إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. المقدمة وكتاب الطهارة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب المسح على الخفين في السفر) إلى (باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر)

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب المسح على الخفين في السفر) إلى (باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت اوالمشقة، ومن ذلك جواز المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، ويلحق بالخفين الجوارب؛ دفعاً للمشقة وتخفيفاً على المسافرين.

    1.   

    المسح على الخفين في السفر

    شرح حديث المغيرة في المسح على الخفين في السفر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين في السفر.

    أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان سمعت إسماعيل بن محمد بن سعد سمعت حمزة بن المغيرة بن شعبة يحدث عن أبيه رضي الله عنه أنه قال:( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: تخلف يا مغيرة! وامضوا أيها الناس، فتخلفت، ومعي إداوة من ماء, ومضى الناس، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، فلما رجع ذهبت أصب عليه وعليه جبة رومية ضيقة الكمين، فأراد أن يخرج يده منها فضاقت عليه، فأخرج يده من تحت الجبة, فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه ومسح على خفيه)].

    هنا أورد النسائي رحمه الله باب: المسح على الخفين في السفر.

    قد ذكرت فيما مضى أن النسائي رحمه الله عندما ذكر غسل الرجلين، وذكر الأبواب المتعلقة بالغسل من حيث الإيجاب، ومن حيث عدد الغسلات، ومن حيث حد الغسل، وأنه إلى الكعبين, وأن الغاية داخلة في المغيا، أورد بعد ذلك ما هو فرع عن غسل الرجلين, وهو: المسح على الخفين، فذكر أولاً باباً عاماً يتعلق بالمسح على الخفين، وهو مطلق ليس فيه ذكر سفر ولا حضر، إلا أنه في أحد الأحاديث التي مضت فيه إشارة إلى أنه كان في حضر، وهو حديث أسامة بن زيد : ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل الأسواق هو وبلال لحاجته وخرج، وسأل أسامة بلالاً رضي الله عنهما: ماذا صنع رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فبين أنه توضأ ومسح على خفيه ). وعرفنا -فيما مضى- أن قوله: (في الأسواق، أو دخل الأسواق) أن ذلك في حضر؛ لأن لفظ الأسواق يشعر بهذا، وكذلك أيضاً مر في بعض الأحاديث ذكر أن المغيرة كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر، فهو أيضاً يشعر بالسفر.

    ولما فرغ من هذه الترجمة والأحاديث المتعلقة بها، ذكر بعد ذلك هذه الترجمة، وهي: باب المسح على الخفين في السفر، وأورد فيه حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه من الطرق الكثيرة, وهو أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان ذلك في غزوة تبوك، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (تخلف يا مغيرة! وامضوا أيها الناس)، هذه الرواية هنا، وسبق في بعض الروايات السابقة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرع ظهره بالعصا، ثم قال: اعدل, فعدلت معه ) يعني: مال إلى جهة غير الجهة التي ذهب فيها الجيش، وذهب وقضى حاجته، وهنا قال: (تخلف يا مغيرة! وامضوا أيها الناس) أي: امضوا في طريقكم وفي سيركم، وهو ذهب لقضاء حاجته، ومعه المغيرة بن شعبة .

    فيحكي المغيرة بن شعبة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى حاجته، وأنه لما فرغ، وإذا مع المغيرة مطهرة, أو إداوة، وهو وعاء فيه ماء، فسكب على الرسول صلى الله عليه وسلم منه فتوضأ وغسل وجهه، ولما أراد أن يغسل اليدين, وكان عليه جبة رومية، فأراد أن يخرج الذراعين ليغسلهما إلى المرفقين، وإذا بأكمام الجبة ضيقة, فلم يتمكن من إخراج ذراعيه من الجبة؛ حتى يتبين المرفقان فيغسل هذين العضوين من أعضاء الوضوء، فعند ذلك أخرج يده من تحت الجبة وغسل وجهه، واليدين إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم مسح على خفيه، وهذا هو محل الشاهد: (بأنه كان في سفر)، وهنا قال: (مسح على خفيه).

    والحديث سبق مراراً من طرق في مواضع عديدة في صفة الوضوء؛ لأنه مشتمل على فروض الوضوء.

    تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في المسح على الخفين في السفر

    قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].

    محمد بن منصور سبق أن عرفنا -فيما مضى- أن للنسائي شيخين, كل منهما يقال له: محمد بن منصور، أحدهما: الجواز المكي، لقبه الجواز، والمكي من أهل مكة، والثاني: محمد بن منصور الطوسي، وكل منهما أخرج له النسائي، وكل منهما روى عن السفيانين، إلا أن سفيان هنا مبهم، فيحمل على أنه ابن عيينة ؛ لأن الجواز مكي، وابن عيينة مكي، فهو أقرب من سفيان الثوري ؛ لأن سفيان الثوري من أهل الكوفة. ومحمد بن منصور الجواز مكي، وقد مر -فيما مضى- أنه روى له النسائي وحده، وهو ثقة.

    [حدثنا سفيان بن عيينة].

    أما سفيان بن عيينة فقد مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة, حافظ, فقيه, عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت إسماعيل بن محمد].

    إسماعيل بن محمد بن سعد، وهو: ابن أبي وقاص, قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة, حجة، وخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه.

    [سمعت حمزة بن المغيرة].

    حمزة بن المغيرة ، ثقة، وخرج له مسلم, والنسائي, وابن ماجه.

    [عن أبيه].

    هو المغيرة بن شعبة ، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن المغيرة وعن الصحابة أجمعين، وكان أميراً على الكوفة، وتوفي وهو أمير عليها، وكان ذكياً داهية، معروفاً بالدهاء، وهو الذي سبق أن ذكرت لكم: أنه لما كان في حرب الفرس طلبوا واحداً يكلمهم، فذهب المغيرة بن شعبة وتكلم كلاماً عظيماً, جاء في صحيح البخاري في كتاب المغازي؛ يعني: فيه ما يدل على عزة نفسه، وعلى قوته وشجاعته، فإنه قال: كنا كذا فأرسل الله إلينا رسولاً دعانا إلى كل خير، وأمرنا بالجهاد، فإن استجبتم لنا دخلتم فيما دخل فيه الناس، وإلا فإننا نقاتلكم حتى يحصل كذا وكذا، فكان له موقف عظيم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    1.   

    المسح على الجوربين والنعلين

    شرح حديث: (أن رسول الله مسح على الجوربين والنعلين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الجوربين والنعلين.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا وكيع أخبرنا سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين).

    قال أبو عبد الرحمن : ما نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ).

    أورد النسائي هذا الحديث, وهو ليس موجوداً في بعض نسخ النسائي، ويقال: إنه ليس في نسخة ابن السني الذي هو أحد رواة النسائي، والذي هذه السنن التي بأيدينا هي من روايته، وقد عرفنا -فيما مضى- أن من العلماء من قال: هو الذي اختصرها من السنن الكبرى، ولكن الصحيح أن الذي اختصرها هو النسائي، وليس ابن السني ، وإنما ابن السني هو أحد رواتها؛ أي: السنن الصغرى.

    فهذا الحديث في بعض النسخ مذكور, وهو حديث المسح على الجوربين والنعلين.

    والمقصود بالجوربين والنعلين: المسح على الجوربين إذا كانا في نعلين، وليس المقصود من ذلك المسح على الجوربين وحدهما، وعلى النعلين وحدهما؛ لأن النعلين لا يمسح عليهما؛ لأنهما لا يغطيان الرجلين، لأن المعروف عن النعال أنها جزء منها مكشوف، والخفاف هي التي تغطي الرجلين.

    فإذاً: المسح على الجوربين والنعلين، يعني: إذا كانت الرجل فيها جوربان, ثم لبس عليها نعلين، يعني: مع الجوربين، فيمسح على النعلين والجوربين في آنٍ واحد، وليس المقصود من ذلك التفريق.

    وقد أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين)، ثم قال أبو عبد الرحمن وهو النسائي: لا نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح أنه جاء عن المغيرة في أحاديث كثيرة, ومن طرق عديدة، وهو ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ), وجاءت هذه الطريق عن المغيرة وفيها ذكر الجوربين والنعلين، فمن العلماء من تكلم في هذا الحديث وضعفه، ومنهم النسائي, وقال: إن هذه الرواية عن أبي قيس وقد خالف فيها الذين رووا عن المغيرة أحاديث المسح؛ لأنهم يطبقون على ذكر الخفين، وأبو قيس انفرد بهذه الرواية عن هزيل بن شرحبيل بذكر الجوربين والنعلين، فقالوا: إن الصحيح هو أن حديث المغيرة إنما هو في المسح على الخفين، وأن ذكر الجوربين والنعلين غير محفوظ.

    ومن العلماء من صحح هذه الرواية، وقال: إن رجالها ثقات، وأبو قيس الذي انفرد بهذه الرواية خرج له البخاري في صحيحه، وخرج له أصحاب السنن الأربعة، فيكون ما جاء عنه يعتبر زيادة، ويعتبر حديثاً مستقلاً، ولا يقال: إنها معارضة للأحاديث التي جاءت عن المغيرة في المسح على الخفين؛ لأنه لو كانت القصة واحدة في أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفر، وأنه كان عليه جبة، وأنه أراد المسح على الجوربين، عندها يمكن أن يقال: هذه شاذة؛ لأن الذين رووا أحاديث قصة كونه مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، كلهم قالوا: الخفين، ولكن هذه ما ذكر فيها قصة السفر، ولا ذكر فيها أنه كان عليه جبة، وأنه كان يسكب عليه الماء، فلو أنه كان جاء ذكر قصة السفر والجبة وما إلى ذلك لقيل: هذه رواية شاذة، مثلما قلنا في حديث مضى، في بعض طرقه: (ثم صلى بنا)، مع أن الطرق كلها في أن الذي صلى هو عبد الرحمن بن عوف، وأما هذا فيعتبر حديثاً مستقلاً.

    والذي يظهر ويبدو أنها صحيحة، وأنها لا تتعارض مع الراوية السابقة؛ لأن تلك حادثة وهذه حادثة.

    وممن ضعفها ابن القيم في تعليقه على تهذيب السنن، ولكنه قال: بأن المسح على الجوربين ثابت بفعل ثلاثة عشر صحابياً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: ثبوت المسح على الجوربين ليس على هذا الحديث، وإنما بفعل الصحابة الذين هم ثلاثة عشر, كلهم جاء عنهم المسح على الجوربين، ولكن كما أشرت أن الحديث صحيح، وقد صححه الترمذي وغيره، وإسناد رجاله ثقات.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله مسح على الجوربين والنعلين)

    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].

    هو ابن راهويه ، الإمام الثقة, المحدث, الفقيه، الذي مر ذكره مراراً، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الحافظ, الثقة, المصنف, الذي مر ذكره مراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    قد عرفنا فيما مضى أن وكيعاً إذا روى عن سفيان فيحمل على الثوري إذا كان غير منسوب.

    إذاً: إذا قال: وكيع حدثنا سفيان، فيحمل على الثوري ؛ لأن وكيعاً مكثر عن الثوري ومقل عن ابن عيينة ، ثم أيضاً هو من أهل بلد الثوري ؛ لأنهما كوفيان، وأما ابن عيينة فهو مكي.

    فإذاً: ملازمته واتصاله أكثر بـالثوري.

    وقد قلنا في محمد بن منصور الجواز : أنه أولى أن يكون الجواز من أن يكون الطوسي ؛ لأن الجواز مكي، وابن عيينة مكي، وسفيان الثوري كوفي ووكيع بن الجراح كوفي.

    وسفيان الثوري ثقة، حافظ، مكثر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد الأشخاص الذين وصفوا بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهي صفة تعتبر من أعلى وأرفع ما يكون من صيغ التعديل، بل من العلماء -كما ذكرت- من يقدمه على شعبة بن الحجاج، وشعبة أيضاً وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وذكرت سبب التفضيل وهو: أنهم يعدون أغلاط الاثنين، ومن كان أقل غلطاً, وكلهم أغلاطهم قليلة، ولكن من كان أقل غلطاً اعتبروه أقدم وأرفع، وهذه المفاضلة إنما هي للذين في القمة، فمن يكون في القمة فإنه يفاضل بينهم بعد أخطائهم، فمثلاً: هذا يجدون عنده عشرة أخطاء، وهذا عنده خمسة أخطاء، فالذي عنده خمسة أخطاء يعتبر أحسن.

    [ عن أبي قيس ].

    هو عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، ربما خالف، ولعله يشير إلى هذه المخالفة التي قال عنها النسائي: لا نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية.

    وهو من رجال البخاري, وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن هزيل بن شرحبيل ].

    وهو أيضاً الأودي الكوفي، وهو مثله من رجال البخاري , وأصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة؛ لأن كلاً من أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي ، وهزيل بن شرحبيل الأودي الكوفي حديثه عند البخاري وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج لهما مسلم شيئاً.

    [ عن المغيرة بن شعبة ].

    وهو الصحابي الذي مر ذكره مراراً.

    فنجد أن إسحاق بن إبراهيم، ووكيع، وسفيان، نجد أن هؤلاء الثلاثة كلهم خرج لهم البخاري، بل إسحاق بن إبراهيم خرج له الستة إلا ابن ماجه، وكل من وكيع وسفيان الثوري، خرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو قيس، وهزيل خرج لهما البخاري .

    إذاً: فالإسناد كله من رجال الصحيح، وكون أبي قيس انفرد بهذه الرواية، فهي تعتبر حديثاً مستقلاً، ولا تعتبر معارضة لحديث الخفين؛ لأن هذه حادثة وهذه حادثة.

    إذاً: فالحديث ثابت، وبعض الذين لا يقولون بثبوته ومنهم: ابن القيم، يقولون: إن العمدة في ذلك ليس الحديث، ولكن فعل ثلاثة عشر صحابياً من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم، فقد كانوا يمسحون على الجوارب.

    1.   

    التوقيت في المسح على الخفين للمسافر

    شرح حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر.

    أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عاصم عن زر عن صفوان بن عسال رضي الله عنه أنه قال: (رخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن) ].

    هنا أورد النسائي رحمه الله باب: التوقيت في المسح على الخفين للمسافر.

    وأورد فيه حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه الذي يقول فيه: (رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن)، فهو يدل على أن المسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليها؛ يعني: يبقى الخفان أو الجوارب عليه ثلاثة أيام بلياليها ويمسح عليها.

    ولكن متى يبدأ المسح؟ أو متى يبدأ العد لليالي؟ فمن العلماء من قال: إنه من اللبس، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا لبس على طهارة، واستمر على طهارة، فوجود الخفين مثل عدمها، كأنه لم يلبس الخفين ما دام على طهارة، فالفترة التي كان فيها على وضوء فهذه غير محسوبة؛ لأنه كأنه لم يلبس الخفين، لأنه لو لم يلبسهما فإنه يظل على طهارة، وإنما الاستفادة من الخفين فيما إذا أحدث وصار يمسح، فبدل من أن يخلعها ويغسلها فإنه يمسح عليها، وأما أن يكون على وضوء فلا تحسب المدة.

    بقي قولان: هل وقت المسح يبدأ من الحدث أو من المسح؟ يعني: هل إذا الإنسان أحدث أول إحداث بعد اللبس يبدأ ويعد ثلاثة أيام ولياليها، أو أنه يبدأ من المسح؟ وعلى هذا فالإنسان يحدث, ثم يمضي عليه وقت ولم يتوضأ، مع ذلك يبدأ يحسب من المسح.

    إذاً: القضية رجعت إلى قولين: من العلماء من قال: إنه يبدأ من الحدث، ومنهم من قال: يبدأ من المسح، والقول بأنه يبدأ من الحدث هو الأولى؛ لأن فيه الاحتياط في الدين، فمن حين أحدث يبدأ الإنسان يحسب المدة، وقبل أن يحدث كأنه لم يلبس؛ يعني: اللبس وعدمه سواء بالنسبة له.

    يقول: (رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن)، أي: فنحن نمسح في هذه الفترة، فإذا مضت هذه المدة التي هي ثلاثة أيام بلياليها تعين خلع الخف, وعلى الإنسان أن يتوضأ، ولا يجوز له أن يزيد على ثلاثة أيام بلياليها، وكما قلت لكم: الثلاثة الأيام بلياليها تبدأ إما من الحدث, أو من المسح، ولكن كونه من الحدث أحوط في الدين؛ لأن الإنسان كان على غير طهارة من حين وجد منه الحدث، فيبدأ يحسب من الحدث.

    تراجم رجال إسناد حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو قتيبة بن سعيد، وهو من الثقات, الأثبات، ومن رجال الكتب الستة.

    [حدثنا سفيان].

    هو ابن عيينة ؛ لأنه هو الذي روى عنه قتيبة، لأن المزي في كتابه تهذيب الكمال ذكر من الذين روى عنهم قتيبة سفيان بن عيينة ، ولم يذكر سفيان الثوري.

    وسفيان بن عيينة -كما عرفنا ذلك- هو أحد الثقات, الحفاظ، وهو من رجال الكتب الستة.

    [عن عاصم].

    عاصم يأتي ذكره لأول مرة، وهو عاصم بن أبي النجود أحد القراء، إمام في القراءات، وحجة في القراءات، وهو صاحب القراءة المشهورة قراءة عاصم .

    وأبو النجود اسمه بهدلة، أي: عاصم بن بهدلة ، ولكن أباه مشهور بكنيته، ولهذا يغلب ذكره، فيقال: عاصم بن أبي النجود ، وأحياناً يأتي مهملاً -كما هنا- غير منسوب، وهو كوفي، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق, له أوهام، وحديثه في الصحيحين مقرون؛ يعني: له أحاديث صحيحة، لكنه مقرون بغيره في الرواية، أي: لم يرووا عنه باستقلال، وهو يعتبر من رجال الجماعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ولكنه في الصحيحين مقرون بغيره.

    [ عن زر ].

    هو ابن حبيش بن حباشة الأسدي الكوفي ، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [ عن صفوان ].

    هو صفوان بن عسال رضي الله عنه، وهو من مراد، فهو مرادي، يعني: من اليمن. وحديثه عند الترمذي, والنسائي, وابن ماجه .

    وقد يقول قائل: ما هو الجورب؟ أو ما الفرق بينه وبين الشراريب؟

    الجورب هو الشراريب، والجورب هو ما يغطي الرجلين, لكن ليس من الخفاف، وإنما من القماش؛ يعني: ما اتخذ من القماش المنسوج فهي الجوارب، ولكن بحيث تكون مغطية للبشرة، ولا يكون وجودها كعدمها؛ يعني: من حيث إنها شفافة، أو ذات خروق كالمنخل، بل تكون ساترة، ولو لم تكن سميكة جداً، المهم أنها تغطي البشرة وتسترها، فيمسح عليها كما يمسح على الخفاف.

    شرح حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة عن عاصم عن زر قال: (سألت صفوان بن عسال رضي الله عنه عن المسح على الخفين: فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام، من غائط, وبول, ونوم, إلا من جنابة)].

    ثم ذكر النسائي حديث صفوان بن عسال من طريق أخرى، وفيها: أن زراً؛ أي: ابن حبيش، سأل صفوان بن عسال عن المسح على الخفين، فأخبر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وأنه أمرهم إذا كانوا مسافرين أن لا ينزعوها -أي: الخفاف- ثلاثة أيام من بول, أو غائط, أو نوم، إلا من الجنابة ) يعني: أنهم إذا حصل لهم ناقض للوضوء؛ كالبول والغائط والنوم، فإنهم يبقون الخفاف ويمسحون عليها، إلا من الجنابة، فإنه يتعين خلعهما للاغتسال، وإنما المسح عليها يكون في الحدث الأصغر، وأما في الحدث الأكبر فإنها تخلع عند اغتسال الإنسان.

    وفي الحديث هذا دليل على أن النوم ينقض الوضوء؛ لأنه جعله مع البول والغائط، وأن المسح يكون من الحدث، ومن الحدث الذي يحصل به نقض الوضوء: النوم؛ يعني: خروج البول والغائط وحصول النوم، كل هذه من نواقض الوضوء، وأما الجنابة فالأمر يستدعي خلع الخفاف للاغتسال.

    تراجم رجال إسناد حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر من طريق أخرى

    قوله:[ أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي ].

    ابن عبد الملك، وهو أحمد بن سليمان بن عبد الملك الرهاوي ، وهو ثقة, حافظ، انفرد النسائي بالإخراج له، دون بقية أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا يحيى بن آدم ].

    يروي عن يحيى بن آدم ، ويحيى بن آدم هو الذي مر بنا ذكره، وهو ثقة ثبت, وخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب كتاب الخراج، وهو المؤلف الذي ذكرته لكم.

    [ حدثنا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش ].

    يحيى بن آدم يروي هذا الحديث عن خمسة أشخاص، وهم: سفيان الثوري، ومالك بن مغول، وزهير بن معاوية، وأبو بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وهم يروونه عن عاصم بن أبي النجود.

    فـسفيان الثوري سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو أمير المؤمنين في الحديث -كما عرفنا ذلك- وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    ومالك بن مغول هو ثقة, ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وزهير هو ابن معاوية، زهير بن معاوية بن حديج بالحاء المهملة، ابن حديج بن الرحيل بن زهير بن خيثمة أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وكنيته أبو خيثمة ، وهو ثقة, ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق السبيعي في آخر الأمر؛ يعني: بعد الاختلاط، والحديث هنا لا علاقة لـأبي إسحاق السبيعي فيه؛ لأنه ليس من روايته عن أبي إسحاق ، وإنما هو من روايته عن عاصم بن أبي النجود ، فهو ثقة, ثبت، وهو من رجال الجماعة.

    ويوافقه في الكنية وفي الاسم زهير بن حرب شيخ البخاري، ومسلم.

    وهو أبو خيثمة زهير بن حرب ، الذي أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه حتى روى له أكثر من ألف حديث، فهما متفقان في الاسم والكنية، إلا أن ابن حرب متأخر، فهو من شيوخ الشيخين، وأما هذا فمتقدم؛ لأنه بينه وبين النسائي أحمد بن سليمان الرهاوي ، ويحيى بن آدم، فهو متقدم في طبقة متقدمة، وكل منهما كنيته أبو خيثمة، واسمه زهير.

    وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [ وأبو بكر بن عياش ].

    أبو بكر بن عياش حديثه عند مسلم في مقدمة الصحيح، وعند أصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة, ساء حفظه لما كبر، والعلامة التي يرمز لها ابن حجر : م، ق؛ يعني: ميم لـمسلم ، والقاف للمقدمة.

    [سفيان بن عيينة].

    سفيان بن عيينة ، وهو أحد السفيانين، وهو ثقة, حجة, إمام، وهو من رجال الجماعة كما ذكر.

    وأما عاصم وزر فقد تقدما في الإسناد الذي قبل هذا، وهما عاصم بن أبي النجود بهدلة، وزر بن حبيش بن حباشة، وكل منهما أودي كوفي، وعرفنا أن عاصم حديثه في الصحيحين مقرون، وهو من رجال الجماعة، وأن زراً ثقة، وهو من رجال الجماعة.