إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - (باب تقديم ذوي السن) إلى (باب إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر؟)

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - (باب تقديم ذوي السن) إلى (باب إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر؟)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بيّن الشرع الحكيم على أن الإمامة في الصلاة تكون لمن هو أقرأ لكتاب الله، أو أعلم بالسنة أو الهجرة أو السنة، وألا يؤم الرجل في سلطان غيره، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.

    1.   

    تقديم ذوي السن

    شرح حديث: (وليؤمكما أكبركما)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [تقديم ذوي السن.

    أخبرنا حاجب بن سليمان المنبجي عن وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي، وقال مرة: أنا وصاحب لي، فقال: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)].

    النسائي رحمه الله: تقديم ذوي السن.

    أي: تقديم الأكبر سناً في الإمامة، أي: يتقدم في الصلاة إذا أراد يصلي بغيره لكونه أكبر سناً من غيره، وقد أورد فيه حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي، وقال مرة: أنا وصاحب لي، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)، ومحل الشاهد منه قوله: (وليؤمكما أكبركما).

    وقد سبق أن مر في الحديث الذي قبل هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)، وهنا يقول: (وليؤمكما أكبركما)، ولا تنافي بين ما جاء في هذا الحديث والحديث الذي قبله؛ لأن الحديث الأول تشريع عام، وبيان من يكون أولى بالإمامة مطلقاً، أما هذا الحديث فإنه يفهم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنهما متماثلان، وأنهما متساويان، يعني: في الأمور التي يكون فيها التقديم قبل السن، فيكون قوله: (وليؤمكما أكبركما)، هذا هو الذي يتميز به أحدهما عن الآخر في الأولوية بالإمامة، والأمور الأخرى يكونان متفقين فيها أو متماثلين فيها، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشدهما إلى أن يؤمهما أكبرهما.

    وقد سبق أن مر أيضاً: أنهم كانوا جاءوا وجلسوا عنده مدة، يعني: مالك بن الحويرث ومعه جماعة من قومه، وتعلموا ثم رجعوا، والرسول قال: (يؤمكم أكبركم)، فيفهم منه أن المراد بذلك: أنهم متساوون في الأمور التي هي أحق وأولى بالتقديم من أجلها، وهي: القراءة، والعلم بالسنة، والأقدمية في الهجرة، فإذا حصل التساوي في هذه الأمور والتماثل فإنه يقدم الأكبر سناً، وعلى هذا لا تنافي بين هذا الحديث والحديث الذي قبله، فلا يقال: إن الحديث يدل على أن المراد: أن الأكبر سناً هو الذي يقدم مطلقاً أخذاً بهذا الحديث، وإنما المعتبر هو ما جاء في حديث أبي مسعود، حيث قال: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً أو أكبرهم سناً).

    أما هذا فإنه يخاطب اثنين متماثلين، متشابهين، متساويين في أمور يكون فيها التقديم، فأرشد إلى ما يكون التقديم به وهو السن، فيحمل هذا على هذا، وحديث أبي مسعود على الترتيب، وتقديم البعض على البعض؛ وذلك بأن يقدم الأقرأ، ثم الأعلم بالسنة، ثم الأقدم هجرة، ثم الأكبر سناً، وهذا هو التوفيق بين هذا الحديث والحديث الذي قبله.

    ثم قوله: [(إذا سافرتما فأذنا وأقيما)]، هذا أيضاً يدل على حصول الأذان، والإقامة، وأنه يؤذن سواء كانوا جماعة أو واحد؛ حتى الواحد يشرع له أن يؤذن؛ لأنه لا يسمعه شيء إلا شهد له يوم القيامة، كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك في قصة الراعي الذي سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن وهو وحده، فالأذان يشرع للإنسان سواء كان وحده أو جماعة، فإذا كان في سفر أو كان في فلاة، فإنه يؤذن ويرفع صوته، وقد يسمعه أحد فيأتي ويصلي معه، أو يتعرف عليه ويأتي إليه بسبب هذا الصوت الذي حصل، ثم أيضاً ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، من شهادة ما يسمعه من إنس وجن وشجر وغير ذلك، يوم القيامة، كما جاء ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    فالترجمة تقديم ذوي السن، وقوله: [(وليؤمكما أكبركما)]، يدل عليه، وعرفنا أن المقصود من ذلك: أنهم إذا كانوا متساوين في الأمور الأخرى التي يكون فيها التقديم، وهي: القراءة، والعلم بالسنة، والهجرة، فيقدم الأكبر سناً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (وليؤمكما أكبركما)

    قوله: [أخبرنا حاجب بن سليمان المنبجي].

    وهو حاجب بن سليمان المنبجي، صدوق يهم، وخرج له النسائي وحده.

    [عن وكيع].

    وهو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي، وهو الثقة، الحافظ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    غير منسوب، فيحتمل ابن عيينة، ويحتمل الثوري، ولكنه يحمل على الثوري؛ لأن وكيعاً معروف بالرواية عن الثوري، ومكثر من الرواية عنه، بخلاف ابن عيينة فإنه مقل من الرواية عنه، والسبب في هذا أن وكيعاً من أهل الكوفة، والثوري من أهل الكوفة، فهما في بلد واحد، والتلازم موجود، واللقاء مستمر، فتكثر الرواية، بخلاف ما إذا كان الإنسان في بلد آخر، فإنه لا يتيسر له الأخذ عنه إلا في مناسبة؛ لأن سفيان بن عيينة مكي ووكيع كوفي، ومعنى هذا: أنه يلتقي به إذا ذهب لحج أو عمرة، أو رحلة لطلب الحديث.

    أما سفيان الثوري فهو ملازم له في بلده، فالكل من أهل الكوفة، فيراه صباحاً ومساء، ويلتقي به متى شاء، ويأخذ عنه متى شاء، فهو مكثر -أي: وكيع - من الرواية عن سفيان الثوري، ومقل من الرواية عن سفيان بن عيينة، فإذا جاء سفيان يروي عنه وكيع وهو غير منسوب، فإنه يحمل على الثوري لكونه أكثر له ملازمة وأكثر عنه رواية، ولكونه من بلده.

    وسفيان الثوري ثقة، حجة، إمام، فقيه، ومن المحدثين القلائل الذين ظفروا بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع ووصف عال لم يحصل إلا للقليل النادر من المحدثين، مثل: سفيان الثوري، وشعبة، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، وعدد آخر غير هؤلاء، وكانوا يعولون على معرفة تقديم الرجال بعضهم على بعض فيما إذا كانوا كلهم في القمة بأن يحسبوا أغلاط كل واحد منهم، فمن كان أقل غلطاً قدموه، واعتبروه أميز من غيره، وإن كانوا كلهم في القمة إلا أنهم يميزون بينهم بعد الغلطات، وعد الأوهام؛ أي: أوهامهم تكون محدودة وقليلة، فإذا عدوها وجدوا هذا عنده عشرة أوهام، أو هذا عنده خمسة أوهام، وواحد عنده وهم، أو وهمين، فيقدمون من يكون عنده وهمان على من عنده خمسة أوهام أو ستة أوهام وهكذا، فهذا هو المقياس الذي يزنون به الرجال، ويميزون به بين الرجال في الحفظ والإتقان، بأن يحسبوا أخطاءهم، وأن يعدوها، ثم يقدمون، ويرجحون جانب من قلت أوهامه على من كان أكثر منه، وإن لم يكن كثير الأوهام، ولكن أوهامهم كلهم قليلة، لكن بعضهم أقل من بعض، فمثلاً: الاثنين أقل من ثلاثة، وثلاثة أقل من خمسة وهكذا؛ فيكون صاحب الاثنين مقدم على صاحب الخمسة، أو صاحب الستة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وقد ذكر أنه سئل عن سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج أيهما أثبت وأيهما أتقن؟ فقدموا سفيان؛ وذلك بسبب قلة أخطائه بالنسبة إلى الثاني، وإن كان الكل خطؤه قليل إلا أن من كان أقل يقدم على غيره.

    [عن خالد الحذاء].

    هو خالد بن مهران الحذاء، وهو ثقة، يرسل، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وإنما لقب بالحذاء ليس لأنه يبيع الأحذية ولا يصنع الأحذية، وهذا هو المتبادر، فعندما يقال: الحذاء يتبادر للذهن أنه يبيع الأحذية أو يصنعها، لكن ليس هذا ولا هذا، وإنما قيل في سبب تلقيبه: أنه كان يجالس الحذائين، فيأتي ويجلس عند الحذاء في دكانه، فقيل له: الحذاء؛ لأنه يجالس الحذائين، فهي نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن، وقيل: لأنه كان يقول للحذاء: احذ على كذا، احذ على كذا، أي: يعطيه شيء ويقول: احذ على كذا، يعطيه مقياس ويقول: احذ عليه، أي: اصنع على حذائه، وعلى نحوه، وعلى مثله، وهي أيضاً -كما هو معلوم- نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن.

    [عن أبي قلابة].

    هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وهو ثقة، كثير الإرسال، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو قلابة .

    [عن مالك بن الحويرث].

    هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    اجتماع القوم في موضع هم فيه سواء

    شرح حديث: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [اجتماع القوم في موضع هم فيه سواء

    أخبرنا عبيد الله بن سعيد عن يحيى عن هشام حدثنا قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)].

    أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: اجتماع القوم في موضع هم فيه سواء.

    أي: لا فرق لأحد على أحد؛ أي: لا يتميز أحد بميزة بأن يكون صاحب محل، أو يكون سلطان، أو يكون إمام مسجد، أو من الذين يكون لهم أولوية على غيرهم، وممن يكون متميزاً عليهم في قراءة، أو علم بسنة، أو ما إلى ذلك؛ لأن السلطان أولى من غيره في الإمامة في مكان سلطانه، ومكان ولايته كالأمير، كما مر بنا في الحديث الذي مضى بالأمس: زياد بن أبيه الذي كان يؤخر الصلاة، وقد ذكر عبد الله بن الصامت لـأبي العالية: أنه يصلي الصلاة في وقتها، ثم يأتي يصلي معه؛ وذلك للحديث الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فإذا اجتمع قوم في مكان وليسوا فيه سواء، كأن يكون مثلاً صاحب سلطان موجود؛ لأنه أقدم منهم، وأولى منهم، أو يكون صاحب البيت، فإنه يكون أولى منهم في البيت، وكذلك أيضاً إمام المسجد الراتب أولى من غيره ممن حضروا، ولو كان أقرأ منه، فهنا قال: باب اجتماع القوم في موضع هم فيه سواء؛ معناه: أنه يقدم أقرأهم، يعني: يؤمهم أحدهم، وأحق بالإمامة أقرأهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة)، وجاء في آخره: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه)، معناه: أن السلطان مقدم على غيره في الإمامة في مكان ولايته، ومكان إمارته، وإن كان غيره أقرأ منه.

    قوله (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرأهم)؛ أي: إذا كانوا متساوين، وليس هناك من هو أحق بالمكان، ومن له أولوية بسبب المكان، أو بسبب الولاية، أو بسبب كونه إماماً راتباً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].

    وهو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، قيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، وهو ثقة، حافظ، وأخرج حديثه البخاري ومسلم والنسائي.

    [عن يحيى].

    وهو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن هشام].

    وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا قتادة].

    وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي نضرة].

    وهو المنذر بن مالك البصري، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو مشهور بكنيته أبو نضرة.

    [عن أبي سعيد].

    وهو سعد بن مالك بن سنان، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته ونسبته؛ كنيته أبو سعيد، ونسبته الخدري مشهور بهذا، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في الألفية:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    1.   

    اجتماع القوم وفيهم الوالي

    شرح حديث: (لا يؤم الرجل في سلطانه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [اجتماع القوم وفيهم الوالي

    أخبرنا إبراهيم بن محمد التيمي حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)].

    أورد النسائي : اجتماع القوم وفيهم الوالي، أي: من يقدم؟ يقدم الوالي، الوالي الأمير، الإمام الأعظم، أو الأمير أمير البلد الخاص؛ فإنه أحق بالإمامة، وأولى بالإمامة، وإذا قدم أحداً أو أذن لأحد أن يتقدم فيتقدم، لكن الحق له، والأولوية له؛ لما في ذلك من اجتماع الكلمة، والمتابعة في الصلاة وفي غيرها، بأن يكون متبوعاً، ويكون إماماً، ويكون مرجعاً، إذا اجتمع القوم وفيهم الوالي فالوالي أولى، وقد أورد النسائي حديث: أبي مسعود مختصراً، وهو الحديث المتقدم، إلا أنه ذكر هنا مختصراً، أي: آخره، قال: (ولا يؤم الرجل في سلطانه)، أي: لا يؤمه غيره وهو في مكان ولايته، أي: لا يؤمه، ليس معنى ذلك: أنه لا يتأتى لغيره أن يفعل ذلك؛ بل إذا أذن يفعل، ولكن لا يؤم، يعني: بمعنى أن أحداً يتقدم عليه بدون إذنه وبدون تقديمه، بل هو الحق له، ولكن إذا قدم أحداً فإنه يتقدم، لكن هو الأولى بالصلاة والأولى بالإمامة.

    قال: [(ولا يؤم الرجل في سلطانه)]، يعني: في المكان الذي هو صاحب ولاية فيه، يعني: سواء كان إماماً عاماً، أو أميراً خاصاً، فإن الإمامة أو الأولوية للوالي، كما جاء في هذا الحديث: (ولا يؤم الرجل في سلطانه)، والحديث سبق أن تقدم، ولكنه أورد هذه القطعة منه من أجل دلالتها على الترجمة وعلى ما ترجم له.

    وقوله: [(ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)]، يعني: صاحب البيت، وكذلك السلطان عندما يؤتى إليه أو يؤتى إلى صاحب البيت، فإن المكان المتميز الذي يجلس فيه من يراد إكرامه أكثر، وتقديمه على غيره، الحق فيه لصاحب المحل، وليس لأحد أن يأتي ويجلس في المكان المتميز متطفلاً بدون أن يؤذن له، وإنما يجلس إذا أذن له يجلس، وإلا فإنه يجلس في الأماكن التي هي ليست متميزة والتي هي صدر المجلس، والمكان المقدم في المجلس الذي يخصص لمن يريد صاحب المحل أن يجلسه فيه إكراماً له وتمييزاً له على غيره، إن أجلسه وأذن له أن يجلس جلس، وإلا فيجلس في الأماكن الأخرى التي تكون لعامة الناس، والتي تكون لسائر الناس، أما ما يكون لخاصة الناس ويأتي أي واحد يجلس فيه فهذا ليس طيب وليس بمناسب، والمناسب هو أنه يجلس في الأماكن الأخرى، ولا يجلس في المكان الذي مخصص للإكرام أو من يراد إكرامه إلا إذا أذن له بالجلوس فإنه يجلس، فإذا قال: تفضل اجلس هنا، يأتي يجلس، أما كونه يأتي ويختار المكان من المجلس مع أنه قد هيأه لأناس سيأتون ويكونون فيه، فهذا هو الذي يدل الحديث على عدم فعله.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يؤم الرجل في سلطانه)

    قوله: [أخبرنا إبراهيم بن محمد].

    وهو إبراهيم بن محمد التيمي، وهو ثقة، وخرج له أبو داود، والنسائي.

    [حدثنا يحيى بن سعيد].

    وهو يحيى بن سعيد، وهو القطان المتقدم ذكره.

    [عن شعبة].

    وهو ابن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن إسماعيل بن رجاء].

    وهو ثقة، خرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أوس بن ضمعج].

    وهو ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، مثل تلميذه الذي قبله.

    [عن أبي مسعود].

    هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابي جليل، وهو مشهور بكنيته أبو مسعود، وذكرت في الدرس الماضي: أنه قد يتصحف أبو مسعود بـابن مسعود، فابن مسعود هو عبد الله بن مسعود الهذلي المهاجري، وأما هذا أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، فذاك مهاجري، وهذا أنصاري، وذاك ابن مسعود، وهذا أبو مسعود، ولهذا كما قلت: إنها تصحفت في بعض نسخ بلوغ المرام فقيل: عن ابن مسعود، مع أن الحديث: عن أبي مسعود، وليس عن ابن مسعود، ولكن تصحفت (أبي) إلى (ابن)، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر؟

    شرح حديث سهل بن سعد فيما لو تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر؟

    أخبرنا قتيبة حدثنا يعقوب وهو ابن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم في أناس معه، فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحانت الأولى، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال، وتقدم أبو بكر فكبر بالناس، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف، حتى قام في الصف، وأخذ الناس في التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن يصلي، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله عز وجل، ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: يا أيها الناس! ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ إنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلا التفت إليه، يا أبا بكر! ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت إليك؟ قال أبو بكر : ما كان ينبغي لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم)].

    أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي، هل يتأخر؟

    إذا تقدم الرجل من الرعية، يعني: في الإمامة، ثم جاء الوالي، هل يتأخر ذلك المتقدم؟ أو بمعنى أعم: إذا تأخر من له حق الإمامة، أو من هو صاحب الإمامة، كالوالي، أو كإمام المسجد الراتب، ثم جاء صاحب الأولوية، هل يتأخر ذلك الذي تقدم أو أنه يستمر في صلاته؟ أورد النسائي في ذلك حديث: سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى بني عمرو بن عوف، وهم أهل قباء من الأنصار، وكان حصل بينهم شيء، يعني: حصل بينهم نزاع وخلاف، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم، وحان وقت الصلاة، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: أذن للصلاة، وجلسوا ينتظرونه، فجاء بلال المؤذن واستأذن أبا بكر بأن يصلي بالناس، أو طلب منه، أو آذنه بأن يصلي بالناس، فقال: إن شئت، فأقام، وصلى أبو بكر، دخل أبو بكر في الصلاة، ولما دخل أبو بكر في الصلاة جاء رسول عليه الصلاة والسلام، فمشى بين الصفوف حتى صار في الصف الأول، فلما صار في الصف الأول أخذ الناس في التصفيق، أي: يريدون أن ينبهوا أبو بكر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصل، فلما أكثروا في التصفيق التفت، وإذا الرسول دخل في الصلاة، وصار في الصف الأول ودخل في الصلاة مأموماً، فأشار إليه بأن يبقى في إمامته وفي صلاته، فرفع أبو بكر يديه وحمد الله، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن له، وأن عمله لم يكن خطأً، وأنه أذن له بأن يواصل وأن يستمر في الصلاة، فرفع يديه، ثم إنه رجع القهقرى حتى صار في الصف، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى بالناس، ثم إنه لما فرغ من صلاته خاطب الناس وقال: (ما لكم أخذتم في التصفيق؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح، فليقل: سبحان الله، إنما التصفيق للنساء)، ثم أقبل على أبي بكر وقال: (مالك لم تصل إماماً إذا أشرت لك؟)، أي: لم تصل إماماً، أي: تستمر، فقال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    محل الشاهد من الحديث: أن أبا بكر رضي الله عنه لما تقدم للصلاة بعد أن تأخر الرسول صلى الله عليه وسلم في المجيء وحان وقت الصلاة، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء، فتأخر أبو بكر وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، محل الشاهد منه قوله: هل يتأخر؟ أي: الإمام الذي هو بدل الإمام الراتب الذي ناب عن الإمام أو يبقى؟ أي: ذكر المسألة على سبيل الاستفهام، وفعل أبي بكر يدل على أنه يتأخر، لكن هذا فيما إذا كان في أول الصلاة، والحديث إنما جاء في أول الصلاة لأنه دخل في الصلاة، وفي بعض الروايات: (استفتح بالصلاة)، وبعضها: (كبر في الصلاة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم)، إذاً: هو في أول الصلاة، فتأخر أبو بكر وتقدم رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن إذا كان مضى شيء من الصلاة، أو صلى بعض الركعات، ثم جاء الإمام، فهل الأولى أن يتقدم أو يستمر؟ الأولى أن يستمر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر في صحيح مسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وتأخر ليقضي حاجته، ثم بعد ذلك القوم تقدموه، وصلى بهم عبد الرحمن بن عوف فلما قضى ركعة من الصلاة وجاء في الركعة الثانية، وإذا رسول الله يأتي، فدخل وصلى معه الركعة الثانية، ولما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى الركعة التي سبق بها، فدل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في قصة إمامة عبد الرحمن بن عوف أنه إذا مضى شيء من الصلاة يكون مأموماً، وأن الإمام الأول يستمر، وإذا كان في أول الصلاة فلا بأس أن يتأخر إذا أراد أن يتأخر، وإن أراد أن يستمر فله ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يستمر ولكنه لم يستمر، ورجع ليتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيما وهم في أول الصلاة.

    فإذاً: يحمل ما جاء في حديث أو في قصة أبي بكر هذه على ما إذا كان جاء الإمام وهو في أول الصلاة لم يمض منها شيء، وأنه إذا مضى منها شيء فيكون العمل على ما جاء في إمامة عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، والحديث في صحيح مسلم، فإذاً: يفصل بين ما إذا كان في أول الصلاة أو مضى منها، فإذا كان في أولها، يعني: إن تأخر فلا بأس، وإن بقي فلا بأس، وإن كان مضى منها شيء فإن الأولى له أن يستمر والإمام يصلي مأموماً كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث صلى ركعة خلف عبد الرحمن، ثم بعد أن سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي ما سبق فيه، أي: يقضي الركعة التي سبق فيها.

    عن سهل بن سعد رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم في أناس معه).

    الرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن بني عمرو بن عوف حصل بينهم شيء من الخلاف، ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعة من قومه ليصلح بينهم، وهذا يدل على أهمية الإصلاح بين الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب بنفسه، وكان بإمكانه أن يرسل أحداً ينوب عنه في هذه المهمة لكنه ذهب بنفسه، وهذا يدلنا على أهمية الإصلاح بين الناس، لا سيما إذا كان الإمام هو الذي يتولى هذه المهمة، ويصلح بين أفراد الرعية، أو الأمير يصلح بين الناس؛ فإن هذا يكون أدعى إلى أن يستجاب لطلبه ولوساطته وإصلاحه لما يكون له من التقدير، ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم كونه ذهب بنفسه يدل على أهمية الإصلاح بين الناس، وعلى عظم شأنه في الإسلام، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم، ذهب بنفسه، وكان بإمكانه أن يرسل من يقوم بهذه المهمة غيره، وفيه تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث ذهب للقيام بهذه المهمة ولم يرسل أحداً يقوم بالنيابة عنه.

    قوله: [(فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم)].

    حبس، أي: تأخر، أي: الحديث الذي جرى للإصلاح بينهم طال حتى تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في أول وقتها، أي: في الوقت الذي كان يصليها فيه، أي: هذا هو معنى حبس، يعني أنه حصل مكث وجلوس معهم في قصد الإصلاح ومحاولة الإصلاح، حتى مضى الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤدي الصلاة فيه، فعند ذلك تقدم أبو بكر .

    فحانت الأولى، يبدو أنها الظهر؛ لأن صلاتي العشي هي: الظهر والعصر، يقال للظهر: الأولى بالنسبة للعصر، ثم أيضاً هي تجمع معها، أي: يجمع بعضهما إلى بعض في أولى وثانية، أي: الأولى التي تجمع معها الثانية، أي: في حال السفر، أو في الأمر الذي يقتضي ذلك مثل المرض.

    قوله: [(فحانت الأولى، فجاء بلال إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت)].

    صلاة أبي بكر بالناس ودلالة ذلك على فضله

    ثم إن بلالاً جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه، ومجيئه إلى أبي بكر رضي الله عنه دون غيره هذا يدل على علو مكانته، ومعرفة أنه هو المتقدم على غيره وأن غيره لا يتقدم عليه، وقد جاء في بعض الروايات: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن تأخرت فليصل أبا بكر، أو مروا أبا بكر فليصلِ) كما سيأتي عند النسائي في بعض الطرق في هذا الكتاب، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء وقت الصلاة)، أو ما معناه، (فمروا أبا بكر فليصل بالناس، أو فليصل أبو بكر بالناس)، وتقديم الرسول صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر ليس خاصاً في مرض الموت؛ لأنه قدمه في مرض موته وقبل مرض موته، كما في هذه الحالة أو هذه القصة التي ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ليصلح بين الناس، فتقديم أبي بكر رضي الله عنه ليس خاصاً في مرض موته صلى الله عليه وسلم، بل في مرض موته وفي حال صحته وعافيته صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [(فأقام بلال، وتقدم أبو بكر فكبر بالناس، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف، حتى قام في الصف)].

    أي: كبر بالناس، ودخل في الصلاة في أولها، في بعض الروايات: (استفتح في الصلاة)، أي: دخل فيها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما دخل أبو بكر في الصلاة، فجاء ومشى بين الصفوف حتى جاء في الصف الأول ودخل فيه وصلى، أي: دخل في الصلاة مأموماً.

    قوله: [(وأخذ الناس في التصفيق)].

    أخذ الناس في التصفيق، أي: يريدون أن ينبهوه إلى حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [(وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم)].

    وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته؛ لإقباله عليها وكمال خشوعه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولكنه لما حصل هذا الإكثار من التصفيق، التفت وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود، فالرسول أشار إليه بيده، يعني: بأن يبقى في مكانه، أشار إليه بأن يبقى في مكانه إماماً، فـأبو بكر رفع يديه وحمد الله، ثم إنه رجع القهقرى، أي: ما أراد أن يستمر في الصلاة ويكون إماماً لرسول الله عليه الصلاة والسلام، بل يريد أن يكون الإمام هو الرسول عليه الصلاة والسلام ،كلف الرسول عليه الصلاة والسلام حدثه بالإشارة، ونبهه بالإشارة، وهي أن يبقى في صلاته، ويستمر في إمامته، لكن أبا بكر رضي الله عنه لم يرد أن يواصل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، ولهذا قال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [(يا أيها الناس! ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟)].

    وأرشدهم إلى التسبيح، هذه من الأحكام التي جاءت الشريعة في التفريق بين الرجال والنساء فيها، فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام إذا لم يأت شيء يميز بين الرجال والنساء، أو يخص النساء دون الرجال، أو الرجال دون النساء، فالأصل هو التماثل والتساوي بين الرجال والنساء، لكن إذا جاء شيء يخصص مثل هذا الحديث، أي: التصفيق للنساء والتسبيح للرجال، والنضح من بول الغلام، والغسل من بول الجارية، كذلك فيما يتعلق بالميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين، والعقيقة: الذكر له اثنتان والأنثى لها واحدة، ودية المرأة على النصف من الرجل، وهكذا مسائل جاءت السنة أو جاءت الشريعة في التفريق بين الرجال والنساء فيها، فيعول على ما جاء من التفريق، وحيث لم يأت شيء يفرق بين الرجال والنساء فالتساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، فالرجال والنساء يتساوون في الأحكام ما لم يأت شيء يدل على أن هذا للنساء وهذا للرجال ويميز بعضهم على بعض، وإلا فإن الأحكام هي للرجال والنساء واحدة، إلا فيما يتعلق بأن هذا يكون للرجال، مثل: الإمامة والولاية لا تكون للنساء، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، فالنساء ليست أهل ولايات، وإنما هن أهل تستر وتحجب وابتعاد عن الرجال والاختلاط بهم، والوالي لابد وأن يبرز للناس، وأن يكون له الأمر والنهي، والمرأة ليست أهلاً لذلك، فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء إلا إذا جاءت نصوص تقول: إن النساء كذا والرجال كذا، أو النساء يصلح لهن كذا ولا يصلح لهن كذا، الرجال يصلح لهم كذا ولا يصلح لهم كذا أو أن الرجال لهم هذا الحكم، والنساء لهن هذا الحكم، فعند ذلك المعول على ما جاءت به السنة من التفصيل، والتمييز بين الرجال والنساء.

    وقد جاء في بعض الروايات: (التصفيح)، وفي بعضها: (التصفيق)، والتصفيح هو التصفيق، إلا أن بعض العلماء يقول: إن التصفيح أقل من التصفيق، وهو: أن التصفيح يكون بضرب أصبعين من اليمنى على بطن اليسرى، وأما التصفيق فيكون بضرب اليد على اليد، والكل فيه خروج صوت، إما كلياً أو جزئياً، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن هذا إنما هو للنساء وليس للرجال، وأن الرجال شأنهم التسبيح إذا ناب الإمام شيء في صلاته، فإنه يسبح الرجل وتصفق المرأة.

    تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد فيما إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا يعقوب وهو: ابن عبد الرحمن].

    وهو ابن عبد الرحمن، وهو القاري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقوله: [وهو ابن عبد الرحمن] هذه قالها من دون قتيبة، إما النسائي أو من دون النسائي ؛ لأن قتيبة لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، وإنما ينسبه كما يريد، التلميذ ينسب شيخه كما يريد، ولا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإن الذي يحتاج أن يقول: هو، هو من دون التلميذ؛ لأنه يأتي بشيء يميز ذلك الذي أهمله التلميذ، لكنه عندما يأتي بكلمة هو أو بكلمة يعني أو ما إلى ذلك من العبارات التي فيها الإشارة إلى أن هذه الزيادة ليست من التلميذ، وإنما هي من دون التلميذ، فأراد أن يوضح هذا الذي لم ينسبه التلميذ، فأتى بهذه العبارة حتى يتبين أنها ليست منه، أي: من التلميذ، وإنما هي ممن دونه.

    [عن أبي حازم].

    وهو أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي حازم .

    [عن سهل بن سعد].

    وهو سهل بن سعد الساعدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يكنى بـأبي العباس، وقد ذكرت فيما مضى: أن بعض العلماء قال: إن المعروف بمن يكنى بأبي العباس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان: هما سهل بن سعد الساعدي هذا، وعبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كنيته أبو العباس، أي: كنيته توافق اسم أبيه، عبد الله بن عباس، أبوه العباس وكنيته أبو العباس .