إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. المقدمة وكتاب الطهارة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - تابع باب مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس - باب المسح على العمامة

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - تابع باب مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس - باب المسح على العمامةللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بينت الشريعة أن الأذنين من الرأس في الوضوء وليستا من الوجه، ومن سماحتها أنها جاءت بمشروعية المسح على العمامة رفعاً للحرج، لا سيما إذا كان في نزعها مشقة.

    1.   

    تنبيهات على حديث عبد الله الصنابحي: (إذا توضأ العبد المؤمن... فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس.

    أخبرنا قتيبة وعتبة بن عبد الله عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له). قال قتيبة عن الصنابحي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال].

    حديث عبد الله الصنابحي، يحكي فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على فضل الوضوء وعظيم أجره وثوابه عند الله عز وجل، وقد مرّ بنا ما يتعلق بالحديث في إسناده ومتنه في الدرس الفائت.

    والذي أحب أن أنبه عليه بالنسبة لشيء من إسناد هذا الحديث، هو أولاً: أنني ذكرت في الدرس الفائت: أن هذا السياق الذي ذكره النسائي لـعتبة بن عبد الله بن عتبة اليحمدي وهو الشيخ الثاني من الشيخين اللذين روى عنهم الحديث؛ لأنه قرن هنا بادئاً بـقتيبة ومثنياً بـعتبة، والسياق هو سياق عتبة، بدليل أنه قال في آخر الحديث: وقال قتيبة؛ يعني: أن سياقه يختلف عن سياق عتبة عن الصنابحي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، فقلت بالأمس: إن الفرق بين السياقين: أن عتبة عبر بوصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة، حيث قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قتيبة فتعبيره بوصف النبوة، حيث قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهناك شيءٌ آخر يضاف إلى هذا، بل هو أهم منه من حيث تنبيه النسائي على هذا الفرق بين السياقين, وهو أنه قال: عن الصنابحي، فلم يسمه كما سماه عتبة؛ لأن إسناد عتبة فيه تسمية الصنابحي، بأنه عبد الله، وأما سياق قتيبة فليس فيه ذكر تسمية عبد الله، وإنما فيه ذكر الصنابحي فقط، هذا فرقٌ واضح جلي، ولعلّ هذا هو الذي أراده النسائي؛ لأن هذا اللفظ الذي هو الصنابحي يتفق مع ما هو معروفٌ عن أن المشهور بـالصنابحي هو عبد الرحمن بن عسيلة؛ لأنه ما سمي، ورواية عتبة وغيره ممن سموه وقالوا: عبد الله، قال بعض العلماء: إن هذا فيه انقلاب أو قلب؛ لأنه أبو عبد الله الصنابحي، فإذاً: حصل انقلاب على الراوي، فجعل بدل أبي عبد الله عبد الله، فصار فيه وجود هذا الشخص الذي لا يعرف، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: اختلف في وجوده؛ يعني: رجل باسم عبد الله الصنابحي اختلف في وجوده، هل هو موجود أو غير موجود؟ والأكثر على أنه عبد الرحمن بن عسيلة، والمشهور أنه عبد الرحمن بن عسيلة، و عبد الله الصنابحي، فجاء ذكره بهذا الاسم عند النسائي وأبي داود وابن ماجه، أما عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي فإنه جاء حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهذا أول ما أردت أن أنبه عليه بما يتعلق بهذا السياق الذي ذكره النسائي.

    وذكرت في الدرس الفائت أن هذا السياق الذي ذكره النسائي لـعتبة ثم التنبيه إلى السياق عند قتيبة، أن هذا قد يشعر بأن طريقة النسائي أنه عندما يذكر الحديث عن شيخين فإن اللفظ الذي يسوقه يكون للثاني منهما، قلت: إن هذا مما يستدل به على أن طريقة النسائي عندما يذكر شيخين ولا يذكر من له اللفظ أن اللفظ يكون للثاني؛ وذلك لأنه في هذا الحديث ساقه على سياق عتبة , وهو الثاني، ثم نبه على سياق قتيبة وأنه يختلف عن سياق عتبة.

    والأمر الثاني من الأمور التي أنبه عليها: أن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي ليس له رواية في صحيح البخاري، وأن المزي طريقته أن من له ذكر في الصحيح يعلم عليه أنه من رجال الصحيح وإن لم تكن له رواية في الصحيح، وهذا هو الواقع بالنسبة لطريقة المزي، ومن أمثلة ذلك: أويس القرني جاء ذكره في رجال الكتب الستة وليس له رواية في الصحيحين، ويزيد بن أبي كبشة جاء ذكره في صحيح البخاري وليس له رواية، وذلك في حديث أبي موسى الأشعري الذي قال في إسناده ابنه أبو بردة: اصطحبت أنا ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: أفطر، فإني سمعت أبا موسى يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).

    فجاء ذكره في الإسناد بمناسبة أنه سافر هو وأبو بردة، وكان يزيد يصوم في السفر، فنبهه إلى أنه إذا كان من عادته أنه يصوم في الحضر ثم أفطر في السفر، فالله تعالى يكتب له في حال سفره ما كان يكتب له في إقامته، (إذا مرض العبد أو سافر, كتب له ما كان يعمل وهو صحيحٌ مقيم)، فاستدل أبو بردة بحديث أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما يزيد بن أبي كبشة ليس ممن سمع ذلك ، فرمز له بخاء يعني: أنه من رجال البخاري، وهو كما هو واضح ليس من رجال البخاري.

    أما بالنسبة للصنابحي فأنا قد وهمت بأنه ليس له رواية، وإنما هو من الجماعة الذين ليس لهم إلا حديث واحد في البخاري، وفيه: (أنه قدم من اليمن مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان في الجحفة جاءهم آت من المدينة, وقال: إنا دفنا الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم كذا؛ يعني: أنه مات ودفن، فبلغه الخبر وهو في الجحفة، ثم إنه سأله عن حديث ليلة القدر فأجابه)، فهذا الحديث موجود في صحيح البخاري, وليس لـعبد الرحمن بن عسيلة ذكراً إلا في هذا الحديث الواحد، فقد ذكر هذا الحافظ ابن حجر في الجزء الثامن من فتح الباري صفحة مائة وثلاث وخمسين، قال: وليس لـعبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي في صحيح البخاري إلا هذا الحديث الواحد، أما الذين ليس لهم إلا مجرد الذكر فمنهم: أويس القرني، ومنهم: يزيد بن أبي كبشة الذي أشرت إليه.

    وهناك حديث سبق أن مر بنا قريباً وفيه ذكر محمد بن سلمة المرادي و الحارث بن مسكين، وقد مر ذكر محمد بن سلمة قبل تلك المرة، وذكرت في هذه المرة أن النسائي له شيخين، كل منهما يقال له: محمد بن سلمة، لكن الحديث رقم سبعة وتسعين لعله في باب حد الغسل، يرويه عن ابن القاسم، وقلت: إن النسائي له شيخين: أحدهما: محمد بن سلمة المرادي المصري، والثاني: محمد بن سلمة الباهلي، وقلت: إن الذي روى عنه النسائي هنا هو محمد بن سلمة المرادي، وهذا هو الواقع؛ لأن الحارث بن مسكين مصري، ومحمد بن سلمة المرادي مصري، وابن القاسم مصري، و النسائي كان في مصر في آخر عمره، فإذاً: محمد بن سلمة الذي يروي عنه النسائي هو المرادي.

    لكن الواقع أن محمد بن سلمة الباهلي ليس شيخاً للنسائي، وإنما روى له النسائي بالواسطة، والخطأ الذي حصل لي إنما هو من خطأ موجود في طبعة التقريب؛ لأن فيها: من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وتسعين؛ يعني: الحادية عشرة بعد المائتين، والواقع أنه ليس من الحادية عشرة وإنما هو التاسعة أو العاشرة إذا كانت وفاته سنة ثلاثمائة وواحد وتسعين، يعني: معناه في القرن الثاني، أي: مات محمد بن سلمة الباهلي قبل أن يولد النسائي بخمس وعشرين سنة، فهو ليس من شيوخه ولم يدركه، وفي الطبعة المصرية قال: من الحادية عشرة، والحادية عشرة طبعاً بعد المائتين؛ لأن العاشرة أيضاً بعد المائتين؛ يعني: وفاة كثير منهم بعد المائتين والحادية عشرة بعد المائتين.

    1.   

    المسح على العمامة

    قال المصنف رحمه الله: [باب المسح على العمامة:

    أخبرنا الحسين بن منصور حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش (ح) وأنبأنا الحسين بن منصور حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن بلال رضي الله عنه أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار)]. ‏

    شرح حديث بلال: (رأيت النبي يمسح على الخفين والخمار)

    هنا أورد النسائي رحمه الله باب: المسح على العمامة.

    والمراد بالعمامة: هي العمامة التي يتخذها الرجال، وكان ذلك موجوداً في زمن النبوة، فكانوا يستعملون العمائم التي يدورونها تحت الحنك ويربطونها, ويكون في نزعها كل وقت مشقة؛ أي: جاءت السنة بأنه يمسح عليها كما يمسح على الخفين؛ لأن الخفين في نزعهما مشقة في كل وقت، فكذلك العمامة إذا شدت وربطت وصارت محكمة ومدارة تحت الحنك، ففي نزعها شيء من المشقة، فجاءت السنة بأنه يمسح عليها؛ يعني: إذا توضأ الإنسان فإنه يمسح على العمامة إذا كانت على الطريقة المعروفة عند العرب، والتي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعملها، والتي هي تثبت من تحت الحنك ويحكم ربطها، ويكون في نزعها مشقة، فإنه يمسح عليها كما يمسح على الخف، وقد جاء المسح على الخفين في أحاديث كثيرة، وجاء المسح على العمامة في بعض الأحاديث، وهذا هو المقصود بالعمامة.

    وقد أورد النسائي حديث بلال بن رباح رضي الله عنه الذي يرويه عنه كعب بن عجرة رضي الله عنه، يقول بلال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار)، والمقصود بالخمار: العمامة؛ لأنها هي التي يغطى بها الرأس، والخمار: هو الذي اشتهر بما تغطيه به النساء رءوسهن, يقال له: خمار، والعمامة أيضاً يقال لها: خمار؛ لأنها من التغطية، ولهذا يقال للغطاء: خمار، أي: غطاء, وجاء في حديث الذي وقصته ناقته في عرفة, قال: ( لا يمس طيباً, ولا تخمروا رأسه)، (ولا تخمروا) يعني: لا تغطوا رأسه؛ لأن التخمير هو التغطية، والخمار هو الغطاء، وكذلك الإناء كونه يخمر، يعني: يوضع عليه غطاء، ولكنه غلب بالاستعمال على خمار المرأة، ويطلق أيضاً على العمامة للرجل، فيقال لها: خمار؛ لأنه هنا في الحديث قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار)، يعني: العمامة.

    إذاً: فالخمار الذي هو العمامة في هذا الحديث يمسح عليه أو عليها، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي سيذكرها النسائي فيما بعد.

    وكذلك النساء إذا حصل منهن شد الخمر عليهن وكان في نزعه مشقة, فيمكن أن يمسحن كما يمسح الرجال، أما إذا كانت الخمر لا تحكم أو نزعها خفيف، أو كانت مثل الغتر التي علينا، أو اللفائف التي تلف من فوق ثم تنزع وترد، أو ما يشبه الطواقي، فكل هذه لا يمسح عليها، وإنما يمسح على العمامة المعروفة عند العرب، والتي يغطى بها الرأس وتحكم وتشد وتدار من تحت الحلق، ويكون في نزعها مشقة، فجاءت السنة بالتخفيف في ذلك وأنه لا بأس بأن يمسح عليها الإنسان.

    ومن العلماء من منع ذلك وقال: إن الآية إنما جاءت في المسح على الرأس وليس في المسح على العمامة، ومن المعلوم أنه ما دام جاءت به السنة, فإن مجيء السنة كاف في الاستدلال والاعتبار ولو كان من طريق الآحاد، فطريق الآحاد ما ثبت بها يعول عليه في العقائد والأحكام وفي غير ذلك، هذا هو منهج أهل السنة في ذلك، وهذا هو المعروف عنهم، وأما الخفان فسيأتي لهما تراجم تخصهما، فقد مسح الرسول صلى الله عليه وسلم عليهما.

    تراجم رجال إسناد حديث بلال: (رأيت النبي يمسح على الخفين والخمار)

    قوله: [أخبرنا الحسين بن منصور].

    ابن جعفر السلمي أبو علي النيسابوري، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري والنسائي، وذكر الحديث من طريقين، وكل من الطريقين من طريق الحسين بن منصور، يعني: شيخ الطريقين واحد، إلا أن الحسين بن منصور يروي من طريقين، يعني: تنقسم الطريقان من بعد الحسين بن منصور. والحسين بن منصور هو الذي روى عنه النسائي الطريقين، يعني: الطريقان كلهما رواهما النسائي عن طريق الحسين بن منصور، فيقول: أخبرني الحسين بن منصور.

    [ حدثنا أبو معاوية].

    هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقةٌ حافظ، ويقال: هو أحفظ أصحاب الأعمش.

    والأعمش هو ملتقى الطريقين, ثم ذكر الطريقة الثانية التي يرويها النسائي، عن الحسين بن منصور.

    [ حدثنا عبد الله بن نمير].

    عبد الله بن نمير هذا هو: الهمداني الكوفي، وهو ثقةٌ وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكل من أبي معاوية وعبد الله بن نمير يرويان عن الأعمش.

    [حدثنا الأعمش].

    والأعمش هو لقب له، وهو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره كثيراً بلقبه، كما يأتي ذكره باسمه في بعض المواضع أو في كثير منها، فيأتي باسمه ويأتي بلقبه، وقد ذكرت أن فائدة معرفة الألقاب حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا ذكر مرة بكنيته وذكر مرة بلقبه ومرة باسمه من لا يفهم، فيظن أن سليمان غير الأعمش، وأما الذي يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان فلا يلتبس عليه ذلك.

    [ عن الحكم].

    الحكم يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة, فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].

    هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، وهو من كبار التابعين، وممن ولد في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وروى عن كثير من الصحابة، ولهذا فهذا الحديث الذي معنا رواه عن سعد، ورواه عن البراء بن عازب، يعني: رواه عن أكثر من صحابي؛ لأن النسائي ذكره من ثلاث طرق، وكلها فيها روايته عن الصحابة؛ لأنه متقدم، وكانت ولادته في خلافة عمر رضي الله عنه، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وله ابن اسمه محمد، وهو الفقيه, المشهور المعروف، فإذا ذكر في الفقه ابن أبي ليلى، فالمقصود منه: ابنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، إلا أنه في الحديث سيئ الحفظ جداً كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، أي أنه ليس بقوي وفيه ضعف، ولكنه هو المعروف بالفقه، وقد تولى القضاء، وليس له رواية في الصحيحين، لكن له رواية عند أصحاب السنن، ولكنه فيه كلام.

    أما أبوه فهو ثقة وتابعي جليل، وهو الذي روى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه حديث الصلاة الإبراهيمية الذي يقول فيه في صحيح البخاري: (يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: لقيني كعب بن عجرة وقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى فاهدها إلي، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقلنا: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، هذا هو الذي أهديت إليه تلك الهدية الثمينة النفيسة العظيمة.

    [ عن كعب بن عجرة].

    هو كعب بن عجرة صحابي مشهور، وهو صاحب الحديث المتعلق بحلق الرأس في الحج وحصول الفدية فيه، وله في الكتب سبعة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري, ومسلم على اثنين، وانفرد مسلم باثنين، ولم ينفرد البخاري بشيء.

    [ عن بلال ].

    هو بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وله في الكتب أربعة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري, ومسلم منها على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بحديث. وهو مولى لـأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.

    وكل رجال الإسناد وهم: أبو معاوية , وعبد الله بن نمير , والأعمش، والحكم بن عتيبة، وابن أبي ليلى، وكعب بن عجرة، وبلال، فهؤلاء السبعة كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة، إلا الحسين بن منصور خرج له البخاري والنسائي.

    شرح حديث بلال: (رأيت رسول الله يمسح على الخفين) من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي عن طلق بن غنام قال: حدثنا زائدة وحفص بن غياث عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن بلال رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين)].

    وهذا الحديث فيه رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء عن بلال؛ لأنه في الأول يروي عن كعب عن بلال، فكل من الحديثين في الطريقين رواية صحابي عن صحابي.

    وقوله: (رأيته يمسح على الخفين) لا تعلق له في موضوع الباب؛ لأن الباب هو المسح على العمامة، والخفان شيء آخر؛ يعني: إيراد الحديث هنا بهذا اللفظ لا يدل على الترجمة، ولكنه طريق آخر من طرق حديث بلال رضي الله عنه، وفيه إفراد الخفين عن العمامة أو الخمار.

    تراجم رجال إسناد حديث بلال: (رأيت رسول الله يمسح على الخفين) من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي ].

    هو الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي شيخ النسائي، وروى له أبو داود، والنسائي , وابن ماجه ، وقال عنه في التقريب: إنه مقبول.

    [عن طلق بن غنام].

    هو طلق بن غنام بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم شيئاً.

    [ حدثنا زائدة وحفص بن غياث].

    هو زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكان صاحب سنة، وكان لا يروي عن أهل البدع، ويمتحن من يروي عنه أو يحدثه بأنه لا يحدثه إلا عن صاحب سنة، فذكروا هذا في ترجمته رحمة الله عليه، كان لا يحدث عن الرافضة ولا عن القدرية ولا عن أصحاب البدع.

    وحفص بن غياث فهو ابن عم طلق بن غنام، وهو حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي, وطلق بن غنام يروي عن ابن عمه حفص بن غياث؛ لأن غياث وغنام أبوهما طلق بن معاوية، فـطلق بن غنام ابن عم لشيخه أو أحد شيخيه في هذا الإسناد وهو حفص بن غياث، وحفص بن غياث ثقة, وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة؛ لأن ابن عمه الذي هو طلق بن غنام لم يخرج له مسلم، وكل من الاثنين ثقة.

    ثم اتحد الإسناد بعد ذلك مع إسناد الحديث السابق فقال: [عن الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]، واختلف عند قوله: [عن البراء بن عازب عن بلال].

    وذكرنا كعب بن عجرة وقلنا: له سبعة وأربعون حديثاً, وبلال له أربعة وأربعون حديثاً، والبراء بن عازب له ثلاثمائة وخمسة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على اثنين وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة أحاديث، وهو صحابي وأبوه صحابي، وفيه رواية صحابي عن صحابي.

    والإسناد الأول فيه تحويل للحسين بن منصور، والتحويل هو: أن تحول من إسناد إلى إسناد.

    وفائدته: حتى لا يظن فيما لو حذف التحويل أن يكون المتقدم آخذاً عن المتأخر، وأخبرنا أن معناه: أنه يرجع الإسناد من جديد بإسناد آخر ثم يلتقيان بعد ذلك، ولا يتحد الإسناد فيما بعد، وقد ذكرنا أن النسائي يستعمل التحويل قليلاً ولا يكثر منه ولا يحتاج إليه مثل البخاري؛ لأنه يكرر الحديث في مواضع متعددة، فلا يحتاج إلى التحويل بكثرة، بخلاف مسلم فإنه يحتاج إلى التحويل بكثرة لأنه يجمع الأحاديث في مكانٍ واحد ويستعمل التحويلات الكثيرة في الإسناد.

    حديث بلال: (رأيت رسول الله يمسح على الخمار والخفين) من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخمار والخفين)].

    أورد النسائي هذا الحديث، وهو من رواية عبد الرحمن عن بلال نفسه؛ لأن في الأول يرويه عن كلا الصحابيين، مرة عن كعب بن عجرة ومرة عن البراء بن عازب، وهنا يروي عن بلال رأساً؛ لأنه يروي عن الصحابة، وأولئك صحابة، إلا أنها رواية صحابي عن صحابي، وكما هو معلوم يمكن أن يروي الحديث عن كعب وعن البراء وكلاً عن بلال, ثم يلقى بلالاً فيروي عنه مباشرةً، فتكون الرواية على اختلاف الأحوال: مرة رواه نازلاً؛ لأنه ما لقي بلالاً، ثم لما لقي بلالاً صار يرويه عنه مباشرة، فيتحصل أنه لا اختلاف بين الروايات، وهذا يحصل كثيراً في رواية الأحاديث؛ لأن الراوي يروي الحديث عن شخص حي بواسطة؛ لأنه ما لقي ذلك الشخص، ثم يلقاه بعد ذلك فيسمع منه الحديث، فيرويه على الحالين، وهنا مرة يرويه عن كعب بن عجرة عن بلال، ومرة عن البراء عن بلال، ومرة عن بلال نفسه.

    والحديث هو مثل الحديث الأول إلا أن فيه تقديم الخمار على الخفين؛ يعني: هناك يمسح على الخفين والخمار، وهنا يمسح على الخمار والخفين، فلا فرق بينهما إلا بالتقديم والتأخير، واللفظ واحد، وهو يؤدي ما يؤديه, والحديث نفسه عن بلال؛ أي: صحابي واحد.

    أما إسناد الحديث فهو نفس الإسناد، وكل رجال الإسناد حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، إلا هناد بن السري، فإنه لم يخرج له البخاري في الصحيح شيئاً، ولكنه خرج له في كتاب خلق أفعال العباد.