إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - باب العذر في ترك الجماعة - باب حد إدراك الجماعة

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - باب العذر في ترك الجماعة - باب حد إدراك الجماعةللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأعذار التي تبيح التخلف عن الجماعة مدافعة الخبث، ولهذا يستحب أن يبدأ به أولاً، كما يعذر بحضور العشاء، ونزول المطر، ومن جاء إلى المسجد وقد صلى الناس كتب له مثل أجر من حضرها.

    1.   

    العذر في ترك الجماعة

    شرح حديث: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [العذر في ترك الجماعة.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: (أن عبد الله بن أرقم رضي الله عنه كان يؤم أصحابه، فحضرت الصلاة يوماً فذهب لحاجته ثم رجع، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)].

    لما ذكر النسائي في الأبواب السابقة التشديد في التخلف عن صلاة الجماعة، وأورد الأحاديث التي وردت في ذلك، وأن التخلف عنها من علامات النفاق، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخص لرجل أعمى استأذنه بأن يتخلف ويصلي في بيته؛ لأنه شاسع الدار، وليس له قائد يلازمه إلى المسجد، وهو أعمى، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يرخص له، وقال: (هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فأجب)، لما ذكر ذلك ذكر هذه الترجمة وهي: العذر في التخلف عن الجماعة.

    يعني: لما ذكر الترجمة السابقة ذكر هذه الترجمة التي بين فيها شيئاً من الأعذار التي يرخص ويؤذن للإنسان أن يتخلف ويترك صلاة الجماعة، وقد أورد في ذلك بعض الأحاديث، ومنها حديث: عبد الله بن أرقم في قصة كونه ذهب مع جماعة من أصحابه، وجاء عند أبي داود: أنه خرج حاجاً ومعه جماعة وهو يؤمهم، فلما أقيمت الصلاة وجد أنه بحاجة إلى الذهاب لقضاء الحاجة، فقال: ليؤمكم أحدكم، ثم ذهب، وجعل واحداً منهم يصلي بهم، ثم روى الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أورده النسائي هنا.

    قوله: [(إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة)]، يعني: إذا كان يحس أنه بحاجة إلى قضاء الحاجة، فإنه يقضي الحاجة أولاً، ثم يأتي إلى الصلاة، ولا يصلي وهو يدافعه؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته، فأمر واحداً منهم أن يصلي بهم، وذهب هو ليقضي حاجته، ولما رجع أخبرهم بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)، يعني: لا يصلي وهو بحاجة إلى الذهاب لقضاء الحاجة، وإنما يقضي حاجته أولاً، ثم يأتي إلى الصلاة وهو مستريح البال ليس مشوشاً، وليس عنده ما يشغله، وليس مدافعاً للبول أو الغائط، فحديث عبد الله بن أرقم هذا يدل على أن الإنسان إذا جاء وقت الصلاة وهو مصاب بإسهال، فإنه معذور بأن يتخلف عن الجماعة؛ لوجود هذا الأمر الذي اقتضى التخلف.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مالك].

    وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة؛ مذاهب أهل السنة، والتي حصل لأصحابها أتباع عنوا بجمع أقوالهم وآرائهم، وتدوينها وتنظيمها والعناية بها، وقد حصل في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم أئمة مثلهم أجلة، ولكنه ما حصل لهم من الأتباع الذين يعنون بجمع فقههم وترتيبه، وتنظيمه والعناية به كما حصل لهؤلاء الأربعة، رحمة الله على الجميع، والإمام مالك رحمه الله أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن هشام بن عروة].

    وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، ثقة، فقيه، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه عروة].

    وهو عروة بن الزبير بن العوام، من فقهاء المدينة في عصر التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة، وإذا جاء ذكر الفقهاء السبعة في مسألة فيراد بهم سبعة من فقهاء التابعين في المدينة، ومنهم: عروة بن الزبير بن العوام، وقد مر ذكرهم مراراً وتكراراً، مع تكرر أسماء هؤلاء السبعة الذين هم مكثرون من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين يأتي ذكرهم، وتأتي الإشارة إليهم في مناسبات متعددة، لوجود الأحاديث الكثيرة التي يأتي في أسانيدها هؤلاء السبعة من فقهاء التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن الأرقم].

    وهو صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولاه عمر رضي الله عنه بيت المال في زمن خلافته، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

    شرح حديث: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء)].

    أورد النسائي حديث: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا حضر العشاء)، وهو: الطعام الذي يكون في آخر النهار أو في أول الليل، (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء)، إذا حضر وقدم، وأقيمت الصلاة، والنفوس متعلقة بالطعام، ولاسيما إذا كان هناك جوع، والإنسان إذا صلى ينشغل عن صلاته بشدة جوعه وحاجته إلى الطعام، فإنه يبدأ بالعشاء؛ لأنه لو دخل في صلاته لاشتغل فيها بتعلق نفسه بالعشاء الذي قدم؛ لكونه بحاجة إليه، وهذا فيما إذا قدم وحضر والنفوس متعلقةٌ به، أما إذا لم يكن حاضراً، فإن الصلاة تؤدى، وزمن تأديتها قصير، ويرجع الإنسان إلى الطعام إذا نضج وهيئ، والحديث جاء فيما إذا حصل حضوره، وتعلقت النفوس به، فإنه يبدأ به ويقدم على الصلاة؛ لأنه لو دخل في الصلاة وهو يتوق إليه، لاسيما إذا كان جائعاً، فإنه يتشاغل في صلاته، ويحصل له التشويش والتعلق بذلك الطعام، فجاءت السنة بأن الإنسان يقضي حاجته أولاً إذا قدم الطعام، ثم يذهب إلى الصلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)

    قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].

    وهو الجواز المكي، ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وقد عرفنا فيما مضى: أن محمد بن منصور اثنان: أحدهما هذا الجواز المكي، والثاني: الطوسي، لكن حمله على محمد بن منصور المكي هو الأقرب؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، وإذا أهمل الشخص فإنه يحمل على من يكون له بالراوي، أو بالشيخ علاقة، كأن يكون مكثراً عنه، أو يكون ملازماً له، أو يكون من أهل بلده، بخلاف الثوري فإنه كوفي، ومحمد بن منصور مكي، وسفيان بن عيينة مكي، فإذاً: محمد بن منصور هو المكي الجواز.

    [عن سفيان].

    وهو ابن عيينة، محدث، فقيه، مشهور، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزهري].

    إذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري، فالمراد به: ابن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، وهو مكثر من الرواية عنه، أما سفيان الثوري فقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: أنه لا يروي عنه إلا بواسطة، وعلى هذا فيحمل ما جاء من ذكر سفيان غير منسوب، يروي عن الزهري، يحمل على أنه ابن عيينة، والزهري هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وينسب إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، وزهرة بن كلاب، أخو قصي بن كلاب، يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في كلاب أبو قصي وأبو زهرة، وهو إمام جليل، ومحدث فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من جلة أهل المدينة من صغار التابعين، وهو الذين كلفه أمير المؤمنين الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بجمع السنة وتدوينها وكتابتها، وهو الذي قال فيه السيوطي في الألفية:

    أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر

    وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    وهو أنس بن مالك صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديثه، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات، وهو من صغار الصحابة الذين عمروا وعاشوا حتى أدركهم صغار التابعين؛ لأن الزهري من صغار التابعين، وقد أدرك صغار الصحابة، مثل: أنس بن مالك رضي الله عنه، وروى عنه كما هنا، وهذا الإسناد رباعي، من رباعيات النسائي، التي هي أعلى الأسانيد عند النسائي، التي فيها بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهذا الإسناد من الأسانيد العالية عند النسائي التي هي الرباعيات، وليس عنده ثلاثيات، بل أعلى ما عنده الرباعيات، مثل هذا الإسناد الذي معنا.

    شرح حديث أسامة بن عمير في العذر بالمطر في ترك الجماعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فأصابنا مطر، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن صلوا في رحالكم)].

    أورد النسائي حديث والد أبي المليح، وهو: أسامة بن عمير، أنهم كانوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في حنين، فأصابهم مطر، فنادى منادي رسول الله: (أن صلوا في رحالكم)، يعني: صلوا في منازلكم، وهذا يدل على أن المطر إذا غزر وكثر وشق على الناس الخروج إلى المسجد، فلهم أن يصلوا في منازلهم، وهذا من الأعذار التي يرخص للإنسان فيها بالتخلف عن الجماعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر مناديه أن ينادى في ذلك الوقت: (أن صلوا في رحالكم)، أي: في منازلهم التي هم نازلون فيها؛ لأن خروجهم واجتماعهم للصلاة فيه مشقة ومضرة عليهم بسبب المطر، إذاً: المطر من جملة الأعذار في التخلف عن الجماعة.

    تراجم رجال إسناد حديث أسامة بن عمير في العذر بالمطر في ترك الجماعة

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].

    وهو أبو موسى الملقب بـالزمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومثله: محمد بن بشار الملقب بندار، وكذلك: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وكذلك: نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، فهؤلاء جميعاً من شيوخ أصحاب الكتب الستة، أما محمد بن المثنى هذا الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فكانا متماثلين في أمور كثيرة، اتفقا في سنة الولادة، واتفقا في سنة الوفاة، واتفقا بأنهما من أهل البصرة، واتفقا بأن الشيوخ لهما متماثلون، وأن التلاميذ لهما متماثلون، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمة أحدهما في التقريب: وكانا كفرسي رهان، وهما الفرسان المتسابقان اللذان كل واحد منهما ما يسبق الآخر، وذلك لاتفاقهما في سنة الولادة وسنة الوفاة، وهما من صغار شيوخ البخاري؛ لأن البخاري توفي سنة مائتين وست وخمسين، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، توفيا في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، يعني: بين سنة وفاتهما وسنة وفاة البخاري أربع سنوات، فهما من صغار شيوخه الذين أدركهم من بعد البخاري، ولهذا هما شيخان لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنهما مباشرة وبدون واسطة.

    [عن محمد بن جعفر].

    وهو الملقب غندر، ويأتي أحياناً بلقبه وأحياناً يأتي باسمه، ونسبه كما هنا، وكثيراً ما يأتي بلفظ: محمد غير منسوب، يروي عن شعبة، ويروي عنه محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، والمراد به: محمد بن جعفر هذا، وفي بعض الأحيان يأتي منسوباً كما هنا محمد بن جعفر، ومر بنا مواضع عديدة فيها اسمه فقط، يروي عن شعبة والمراد به: محمد بن جعفر الملقب بـغندر، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن شعبة].

    وهو ابن الحجاج الواسطي، الذي لقب بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الألقاب الرفيعة، ومن أعلى صيغ التعديل، وهي صفة لم يظفر بها إلا القليل النادر من المحدثين، مثل: شعبة هذا، ومثل: سفيان الثوري، ومثل: إسحاق بن راهويه، ومثل: البخاري، ومثل: الدارقطني، وعدد قليل من المحدثين وصفوا بهذا الوصف العالي، ولقبوا بهذا اللقب الرفيع، ألا وهو لقب أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن قتادة].

    وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المدلسين، ولكن المعروف عن شعبة أنه إذا روى عن مدلس، فإنه لا يروي عن شيخه المدلس شيئاً دلس فيه، وإنما الذي يرويه شعبة عن شيوخه المدلسين، فقد أمن تدليسهم، وحديث قتادة بن دعامة السدوسي البصري أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي المليح].

    وأبو المليح كنية اشتهر بها عدد من الرواة، وأبو المليح هذا من المتقدمين، وهو من طبقة التابعين، وهو يروي عن أبيه، واسم أبي المليح قيل: إنه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    وهو أسامة بن عمير صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    1.   

    حد إدراك الجماعة

    شرح حديث أبي هريرة فيمن خرج إلى المسجد متوضئاً فوجد الناس قد صلوا

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حد إدراك الجماعة:

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن محمد عن ابن طحلاء عن محصن بن علي الفهري عن عوف بن الحارث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فوجد الناس قد صلوا، كَتَب الله له مثل أجر من حضرها، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)].

    أورد النسائي هذه الترجمة: باب حد إدراك الجماعة، والمراد من ذلك: الفضل الذي يحصل الإنسان فيه أجر صلاة الجماعة، والذي أراده النسائي هنا وقصده من إيراد هذه الترجمة، وأورد الحديثين تحتها: أن من توضأ، وقصد المسجد، وفاتته الصلاة، فإنه يحصل مثل أجر الذين قد صلوا من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وذلك لكونه يحافظ على الصلاة ويحرص عليها، وإذا حصل أن فاتته الصلاة في يوم من الأيام، فإنه يكون محصلاً الفضل، ومحصلاً الأجر؛ لأن وضوءه وذهابه إلى المسجد، وحرصه على الصلاة، وقد فاتته في بعض الأحيان، فإن الله يثيبه ويأجره، ويحصل أجر من حضرها من غير أن ينقص من أجور الذين حضروها وصلوا جماعة شيئاً، وهذا من فضل الله عز وجل وكرمه، وهذا بالنسبة للفضل وإدراك الفضل.

    أما الجماعة -التي هي جماعة المسجد- فإنها لا تدرك، إلا بإدراك ركعة، أو بإدراك الإمام لم يسلم، فبإدراك ركعة يكون الإنسان أدرك شيئاً يعتد به إذا قام لقضاء ما فاته، وأما إذا أدركه بعد الركوع من الركعة الأخيرة، فإنه يدخل معه في الصلاة، ويكون قد أدرك الجماعة، ولكنه لم يدرك شيئاً يعتد به، وإذا قام يقضي بعد سلام الإمام، يأتي بالصلاة كاملة، ولكنه أدرك فضل الجماعة؛ لكونه أدرك جزءاً يسيراً منها، وذلك في حال كون الإمام لم يسلم، لكن بالنسبة للفضل، ولإدراك الفضل الذي أراده النسائي من هذه الترجمة، أن من توضأ وقصد إلى المسجد، وفاتته الصلاة، فإن الله تعالى يكتب له من الأجر مثل أجر من حضرها وصلاها، وذلك فضلاً من الله عز وجل، وهذا - كما هو معلوم - إنما يحصل في بعض الأحيان ليس دائماً، فالذي من عادته أن يتخلف عن الجماعة، لا شك أنه مقصر، وهذه عادة سيئة، لكن من كان محافظاً على صلاة الجماعة، ويحرص عليها، لكن في يوم من الأيام، أو في بعض الأحيان حصل له ما يشغله، وما يعوقه، لما ذهب وجد الناس قد صلوا، فإن الله تعالى يأجره هذا الأجر العظيم.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة فيمن خرج متوضئاً فوجد الناس قد صلوا

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    وهو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، المحدث، الفقيه، من الفقهاء المجتهدين، ومن المحدثين البارزين، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وأحد القلة الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.

    [حدثنا عبد العزيز بن محمد].

    وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو صدوق، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن طحلاء].

    وهو: محمد بن طحلاء، وهو المدني، صدوق، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن محصن بن علي الفهري].

    وهو الفهري، قال عنه الحافظ ابن حجر: مستور، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    والمستور هو مرادف لمجهول الحال، وهو الذي روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وقد وثقه ابن حبان،كما ذكر ذلك صاحب خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، وهنا قال عنه الحافظ ابن حجر: مستور، أي: مجهول الحال.

    [عن عوف بن الحارث].

    وهو مقبول، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن أبي هريرة].

    وهو أبو هريرة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديث مما ذكره الشيخ الألباني في الصحيح من سنن النسائي، ولا أدري وجه تصحيحه، هل هو للشواهد أو لشيء آخر؟! لا أدري! لكن الحديث الذي بعده وهو حديث: عثمان بن عفان رضي الله عنه، دال على ما دل عليه من حصول الأجر لمن ذهب إلى المسجد وقد فاتته الصلاة، وصلى في المسجد مع الناس، أو أنه ما أدرك الجماعة، فحديث عثمان بن عفان الذي بعده، هو شاهد له من حيث بيان حصول الأجر، وأنه يدرك الفضل العظيم لخروجه وقصده إلى المسجد، وحرصه على الذهاب إليه.

    شرح حديث عثمان فيما تدرك به الجماعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن الحكيم بن عبد الله القرشي حدثه: أن نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة حدثاه أن معاذ بن عبد الرحمن حدثهما عن حمران مولى عثمان بن عفان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه)].

    حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه يتعلق بالترجمة، وهي: حد إدراك الجماعة، أي: إدراك فضلها، وأن الإنسان بقصده واتجاهه إلى المسجد، وعزمه وحرصه وسعيه إلى الصلاة، فإنه مأجور على ذلك، سواء أدرك الصلاة مع الجماعة، أو لم يدركها وصلى مع غيره، أو صلى وحده؛ لأن سعيه وحرصه وذهابه وتعلقه بالمسجد، وكونه حصل منه في بعض الأيام أمر أخره كنوم، أو انشغال، أو غفلة، أو ما إلى ذلك، فإن الله تعالى يأجره ويثيبه على سعيه وقصده وذهابه إلى المسجد.

    تراجم رجال إسناد حديث عثمان فيما تدرك به الجماعة

    قوله: [أخبرنا سليمان بن داود].

    وهو أبو الربيع المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [عن ابن وهب].

    وهو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرني عمرو بن الحارث].

    وهو أيضاً مصري ثقة، فقيه، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الحكيم بن عبد الله].

    وهو الحكيم بن عبد الله القرشي، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والحكيم بالتصغير.

    [عن نافع بن جبير وعبد الله].

    وهو نافع بن جبير بن مطعم النوفلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وعبد الله بن أبي سلمة، هو: الماجشون، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [عن معاذ بن عبد الرحمن].

    وهو معاذ بن عبد الرحمن التيمي، وهو صدوق، خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [عن حمران].

    وهو مولى عثمان بن عفان، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عثمان بن عفان].

    وهو أمير المؤمنين، ذو النورين، وثالث الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وصاحب المناقب والفضائل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد من الأسانيد النازلة عند النسائي؛ لأنه من الثمانيات، يعني: فيه ثمانية، وفيه اثنان يكونان في طبقة واحدة، فيعتبران بمنزلة الراوي الواحد، وهؤلاء هم أولاً: سليمان بن داود، وعبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث، والحكيم بن عبد الله القرشي، ونافع بن جبير، وفي درجته عبد الله بن أبي سلمة ؛ لأنهما في طبقة واحدة، يعني: يعتبران بمثابة الراوي الواحد، ومعاذ بن عبد الرحمن، وحمران، وعثمان، ثمانية أشخاص. وهناك أنزل من الثمانيات عند النسائي، قيل: إن عنده العشاريات، أي: أن عنده إسناد عشاري يتكون من عشرة رجال.

    1.   

    الأسئلة

    أكثر الأحاديث عند النسائي صحيحة

    السؤال: فضيلة الشيخ عبد المحسن حفظه الله، لماذا لا تذكر الإسناد وتوثيق الرجال قبل المتن، وذكر مرتبة الحديث على ضوء هذا الإسناد؟

    الجواب: أولاً: الكلام على الحديث، وعلى لفظ الحديث هو الأهم، وهو المقصود، يعني: بيان الحديث وشرحه وما اشتمل عليه، ثم بعد ذلك يأتي ذكر الرجال، ونحن كما عرفنا فيما مضى لا ندرس الإسناد ونبين الحكم عليه؛ لأنه كما قلت: الأحاديث الصحيحة والحسنة عند النسائي هي الكثرة المتكاثرة، والنادر هو الضعيف، وقد ذكرت لهذا أمثلة، ومنها: هذا الباب الذي نحن فيه، كتاب: الإمامة والجماعة، فيه مائة حديث كاملة، الصحيح منها تسعة وتسعون، والضعيف حديث واحد، فالأحاديث الضعيفة قليلة جداً، ولهذا كما قلت: نبدأ بالمتن، والكلام على الترجمة، ومقصود الترجمة، والحديث ومطابقته للترجمة، وما يدل عليه الحديث، ثم بعد ذلك نأتي إلى ذكر الإسناد.

    من دخل المسجد قبل المغرب هل يصلي أم يبقى واقفاً

    السؤال: ما هو الأفضل لرجل دخل المسجد قبل أذان المغرب بدقائق، هل يصلي تحية المسجد، أو ينتظر واقفاً، أو يجلس؟

    الجواب: الصلاة عند دخول المسجد في أوقات النهي فيها خلاف بين العلماء، وأنا أقول: إن الأمر في ذلك واسع، من جلس لا حرج عليه، ومن صلى لا حرج عليه، فلا ينكر على أحد منهما، ولكن إذا كان الأذان ما بقي عليه إلا دقيقة أو دقيقتان، فلو بقي واقفاً لكان أولى.

    فضل الصلاة في الصفوف الأمامية قبل الروضة في مسجد المدينة

    السؤال: هل الأفضل الصلاة في الروضة أو في الصفوف الأولى؟

    الجواب: صلاة الفريضة في الصفوف الأُول أفضل من الصلاة في الروضة، وكذلك ميامن الصفوف التي تقع غرب الروضة هي أفضل من الروضة بالنسبة للصلاة، وسبق أن مر بنا الكلام على ما يتعلق بالأولى لمن يكون وراء الإمام، أين يكون؟ وأنه يكون عن يمينه، وسئلت في ذلك الوقت عن حديث: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)، وما درجته من الصحة؟ وقلت: إنني لا أدري، ثم وجدت بعد ذلك أن الحافظ ابن حجر حسنه في فتح الباري، (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف).

    والحاصل: أن الصفوف التي أمام الروضة، كل الصفوف التي قبل الروضة، وفي الزيادة الأمامية، الصلاة فيها أفضل من الروضة، وكذلك الميامن المحاذية للروضة هي أفضل من الروضة، وذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي بالناس في الروضة، ومن المعلوم: أن بعض ميامن الصفوف كانت خارج الروضة.

    المقصود بقوله: (له أجر مثل أجر من حضرها)

    السؤال: قوله: (مثل أجر من حضرها)، هل المراد أجور الجماعة مجموعةً له، أو مثل أي فرد حضرها؟

    الجواب: المقصود هو أن الذين حضروا الصلاة وأدركوها، وحصلوا أجرها، له مثل أجرهم، أقول: له مثل أجر من حضرها؛ لأن غيره سبقه إلى حضورها وأدركها، وهو فاتته بأكملها، فسعيه واجتهاده وحرصه على أداء الصلاة، الله سبحانه وتعالى أعطاه هذا الأجر تفضلاً منه وإحساناً.

    الجمع بين الصلاتين لأجل المطر

    السؤال: هل من السنة جمع الصلاتين في المسجد أو غيره من أجل المطر، أرجو التفصيل في ذلك؟

    الجواب: نعم، إذا حصل مطر شديد، فيجوز الجمع بين الصلاتين كالمغرب والعشاء، بأن تقدم العشاء مع المغرب في وقت المغرب، من أجل الدحض والمطر، وقد جاء في السنة ما يدل على ذلك.

    حكم العنعنة في الحديث

    السؤال: إذا ورد في الحديث: حدثنا فلان عن فلان، فهل العنعنة تفيد شيئاً من النقص في المرتبة بالنسبة لحدثنا؟

    الجواب: العنعنة إذا كانت من شخص لا يعرف بالتدليس، فإنها لا تؤثر، فالعنعنة من شخص غير مدلس هي بمعنى الاتصال، لا تقلل ولا تقدح في الاتصال، وإنما العنعنة تؤثر إذا جاءت عن المعروف بالتدليس، أما العنعنة من غير المدلس فهي من قبيل المتصل.

    درجة حديث من قيل فيه: صدوق يخطئ، صدوقٌ يهم، مقبول لا بأس به

    السؤال: ما درجة حديث من قيل عنه: صدوق يخطئ، وصدوق يهم، مقبول لا بأس به؟

    الجواب: هذه عدة أشياء، فصدوق تعني أن حديثه حسن، وكذلك صدوق يهم، يعني :إذا كان قليلاً، فإنه لا يؤثر؛ لأن بعض الناس تكون أوهامهم وأخطاؤهم محصورة معينة، فهي التي يكون فيها الضعف، وما عداها يكون على السلامة، وأما كلمة (مقبول) فإن معناها: أنه يعتد به عند الاعتضاد، فإذا وجد ما يعضده ويسانده ويؤيده فعند ذلك يعتبر، و(لا بأس به) أيضاً مثل هذا الذي هو مقبول.

    الصلاة منفرداً خلف الصف

    السؤال: هل تصح صلاة الفرد خلف الصف؟ وهل يوجد قول عند الحنابلة ببطلان الصلاة؟

    الجواب: نعم، القول: ببطلان الصلاة فيما إذا صلى فرداً جاء به الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أمر رجلاً أن يعيد الصلاة، فقد صلى فرداً خلف الصف، هذا إذا كان إنسان صلى وحده وهو مقصر، بمعناه: أنه حصل منه تقصير بحيث وجدت منه الصلاة، أما إذا كان مضطراً، وأمره دار بين أن يصلي مع الناس جماعة أو تفوته الصلاة، فإنه في هذه الحالة، وفي حال هذه الضرورة تصح صلاته، أما إذا كان قد قصر بأن كانت بعض الصفوف -مثلاً- فيها مجال، ولكنه ما ذهب ليكملها، وإنما جاء ووقف في مكان يصلي وحده، فهذا عليه أن يعيد الصلاة، لكن إذا كان الصف مكتملاً، ولا يؤمل أن يأتي أحد، ودخل وصلى وحده فرداً خلف الصف، فإن صلاته صحيحة؛ لأنه هناك أمور تسقط عند الاضطرار وهي واجبة ولازمة، مثل القيام مع القدرة، فالإنسان إذا كان قوياً على القيام، فلا يصلي عن جلوس، لكنه إذا لم يستطع القيام فيجلس، فهذا كذلك؛ إذا كان حاله إما أن تفوته الصلاة، أو أنه يصلي فرداً خلف الصف، فيصلي فرداً خلف الصف، أما إذا قصر والأماكن موجودة، ولكن حصل منه التقصير، وصلى فرداً مع إمكان أن يصلي مع الناس في الصف، فإن هذا هو الذي عليه الإعادة، والحديث صح في هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.