إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - باب فرض الوضوء - باب الاعتداء في الوضوء

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - باب فرض الوضوء - باب الاعتداء في الوضوءللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله علينا الطهارة عند إرادة الصلاة، فلا يقبل الله صلاة العبد إلا بطهارة، لكن الزيادة على ثلاث غسلات للعضو فيه تعد وظلم وإساءة.

    1.   

    فرض الوضوء

    شرح حديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فرض الوضوء.

    أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)].

    يقول الإمام النسائي رحمه الله: باب فرض الوضوء، والمراد بالترجمة كما هو واضح من الحديث الذي أورده تحتها: أن الوضوء فرض لازم، وأمر متحتم، هذا هو المراد بفرض الوضوء، بل إنه شرط لصحة الصلاة، وإذا لم يوجد الشرط، لم يوجد المشروط الذي هو الصلاة، فلا بد لكل صلاة من الوضوء لها حيث وجد الماء، فإذا لم يوجد، ينتقل إلى ما ينوب عنه، وهو التيمم.

    إذاً: فالوضوء شرط من شروط الصلاة التي تسبق المشروط، والتي لا بد من فعلها قبل فعل المشروط، والتي لا تصح الصلاة بدون ذلك الشرط، ولهذا ترجم بقوله: باب: فرض الوضوء، ويعني: أنه فرض لازم متعين، لا تفيد الصلاة بدون وضوء.

    ثم أورد النسائي رحمه الله حديث أبي المليح عن أبيه أسامة بن عمير رضي الله تعالى عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: [(لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)]، والمقصود هو الجملة الأولى، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: [(لا يقبل الله صلاة بغير طهور)] والطهور يشمل: الطهارة بالماء، والطهارة بالتراب الذي هو الأصل، وما ينوب عنه الذي هو التيمم، ولهذا جاء التعبير بالطهور، فيكون شاملاً للوضوء، وما يقوم مقام الوضوء إذا عدم الماء وهو التيمم، فلا بد للصلاة من طهارة، ولا بد أن يسبقها وضوء، أو تيمم إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله.

    ونفي القبول معناه: أن الصلاة التي لا تكون بوضوء، فإن صاحبها لم يؤد ما فرض الله عليه، ولم تبرأ ذمته، ولم تقع الصلاة صحيحة، بل يتعين الوضوء ثم الصلاة، فلو أن إنساناً نسي، وصلى بغير وضوء، فإن صلاته لا تعتبر، ولا تجزئ، ولا يترتب عليها أثرها الذي هو الثواب، بل يجب عليه ويتعين عليه أن يتطهر بالوضوء، أو التيمم إذا لم يوجد الماء، أو لم يقدر على استعماله، ثم يؤدي الصلاة.

    إذاً: فالنفي هنا -نفي القبول- لنفي الإجزاء، ونفي الصحة، ونفي الأثر المترتب على ذلك وهو الثواب.

    فالنفي يدخل فيه نفي الصحة، ومعنى ذلك: أنه لا بد من الوضوء والصلاة، لكن في بعض المواضع يأتي نفي القبول، ولكنه لا يلزم معه الإعادة، وإنما يحصل حرمان الثواب، وعدم حصول الثواب المترتب على الصلاة، ومن ذلك: ما جاء في الحديث: (من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، فمعنى (لم تقبل) أنه يحرم ثوابها، ويحرم الأجر المترتب على الصلاة، وهذا عقاب على إتيانه العراف، وذهابه للعراف، بأنه فعل فعلاً حرم ثوابه، لكنه لا يقال: إن صلاته غير مجزئة، وأن عليه أن يعيد الصلوات، لأن صلاته غير مقبولة؛ فإن نفي القبول هنا غير نفي القبول في حديث الباب؛ لأن حديث الباب يدل على عدم الإجزاء وعدم الصحة، وأما ذاك فالصلاة قد حصلت، ولا يؤمر بالإعادة، ولكنه يحرم ثوابها.

    أما الذي معنا هنا في قوله: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) فمعنى ذلك: أنها لا تجزئ ولا تصح، ويتعين على من صلى بغير وضوء أن يتوضأ ويصلي؛ لأن صلاته التي قد حصلت بغير وضوء هي لاغية، ووجودها كعدمها؛ لأنه فُقد شرط من شروطها، الذي لا تعتبر، ولا تنفع، ولا تفيد إلا إذا وجد الشرط قبل وجود المشروط.

    قوله: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) الغلول: هو بمعنى الخيانة، وهو يشمل ما يدخل تحته من كل مال حرام، كل مال حرام لا ينتفع صاحبه بالتصدق به؛ لأن الصدقة المقبولة هي: الطيبة التي هي من كسب طيب، وقد جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ثم ذكر بعد ذلك الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له؟!).

    فالغلول يدخل فيه الخيانة، ويدخل فيه أكل المال الحرام، وما يدخل فيه دخولاً أولياً: الغلول من الغنيمة؛ لأن فيه خيانة، وكذلك كل خيانة فهي من الغلول، وكل مال حرام فهو أيضاً داخل في هذا المعنى، بمعنى: أن الصدقة منه لا تقبل، وإنما الصدقة المقبولة النافعة لصاحبها هي التي كانت من مال حلال؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وقد تكرر ذكره كثيراً في سنن النسائي، وهو أحد شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، وهو ثقة، حافظ، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا أبو عوانة].

    وأبو عوانة هذه كنية اشتهر بها واسمه: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن قتادة].

    قتادة هو ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، حافظ، وهو من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي المليح].

    وأبو المليح هي كنية، واسمه قيل: عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، وهو: ابن أسامة بن عمير الهذلي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه].

    أما أبوه أسامة بن عمير الهذلي، فهو صحابي تفرد بالرواية عنه ابنه، لم يرو عنه إلا ابنه أبو المليح، وله سبعة أحاديث، كلها من طريق ابنه أبي المليح؛ وهذا يسمونه الوحدان فهو من لم يرو عنه إلا واحد، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة.

    إذاً: فرجال الإسناد كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة إلا الصحابي؛ فإن حديثه عند أصحاب السنن الأربعة، رجال الإسناد كلهم من رجال الجماعة، قتيبة بن سعيد، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وقتادة بن دعامة السدوسي، وأبو المليح الذي هو: ابن أسامة بن عمير الهذلي.

    1.   

    الاعتداء في الوضوء

    شرح حديث عمرو بن العاص في النهي عن الاعتداء في الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاعتداء في الوضوء.

    أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا يعلى حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم)].

    أورد النسائي: الاعتداء في الوضوء، الاعتداء: هو تجاوز الحد الذي حد في الوضوء، وهو أن يزيد على ثلاث غسلات للأعضاء فهذا هو المراد بالاعتداء؛ لأنه لا يزاد على الثلاث، يتوضأ مرة ومرتين وثلاثاً، وكذلك يجوز التفاوت بأن يكون البعض مرة، والبعض مرتين، والبعض ثلاثاً، لكن لا يتوضأ أربع مرات أو خمساً، أو أربع غسلات أو أكثر، وإنما يوقف عند حد الثلاث.

    وقد أورد فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابياً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: [(هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدى وظلم)].

    الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين للأعرابي كيفية الوضوء، وأنه يكون ثلاثاً، لكن الثلاث هي الحد التي يكون بها الإسباغ، ولا يزاد على ذلك، والوضوء يكون بدونها ويكون بأقل من الثلاث، فلما توضأ وأراه النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، قال له: [(هكذا الوضوء)]، يعني: الوضوء الكامل الذي فيه الإسباغ، فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدى وظلم، والترجمة هنا أخذها من قوله: (تعدى)، لأنه جاء في الحديث: تعدى، وقال: الاعتداء في الوضوء، يعني: بالزيادة، وتجاوز الحد الذي حده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكون الإنسان يزيد على ثلاث فهذا من الإسراف، وهو من العدوان، ومن الظلم، ومن الإساءة، كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، حيث قال: [(فقد أساء وتعدى وظلم)].

    وفي الحديث بيان التعليم بالفعل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله عن الوضوء توضأ وأراه كيف يتوضأ، وأنه يكون ثلاثاً ثلاثاً، ثم إنه بين بالقول فقال: [(هكذا الوضوء)] فجمع بين القول والفعل.

    وقد جاء عند أبي داود: (فمن زاد على هذا أو نقص)، والتعبير بلفظ: (نقص) هذه زيادة ليست عند الباقين الذين رووه، وإنما انفرد بها أبو داود وهي زيادة منكرة أو شاذة، فهي زيادة غير محفوظة وغير ثابتة؛ لأنها تعارض ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الوضوء مرة ومرتين، وقد جاء فيه أحاديث صحيحة كثيرة، أن الرسول توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرتين، وفاوت أيضاً بين الغسلات، بحيث يكون بعض الأعضاء واحداً، وبعضها اثنين، وبعضها ثلاثة، لكن النقصان عن هذا العدد الذي هو الثلاث هذه زيادة منكرة أو شاذة، وإنما الثابت هي الزيادة التي جاءت عند غير أبي داود، ومقتضى هذه الزيادة وهي: (أو نقص) أن الإنسان إذا نقص عن ثلاث فمعناه: أنه ظلم، أو أنه أساء، وهو ليس بمسيء ولا ظالم، بل هو محسن، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن العاص في النهي عن الاعتداء في الوضوء

    قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].

    ومحمود بن غيلان ثقة خرج حديثه الجماعة إلا أبا داود.

    [حدثنا يعلى].

    يعلى هو ابن عبيد الطنافسي، وهو ثقة، إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [يروي عن سفيان].

    سفيان هو: الثوري الإمام المعروف، الذي مر ذكره مراراً، والذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي صفة من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن موسى بن أبي عائشة].

    موسى بن أبي عائشة ثقة، عابد، حديثه عند الجماعة.

    [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]

    عمرو هو: ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو صدوق، حديثه عند البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وأصحاب السنن الأربعة.

    وأبوه الذي يروي عنه هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وهو أيضاً صدوق، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وفي جزء القراءة، وعند أصحاب السنن الأربعة، وقد قال الحافظ: إنه ثبت سماعه عن جده، معناه: أن عمراً يروي عن أبيه، وأبوه شعيب يروي عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، فيكون الحديث ثابتاً، والحديث الذي يأتي عن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هو من قبيل الحسن وحديثه حسن، وإذا كان الحديث أو الإسناد إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مستقيماً ثابتاً، فإن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا تقل عن الحسن، وهي ثابتة، وقد عول عليها العلماء واحتجوا بتلك الأحاديث التي تأتي عن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

    وهذا الحديث هو أول حديث يأتي في سنن النسائي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.