إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. المقدمة وكتاب الطهارة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب الاختلاف في كيفية التيمم) إلى (باب نوع آخر من التيمم)

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب الاختلاف في كيفية التيمم) إلى (باب نوع آخر من التيمم)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من تسهيل الله ورحمته بعباده أن شرع لهم التيمم، وهو رخصة لمن لم يجد الماء في سفر أو حضر، وقد وردت في صفته روايات متعددة، أرجحها ما ورد في البخاري من الاقتصار على الوجه والكفين.

    1.   

    الاختلاف في كيفية التيمم

    شرح حديث عمار: (تيممنا مع رسول الله بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاختلاف في كيفية التيمم.

    أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية عن مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه أخبره عن أبيه عن عمار بن ياسر قال: (تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتراب، فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب)].

    يقول النسائي رحمه الله: (الاختلاف في كيفية التيمم). ومقصوده: أن الأحاديث التي وردت في كيفية التيمم على صفات متعددة، منها: ما هو إلى الكفين فقط، ومنها: ما هو إلى أنصاف الذراعين، ومنها: ما هو إلى الذراعين، ومنها: ما هو إلى المنكبين، ولكن الذي ورد في الصحيحين وفي غيرهما: الاقتصار على الكفين، فيكون أرجح من غيره، فيكون فرض التيمم هو: مسح الوجه والكفين.

    وقد أورد النسائي رحمه الله عدة أحاديث في هذا الباب تشتمل على ما أشار إليه من الاختلاف في الكيفية، وأنها جاءت على ألفاظ مختلفة، لكن بعضها أرجح من بعض، وقد أشرت إلى أن المرجح هو ما جاء في الصحيحين من أن المسح يكون للكفين فقط دون أن يضاف إليهما شيء آخر، فقد أورد النسائي رحمه الله حديث عمار بن ياسر الذي فيه أنهم تيمموا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنهم مسحوا بوجوههم، وأيديهم إلى المناكب، وهذا هو الذي جاء في هذا الحديث، وفي غيره، لكن الذي جاء في الصحيحين وفي غيرهما من حديث عمار وغيره: الاقتصار على مسح الكفين فقط، فيكون هو الأرجح من غيره.

    تراجم رجال إسناد حديث عمار: (تيممنا مع رسول الله بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب)

    قوله: [أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري].

    وهو العباس بن عبد العظيم العنبري، ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو متقن، وهو من أهل البصرة.

    [حدثنا عبد الله بن محمد].

    وهو عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد الضبعي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وسبق أن مر ذكر عمير مولى أم الفضل، أو مولى ابن عباس، وكنت قد ذكرت أنه خرج له الجماعة، والواقع أن الذي خرج له مثل الذين خرجوا لهذا الرجل، وهم البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، خرجوا لـعمير بن عبد الله الهلالي مولى أم الفضل، ويقال له: مولى ابن عباس، وهو ثقة، والذي معنا هنا عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري، خرج له صاحبا الصحيح، وخرج له اثنان من أصحاب السنن الأربعة، وهما: أبو داود، والنسائي، ولم يخرج له الترمذي، ولا ابن ماجه .

    [حدثنا جويرية].

    وهو جويرية عم عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد الضبعي؛ لأن هذا جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي، وذاك عبد الله بن محمد، ومحمد أخو جويرية، أبناء لـأسماء بن عبيد الضبعي، وجويرية بن أسماء اسمه واسم أبيه من الأسماء المشتركة، التي يسمى بها الرجال والنساء، وهي مشهورة في أسماء النساء، جويرية، وأسماء، وجويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي صدوق، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، أي: مثل الذي قبله، ابن أخيه، فالذين خرجوا للعم مثل الذين خرجوا لابن أخيه، الذي هو عبد الله بن محمد وزيادة ابن ماجه .

    [عن مالك].

    وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، المشهور، العلم، الذي اشتهر فقهه، وصار له مذهب مشهور، ودون فقهه وصار له أتباع اعتنوا بفقهه، وهو محدث، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن الزهري].

    وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر بنا ذكره كثيراً، وهو إمام علم، ومحدث فقيه، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قام بتدوين السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز، والذي سبق أن أشرت إليه مراراً فيما مضى، والذي يقول فيه السيوطي في ألفيته:

    أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمراً له عمر

    وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبيد الله بن عبد الله].

    وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة، فقيه، وهو أحد الفقهاء السبعة في عصر التابعين، المشهورين في المدينة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    والزهري تابعي صغير، يروي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.

    [عن أبيه].

    هو: عبد الله بن عتبة بن مسعود، عمه عبد الله بن مسعود، هو ابن أخي عبد الله بن مسعود؛ لأن عتبة وعبد الله أخوان، وعبد الله هذا هو ابن أخي عبد الله بن مسعود الهذلي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه ، فالذين خرجوا لـجويرية بن أسماء هم الذين خرجوا لوالد عبيد الله، الذي هو عبد الله بن عتبة بن مسعود الذي عمه عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله تعالى عنه.

    إذاً: فهو ثقة، خرج حديثه صاحبا الصحيح البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي، فإنه لم يخرج له شيئاً.

    [عن عمار].

    وهو عمار بن ياسر مر ذكره في الأسانيد المتقدمة، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.

    1.   

    نوع آخر من التيمم والنفخ في اليدين

    شرح حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه وبعض الذراعين في التيمم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التيمم والنفخ في اليدين

    أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة عن أبي مالك وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن بن أبزى أنه قال: (كنا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! ربما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد ماء، فقال عمر: أما أنا فإذا لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء، فقال عمار بن ياسر: أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنت بمكان كذا وكذا، ونحن نرعى الإبل، فتعلم أنا أجنبنا؟ قال: نعم، أما أنا فتمرغت في التراب، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: إن كان الصعيد لكافيك، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه، فقال: اتق الله يا عمار، فقال: يا أمير المؤمنين! إن شئت لم أذكره، قال: لا، ولكن نوليك من ذلك ما توليت)].

    هنا ذكر النسائي حديثاً لـعمار من طريق أخرى، وهو يشتمل على كيفية أخرى من كيفيات التيمم، وهو أن عمار رضي الله تعالى عنه كان عند عمر فجاءه رجل وسأله عن الجنب، يعني: عن الرجل يجنب، ولا يجد الماء، فقال: أما أنا فإذا لم أجد الماء، فإنني لا أصلي حتى أجد الماء، معناه: أنه يؤخر الصلاة، فيما إذا كان على جنابة ولم يجد الماء، ومعنى هذا: أنه لم يعتبر رفع الحدث الأصغر يماثله رفع الحدث الأكبر، ونص القرآن جاء في الحدث الأكبر والأصغر، لكن لعل عمر رضي الله عنه وأرضاه يرى أن ملامسة النساء ليس المقصود بها الجماع، وهذا هو الذي قاله بعض العلماء وبعض الصحابة فهم اختلفوا في تفسير الملامسة، هل المقصود بها الجماع، كما هو قول الجمهور، أو أن المقصود بها اللمس؟ وأنه يكون ناقضاً للوضوء، فيكون الإنسان يتيمم إذا لم يجد الماء، فـعمر رضي الله عنه وأرضاه يرى أن الملامسة المقصود بها اللمس، وليس المقصود بها الجماع، ولهذا لم يكن يعلم دليلاً يدل على أن الجنب يتيمم، ولهذا لما سأله رجل بحضرة عمار هذا السؤال قال: أما أنا فإذا لم أجد الماء، فإنني لا أصلي، حتى أجد الماء، فقال له عمار: أتذكر لما كنت وإياك، في مكان كذا ومعنا الإبل، وأننا أجنبنا، أما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة، فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فضحك رسول الله، يعني: ضحك من هذا العمل الذي عمله عمار، وهو كونه تجرد، وتمرغ بالتراب كما تتمرغ الدابة؛ لأنه قاس التيمم للجنابة على الاغتسال من الجنابة.

    وهذا فيه بيان مبدأ القياس، لكن هذا القياس ليس بصحيح؛ لأن الأصل المقيس عليه الذي هو الوضوء ليس فيه أن التيمم يكون لأعضاء الوضوء، يعني: الرجلين والرأس، وما إلى ذلك، ليس فيهما هذا الأمر، فالقياس ليس بصحيح، لكن فيه الإشعار بمبدأ القياس، وأن عمار أخذ بمبدأ القياس، والرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أنه يكفيه أن يتيمم بالطريقة التي أرشده إليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي مسح الوجه والكفين.

    وهنا ذكر إلى أنصاف الذراعين، يعني: إذا كان المقصود من ذلك أن الكفين دخل على الذراعين، فهذا لا إشكال فيه، يمكن أن يرجع إلى حديث الصحيحين وغيرهما: في أن التيمم يكون على الكفين، وإذا كان المقصود من ذلك الزيادة، فهذه الزيادة ليست موجودة في الصحيحين، والمعتبر هو ما نقله الرواة، وجاء في الصحيحين، وفي غيرهما: من أن التيمم إنما يكون للكفين فقط، دون أن يضاف إليهما ذراعان، أو بعض الذراعين، أو إلى المنكبين، فيكون هذا أرجح من غيره في بيان تلك الكيفية.

    وفيه: أنه نفخ في يديه، وقد ذكرت فيما مضى: أن النفخ جاء في بعض الروايات ذكره، وجاء في بعضها عدم ذكره، فيكون ذكره في بعض الأحوال التي حصلت أن الغبار كثير، وأن الذي تصاعد لليدين كثير، فأريد تخفيفه بالنفخ، أما إذا كان ليس بكثير، ولا يظهر على الوجه لو مسحه به، أو اليدين لو مسحهما به لكثرة الغبار، فإن هذا لا يحتاج إلى النفخ.

    وقوله: [كنا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، ربما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد الماء، فقال عمر رضي الله عنه: أما أنا فإذا لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء].

    المقصود من ذلك من الجنابة، يعني: يمكثون الشهر والشهرين، ولا يكون عندهم الماء، وهم في البر وفي السفر، فهو السؤال عن الجنابة، فقال: أما أنا فلا أصلي حتى أجد الماء.

    وفي الحديث: دلالة على أن من عنده علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يبديه، وأن بعض الصحابة قد يكون عنده علم في المسألة، ولكنه ينساه، فإن عمر رضي الله عنه وأرضاه قد نسي هذا الذي جرى بينه وبين عمار، وما الذي حصل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أخبره عمار بالذي حصل في حضرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإجابته على ما أخبر به من حصول التمرغ في التراب، وقال: (إن الصعيد لكافيك)، قال له عمر: (اتق الله)، وهذا فيه تثبت في الرواية، وأنه يريد منه أن يكون على ثقة، وعلى يقين من ذلك، وقال عمار: إن شئت لم أحدث بهذا؛ لأن عمار رضي الله عنه قد حصل منه التحديث، وحصل منه التبليغ، فيكون قد أدى ما عليه، فلو أراد أن يتوقف عنه، فإنه قد أبلغ، وقد أدى ما عليه، فلم يكن هناك كتمان للعلم؛ لأنه قد حدث بهذا الحديث، وسمع منه، وبلغه للناس، فقال: (بل نوليك من ذلك ما توليت).

    يعني: أنت الذي تذكر، وأنت الذي تتولى هذا، وأنت الذي تخبر بهذا، أما عمر رضي الله عنه فإنه لا يعلمه، لكن هذا لا يدل على عدم قبوله لما أخبر به عمار، وإن كان قد حصل منه النسيان، فهو لا يدل على عدم قبوله لما جاء به، ولكن قوله: (نوليك من ذلك ما توليت)، يعني: أنت الذي تتولى تبعة هذا، وتتولاه؛ لأنك أنت الذي تعرفه وتذكره، أما أنا فلا أذكر ذلك، وعليه فيكون التحديث به، والإخبار به، إنما تكون مسئوليته عليك، وأنت الذي عندك العلم، وأنت الذي تحدث به، هذا هو معنى قوله: (نوليك من ذلك ما توليت).

    تراجم رجال إسناد حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه وبعض الذراعين في التيمم

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    هو: بندار، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو من صغار شيوخ البخاري، مات قبل البخاري بأربع سنوات، إذ توفي سنة اثنين وخمسين ومائتين، والبخاري توفي بعده بأربع سنوات، أعني: سنة ست وخمسين ومائتين، فهو من صغار شيوخ البخاري، وقد مر ذكره فيما مضى.

    [حدثنا عبد الرحمن].

    هو ابن مهدي المحدث المشهور، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، المحدث، الفقيه، العلم، الحجة، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، ومنزلة عالية، لم يظفر بها إلا النوادر من المشتغلين بالحديث، مثل: سفيان هذا، ومثل: شعبة، ومثل: إسحاق بن راهويه ، ومثل: البخاري، والدارقطني، وغيرهم، عدد قليل، أطلق عليهم هذا اللقب الرفيع، وهذا الوصف العالي الذي هو أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن سلمة].

    هو سلمة بن كهيل الحضرمي، وقد مر ذكره في الأسانيد الماضية قريباً، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي مالك].

    هو غزوان الغفاري الكوفي، وهو ثقة، خرج له البخاري تعليقاً، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.

    [عن عبد الله بن عبد الرحمن].

    هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، وهو مقبول، خرج له البخاري تعليقاً، وأبو داود، والنسائي.

    [عن عبد الرحمن بن أبزى].

    هو عبد الرحمن بن أبزى، وهو صحابي صغير، وقد روى له الجماعة، وهذا هو الذي جاء ذكره في صحيح مسلم عند حديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين). ومناسبة الحديث أنه كان لعمر بن الخطاب أمير على مكة، اسمه نافع، فلقيه، فقال له: من أمرت عليهم في حال غيبتك؟ ومن وليت مكانك لينوب عنك حتى تعود؟ فقال: عبد الرحمن بن أبزى، قال: ومن عبد الرحمن بن أبزى؟ قال: رجل من الموالي، قال: وليت عليهم مولى، قال: إنه عالم بكتاب الله، عارف بالفرائض. هذا يقوله نافع أمير عمر في حق عبد الرحمن بن أبزى الذي أنابه، أميراً لمكة في حال غيبته حتى يعود، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه، عندما سمع هذا الكلام: صدق نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين)، والحديث في صحيح مسلم.

    وهو دال على فضل القرآن، وفضل العناية بالقرآن، وأن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين، ومعنى هذا: أن هذا الرجل رفعه الله بكتابه، وهذا هو معنى قول عمر: صدق نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن أميره ولاه، وهو مولى من الموالي، ولكن تقديمه إياه إنما كان بسبب العلم، وبسبب الفقه في الدين، وبسبب العلم بكتاب الله، والمعرفة بالفرائض التي هي الشرائع، وليس معنى الفرائض التي هي المواريث فقط؛ لأن الفرائض معناها الأمور المشروعة والمفروضة؛ لأنه عارف بالفقه، عالم بكتاب الله عز وجل.

    قوله: [عن عمار].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    نوع آخر من التيمم

    شرح حديث عمار في الضرب الكفين في الأرض النفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين في التيمم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التيمم.

    أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز حدثنا شعبة حدثنا الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه (أن رجلاً سأل عمر بن الخطاب عن التيمم فلم يدر ما يقول، فقال عمار: أتذكر حيث كنا في سرية فأجنبت فتمعكت في التراب، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما يكفيك هكذا، وضرب شعبة بيديه على ركبتيه، ونفخ في يديه، ومسح بهما وجهه وكفيه مرة واحدة)].

    وهذا أيضاً حديث آخر من طريق أخرى من حديث عمار، وفيه: بيان الكيفية، وأنه ضرب ضربة واحدة نفخ في يديه، ومسح كفيه ووجهه مرة واحد، وهذا فيه: بيان الصفة المشهورة للتيمم، وهي مسح الوجه والكفين، بين الذراعين ودون المنكبين، دون الوصول إلى الذراعين، ودون الوصول إلى المنكبين.

    وضرب شعبة يديه على ركبتيه، ليبين الكيفية فقط، فهو ما ضرب بالتراب، ولكنه بين الهيئة والطريقة، وإن لم يكن ذلك بالتراب.

    وقوله: (فلم يدرِ ما يقول)، يعني: أنه ما عنده شيء يخبر به عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا فإنه جاء عنه، أنه قال: (أما أنا فإذا أجنبت، فلا أصلي حتى أجد الماء)، فهو قال الذي قاله باجتهاده، لكنه ما يدري ما يقول، يعني: شيئاً يسنده إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو يروي فيه سنة عن رسول الله، هذا هو المقصود بقوله: (ما يدري ما يقول)، فهذا لا يناقض ما جاء عنه أنه قال: (أما أنا؛ فإذا أجنبت فلا أصلي) لأن المقصود أنه ما يدري ما يقول في شيء يفتيه به، ويكون عنده سنة في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين في التيمم

    قوله: [أخبرنا عمرو بن يزيد].

    وهو: الجرمي، ويقال: ابن بريد، ويقال في أبيه: بريد بدل يزيد، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده، ولم يخرج له أصحاب الكتب الستة الباقون.

    [حدثنا بهز].

    وهو ابن أسد العمي، الذي مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    وهو شعبة بن الحجاج، الثقة، الثبت، الذي وصف بذلك الوصف العالي، ولقب بذلك اللقب الرفيع، الذي هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد الأشخاص الذين لقبوا بهذا اللقب، وهو من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا الحكم].

    وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، خرج له الجماعة، أصحاب الكتب الستة، فقد مر ذكره فيما مضى.

    [عن ذر].

    وهو ذر بن عبد الله المرهبي، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية قريباً فيما يتعلق بالتيمم، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عبد الرحمن بن أبزى].

    وهو سعيد بن عبد الرحمن؛ لأن هذا الحديث الذي فيه رواية ذر، يروي عن سعيد، وقد مر ذكره، وسعيد ثقة، من رجال الكتب الستة، كما خرجوا لأبيه عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الرحمن بن أبزى صحابي صغير، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا شعبة عن الحكم قال: سمعت ذراً يحدث عن ابن أبزى عن أبيه أنه قال: وقد سمعه الحكم من ابن عبد الرحمن قال: (أجنب رجل فأتى عمر رضي الله عنه، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماءَ؟ قال: لا تصل، قال له عمار: أما تذكر أنا كنا في سرية فأجنبنا، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فإني تمعكت، فصليت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك. وضرب شعبة بكفه ضربة ونفخ فيها، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح بهما وجهه)، فقال عمر شيئاً لا أدري ما هو، فقال: إن شئت لا حدثته، وذكر شيئاً في هذا الإسناد عن أبي مالك، وزاد سلمة: قال: بل نوليك من ذلك ما توليت].

    هنا أورد النسائي حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه، من طريق أخرى، وفيه: بيان كيفية من كيفيات التيمم، وفيه: أن عمر قال: (لا تصل)، والذي قبله قال: (فلم يدر عمر ما يقول)، وهذا هو الذي ذكرت أنه لم يدر ما يقول، يعني أنه ليس عنده فيه سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما كونه اجتهد وأرشده إلى ما اجتهد فيه، وهو أن لا يصلي حتى يجد الماء، فهذا هو أخبره به، بل قد أخبر عن نفسه أنه لا يصلي حتى يجد الماء.

    تراجم رجال إسناد حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ ثم مسح الوجه والكفين من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].

    هو الجحدري، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، وقد مر ذكره فيما مضى.

    [حدثنا خالد].

    وخالد بن الحارث قد مر ذكره كثيراً فيما مضى، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    حدثنا شعبة، وقد مر ذكره في الذي قبل هذا.

    [عن الحكم قال: سمعت ذر يحدث عن ابن أبزى عن أبيه].

    هذا معناه: أن شعبة يرويه عن الحكم، والحكم يرويه من طريقين: من طريق ذر عن ابن أبزى، ويرويه أيضاً عن ابن أبزى مباشرةً، فيكون الإسناد عالياً ونازلاً؛ لأنه إذا كان عالياً يسقط ابن أبزى، ويسقط ذر، وإذا كان نازلاً، فإنه يكون فيه ذر؛ لأن شعبة قال: عن ذر عن ابن أبزى عن أبيه، قال، أي: شعبة: (وقد سمعه الحكم من ابن أبزى)، معناه: أن الحكم يرويه عن ذر عن ابن أبزى، ويرويه عن ابن أبزى مباشرةً، فيكون رواه عن ابن أبزى بواسطة، ومن غير واسطة.

    وهذا لا يقدح، بل يأتي ذكره كثيراً في كتب الحديث، وذلك أن الراوي يرويه بطريق نازلة، فإذا ظفر بالعالية حدث به بالعالية، فيكون قد حدث به على الحالين: الحالة النازلة قبل أن يظفر بالعالية، ثم عندما يظفر بالعالية يحدث بالعالية، فيكون عنده الحديث مروياً بطريقين: بطريق نازلة، وبطريق عالية، وفي هذا الإسناد الإشارة إلى الطريق العالية، والطريق النازلة، وأن الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي يروي عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، ويروي أيضاً الحكم عن ابن أبزى دون واسطة ذر بن عبد الله المرهبي، وقد مر ذكر هؤلاء في الإسناد الذي قبل هذا.

    1.   

    نوع آخر من التيمم

    شرح حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر

    أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم حدثنا الحجاج حدثنا شعبة عن الحكم وسلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه (أن رجلاً جاء إلى عمر رضي الله عنه، فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء؟ فقال عمر: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين! إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت، فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب، ثم صليت، فلما أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكرت ذلك له، فقال: إنما يكفيك، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيديه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، فمسح بهما وجهه وكفيه)، شك سلمة وقال: لا أدري فيه إلى المرفقين أو إلى الكفين، قال عمر: نوليك من ذلك ما توليت، قال شعبة: كان يقول: الكفين، والوجه، والذراعين، فقال له منصور: ما تقول؟ فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك، فشك سلمة، فقال: لا أدري ذكر الذراعين أم لا؟].

    هنا أورد النسائي حديث عمار بن ياسر من طريق أخرى، وهو نفس القصة التي جاء رجل فسأل عمر بحضور عمار، وأن عمر قال: لا تصل، وأن عمار ذكره بما جرى له وله، وأنهم جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالذي حصل، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يكفيك أن تتيمم)، وذكر أنه مسح كفيه ووجهه، وأن سلمة شك هل ذكر الذراعين مع الكفين أو لا؟ وأن منصوراً قال له: إنه لا يذكر الذراعين أحدٌ غيرك، فقال: لا أدري، هل ذكر الذراعين، أو لم يذكر الذراعين؟

    ومعنى هذا: أن الكفين أمر محقق، وما زاد على ذلك -وهو الذراعان- فهو مشكوك فيه من قبل الراوي الذي هو سلمة بن كهيل، ومن المعلوم: أن الحديث جاء برواية متعددة، ولكن أرجحها وأقواها: الرواية التي فيها الاختصار على الكفين، دون إضافة الذراعين، ودون إضافة المنكبين.

    تراجم رجال إسناد حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم].

    وهو عبد الله بن محمد بن تميم المصيصي، وهذا ثقة، خرج له النسائي وحده.

    [حدثنا حجاج].

    وهو حجاج بن محمد المصيصي الأعور، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة].

    وقد مر.

    [عن الحكم، وسلمة].

    الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل.

    والباقون قد مروا في الإسناد السابق.

    1.   

    الأسئلة

    الكيفية الراجحة في التيمم في الروايات الواردة عن عمار

    السؤال: ألا يمكن الجمع بين الأحاديث، ونقول تارة بالتيمم إلى الكفين، وتارة إلى الذراعين، وتارة إلى المنكبين؟

    الجواب: لا؛ لأن الأحاديث جاءت في موضوع واحد عن عمار، وفي قصة واحدة، وتحكي حالة واحدة، فلا شك أن بعضها أرجح من بعض، والذي جاء في الصحيحين، وفي غيرهما، الاقتصار على الكفين.

    والقول في الجمع أولى من الترجيح، نقول: الجمع إذا كان له وجه؛ لأن الآن هي قصة واحدة تتحدث عن حالة واحدة، وبعض الرواة يزيد وينقص، وهي تحكي حالة واحدة، فالذي اتفق عليه أصحاب الصحيح، وجاء أيضاً عن غيرهم الاقتصار على حالة واحدة، وهي الكفان.

    مقصود عمر من التحريج على عمار في التحديث بحديث التيمم

    السؤال: فضيلة الشيخ! أحسن الله إليكم، ألا يستفاد من حديث عمار بن ياسر إلى وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله عز وجل؟

    الجواب: نعم، هذا يدل على طاعة ولاة الأمور في غير المعصية، وعمار رضي الله عنه وأرضاه لما رأى عمر قال له: اتق الله، ليس مقصوداً أنه يمتنع، وإنما مقصوده أنه يتثبت، ولهذا قال: إن شئت لا أحدث، قال: لا، ما قال: أريد أنك تسكت، ولكن أنت الذي تتولى هذا؛ لأنك أنت الذي تعلم، وأنت تحدث بما تعلم، أما أنا فلا أذكر ذلك.

    حكم إلزام العاصي باتباع الدليل وعدم تقليد المذاهب

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: لا يجوز للعامة أن يتبعوا مذهباً معيناً، بل عليهم أن يتفقهوا بأنفسهم من الكتاب والسنة؟

    الجواب: العامة ليس لهم أن يتفقهوا بأنفسهم، وإنما عليهم أن يسألوا العلماء، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، والذي لا يعلم لا يستطيع أن يستخرج من الكتب وهو عامي، فقد يفهم الشيء على غير موضعه، ولكن العامي يتعلم، والجاهل يتعلم، إذا لم يجد أحداً من العلماء، فكونه يقرأ، أو يعرف مذهباً من المذاهب، ويتعبد الله عز وجل به هذا لا بأس بذلك، حيث لا يكون عنده من يفتيه، أما إذا وجد عنده عالم، عنده العلم والمعرفة، ويرجع إليه فيفتيه، فهذه الطريقة التي ينبغي أن تسلك.

    وإذا لم يجد العالم الذي يرجع إليه، فهذا يقال له: فاتقوا الله ما استطعتم، فيعرف مذهباً من المذاهب ويتعبد الله به، حتى يأتي من يدله على ما هو الحق والصواب في المسألة الفلانية، هذا هو الذي ينبغي.

    ومن يقول: إن هذه المذاهب بدعة محدثة لم يعرفها التابعون، نقول له: هذه المذاهب كما هو معلوم أقوال دونت، وأصحابها يخطئون ويصيبون، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وخطؤهم مغفور، ويستفاد من فقه الفقهاء المدون الذي دون وأعتني به، ويرجع إليه، ولا يقال: إنه لا يرجع إلى كتب الفقهاء، بل هذا غلط كبير، فالناس بحاجة إلى أن يرجعوا إلى كتب الفقهاء، ويعرفون ما قالوا، ويعرفون مأخذهم، ويعرفون من معه الدليل، ومن ليس معه دليل؛ لأن الفقهاء اختلفوا واجتهدوا، فيُرجع إلى كلامهم، ولكن من عنده قدرة على الترجيح، ومعرفة الأدلة يرجح ما يرجحه الدليل، ومن ليس عنده علم، فإنه يسأل من عنده علم.

    وأما كونها تترك ولا يرجع إليها، ولا يستفاد من فقه الفقهاء، فهذا غلط، بل العلماء المجتهدون الذين عنوا ببيان الأحكام الشرعية، وفي بيان مسائل الفقه يرجع إلى كلامهم، لكن لا يعول على كلام أحد بعينه بحيث يقال: إن الحق مع فلان، لا، كل مسألة يجتهد فيها المجتهدون، المجتهد المصيب مأجور أجران، والمجتهد المخطئ له أجرٌ واحد.

    وكما قال ابن القيم رحمة الله عليه في آخر كتاب (الروح)، يقول: إن الواجب هو احترام العلماء، وتوقيرهم، والاستفادة من علمهم، ومعرفة أنهم يخطئون ويصيبون، وليس أحد يتبع ويلتزم بقوله إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    أما العلماء ومنهم الأئمة الأربعة؛ فإنهم أرشدوا إلى اتباع الدليل، وأن يأخذ الناس من حيث أخذوا، فقد قال ابن القيم موضحاً طريقة الاستفادة من علم العلماء ومن كلام العلماء، قال: إنهم بمثابة النجم الذي يستدل به إلى القبلة، وهذا معناه أنه يستعان بهم للوصول إلى حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى بيان شرع الرسول الذي جاء عنه عليه الصلاة والسلام، فكما يُهتدى بالنجم إلى جهة القبلة، ويعرف جهة القبلة عن طريق النجم، فإذا وصل الإنسان إلى القبلة، وصار عندها ما يحتاج إلى أن يبحث في النجوم، أي أن القبلة قدامه إذا وصل إليها وكان عندها فلا يحتاج إلى النجم.

    فكذلك الإنسان يرجع إلى كلام العلماء من أجل أن يصل إلى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى حكم الرسول عليه الصلاة والسلام، فيستعين بهم، ويستفيد من علمهم في الوصول إلى المقصود، وهم يصيبون ويخطئون، لكن يوقرون، ويحترمون، ويثنى عليهم، ويعتقد بأنهم لا يعدمون الأجر والأجرين، فإنهم إما مجتهدون ومصيبون، فلهم أجران على الاجتهاد والإصابة، وإما مجتهدون ومخطئون، فلهم أجر واحد على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور.

    علاقة جرح الرواة وتعديلهم بالغيبة

    السؤال: هل الجرح في الرواة يعتبر من الغيبة المنهي عنها؟

    الجواب: لا، ليس هذا من الغيبة المنهي عنها؛ لأن هذا من النصح للمسلمين، ولأن هذا ينبني عليه أحكام شرعية، فإذا لم يبين حال الرواة تعديلاً وتجريحاً، كيف يهتدى إلى معرفة الحديث الصحيح من الضعيف؟! بل هذا من النصح، وهذا من الأمور المستثناة؛ لأن هناك أمور مستثناة من الغيبة، ذكرها النووي في رياض الصالحين، وذكرها غيره، منها: جرح الرواة، ومنها: كون الإنسان يتظلم عند القاضي، ويقول: فلان ظلمني، أو فلان أخذ حقي، هذا لا يعتبر من الغيبة، وكذلك عند الاستشارة، فالإنسان يستشار في شخص فيبين ما فيه، مثل ما حصل من رسول الله عليه الصلاة والسلام في المرأة التي خطبها أبو جهم، ومعاوية بن أبي سفيان، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له)، فهذا من النصيحة في المشورة.

    منزلة آثار الصحابة والتابعين من الحديث النبوي

    السؤال: هل أقوال الصحابة والتابعين من الحديث؟

    الجواب: أقوال الصحابة والتابعين ليست من الحديث، أقوال الصحابة والتابعين من كلامهم، فما يضاف إلى الصحابة يقال له: موقوف، وما يضاف إلى التابعين يقال له: مقطوع. وما يضاف إلى الصحابة ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون من الأمور التي للرأي فيها مجال، أو من الأمور التي لا مجال للرأي فيها، فما كان من الأمور التي لا مجال للرأي فيها، ولم يكن الصحابي الذي جاء عنه هذا الكلام معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، عن بني إسرائيل؛ فإن له حكم الرفع، وهذا الذي يقول له: مرفوع حكماً؛ لأن المرفوع اثنين: مرفوع تصريحاً، ومرفوع حكماً، أما المرفوع تصريحاً وهو الذي يقول فيه الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أما المرفوع حكماً فهو أن يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات قولاً لا مجال للرأي فيه؛ فإنه يكون مرفوعاً حكماً.

    كيفية الجمع بين حديث الجساسة وحديث ما من نفس منفوسة

    السؤال: كيف نجمع بين حديث الجساسة الذي في صحيح مسلم، وحديث: (ما من نفس منفوسة يمر عليها مائة عام من هذا اليوم إلا ماتت)، أو كما قال؟

    الجواب: هذا الحديث حديث الجساسة، وذكر الدجال، وأنه في جزيرة موثق، هذا الحديث مستثنى من هذا الحديث العام الذي قال فيه: (لن يأتي مائة عام وفيه ممن هو على وجه الأرض في هذه الليلة أحد من بعد مائة عام)، يعني: كل من كان موجوداً في ذلك الوقت، في تلك الليلة لم يأت مائة سنة على الموجودين في هذه الليلة إلا وقد مات، هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ثبت في الصحيح، وهذا هو الذي استدل به العلماء على أن الخضر غير موجود؛ لأنه لو كان موجوداً لهلك قبل مضي مائة سنة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نفس يأتي عليها مائة سنة من هذه الليلة إلا وقد ماتت)، لكن يستثنى من هذا الحديث شخصان: مسيح الهداية، ومسيح الضلالة. مسيح الهداية في السماء، عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بروحه وجسده، وينزل في آخر الزمان، وأما مسيح الضلالة الذي هو المسيح الدجال، فهو في جزيرة من جزر البحر، كما جاء في حديث تميم الداري في صحيح مسلم، وهو المشهور بحديث الجساسة، ويكون مستثنى من هذا الحديث.

    سبب ترجيح رواية المسح بالكفين

    السؤال: لماذا رجحنا رواية الصحيحين من المسح بالكفين، ولم نقل: إن في الأمر سعة؛ ويجوز هذا وهذا؟

    الجواب: لأن القضية كلها تتحدث عن حالة واحدة، إذاً هناك راجح ومرجوح؛ فـعمر وعمار كانوا في مجلس، وجاء رجل وسأل عمر، وعمار موجود فأخبره، وبعض الرواة قالوا: للكفين، وبعضهم قالوا: للذراعين، وبعضهم قالوا: للمنكبين، إذاً ما دام القصة واحدة، وكلها تتحدث عن حالة واحدة إذاً هناك راجح ومرجوح.

    علاقة الأرباح في شركات الأسهم بالمضاربة

    السؤال: ما الحكم إذا دفع طالب مبلغاً من المال للمكتب، ثم يأخذ آخر العام مبلغاً من المال بسبب هذا السهم الذي دفعه، وهو يزيد على ما دفع؟

    الجواب: لا بأس؛ لأن مثل هذا مثل مسألة المضاربة، يعني: أناس يساهمون وكلٌ يدفع مبلغ، وهؤلاء يبيعون ويشترون، ثم في الآخر يتجمع رأس مال الربح على رأس المال، فيعطون الطالب رأس ماله، ونصيبه من الأرباح التي حصلت في البيع والشراء والمقسط، لا بأس بذلك، هذا سائغ وجائز؛ لأن هذا ما هو فلوس حفظت، أو في الأخير أعطي زيادة فلوس عليها، إنما هي نفسها الفلوس قلبت في البيع والشراء حتى ربحت، وصارت مثل عروض التجارة.

    حكم أداء تحية المسجد في الموضع المعد لبعض الصلوات وعلاقته بالمسجد

    السؤال: موضع اتخذ للصلاة في جماعة غير أنه لا تقام فيه إلا صلاة واحدة، كصلاة الظهر مثلاً، فهل يسمى مسجداً أو لا؟ وسواء سمي مسجداً أو لا، فهل تشرع فيه الصلاة ركعتين تحية المسجد؟

    الجوب: إذا كان مخصصاً للصلاة، وهو يعتبر مسجداً للمكان إلا أنه يصلى فيه بعض الصلوات، فهو يعتبر حكمه حكم المسجد، والأولى للإنسان أنه يصلي قبل أن يجلس.

    حكم أداء السنن الرواتب في السفر

    السؤال: هل من السنة التطوع وقت السنن الرواتب في السفر؟

    الجواب: لا، ليس من السنة التطوع بالرواتب إلا الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو ركعتا الفجر والوتر، فهاتان السنتان هما آكد السنن، وكان عليه الصلاة والسلام لا يتركهما لا في حضر، ولا في سفر.

    أما بقية الرواتب فالأولى تركها، وهو الذي قال في عبد الله بن عمر: لو كنت مسبحاً لأتممت، يعني: لو كنت متنفلاً.