إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. المقدمة وكتاب الطهارة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - باب ترك الوضوء مما غيرت النار

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - باب ترك الوضوء مما غيرت النارللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الشارع في بداية الأمر بالوضوء مما غيرته النار، ثم نسخ هذا الحكم، وكان آخر الأمرين ترك الوضوء منه.

    1.   

    ترك الوضوء مما غيرت النار

    شرح حديث: (أن رسول الله أكل كتفاً... فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء مما غيرت النار.

    أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً، فجاءه بلال فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب: ترك الوضوء مما غيرت النار.

    لما أورد الترجمة السابقة لهذه الترجمة وهو قوله: باب: الوضوء مما غيرت النار، وأورد فيه جملة من الأحاديث عن عدد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها الأمر بالوضوء مما مست النار، وعرفنا أن تلك الأحاديث كانت في أول الأمر، وأن هذا الحكم نسخ إلى الترك وعدم الوضوء مما مست النار؛ لأنه جاء حديث جابر بن عبد الله الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة وهو قوله: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، وهو دال على النسخ، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة أحاديث، لكن أصرحها وأوضحها في النسخ هو أن ترك الوضوء هو الحكم الناسخ بحديث جابر الأخير الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة.

    وقد أورد النسائي أحاديث ليست واضحة في النسخ، ولكنها واضحة فيما ترجم له، وذكرت الوضوء مما مست النار، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحماً، ولم يتوضأ، وأكل طعاماً، ولم يتوضأ، فكانت تلك الأحاديث دالة على ترك الوضوء مما مست النار، وأول هذه الأحاديث حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل كتفاً -كتف شاه- ثم جاءه بلال فآذنه بالصلاة، فخرج وصلى، ولم يتوضأ) يعني: لم يتوضأ بعد هذا الأكل، فهو كان متوضئاً، ثم أكل ذلك اللحم من كتف الشاة، ثم خرج إلى المسجد بعد أن جاءه بلال، وآذنه وأعلمه بحضور وقت الصلاة، فخرج، ولم يتوضأ، فدل هذا الحديث: على ترك الوضوء مما مست النار، لكن هذا لا يدل على النسخ؛ لأن هذا الحديث فيه ترك الوضوء، وأحاديث أخرى دلت على فعل الوضوء، لكن الدال على النسخ هو حديث جابر الأخير: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) يعني: أن الوضوء كان أولاً، وترك الوضوء كان آخراً، وكانوا يأخذون أي: الصحابة بالأحدث فالأحدث من فعله عليه الصلاة والسلام، فيكون ترك الوضوء هو الحكم الناسخ، والوضوء هو الحكم المنسوخ.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله أكل كتفاً... فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].

    هو محمد بن المثنى العنزي الملقب الزمن، وكنيته أبو موسى، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم روى عنهم مباشرة، وهو قرين محمد بن بشار بندار الذي اتفق معه في سنة الولادة، وسنة الوفاة، واتفق معه في الشيوخ والتلاميذ، وفي البلد وفي أمور متعددة، حتى قال الحافظ في التقريب: وكانا كفرسي رهان، يريد محمد بن بشار ومحمد بن المثنى الزمن؛ يعني: لا واحد يسبق الثاني.

    [حدثنا يحيى].

    وهو ابن سعيد القطان الإمام، الحجة، الثبت، المشهور، الذي هو من أئمة الجرح والتعديل، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.

    [عن جعفر بن محمد].

    وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي وهو الذي يلقب بـالصادق، وهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو من الأئمة الإثني عشرية الإمامية الذين يجعلون الولاية والإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر إماماً، ويدعون لهم العصمة، بل ويصفونهم بأوصاف تفوق أوصاف الأنبياء، وهذا من الخذلان. وأوضح دليل على وصفهم إياهم أنهم يفضلونهم على الأنبياء والملائكة، والذي قال هذا ليس شخصاً مغموراً، أو يقال أنه شخص جاهل عند الرافضة، بل هو إمام، وزعيم كبير، هلك قبل ثلاث سنوات، ويعتبرونه آيتهم العظمى، ومرجعهم الأعلى، حيث يقول الخميني: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل. فهذا الكلام هو مكتوب ومدون ومطبوع، وموجود في كتابه الحكومة الإسلامية في (ص:52)، فهذا الكلام الساقط الباطل هو من أبطل الباطل، فيغلون في الأئمة الاثني عشر.

    والصادق رحمة الله عليه من الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، وهو إمام من أئمة أهل السنة، يعرفون له فضله وقدره، ولكنهم لا يرفعونه فوق منزلته كما لا يرفعون غيره من الأئمة، وإنما طريقهم في هذا هو الاعتدال بين الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء، بل يعرفون لهم فضلهم.

    ومن كان من أهل البيت وهو من أولياء الله المتقين فقد جمع بين شرف الإيمان وشرف النسب، وإذا كان من أهل العلم والفضل فجمع شرف العلم، ولكن الأساس هو التقوى، فمن وجدت منه التقوى منهم وكان من أهل البيت فقد جمع بين الفضلين وبين الشرفين، ومن كان بخلاف ذلك، ولم يكن من أهل الإيمان والتقوى فالأمر فيه كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، والحديث في صحيح مسلم، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، يقول الشاعر:

    لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب

    فقد رفع الإسلام سلمان فارس ووضع الشرك النسب أبا لهب

    فالإسلام رفع شأن سلمان الفارسي وهو ليس من العرب، ولكن رفعه الإسلام والإيمان وصحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأما أبو لهب عم الرسول وهو عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو لهب، وقد أنزل الله فيه سورة من سور القرآن: تَبَّتْ يَدَا أَبِي [المسد:1] فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخو أبيه عبد الله، فهو عم الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الشرك والكفر وضعه، والإسلام هو الذي رفع الله به سلمان وغير سلمان ممن أكرمه الله بالإيمان.

    فـجعفر الصادق رحمة الله عليه هو من أئمة أهل السنة، يروون أحاديثه، روى حديثه مسلم، والبخاري في الأدب المفرد، وروى له أصحاب السنن الأربعة، وهو فقيه ومحدث صدوق.

    [عن أبيه محمد].

    وهو محمد بن علي المعروف بـالباقر، وهو من أئمة أهل السنة الذي يعرف أهل السنة فضله وقدره ومنزلته، وهو إمام من أئمة الرافضة الذين يزعمون إمامتهم، ويصفونهم بصفات لا يصفون بها الأنبياء والمرسلين كما هو واضح من العبارة التي ذكرتها آنفاً.

    إذاً: فـمحمد بن علي بن الحسين الملقب الباقر هو إمام من أئمة أهل السنة، رووا حديثه، وحديثه في الكتب الستة عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات، وهو -كما قلت- من أئمة أهل السنة، وممن تزعم الرافضة أنه من أئمتهم الذين يغلون فيهم، ويصفونهم بصفات تجاوزوا فيها الحدود.

    ومما يتبين به ما عند الرافضة من الغلو أن من أصح كتبهم كتاب الكافي، وهو من أشهرها، وهذا الكتاب مشتمل على أحاديث تنتهي إلى أئمة أهل البيت، وهم براء منها بلا شك، وإنما هي كذب وافتراء عليهم وما قالوها، ولا يقولونها رحمة الله عليهم، ولكن هذا من الافتراء عليهم، وفي ذلك الكتاب أبواب منها قوله: باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما سيكون، وأنهم يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، ومنزلته عندهم كمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة.

    ومن الأبواب التي فيه: باب أنه ليس شيء من الحق إلا ما خرج من عند الأئمة، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، فالحق هو ما خرج من عند الأئمة الاثني عشر، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، فالذي خرج من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة والزبير، وسعد، وسعيد، وأبي هريرة، وعائشة، وأمهات المؤمنين، وبقية الصحابة فهذا باطل، والحق هو ما كذبوه وأضافوا إلى الأئمة الاثني عشر، والأئمة الاثني عشر براء منه.

    ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الأبواب باب: أن الكتب المنزلة على الأنبياء والمرسلين كلها عند الأئمة، وأنهم يعلمون على اختلاف لغاتهم، فكل ما نزل من السماء من كتاب هو موجود عند الأئمة الاثني عشر، وهم يعلمونها على اختلاف لغاتها، وهذا كاف في بيان ما اشتمل عليه كتاب الكافي من الباطل، ومن الكذب والافتراء على أهل البيت، وهم منزهون عن ذلك.

    ومن ذلك حديث موجود في الكافي ينسبونه إلى الحسين بن علي يقول: الناس ثلاثة أصناف: عالم ومتعلم وغثاء، ونحن العالمون؛ يعني: الأئمة، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء. فهذا حديث من أحاديث الكافي، والإنسان إذا عرف مثل هذه الأحاديث، ومثل هذه الأبواب يستشعر نعمة الله عليه بالهداية، وأن الله تعالى من عليه، ولم يزغ قلبه، ولم يجعله من هؤلاء الضائعين، وهؤلاء الهالكين الذين بعدوا عن الحق والصواب، وقالوا ما قالوا من الكذب، والافتراء، ونسبوه إلى جماعة من أئمة أهل السنة، وهم من يزعمون أن أئمتهم المعصومون الذين لا يحصل الحق إلا عن طريقهم، وكل شيء لم يأت من طريقهم فهو باطل.

    فـمحمد بن علي هذا هو الباقر، وهو إمام من أئمة أهل السنة رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [عن أبيه].

    وهو علي بن الحسين زين العابدين، وهو من أئمة أهل السنة، ومن الأئمة الاثني عشر الذين غلا فيهم الرافضة، وهو ثقة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [عن زينب بنت أم سلمة].

    وعلي بن الحسين يروي عن زينب بنت أم سلمة، وبنت أم سلمة نسبها إلى أمها. وأبوها هو أبو سلمة، وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي صحابية تروي عن أمها أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وزينب بنت أم سلمة صحابية، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [عن أم سلمة].

    وأمها أم المؤمنين وهي أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أيضاً حديثها عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أم سلمة: (أنها قربت إلى النبي جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان بن يسار قال: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها فحدثتني (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام ثم يصوم)، قال: وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته: (أنها قربت إلى النبي صلى الله عليه وسلم جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)].

    هنا أورد النسائي حديث أم سلمة من طريق سليمان بن يسار التابعي أنه دخل على أم سلمة، وحدثته بحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصبح وهو جنباً من غير احتلام، ثم يصوم)، يعني: أنه كان تصيبه الجنابة في الليل، ثم يدركه الفجر وهو لم يغتسل، فيصوم ويغتسل بعد دخول الفجر، أي: بعد دخول وقت الصيام، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أصبح جنباً سواء كان عن طريق جنابة اختيارية، وهي عن طريق جماع الأهل، أو عن طريق جنابة اضطرارية كالذي يحصل في النوم من الاحتلام، ثم يصبح جنباً ففي الحالين الحكم واحد وأن الصيام صحيح.

    فـأم سلمة تقول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام فيصوم)، يعني: لا يمنعه ذلك من الصيام، فدل على أنه لا يؤثر، وإنما الذي يؤثر فعل الجماع في وقت الصيام، وأما كون الإنسان يكون عليه جنابة، وجامع في وقت حل الجماع له وهو الليل، ثم يصبح جنباً لم يغتسل، فلا يؤثر ذلك على صيامه، وليس هذا هو المقصود من إيراد الحديث في هذا الباب، وإنما المقصود منه الحديث الثاني الذي بعده، وهو أنه قدم إليه جنب مشوي فأكل منه، وصلى ولم يتوضأ. هذا هو محل الشاهد لإيراد الحديث في هذا الباب الذي هو باب: ترك الوضوء مما غيرت النار.

    فالحديث الأول لا علاقة له بهذا الباب، ولكنه جاء لأنه حصل التحديث به، وبالحديث المتعلق بهذا الباب.

    وقوله: (أنه كان يصبح جنباً من غير احتلام).

    أي: أن الاحتلام إذا كان من الإنسان في المنام وهو من تلاعب الشيطان، فلا يحصل ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشيطان لا سبيل له إليه، ولا يحصل ذلك عن طريق تلاعبه به في المنام، وهو بريء من ذلك، وسلمه الله من ذلك، أما إذا كان الاحتلام لا يحصل عن طريق الشياطين، ولكن يحصل عن طريق القوة فيحصل خروج ذلك منه في المنام، فهذا ممكن أن يكون قد يحصل بالنسبة للأنبياء، لكن إذا كان الاحتلام يتم ويحصل عن طريق الشياطين، فالأنبياء منزهون من هذا، ومبرءون من هذا، ولا يحصل للشياطين تسلط عليهم.

    وقوله هنا: (من غير احتلام) كما قال السندي أن هذا للتنصيص على أن الجنابة الاختيارية لا تفسد الصوم، ولا تؤثر في الصوم شيئاً؛ يعني: إذا كانت الجنابة حصلت أو الجماع حصل في وقته المشروع، وأدركه وقت الصيام وهو جنب، فوجود الجنابة لا تؤثر ولو كانت الجنابة اختيارية، فضلاً عن الاضطرارية، فإن الاضطرارية من باب أولى؛ لأن الإنسان في منامه كما هو معلوم غير مختار ومضطر، فحصول شيء من ذلك لا يؤثر عليه شيئاً لا في صيام ولا في غير صيام، ولو أن الإنسان جامع في الحج يعني: قبل التحلل الأول فإن هذا يفسد حجه وعليه بدنة، ويلزمه أن يحج من قابل، وأمور تترتب على هذا، لكن لو احتلم فليس عليه شيء؛ لأن الاحتلام اضطراري ليس للإنسان فيه دخل.

    وكما قلت: فإن محل الشاهد من إيراد الحديث هو الحديث الثاني المتعلق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم له جنب مشوي وأكل منه، وصلى ولم يتوضأ، فدل ذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل مما مست النار، ولم يتوضأ بعد ذلك الأكل، فهو مثل الذي قبله إلا أنه لا يدل على النسخ؛ لأن هذا حديث فيه ترك الوضوء، وأحاديث قبله فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، فليس فيه شيء يدل على النسخ، وهذا يعارض تلك الأحاديث؛ لأن الأحاديث متعارضة، لكن جاء حديث جابر فبين أن ترك الوضوء هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً: فيكون ناسخاً.

    تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة: (أنها قربت إلى النبي جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].

    محمد بن عبد الأعلى هو الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو داود في كتاب القدر.

    [حدثنا خالد].

    هو ابن الحارث، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا ابن جريج].

    وهو عبد الملك بن عبد العزيز المكي ابن جريج وهو ثقة، وهو يدلس، ويرسل، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.

    [عن محمد بن يوسف].

    وهو الكندي الأعرج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب إلا أبا داود، وابن ماجه .

    [عن سليمان بن يسار].

    وسليمان بن يسار هو التابعي المشهور، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، ومن الذين جاء ذكرهم كثيراً في كتاب النسائي، وقد مر ذكر سليمان بن يسار وغيره من الفقهاء السبعة، وهو واحد منهم، وأحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن أم سلمة].

    وهي راوية الحديث الذي قبل هذا، والتي روته عنها ابنتها زينب بنت أبي سلمة.

    [وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته].

    يعني: الذي هو محمد بن يوسف الذي روى عنها، (وحدثنا) يعني: سليمان بن يسار أنها حدثته.

    شرح حديث ابن عباس: (شهدت رسول الله أكل خبزاً ولحماً ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج حدثني محمد بن يوسف عن ابن يسار عن ابن عباس أنه قال: (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)].

    هنا أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)، فهو مثل الذي قبله من الأحاديث في أنه أكل شيئاً مسته النار، أكله أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتوضأ، لكنه لا يدل على النسخ؛ لأنه مجرد إخبار عن أكل وأنه صلى، ولم يتوضأ، ففيه المطابقة لما ترجم له، وهو ترك الوضوء لما مسته النار، لكن كونه ناسخاً فليس فيه ما يدل على ذلك، وإنما الذي يدل على النسخ هو الحديث الذي بعده، وأما الإسناد فهو نفس الإسناد المتقدم إلا ابن عباس؛ لأن الصحابي هو ابن عباس والذي قبله الصحابية أم سلمة، وابن عباس سبق أن مر ذكره، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)].

    هنا أورد النسائي رحمه الله حديث جابر الذي هو واضح في النسخ، والذي يقول فيه جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار). وقوله: (الأمرين) أي: الوضوء، والترك، وقوله: (كان آخر الأمرين) أي: الوضوء مما مست النار، وترك الوضوء مما مست النار، وآخرهما كان الترك، فيكون الترك ناسخاً للوضوء مما مست النار، وهذا هو الدليل الواضح على النسخ، فيكون الوضوء مما مست النار ليس بلازم؛ لأن آخر الأمرين من الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، فهو ناسخ لما تقدم من الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء؛ وكما هو واضح ففيه الإشارة إلى الناسخ والمنسوخ، وهو واضح في النسخ، وأن الترك كان متأخراً عن الفعل الذي هو الوضوء.

    وحديث جابر هذا أخرجه النسائي عن شيخه عمرو بن منصور.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله الوضوء مما مست النار)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].

    عمرو بن منصور هو النسائي يعني: من بلد النسائي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.

    [حدثنا علي بن عياش].

    وهو علي بن عياش الحمصي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا شعيب].

    وهو شعيب بن أبي حمزة، وهو حمصي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن المنكدر].

    ومحمد بن المنكدر، هو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى.

    قوله: [عن جابر].

    وهو: ابن عبد الله بن حرام الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن جابراً واحداً من السبعة، وهم الذين قال فيهم السيوطي:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    فـجابر هو أحد السبعة المكثرين الذين زاد حديثهم على ألف حديث، وهذا هو آخر الأحاديث التي أوردها النسائي في باب ترك الوضوء مما مست النار، وهو الواضح في النسخ، والذي قبله ليس فيه ما يدل على النسخ، وإنما الدال على النسخ هو هذا الحديث الأخير.

    1.   

    الأسئلة

    منزلة المجدد لسنة الرسول

    السؤال: هل يمكن أن يقال: إن المجددين على رأس كل مائة بمنزلة الأنبياء؟ لأن كل منهم إنما يجدد شريعة من قبله.

    الجواب: لا يكونون بمنزلة الأنبياء، لكنهم وارثو الأنبياء، ووارثو الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمجددون لسنته هم وراثه، وهم الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) فهم طبعاً ليسوا بمنزلة الأنبياء، لكن منزلتهم تفوق منزلة غيرهم، ولكنهم من أتباع الأنبياء، وعلى منهاجهم، وعلى طريقتهم، وهم وراثهم الذين أكرمهم الله عز وجل بحمل ميراث الرسول عليه الصلاة والسلام.

    حكم حبس العصافير

    السؤال: ما الحكم فيمن يشتري العصافير ويجعلها في قفص أو يستعملها لغير ذلك؟ وهل يؤخذ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟).

    الجواب: لا يؤخذ هذا من حديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) لأن هذا ما جعله في قفص وحبسه في هذا المكان، وإنما يلعب به مثل الدجاج الذي يكون في البيوت وهو طليق يذهب ويجيء، وأما وضعه في قفص فهذا لا ينبغي أن يفعل؛ لأنه وإن أحسن إليه، وأعطي الطعام والشراب فقد يحصل منه غفلة، أو يحصل منه نسيان، وقد يحصل لهذا الحيوان برد، أو حر، ثم يترتب على ذلك هلاكه بسبب حبسه؛ لأنه لا يستطيع أن يذهب، فالذي ينبغي ألا يفعل هذا وألا يصار إليه، وإنما يترك حبس الطيور، وإذا كانت تتخذ في بيوت وهي تروح وتجيء حرة طليقة فلا بأس في ذلك.

    وجه استنباط أولوية العلم من سورة العصر

    السؤال: من أين استنبط بعض أهل العلم أولوية العلم في سورة العصر؟

    الجواب: نعم، الإيمان كما هو معلوم هو مبني على علم، وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] فالإيمان الحقيقي هو الذي ينبني على علم؛ يعني: يؤمن على علم، ويعمل بما علم، ويدعو غيره إلى هذا الذي عمل به، ويصبر على ما يناله في هذا السبيل، فهو مأخوذ من الإيمان وأن الإيمان يكون مبنياً على علم.

    السنة بعد الرجوع من سفر وقبل الذهاب إلى البيت

    السؤال: هل من السنة إذا قدم الإنسان من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين؟ وهل هذا يكون في القدوم على بلد الإنسان الأصلي؟ أم يشمل أي قدوم من أي سفر؟

    الجواب: الإنسان إذا قدم من بلد إلى بلده، فالسنة أن يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين، فهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، أو إذا قدم إلى بلده، وأما إذا وصل لأي بلد فلا أعلم فيه شيئاً يدل عليه، لكن الحديث جاء في أن الإنسان إذا قدم من سفر إلى المدينة، فإنه يبدأ بالمسجد، ويصلي فيه ركعتين، وهذه من السنن المهجورة التي هجرها الناس، وكونه يأتي من سفر ويذهب إلى المسجد على طول فيصلي ركعتين، ثم يذهب إلى بيته فهذا مما هجره الناس.

    مشروعية السفر يوم الخميس

    السؤال: هل السفر يوم الخميس من الأمور المستحبة؟ لأنه ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الخروج يوم الخميس؟

    الجواب: ينظر إلى اللفظ الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ورد عنه أنه كان يحب الخروج يوم الخميس، فهذا لا شك الأمر فيه واضح، وأن هذا اللفظ يدل على أوليته، وعلى استحباب الخروج فيه؛ لأن الرسول ما دام يحب هذا الشيء فالناس يحبون ما يحبه الرسول، وهو كونه يسافر يوم الخميس، لكن كونه يستحب أو أنه فيه شيء فما أدري، والله تعالى أعلم.