له أن يتصرفها، فإذا حصل منه التكبير فإنها تحرم عليه، وتكبيرة الإحرام هي مثل النية في الإحرام في الحج، يحرم عليه عند الإحرام، وعند نية الإحرام ما كان حلالاً له قبلها، وقد جاء في الحديث: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، تحريمها التكبير، يعني: أن الإنسان يكون دخل بها، وحرم عليه بالدخول بها، أي: الصلاة ما كان حلالاً قبل ذلك، وذلك بالتكبير، وتحليلها التسليم، هذا التحريم وهذا الامتناع الذي يكون والإنسان يصلي، ينتهى منه بالتسليم، فإذا وجد التسليم يعود الإنسان إلى ما كان عليه قبل تكبيرة الإحرام، فله أن يتكلم، وله أن يلتفت، وله أن يشرب، وله أن يأكل، وله أن يخاطب غيره؛ لأن (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، فكما قلت: يقولون في تعريف الصلاة شرعاً: هي أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فبدايتها تكبير ونهايتها تسليم، (تحريمها التكبير، وتحليها التسليم)، كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتكبيرة الإحرام فرض، ولا تنعقد الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، وإذا وجدت تكبيرة الإحرام، عند ذلك دخل الإنسان في الصلاة، وبدونها لا يكون الإنسان دخل في الصلاة.

    وقد أورد فيه حديث أبي هريرة، وهذا الحديث مشهور بحديث المسيء في صلاته؛ لأنه ما أحسن في صلاته، وما أصاب في صلاته، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشده، وأمره بأن يعيد الصلاة، وأنه لم يصل، ولما قال له: (والذي بعثك بالحق نبياً لا أحسن غير هذا فعلمني)، علمه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، والحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً..

    (أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجلٌ).

    فصلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، جاء إلى النبي وسلم عليه، فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، يعني: أن صلاته التي صلاها غير معتبرة، ولهذا قال: (ارجع فصل فإنك لم تصل)؛ لأن قوله: (فإنك لم تصل)، يبين أن صلاته الماضية غير معتبرة، ولو لم يقل: (فإنك لم تصل)، لقال: إني قد صليت، لكنه أرشده إلى أن صلاته التي صلاها غير معتبرة، فرجع وصلى كما صلى، ثم جاء وقال: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، ثم جاء إليه، وفي كل مرة يأتي، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليه السلام، وفيه دليل على أن الإنسان إذا تكرر دخوله، ومجيئه إلى مكان معين، يأتي إليه، ثم يذهب، ثم يرجع، فإنه يسلم في كل مرة؛ لأن هذا تكرر منه السلام، ثم يذهب، فيصلي، ثم يأتي، فيسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يرد علي السلام، ففي هذا تكرار السلام في المجلس الواحد، إذا ذهب الإنسان ورجع إليه فإنه يسلم مرةً أخرى، ولا يكفي سلامه الأول الذي حصل قبل ذهابه منه، وإنما في كل مرة يأتي يسلم، كما فعل هذا الصحابي، ورد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عليه.

    وعندما فعل هذا ثلاثاً، فلم يكن ما حصل منه أولاً خطأ في تلك المرة فقط، فحصل منه استعجال أخلّ بالصلاة، وإنما كان على وتيرة واحدة، وعلى طريقة واحدة، وصلاته على هيئة واحدة، فعند ذلك قال: (والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فعلمني)، حلف وأقسم بأنه لا يعرف غير هذا، وأن هذا هو الذي يعرفه من كيفية الصلاة، وطريقة الصلاة، وطلب منه أن يعلمه، وهذا الذي حصل من الرسول صلى الله عليه وسلم كونه يعيده ثلاث مرات، ثم بعد ذلك يأتي، ثم يحلف بأنه ما يعرف إلا هذا، ويطلب التعليم، لا شك أنه عندما يعلم يقع ذلك التعليم في نفسه، وسينتبه جيداً لتلقيه؛ لأن كونه فعل ذلك ثلاث مرات، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، ثم بعد ذلك يحلف بأنه لا يعرف غير هذا، ويطلب التعليم، فيعلمه الرسول عليه الصلاة والسلام، لا شك أن التعليم بعد هذه الأمور فيه رسوخ، وفيه تمكن من الأخذ والتلقي، ما دام أنه سبقه هذه الأحوال.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث: فرض التكبيرة الأولى، (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، معناه: أن الإنسان يدخل في الصلاة بالتكبير، فالتكبير أمر لازم، وهي أول فروض الصلاة، أول أركان الصلاة؛ لأن الدخول يكون بها، فهي أول فرض يكون في الصلاة، عند إيقاعها، وتنفيذها، فإن أول فرض فيها هو التكبير للدخول في الصلاة الذي هو الإحرام، الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرت: (تحريمها التكبير).

    (إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، وهذا استدل به بعض العلماء على أن قراءة الفاتحة ليست بلازمة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، وقد يتيسر مع الإنسان من القرآن غير الفاتحة، لكن جاءت الأحاديث الخاصة الدالة على تعين قراءة الفاتحة، وعلى لزوم قراءة الفاتحة، فدل على أن ما جاءت به السنة من بيان لزومها، أن هذا هو المتعين، ويحمل قوله عليه الصلاة والسلام: (ما تيسر معك من القرآن)، على ما بعد الفاتحة، أو يكون في حق الإنسان الذي ما تعلم الفاتحة، يعني قبل أن يتعلمها إذا كان يحفظ شيئاً فإنه يؤدي الصلاة به، لكن يتعين عليه أن يأتي بسورة الفاتحة وأن يحفظها، وأن يتعلمها؛ لأنها مطلوبة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وقد جاءت الأحاديث الدالة على فرضها، ووجوبها، ولزومها، وأنه (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فهي متعينة.

    (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)، معناه: أنه يطمئن في ركوعه، أي: ما يكون هناك استعجال، وإنما يكون فيه اطمئنان في هذه الأفعال التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع يعني من الركوع؛ حتى تعدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام نبهه على الشيء الذي رآه أخل به، وهو هذه الأفعال، وأنه لم يطمئن فيها، بل كان مستعجلاً، فنبهه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن يطمئن في هذه الأفعال، ولم يعلمه الأمور الأخرى التي هي التشهد، والسلام وما إلى ذلك، ولعله لم يكن مخلاً في تلك، وإنما أخل في الركوع، وفي القيام، وفي السجود، وفي الجلوس بعد السجود الذي بين السجدتين، فأرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاطمئنان في هذه الأفعال.

    ثم قال: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، أي: كل ركعات الصلاة تعمل فيها مثل ما عملت في هذه الركعة، وهذا الحديث حديث عظيم، وهو أصل في بيان كيفية الصلاة، وكذلك فيما يتعلق بالاطمئنان بها، وفيه أن الإنسان إذا ما اطمأن في أفعاله: الركوع، والسجود، والجلوس، والقيام، أنه لا يعتبر مصلياً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فإنك لم تصل)، أي: ما وجدت منك الصلاة المشروعة المطلوبة التي تحصل براءة الذمة بها، فأرشده النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بعد هذا الترداد وبعد حلفه بأنه لا يحسن غير ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث المسيء صلاته

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].

    وهو محمد بن مثنى العنزي، الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو: رفيق محمد بن بشار الذي اتفق معه في سنة الولادة، وسنة الوفاة، واتفقا معه في الشيوخ، والتلاميذ، واتفقا في كونهما جميعاً من أهل البصرة، ولهذا قال عنهما الحافظ ابن حجر: وكانا كفرسي رهان. ولدا في سنة واحدة، ومات في سنة واحدة، وهم من أهل البصرة، واشتركا في الشيوخ والتلاميذ، فصارا كفرسي رهان.

    [حدثنا يحيى].

    وهو ابن سعيد القطان، تقدم ذكره قريباً.

    [حدثنا عبيد الله بن عمر].

    هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، وهو المصغر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بخلاف أخيه المكبر الذي هو عبد الله فإنه ضعيف، عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، هذا ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وأما أخوه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب فهو ضعيف، فالمصغر ثقة، والمكبر ضعيف.

    [حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري].

    وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    كيسان أبو سعيد المقبري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    أبو هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم ذكره.

    1.   

    القول الذي يفتتح به الصلاة

    شرح حديث عبد الله بن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول الذي يفتتح به الصلاة.

    أخبرنا محمد بن وهب حدثنا محمد بن سلمة وعن أبي عبد الرحيم حدثني زيد هو ابن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (قام رجلٌ خلف نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صاحب الكلمة؟ فقال رجل: أنا يا نبي الله، فقال: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً) ].

    أورد النسائي القول الذي يفتتح به الصلاة، يعني: الدعاء الذي يفتتح به الإنسان صلاته، وقد أورد فيه حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجلٌ خلفه: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فقال: من قائل هذه الكلمة؟ فقال رجلٌ: أنا يا رسول الله، فقال: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً)، أي: كل واحد يبادر ويسارع إلى كتابتها، فهذا يدل على مشروعية هذا الدعاء في افتتاح الصلاة، ويدل أيضاً على أن الكلمة تطلق على الكلام؛ لأن قوله: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً)، أطلق عليه أنها كلمة؛ لأن الكلمة تأتي ويراد بها الكلام، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، مثل هذا الحديث، ومثل حديث: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيءٍ ماخلا الله باطل) .

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فالمراد بالكلمة هنا الكلام، وليس المراد بها كلمةً واحدة مفردة، ولهذا يقول ابن مالك في أول ألفية:

    واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم

    وقد يقصد بالكلمة الكلام، ولهذا يقال: فلان ألقى كلمة، والمراد بالكلمة كلمة طويلة، وليست كلمةً واحدة ولفظاً واحداً، فالكلمة تأتي للفظة مفردة واحدة، وتأتي أيضاً ويراد بها الكلام، ومن مجيئها مراداً بها الكلام هذا الذي في هذا الحديث: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، قال: من قائل هذه الكلمة؟)، يعني الكلام الذي قيل، وهو ليس كلمة واحدة، لكن كلمة يراد بها الكلام.

    ثم أيضاً فيه بيان عظم شأنها، وأن الاثني عشر ملكاً يبتدرونها كل واحد منهم يبادر إلى كتابتها.

    (لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً).

    أي: كل واحد يبادر إلى كتابتها، وهذا يدل على فضل هذه الكلمة، ولهذا جاء عن ابن عمر أنه ما ترك ذلك منذ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا.

    تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة

    قوله: [أخبرنا محمد بن وهب].

    محمد بن وهب الحراني، وهو صدوق، أخرج له النسائي وحده.

    [حدثنا محمد بن سلمة].

    محمد بن سلمة الحراني، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وهناك محمد بن سلمة آخر وهو: الجملي المرادي، وهو ثقة، وهو متأخر عن هذا، وهو الذي يروي عنه النسائي مباشرة، إذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي فالمراد محمد بن سلمة المرادي، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه بواسطة، فالمراد به هذا الذي معنا الذي هو محمد بن سلمة الحراني.

    [وعن أبي عبد الرحيم].

    وهي كنية اشتهر بها خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو مشهور بكنيته أبي عبد الرحيم، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [حدثني زيد هو ابن أبي أنيسة].

    ابن أبي أنيسة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وقوله: هو ابن أبي أنيسة، هذه قالها من دون أبي عبد الرحيم؛ لأن أبا عبد الرحيم لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، بل ينسب شيخه كما يريد، لكن أبا عبد الرحيم أتى بـزيد فقط عند روايته عن شيخه، ولم ينسبه، فمن بعد أبي عبد الرحيم هو الذي أتى بهذه النسبة، وذُكرت بقوله: هو؛ حتى لا يظن أنها من التلميذ؛ لأنه لو لم يأتِ بـ(هو) لظن أنها من التلميذ، والتلميذ ما نسبه، وإنما أتى به بلفظ مفرد الذي هو زيد، ومن دونه أراد أن يوضح، لكنه أتى بكلمة هو الدالة على أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ.

    [عن عمرو بن مرة].

    عمرو بن مرة الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عون بن عبد الله].

    هو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الله بن عمر].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث ابن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن شجاع المروذي حدثنا إسماعيل عن حجاج عن أبي الزبير عن عون بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من القائل كلمة كذا وكذا؟، فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبت لها، وذكر كلمة معناها: فتحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله)].

    أورد حديث ابن عمر من طريق أخرى، وفيها ما في التي قبلها، إلا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال له: من قائل هذه الكلمة؟ وقال: أنا، قال: عجبت لها، ثم قال كلمةً معناها: فتحت لها أبواب السماء. يعني: قال كلمة معناها، معنى هذه الكلمة: فتحت لها أبواب السماء، معناه: أن الكلمة هذه لم يتقن لفظها، ولكنه أتى بمعناها، فتحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر:

    [ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله].

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا محمد بن شجاع المروذي].

    بتشديد الراء، والمراد بالمروذي نسبة إلى مر الروذ، ويقال: مرو الروذي، ويؤتى بها مختصرة فيقال: المروذي، وهي نسبة إلى بلد أو إلى مدينة اسمها مر الروذ، وقيل لها: مر الروذ؛ حتى تتميز من مرو الشاهجان التي ينسب إليها مروزي، ينسب إليها فيقال: المروزي، وأما مر الروذ فينسب إليها فيقال: المروذي، وأكثر النسب تأتي المروزي نسبة إلى مرو الشاهجان، وهما بلدان متقاربان، قيل: إن بينهما أربعون فرسخاً، فينسب إلى مرو الشاهجان المروزي، وينسب إلى مر الروذ المروذي، ومحمد بن شجاع شيخ النسائي ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.

    [حدثنا إسماعيل].

    وهو ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، وهو ثقة، ثبت، إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، هو مشهور بـابن علية.

    [عن حجاج].

    وهو ابن أبي عثمان الصواف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي الزبير].

    محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عمر].

    وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

    1.   

    الأسئلة

    جمع أدعية الاستفتاح في الصلاة الواحدة

    السؤال: كم عددٍ من أدعية الاستفتاح في الصلاة الواحدة؟

    الجواب: لا تجمع أدعية الاستفتاح في صلاة واحدة، وإنما يؤتى بدعاء واحد، وإذا أتى بهذا مرة، وبهذا مرة، وبهذا مرة، فلا بأس، والرسول صلى الله عليه وسلم ما جمعها، وإنما أتى بها في أحوال مختلفة، جاء عنه هذا في موضع، وهذا عنه في موضع، وعلم هذا، وعلم هذا، لكن لا يجمعها؛ لأن الرسول ما جمعها، وإنما أتى بكل واحد منها على حدة، أو علم هذا، وعلم هذا، وعلم هذا وهكذا، فهي أنواع من أنواع الاستفتاح، أي: أن أي واحد منها يأتي به وقد ثبت، فإنه موافق للسنة، أما كونه يجمعها، فهذا لا أعلم له دليل يدل عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم ما فعله، وهذا الذي يسمونه اختلاف التنوع، كون واحد يأخذ مثلاً بنوع من أنواع الاستفتاح الثابت عن رسول الله لا بأس بذلك، هذا ما يقال فيه اختلاف تضاد؛ لأن هذا حق، وهذا حق، فأي واحد منها أخذ به فقد أخذ بحق.

    الاكتفاء بـ(الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا) في دعاء الاستفتاح

    السؤال: من قال: الله أكبر كبيراً إلى آخره، هل تكفي عن الاستفتاح؟

    الجواب: تكفي، لكن لو أتى بـ: الله أكبر وحدها، ثم قال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فهذا هو الأولى، وإن أتى به قال: الله أكبر، وهي التي حصل بها الدخول، والباقي أضافه إليها استفتاحاً جاز.

    حالة استخلاف الإمام أحد المأمومين وكيفيته

    السؤال: متى يجوز للإمام أن يستخلف إماماً بدلاً منه من المصلين؟

    الجواب: إذا اضطر إلى الخروج من الصلاة لأمر اقتضى ذلك، كأن يكون غلبه الحدث، وهو بحاجة إلى أن يذهب لقضاء حاجته، فإنه يستخلف، بمعنى أنه يرجع وراءه القهقرى، ويمسك واحداً يجعله يتقدم، ولا يستدير بل يستخلف وهو مستدير، ثم يقطع صلاته.

    الاختلاف بين الضمير ووجوه في قول ابن عمر

    السؤال: لماذا ذكر ابن عمر: ما تركته منذ سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، مع أن الصلاة عائد على الكلمة، ما تركتها؟

    الجواب: لأن الكلمة يراد بها الكلام، أي: ما تركت الكلام أو ما تركت الكلمة، فهو أتى به على أن المراد بها الكلام؛ لأن الكلمة يراد بها الكلام، فلا تنافي بين رجوع الضمير مذكراً أو مؤنثاً، فإن كان مؤنثاً فالمراد به الكلمة، وإذا جاء مذكراً فالمراد به الكلام.

    فيقال: ما تركت هذا الدعاء مثلاً.

    يمكن أن يكون المراد هذا الذكر أو هذا الكلام.

    حكم صلاة المنفرد خلف الصف

    السؤال: إذا قصر إنسان في الصف، ووقف منفرداً وصلى ركعةً واحدة منفرداً، ثم لحق به آخر واصطف معه، فما حكم صلاته؟

    الجواب: إذا حصل منه التقصير، فدخل في الصلاة منفرداً، مع وجود أماكن خالية في الصف لم يدخل فيها، فلا شك أنه فعل أمراًمنكراً، وأمراً غير سائغ، ولا تصح صلاته في تلك الحال، لكن كونه جاء معه أحد هل يقضي تلك الركعة التي ما اصطف معه أحد فيها؟ إذا كان دخل في الصلاة، ولم يركع، لم يحصل الركوع إلا بعد ما جاء أحد، فالأمر واضح ما فيه إشكال، وإنما الإشكال فيما لو مضى ركعة من الركعات، فهل يعيدها كما أمر بإعادة الصلاة كلها لما حصل منه من التقصير؟ لا أدري، ما أستطيع أقول فيها شيئاً.