إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - باب الصلوات بتيمم واحد - باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - باب الصلوات بتيمم واحد - باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيدللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الشرع أنه إذا عدم الماء فهناك ما ينوب عنه، وهو التيمم، وهو يقوم مقام الماء، فكما يصح فعل الصلوات بوضوء واحد فكذلك جاز فعل الصلوات بتيمم واحد؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل منه.

    1.   

    الصلوات بتيمم واحد

    شرح حديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلوات بتيمم واحد.

    أخبرنا عمرو بن هشام حدثنا مخلد عن سفيان عن أيوب عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب الصلوات بتيمم واحد.

    المقصود من هذه الترجمة: أن التيمم الواحد يصلى به صلوات متعددة إذا كان الإنسان لم يحدث بعد التيمم، فإنه يستمر على طهارته، وذلك أن التيمم رافع للحدث كالوضوء على القول الصحيح من أقوال العلماء، فمنهم من قال: إنه مبيح لا رافع، ولكن الأظهر أنه رافع، وثمرة الخلاف: أن من قال: أنه رافع فإن حكمه حكم الوضوء، فلو تيمم، واستمر ولم يحدث بعد ذلك، فإنه يصلي الصلوات المتعددة بذلك التيمم، كما يكون بالنسبة للوضوء، ومن يقول أنه مبيح، فإنه لا يصلي صلوات متعددة بتيمم واحد، بل إذا دخل الوقت فإنه يتعين عليه أن يتيمم للصلاة التي دخل وقتها، لكن الصحيح: أن التيمم رافع للحدث؛ لأنه قائم مقام الماء، فيكون رافعاً كما أن الماء رافع.

    وقد أورد النسائي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) فهذا هو لفظ حديث أبي ذر الذي أورده النسائي، ووجه الدلالة منه قوله: (وإن لم يجد الماء عشر سنين)، بمعنى: أنه يصلي صلوات متعددة، لكن الاستدلال بالحديث على هذا غير واضح تماماً؛ لأن المقصود من قوله: (وإن لم يجد الماء عشر سنين) معناه: أنه يتيمم ما لم يجد الماء، وله وجه لم يذكره المصنف، لكنه غير واضح؛ معناه: وإن طال الزمن، فإنه يستمر على التيمم.

    لكن الأظهر من كونه يصلي الصلوات الخمس، أو الصلوات المتعددة بتيمم واحد، لأنه بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل، فيمكن أن يستمر عليه إذا لم يجد الماء، ويمكن أيضاً أن يصلي صلوات متعددة بتيمم واحد، كما أنه يصلي صلوات متعددة بوضوء واحد.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين) وفي بعض روايات الحديث عند بعض الأئمة: (فإذا وجد الماء، فليتق الله وليمسه بشرته) معناه: أنه إذا وجد الماء فإنه يمسه بشرته، بمعنى: أنه يغتسل، فإن هذه الفترة الطويلة التي مضت والماء لم يأت على جسده، فإنه يبادر إلى أن يمس جسده بالماء؛ لأنه مضى عليه وقت طويل وهو لم يمس بشرته الماء، فليغتسل ليزيل ما علق به من أوساخ، وأيضاً لإزالة آثار الجنابة إذا كان عليه جنابة، وكذلك أيضاً عندما يجد الماء فإنه يتعين عليه أن يتوضأ، وينتهي مفعول التيمم؛ لأن التيمم بدل عن الماء، فإذا وجد المبدل فإنه يسقط البدل.

    إذاً الأصل أن التيمم يقوم مقام الماء، فمتى لم يجد الإنسان الماء يتيمم، وإن مضى وقت طويل، فلا إشكال فيه، ما دام أن المبدل غير موجود الذي هو الماء، فإن البدل الذي هو التيمم يقوم مقامه، ولم يأت ما يدل على توقيته وأنه إذا مضى كذا فالحكم يختلف، بل الذي جاء في القرآن وجاء في السنة هو أن التيمم يقوم مقام الماء عند عدم وجود الماء وهو مطلق، فالأصل فيه: أنه حكم مستمر حتى يوجد الماء.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن هشام].

    وعمرو بن هشام هذا هو الحراني، وهو ثقة خرج له النسائي وحده.

    [حدثنا مخلد].

    ومخلد هو ابن يزيد الحراني، وهو صدوق له أوهام، فقد خرج له أصحاب الكتب إلا الترمذي، فإنه لم يخرج له شيئاً.

    [عن سفيان].

    وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام، المحدث، الفقيه، المشهور، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين مثل: سفيان الثوري هذا، ومثل: شعبة بن الحجاج، ومثل: إسحاق بن راهويه، ومثل: البخاري، والدارقطني، وأمثال هؤلاء هم الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع.

    [عن أيوب].

    وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني، ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي قلابة].

    وهو عبد الله بن زيد الجرمي، وهو مشهور بكنيته أبي قلابة، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو بن بجدان].

    عمرو بن بجدان قال عنه الحافظ: أنه لا يعرف حاله، وخرج له أصحاب السنن الأربعة.

    وقوله: (لا يعرف حاله) هكذا؛ جاء عن الإمام أحمد وعن بعض العلماء أنه قال: مجهول لا يعرف حاله، ومنهم من قال: بأنه ثقة، فقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه العجلي: أنه ثقة، وصحح حديثه الترمذي، فقال عن حديثه هذا: حديث حسن صحيح، وكذلك صححه جماعة من أهل العلم، وله شاهد من حديث أبي هريرة، فيكون عاضداً له ومؤيداً.

    إذاً: فالحديث ثابت، وعمرو بن بجدان منهم من وثقه، ومنهم من قال: إنه مجهول، وتصحيحه له يدل على الاحتجاج به، وممن صحح حديثه أيضاً من العلماء: ابن حبان، والحاكم، والذهبي، وأبو حاتم، والنووي وجماعة من أهل العلم، كما ذكر ذلك الشيخ: ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل، فإنه ذكر سبعة من العلماء صححوا هذا الحديث، وقال: إنه صحيح، وله شاهد من حديث أبي هريرة.

    إذاً: عمرو بن بجدان منهم من جهل حاله، وهذا قول بعض أهل العلم، وقد وثقه بعض أهل العلم، وأيضاً له شاهد يقويه، ويزيده قوة، ويصير بذلك ثابتاً.

    [عن أبي ذر].

    أبو ذر هو الغفاري، وهو مشهور بكنيته، وأشهر ما قيل في اسمه واسم أبيه أنه: جندب بن جنادة، وهو صحابي مشهور، له مائتان وواحد وثمانون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر أو تسعة عشر حديثاً.

    1.   

    فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد

    شرح حديث عائشة فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد.

    حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير وناساً يطلبون قلادة كانت لـعائشة نسيتها في منزل نزلته، فحضرت الصلاة، وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء، فصلوا بغير وضوء، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل آية التيمم، قال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً)].

    أورد النسائي رحمه الله باب: فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد، يعني: ما وجد الماء، ولا البدل من الماء الذي هو الصعيد الذي يتيمم به، وهذا هو المقصود من الترجمة، لكن فيما يتعلق بالتراب، والصعيد الذي هو: التراب، اختلف هل يتعين التيمم بالتراب وما يتصاعد منه، أم أنه يكون بجميع أجزاء الأرض سواء كان تراباً أو غير تراب؟

    اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إن التيمم لا يكون إلا بالصعيد وهو التراب الذي يتصاعد منه الغبار، ومنهم من قال: إن التيمم يكون بجميع أجزاء الأرض، فالإنسان إذا كان في أي مكان سواء كانت ترابية، أو حجرية، فإنه يتيمم، ولا يترك ذلك حتى يجد التراب، والذين ذهبوا إلى تخصيص ذلك بالتراب استدلوا بما جاء في بعض الأحاديث: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) وبما جاء من ذكر الصعيد في الآية وفي بعض الأحاديث.

    والذين قالوا بأن التيمم يكون بجميع أجزاء الأرض سواء كانت تراباً، أو غير تراب، استدلوا على ذلك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الخصائص الخمس التي قال فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)؛ لأنه قال: الأرض، فمعنى هذا: أن الإنسان في أي مكان من الأرض سواء كان عنده تراب، أو ليس عنده تراب فإنه يتيمم على الأرض التي هو فيها عندما يأتي وقت الصلاة، سواء كانت ترابية أو حجرية، فإنما عليه أن يضرب بيديه الأرض، ويمسح وجهه وكفيه، ولا يتعين التراب. وعلى هذا، فيكون التيمم بالتراب وغير التراب من أجزاء الأرض، كل ذلك سائغ وكل ذلك جائز، لكن الشيء الذي يمكن للإنسان هو أن يصلي على حسب حاله حيث لا يتمكن من التيمم على الأرض بأن يكون مثلاً الإنسان محبوساً، أو مصلوباً، أو ربط بسارية، ولم يتمكن من التصرف لا بالماء، ولا بالتيمم، فإنه يصلي على حسب حاله، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه) ويقول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    فالحاصل: أن التيمم اختلف العلماء فيه هل يكون بالتراب أو أنه يكون بجميع أجزاء الأرض، والذي يظهر من عموم هذا الحديث الذي هو حديث الخصائص أنه يتيمم في أي جزء من أجزاء الأرض إذا حان وقت الصلاة وأراد أن يصلي؛ لأن هذا هو مقتضى قوله عليه الصلاة والسلام: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) يعني: بعد أن يتيمم.

    ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها لما كانت في سفر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام أنها فقدت عقداً لها، وأن أسيد بن حضير الأنصاري ومعه جماعة ذهبوا يبحثون عنه، ثم إنهم أدركهم وقت الصلاة، ولم يكونوا على وضوء، ولم يكن معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فأنزل الله آية التيمم فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] فمحل الشاهد من إيراد النسائي للحديث: أنه نزل منزلة عدم الماء منزلة قبل مشروعية التيمم، فمن لم يتمكن من الصعيد الذي يتيمم عليه فإن حاله مثل حال من كان قبل مشروعية التيمم؛ لأنه صلى على حسب حاله، والصلاة لا تسقط، بل الصلاة متعينة، وإن لم يجد الإنسان الماء، أو لم يستطع أن يتوضأ، ولا يستطيع أن يتيمم، فالصلاة لا تسقط بأي حال من الأحوال، فلما كان هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم صلوا بغير وضوء، لأنه قبل ذلك لم يشرع التيمم، فكان الحال بعد فرض التيمم، وأن الإنسان إذا ما وجد الماء، ولا وجد التيمم، فإنه يكون حاله كحال هؤلاء الذين صلوا بغير وضوء قبل أن يشرع التيمم، هذا هو وجه إيراد النسائي لهذا الحديث بهذه الترجمة.

    والحديث ليس فيه فقد الاثنين معاً وإنما فيه أنهم فقدوا الماء، ومحل الشاهد: (وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء، فصلوا بغير وضوء).

    قوله: (قال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً).

    قول أسيد بن حضير: (جزاك الله خيراً)، يعني: يخاطب بذلك عائشة (فإنه ما نزل أمر تكرهينه إلا وجعل الله لك وللمسلمين منه خيراً) من المعلوم: أن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: لما حصل الانحباس بسبب عقدها، وأنهم ليسوا على ماء، وعاتبها أبو بكر، ولامها، وشدد عليها، ولا شك أن هذا فيه غضاضة عليها، وهو أمر تكرهه، ولكن صارت النتيجة بعد ذلك أن فرض الله تعالى التيمم، ولهذا قال أسيد بن حضير رضي الله عنه هذا الكلام، وقال كما سبق أن مر: (ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر) يعني: بل هي مسبوقة ببركات، وحصل بسببكم خير كثير، وهنا قال: جزاك الله خيراً يا عائشة، فلا يمتنع أن يقول هذا وهذا، وذلك الخير الذي حصل هو: مشروعية التيمم وكونهم عندما يعدمون الماء، أو لا يستطيعون استعماله لمرض أو لعدم قدرة عليه، فإنهم يتيممون، والتيمم يقوم مقام الوضوء.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد

    قوله: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم].

    وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، المشهور بـابن راهويه، وهو محدث، فقيه، مشهور، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الأشخاص القلائل الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع، والوصف العالي، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [أخبرنا أبو معاوية].

    أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي معاوية.

    [حدثنا هشام بن عروة].

    وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    وهو عروة بن الزبير وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، الذين يأتي ذكرهم كثيراً في الأسانيد، وكثيراًيأتي ذكر عروة بن الزبير يروي عنه ابنه هشام ويروي عنه غيره.

    [عن عائشة].

    وعائشة هي خالة عروة لأن عروة هو ابن أسماء وأسماء هي أخت عائشة، وعائشة هي الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها التي روت عن النبي عليه الصلاة والسلام الشيء الكثير من الأحاديث، وهي أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ستة من الرجال وواحدة من النساء وهي: عائشة، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    والمقصود بزوجة النبي هي عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    شرح حديث طارق بن شهاب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة أن مخارقاً أخبرهم عن طارق (أن رجلاً أجنب فلم يصل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: أصبت، فأجنب رجل آخر فتيمم وصلى، فأتاه فقال نحو ما قال للآخر، يعني: أصبت)].

    ذكر النسائي حديث طارق، وهو ابن شهاب ذكره بهذه الترجمة وهي: باب إذا لم يجد الماء، ولا الصعيد. أورد فيه حديث طارق بن شهاب رضي الله تعالى عنه، أنه حكى (أن رجلاً أجنب فلم يصل، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أصبت، ثم جاءه آخر وقال: إنه تيمم، فقال له: أصبت)، مثلما قال للآخر. والمقصود من ذلك: أن الذي تيمم بسبب الجنابة قاس على حالة الوضوء، والذي لم يصل لم يستعمل القياس، فكونه (لم يصل)، ليس معنى ذلك أنه ما صلى أصلاً، وإنما أخر الصلاة مثلما حصل لـعمر عندما لم يصل لما كان مع عمار، أي: أخر الصلاة، لأن عمر قال: لا أصلي حتى أجد الماء، ومعنى هذا: أنه اجتهد وأخر الصلاة، وليس معنى ذلك أنه تركها وأنها سقطت عنه، فإن الصلاة لا تسقط، ولكنه اجتهد، ورأى أنه إذا لم يجد الماء فعليه أن يؤخر الصلاة حتى يجد الماء، فكل منهما أصاب من حيث الاجتهاد وحصول الأجر، لكن الذي أصاب السنة هو الذي اجتهد وتيمم، فإن هذا أدى ما عليه، وأما الذي لم يصل، وكونه اجتهد، فهو مأجور على الاجتهاد وإن كان مخطئاً، إلا أن المجتهد المخطئ مأجور على اجتهاده، والمجتهد المصيب مأجور على اجتهاده وإصابته.

    تراجم رجال إسناد حديث طارق بن شهاب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].

    محمد بن عبد الأعلى هو الصنعاني الذي مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، خرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو داود في كتاب القدر، يعني لم يخرج له في السنن.

    [حدثنا خالد].

    وهو ابن الحارث وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.

    [حدثنا شعبة].

    وشعبة هو ابن الحجاج، الثقة الثبت، الذي وصف بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد المحدثين القلائل الذين ظفروا بهذا الوصف الرفيع، واللقب المتميز، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن مخارق].

    مخارق هو ابن خليفة، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن، واختلف في اسم أبيه وهو: الأحمسي وهو ثقة، خرج له البخاري، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي.

    [عن طارق بن شهاب].

    وهو أيضاً الأحمسي وهو قد رأى النبي عليه الصلاة والسلام وروايته عنه مرسلة؛ لأنه لم يسمع منه شيئاً، ومن المعلوم أن رواية صغار الصحابة محمولة على الاتصال.

    1.   

    المياه

    شرح حديث (إن الماء لا ينجسه شيء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب المياه.

    قال الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقال عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11]، وقال تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6].

    أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلها، فذكرت ذلك له، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء)].

    أورد النسائي بعدما فرغ من الطهارة وما يتعلق بها، بدأ بهذا الباب الذي هو: كتاب المياه، وهو الذي تحصل به الطهارة الذي هو الماء، وقد أورد فيه بعض الآيات القرآنية التي فيها ذكر الماء والتطهير به، وذلك قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقوله: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11] وقال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6]، فإنه ذكر الماء في هذه الآيات الثلاث، وذكر في الآيتين الأوليين حصول التطهير به، ففي الآية الأولى: أنه طهور، وفي الثانية: أنه أنزله ليطهرنا به، وفي الثالثة: أنه قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] وهذا معناه: أن التطهر بالتيمم إنما يكون عند فقد الماء الذي هو الأصل فيما يتطهر به، والتيمم إنما هو بدل عنه عند عدمه، ولهذا قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] يعني: أنه إذا وجد الماء فإنه يحصل به التطهر، ولا ينتقل إلى التيمم إلا عند عدمه، وكذلك عند عدم القدرة على استعماله.

    ثم أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام اغتسلت من الجنابة، فتوضأ رسول الله عليه الصلاة والسلام بفضلها، فذكرت له ذلك فقال: (إن الماء لا ينجسه شيء) بمعنى: أن كون أثر الجنابة حصلت له، وأن المرأة في حال تطهرها من الجنابة تغمس يدها فيه، فإنه لا يؤثر ذلك على الماء شيء، لأن الماء لا ينجسه شيء.

    وهذه الجملة التي هي قوله: (إن الماء لا ينجسه شيء)، سيأتي في الأحاديث القادمة فيما يتعلق ببئر بضاعة، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن التطهر بها، وهي يلقى فيها نتن وشيء من الجيف، ومع ذلك يتوضأ منها، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) لكن هذه الجملة، وهذه القاعدة العامة في الحديث جاء في بعض الروايات الضعيفة: (إلا ما غلب على لونه، أو طعمه، أو ريحه) وهي وإن كانت ضعيفة، إلا أن العلماء أجمعوا على معناها، وهو: أن الماء إذا تغير بالنجاسة، سواء كان تغير الطعم، أو اللون، أو الريح، فإنه يكون نجساً، ولا يجوز استعماله، وقد أجمع العلماء على ذلك، وهذا بالنسبة للكثير والقليل.

    أما إذا كان الماء قليلاً فإن النجاسة تؤثر فيه، وإن لم تغير له لوناً، أو طعماً، أو ريحاً، كما سبق أن عرفنا ذلك في حديث القلتين، وكما سيأتي أيضاً حديث القلتين مرة أخرى.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن الماء لا ينجسه شيء)

    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].

    سويد بن نصر هو: المروزي الذي يأتي ذكره كثيراً يروي عن عبد الله بن المبارك وهو ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا أبو داود، ولا ابن ماجه .

    [حدثنا عبد الله بن المبارك].

    عبد الله بن المبارك وهنا نسبه وكثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد غير منسوب، فيقال: أخبرنا عبد الله وحدثنا عبد الله، والمقصود به: ابن المبارك، وإن لم ينسبه، لأنه معروف بالرواية عنه، بل يقال: هو راويته، وهو مروزي أيضاً، يعني: الاثنان مروزيان: سويد بن نصر مروزي، وعبد الله بن المبارك المروزي.

    وعبد الله بن المبارك قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة ثبت، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الثقة الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن سماك].

    وهو سماك بن حرب وهو صدق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهذا الحديث من روايته عن عكرمة، لكن قد جاءت عدة أحاديث في معناه، وهي شواهد له، وهي ستأتي في الباب الذي بعد هذا، فيما يتعلق ببئر بضاعة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء).

    إذاً: فهذا الحديث الذي في إسناده سماك وروايته عن عكرمة خاصة فيها اضطراب، يعني: هذا الحديث مما شهد له الأحاديث الأخرى في معناه، فهو ثابت، والحكم على ثبوته ليس من هذا الحديث وحده، بل لما جاء في أحاديث أخرى، فإذاً هو ثابت، وإن كانت رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب.