إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - (باب التغليس في الحضر) إلى (باب من أدرك ركعة من صلاة الصبح)

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - (باب التغليس في الحضر) إلى (باب من أدرك ركعة من صلاة الصبح)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة جماعة في وقتها ورتب على ذلك الأجر والثواب، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التبكير إلى الصلاة وأداءها في أول وقتها يكون أفضل وأولى من تأخيرها، وأرشدنا إلى أن من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها فقد أدرك الصلاة.

    1.   

    التغليس في الحضر

    شرح حديث: (إن كان رسول الله ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التغليس في الحضر.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)].

    هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: التغليس في الحضر.

    المراد من ذلك التغليس لصلاة الصبح في الحضر؛ يعني: في حال الإقامة، فالتغليس: هو الإتيان بصلاة الفجر في أول وقتها، فيأتي بها بغلس، يعني: بالظلام، هذا هو التغليس، وكذلك أيضاً الصلوات الأخرى يؤتى بها في أول وقتها؛ لأن الصلاة في أول الوقت مبادرة إلى الخير، ومبادرة إلى أداء الواجب، وحرص على أداء ما فرض الله عز وجل.

    وعرفنا -فيما مضى- أنه في حال شدة الحر يبرد لصلاة الظهر، وأن صلاة العشاء تؤخر ما لم يكن هناك مشقة على الناس، وإلا فإنه يبكر بها ويبادر بها.

    وقد أورد النسائي حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)؛ يعني: أنهن يحضرن الجماعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم يذهبن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس؛ أي: أنه ما حصل ظهور الضياء الشديد الذي يحصل به التبين والتعرف على الإنسان، فهذا يدلنا على التبكير بصلاة الصبح، وعلى حضور النساء الصلاة في المساجد، وعلى أنهن يتسترن إذا خرجن، فالتلفع هو: التلفف، ويكون ذلك أيضاً بتغطية الرءوس؛ لأن التلفف قد يكون بتغطية الرءوس وقد يكون بغيرها، لكن التلفع فيه تلفف مع تغطية الرأس.

    ومن المعلوم: أن كونهن ينصرفن وهن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، معنى هذا أن الصلاة قد فرغ منها والغلس موجود، أي: الظلام، وهذا يدل على التبكير لصلاة الفجر، وهو مطابق لما ترجم له المصنف.

    وأما ذكر الحضر فهو عند ذكر النساء وأنهن يحضرن الصلاة وينصرفن متلفعات بمروطهن إلى منازلهن فهذا إنما يكون في الحضر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن كان رسول الله ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [عن مالك].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، وصاحب المذهب المعروف المشهور، وأحد الأئمة الأربعة الذين دونت مذاهبهم، واعتني بأقوالهم، وصار لهم أصحاب عنوا بها وقاموا بتدوينها.

    لكن هذا لا يعني أن غير الأئمة الأربعة ليس مثلهم في الفقه وفي العلم، بل من العلماء من هو في زمانهم وقبل زمانهم من هو متمكن، وهناك من هو مثلهم، ومن هو مجتهد في الفقه، ولهم أقوال، إلا أنه ما حصل لهم مثلما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة؛ أي: لا يوجد لديهم أصحاب يعنون بجمع كلامهم وجمع فقههم وتدوينه وترتيبه والعناية به، وهذا لا يعني أن الحق محصور في أقوال الأئمة الأربعة، ولكن الأئمة الأربعة مجتهدون، وهم إما مجتهدون مصيبون أو مخطئون، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، فاللائق بطالب العلم هو محبتهم، والثناء عليهم، والاستفادة من علمهم، لكن لا يلتزم الإنسان بقول واحد منهم؛ لأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا يقال هذا حتى في حق الخلفاء الراشدين، لكن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أكثر صواباً من غيرهم، ولكن لا يعني هذا أن الواحد منهم معصوم لا يخطئ، ولكنه سواء أصاب أم أخطأ فهو مأجور، وكذلك أصحاب المذاهب الأربعة رحمة الله عليهم هم مجتهدون، ولا يعدم كل واحد منهم الأجر أو الأجرين؛ كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد).

    إذاً: فطالب العلم والمسلم أيضاً عليه أن يعنى بمعرفة الحق بدليله، ويستفيد من كلام العلماء، فيرجع إلى كلام العلماء، لكن هذا لا يعني أن يقول: الحق مع فلان، وأنا ألتزم بقول فلان، ولا أخرج عن قول فلان، بل عليه أن يرجع إلى كلام أهل العلم، وأن يسأل أهل العلم، وأن يعرف الحق بدليله، وإذا ثبت الدليل عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه لا يجوز لأحد أن يتركه، وهذه هي وصية الأئمة الأربعة، ولذلك فكل واحد منهم أوصى بأنه: إذا وجد حديث صحيح بخلاف ما قاله واحد منهم فإنه يعول على الحديث الصحيح، ويترك ما قاله الواحد منهم، وقد قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان، فهذا هو المنهج، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح: إن المطلوب هو الرجوع إلى كلام أهل العلم، وإلى الاستفادة منهم، ومعرفة أقوالهم، ولكنه إذا وجد الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يصار إلى غيره.

    إذاً: فيعنى بمعرفة الدليل، ويستفاد من كلام الفقهاء، ويترحم عليهم ويترضى عنهم ويحبون، ويعتقد بأنهم غير معصومين، وأنهم مجتهدون، وأن المجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وقال: إن الإنسان إذا كان في الفلاة، فإنه يستدل على القبلة بالنجم، لكن الإنسان إذا وصل إلى القبلة وصارت الكعبة أمامه فإنه لا يحتاج إلى أن ينظر في النجوم ليعرف القبلة؛ لأن القبلة أمامه، قال: فكذلك العلماء، فالإنسان عندما لم يتبين له الحق يستفيد منهم، ويستدل على الحق بكلامهم وذلك حين لا يوجد الدليل، لكن إذا وجد الدليل فقد وصل إلى الغاية، وهذا هو معنى كلام الإمام الشافعي رحمة الله عليه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان.

    وكان الإمام الشافعي رحمة الله عليه عندما يسأل في مسألة، ويكون عنده فيها حديث لكنه ثبت عنده، يقول: إن صح الحديث قلت به، وكان بعض أتباعه كـالبيهقي والنووي عندما يصح الحديث يقولون: وقد صح الحديث فهو مذهب الشافعي؛ لأن الشافعي علق الحكم على ثبوت النص، فإذا ثبت فإنه لا يتجاوز ولا يتعدى إلى غيره.

    فالإمام مالك رحمة الله عليه هو أحد الأئمة الأربعة الذين هم أصحاب المذاهب المشهورة، وكما قلت فإن الفقهاء في زمانهم كثيرون، منهم: الأوزاعي، ومنهم: الثوري، ومنهم: إسحاق بن راهويه، ومنهم: إبراهيم النخعي وغيرهم.

    [عن يحيى بن سعيد].

    هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو من صغار التابعين، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرة].

    هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصاري، وهي ثقة، وكثيرة الرواية عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عائشة].

    أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أكثر الصحابيات حديثاً، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ستة من الرجال وواحدة من النساء، هذه الواحدة هي عائشة، وهم الذين جمعهم السيوطي بقوله في الألفية:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    فزوجة النبي المراد بها: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    حديث: (كن النساء يصلين مع رسول الله ... فيرجعن فما يعرفهن أحد من الغلس) وتراجم رجال إسناده

    [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كن النساء يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح متلفعات بمروطهن، فيرجعن فما يعرفهن أحد من الغلس) ].

    ثم أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله: ( أن النساء كن يصلين مع الرسول صلى الله عليه وسلم الصبح متلفعات بمروطهن، فيرجعن ما يعرفهن أحد من الغلس ).

    وهو دال على ما ترجم له المصنف، وهو كالرواية التي قبله من التغليس بصلاة الصبح في الحضر.

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو ابن مخلد المعروف بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف عال، من أرفع صيغ التعديل، ولم يظفر به إلا القليل النادر من المحدثين، ومنهم إسحاق بن راهويه هذا، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [حدثنا سفيان].

    هو ابن عيينة؛ لأنه يروي عن الزهري، والذي يروي عن الزهري هو سفيان بن عيينة؛ لأن الثوري ليس معروفاً بالرواية عن الزهري، بل قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إنما يروي عنه بواسطة، والذي يروي عنه مباشرة - أعني الزهري - هو سفيان بن عيينة، فـسفيان مهمل غير منسوب، لكن إذا جاء سفيان مهمل غير منسوب، وهو يروي عن الزهري، فيحمل على أنه ابن عيينة وليس الثوري، وابن عيينة، ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزهري].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، ومنسوب أيضاً إلى جده شهاب فيقال له: ابن شهاب، وهذان أكثر ما يأتي الإطلاق عليه، فيقال: ابن شهاب، ويقال: الزهري، وهو إمام، محدث، فقيه، جليل القدر، كثير الرواية، وهو أول من قام بجمع السنة بتكليف من عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته، وقد قال السيوطي في ألفيته:

    أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر

    والمراد بذلك: الجمع بتكليف من الخليفة، وبتكليف من السلطان، أما الجمع والتدوين بغير تكليف، وإنما بأفعال وبجهود فردية، فهذا موجود قبل ذلك، كما جاء عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب، وكذلك في التابعين، ولكن الجمع بطريقة رسمية بتكليف من الخليفة، فهذا حصل في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، وحصل التكليف لـابن شهاب الزهري، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عروة].

    هو ابن الزبير بن العوام، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وهو يروي عن خالته عائشة؛ لأن عروة بن الزبير هو ابن أسماء بنت أبي بكر، وهنا يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    التغليس في السفر

    شرح حديث: (صلى رسول الله يوم خيبر صلاة الصبح بغلس...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التغليس في السفر.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر صلاة الصبح بغلس، وهو قريب منهم، فأغار عليهم وقال: الله أكبر خربت خيبر مرتين، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) ].

    هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب التغليس في السفر.

    الترجمة الأولى التغليس في الحضر، وأورد حديث عائشة من طريقين، وهذه الترجمة التغليس في السفر، يعني: كونه يصليها بغلس في السفر، وأورد فيه حديث أنس في قصة غزوة خيبر، وهي: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بغلس قريباً من خيبر) وهذا هو محل الشاهد: (صلاها بغلس)؛ يعني: مبكراً في أول وقتها، ثم قال: (الله أكبر خربت خيبر مرتين، إنا إذا نزلنا ساحة قوم فساء صباح المنذرين) وقوله: (خربت خيبر)؛ يعني: خربت على أهلها، وأنهم خذلوا، وأنهم هزموا، وأن النصر للمسلمين عليهم.

    فمحل الشاهد منه قوله: (صلاها الصبح بغلس، قريباً من خيبر) يعني: في السفر، فهو مطابق لما ترجم له، وأنه في السفر؛ لأنه قريباً من خيبر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (صلى رسول الله يوم خيبر صلاة الصبح بغلس...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    هو ابن راهويه الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [أخبرنا سليمان بن حرب].

    هو الأزدي البصري، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا حماد بن زيد].

    هو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ثابت].

    هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أنس].

    هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة الذين عاشوا بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم الفترة الطويلة، واستفاد الناس من علمهم، وقد خدم النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنين؛ لأنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان عمره عشر سنوات، وخدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وعمره - أي أنس - عشرين سنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وعمر بعد ذلك مدة طويلة، وهو من المعمرين، ومن أواخر الصحابة موتاً، وقد استفاد الناس من علمه وحديثه، ورجعوا إليه، واستفادوا منه، ولهذا هو أحد السبعة الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.

    ورجال هذا الإسناد كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي إسحاق بن راهويه فإنه لم يخرج له ابن ماجه شيئاً، وأما الباقون وهم سليمان بن حرب، وحماد بن زيد، وثابت البناني، وأنس بن مالك، فهؤلاء جميعاً حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الإسفار

    شرح حديث: (أسفروا بالفجر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الإسفار.

    أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أسفروا بالفجر)].

    هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب الإسفار.

    أي: الإسفار بالصبح، وهو: صلاتها عندما يحصل الإسفار والاتضاح، يعني: الضياء، وقد أورد النسائي فيه حديث رافع بن خديج رضي الله عنه (أسفروا بالفجر)، وهذا ظاهره يتعارض مع ما تقدم من التغليس بها، لكن جمع العلماء بين الحديثين، بأن المقصود من ذلك: أن الصلاة تصلى في أول الوقت، وأنه يغلس بها، ويكون معنى الإسفار هو تحقق طلوع الفجر، أو يكون المراد: أنه يبدأ بالصلاة فيها في وقت مبكر ثم تطول القراءة حتى إذا انتهى من الصلاة وحصل اتضاح النور، فجمعوا بين الحديثين بهذا، وقالوا: إنه لا تعارض مع ما جاء في التغليس، ومن المعلوم: أن صلاة الفجر تطول فيها القراءة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بالستين إلى المائة كما جاء ذلك في الحديث.

    إذاً: فمعنى: (أسفروا بالفجر) لا يعني أنه لا يبكر بها، وإنما يبكر بها، ولكن يحمل حديث الإسفار على تحقق الصبح، أو إطالة القراءة حتى عندما يفرغ منها فيكون قد حصل الإسفار.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أسفروا بالفجر)

    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].

    هو اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني؛ وقيل عنه: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، فقيل له: سني، وقد خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [حدثنا يحيى].

    هو ابن سعيد القطان المحدث، الناقد، المشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد قال عنه الذهبي في كتابه: إنه ممن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، هو وعبد الرحمن بن مهدي، وقال: إنهما إذا اتفقا على جرح شخص، فإنه لا يكاد يندمل جرحه؛ معناه: أنهما يصيبان الهدف.

    [عن ابن عجلان].

    هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثني عاصم بن عمر بن قتادة].

    وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمود بن لبيد].

    هو صحابي صغير، وجل روايته عن الصحابة، ومن المعلوم أن الصحابة لا يحتاجون إلى أن يقال عن الواحد منهم كذا وكذا من التوثيق والتعديل؛ لأنه من حصل له الوصف بأنه صحابي فيكفيه شرفاً ونبلاً وفضلاً، ولا يحتاج وراء ذلك إلى شيء آخر.

    [عن رافع بن خديج].

    هو رافع بن خديج الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر) ].

    هنا أورد النسائي رحمه الله حديث محمود بن لبيد لكنه لم يذكر الصحابي، وإنما عن رجال من قومه من الأنصار، وقد ذكر في الإسناد الأول واحداً منهم، وهو رافع بن خديج، وهنا ذكر أنه عن رجال، ومن المعلوم أن رافع بن خديج من الأنصار، فهو واحد من هؤلاء، وقد عرفنا أن جل روايته عن الصحابة فيما يرويه، وهنا فيه التصريح أنه عن رجال من قومه من الأنصار، وفي الرواية الأولى تسمية واحد منهم وأنه رافع بن خديج الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو بمعنى الحديث الأول: (ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم بالأجر أو أعظم للأجر)، يعني: هذا يدل على الإسفار بها، وأن فيه عظم الأجر، وقد عرفنا في الحديث الأول أن المقصود من ذلك أنه يكون - الإسفار - بتحقق طلوع الفجر، أو بإطالة القراءة؛ بحيث يبدأ بها مبكراً، وينتهي من الصلاة وقد حصل الإسفار.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر)

    قوله: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب].

    هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، وهو ثقة، حافظ، وقد رمي بالنصب، وحديثه أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [حدثنا ابن أبي مريم].

    هو سعيد بن الحكم المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وابن أبي مريم يطلق على جماعة، فيهم مصري، وفيهم حمصي، وفيهم شامي، وفيهم بصري، وكلهم يقال لهم: ابن أبي مريم، لكن يعرف ذلك بمعرفة الطبقات، وإذا اتحدت الطبقة يعرف بالتلاميذ والشيوخ، وقد ذكروا في ترجمة سعيد بن الحكم المصري بأنه روى عن أبي غسان محمد بن مطرف.

    [أخبرنا أبو غسان].

    هو محمد بن مطرف، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثني زيد بن أسلم].

    هو زيد بن أسلم المدني، وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عاصم بن عمر بن قتادة].

    هو عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، وهو أيضاً ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر في الإسناد الذي قبل هذا.

    [عن محمود بن لبيد].

    هو صحابي صغير، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    ويروي عن رجال من الأنصار من قومه، وجل روايته عن الصحابة، ومن هؤلاء رافع بن خديج الأنصاري الذي مر ذكره في الإسناد السابق.

    ومن المعلوم: أن الصحابة رضي الله عنهم الجهالة فيهم لا تؤثر، بل الجهالة تؤثر في غيرهم، أما هم فيكفي أن يقال عن الواحد منهم: أنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    من أدرك ركعة من صلاة الصبح

    شرح حديث: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من أدرك ركعة من صلاة الصبح.

    أخبرنا إبراهيم بن محمد ومحمد بن المثنى واللفظ له، قالا: حدثنا يحيى عن عبد الله بن سعيد أخبرني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها)].

    هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)، أي: أدرك الصلاة في وقتها، وقوله: (من أدرك سجدة) المراد بالسجدة: الركعة، وليس المقصود من ذلك السجدة التي هي أحد أجزاء الركعة، ولهذا النسائي أورد الحديث تحت: من أدرك ركعة، والسجدة يراد بها الركعة، وقد جاء في عدد من الأحاديث إطلاق السجدة على الركعة.

    وقد ذكرت -فيما مضى- أن المساجد إنما سميت مساجد نسبة إلى السجود؛ وذلك أن الإنسان عندما يسجد يتمكن من الأرض في حال سجوده، وأشرف شيء فيه إنما يصل إلى الأرض في حال السجود، فلهذا قيل لأماكن الصلاة: مساجد، يعني: مكان السجود، ومكان الصلاة، والركعة يطلق عليها سجدة، وقد جاء ذلك في أحاديث عديدة منها: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)؛ يعني: أدرك الصلاة في وقتها، أي: يضيف إليها أخرى ويصبح قد أدرك الصلاة في وقتها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ...)

    قوله: [أخبرنا إبراهيم بن محمد].

    هو إبراهيم بن محمد بن عبد الله التيمي المعمري، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    محمد بن المثنى واللفظ له].

    هو الملقب بـالزمن وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [قالا: حدثنا يحيى].

    هو ابن سعيد القطان، وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة، ثبت، ناقد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن سعيد].

    هو عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاري، وهو صدوق ربما وهم، وخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [أخبرني عبد الرحمن الأعرج].

    هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة] رضي الله تعالى عنه.

    هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق.

    حديث: (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا زكريا بن عدي حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها) ].

    هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها)، وهو بمعنى الحديث الذي قبله.