إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. المقدمة وكتاب الطهارة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب بأي اليدين يستنثر؟) إلى (باب عدد غسل الوجه)

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب بأي اليدين يستنثر؟) إلى (باب عدد غسل الوجه)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب في الأشياء التي يستقذر منها أن يستعمل معها اليد اليسرى، ومن ذلك الاستنثار، هذا ويجب غسل الوجه كما بين ذلك الكتاب والسنة، ويستحب غسله ثلاثاً، ويجوز الاقتصار على مرة أو مرتين.

    1.   

    بأي اليدين يستنثر

    شرح حديث علي في الاستنثار باليد اليسرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ بأي اليدين يستنثر؟

    أخبرنا موسى بن عبد الرحمن حدثنا حسين بن علي عن زائدة حدثنا خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي رضي الله عنه (أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، ففعل هذا ثلاثاً، ثم قال: هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم) ].

    هنا أورد النسائي رحمه الله: باب بأي اليدين يستنثر؟

    سبق فيما مضى أن الاستنشاق هو: إدخال الماء إلى الأنف، وجذبه إلى داخله بواسطة ريح الأنف، وأما الاستنثار: فهو إخراجه منه، وسبق أيضاً أن المضمضة والاستنشاق تكونان باليمين؛ أي: أنه يأخذ الماء للمضمضة والاستنشاق بيمينه؛ فالماء الذي يذهب به إلى فمه للمضمضة، وإلى أنفه للاستنشاق يكون باليد اليمنى، أما الاستنثار الذي هو إخراجه من الأنف فيكون باليد اليسرى، وهذه الترجمة التي معنا معقودة لبيان أن الاستنثار يكون باليد اليسرى؛ لأنه يشبه الامتخاط؛ وهو إخراج المخاط من الأنف، وهو إنما يكون بالشمال؛ لأن الشمال تكون للأشياء المستقذرة، وأما اليمين فتكون للأشياء التي بخلاف ذلك.

    وأورد النسائي للاستدلال على هذه الترجمة حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه مختصراً؛ لأن حديث علي رضي الله عنه مشتمل على بيان صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام تفصيلاً، ولكنه جاء في بعض الروايات مختصراً؛ للاستدلال به على بعض المسائل كالحال هنا؛ لأنه اختصر فيه على المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وعلي رضي الله عنه دعاء بوضوء، وهو الماء الذي يتوضأ به، فتوضأ وضوءاً كاملاً، ولكن الراوي هنا اختصر على جزء منه، وهو ما يتعلق بالمضمضة والاستنشاق؛ حيث تمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، فعل ذلك ثلاث مرات.

    والمقصود هنا من إيراد الحديث في هذه الترجمة قوله: (ونثر بيده اليسرى)؛ أي: أن الاستنثار يكون باليد اليسرى، والرسول صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق ثلاث مرات، والاستنثار إنما يكون بعده، وعلي رضي الله عنه وأرضاه توضأ وضوءاً وصف فيه صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، وفي آخره قال: (هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم)، فهذه الإشارة راجعة إلى كيفية الوضوء الكاملة، وهنا اختصر على جزء منها وهو الاستنثار باليسرى، وأورد بعده هذه الجملة؛ ليبين أنه مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    وطهور بالضم؛ أي: فعله، ومثله: وضوء؛ لأن الطهور والوضوء من الألفاظ التي إذا كانت مفتوحة الأول فإنها تكون للماء المستعمل الذي يحصل به الوضوء، وإذا كانت مضمومة الأول فإنه يراد بها الفعل نفسه، وكما ذكرت -فيما مضى-: أن هناك كلمات تشابه هذه الكلمتين، وذلك مثل: الوُجور، الوَجور وهي لما يوضع في الفم، واللدود، والصعود وهي لما يوضع في الأنف، والطهور والوضوء والسحور، فكل هذه ألفاظ إذا فتحت فهي اسم للشيء الذي يستعمل، وإذا ضمت فهي اسم للعمل وللفعل.

    تراجم رجال إسناد حديث علي في الاستنثار باليد اليسرى

    قوله: [ أخبرنا موسى بن عبد الرحمن].

    هو ابن سعيد بن مسروق الكندي الكوفي، ويقال له: المسروقي نسبة إلى جده مسروق، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه .

    [حدثنا حسين بن علي].

    هو حسين بن علي الجعفي، وهو ثقة، عابد، وهو كوفي أيضاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن زائدة].

    هو ابن قدامة الثقفي الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا خالد بن علقمة ].

    هو خالد بن علقمة الكوفي، ويلقب بأبي حية، وهو صدوق، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وهو مثل الأول الذي هو ابن سعيد بن مسروق الكندي الكوفي، إلا أن الأول خرج له الترمذي، وهذا خرج له أبو داود.

    [عن عبد خير].

    هو عبد خير بن يزيد الهمداني الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة، وهو من المخضرمين؛ والمخضرمون: هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ بهم الإمام مسلم إلى عشرين نفساً، ومنهم: عبد خير هذا، ومنهم: الصنابحي الذي قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما بلغ الجحفة قادماً إلى المدينة جاءه الخبر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي، ومنهم: سويد بن غفلة، ومنهم: معرور بن سويد، ومنهم: قيس بن أبي حازم، ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة وغيرهم، كلهم يقال لهم: مخضرمون؛ أي: أنهم أدركوا الجاهلية والإسلام، إلا أنهم لم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، وروايتهم عن كبار الصحابة.

    [عن علي].

    هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام وصهره، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسنين ابني النبي عليه الصلاة والسلام، وهو صاحب المناقب الجمة الكثيرة، والخصال الحميدة، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.

    1.   

    غسل الوجه

    شرح حديث علي في غسل الوجه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: غسل الوجه

    أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن خالد بن علقمة عن عبد خير: (أتينا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد صلى؟ فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع به وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يديه فغسلها ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً من الكف الذي يأخذ به الماء، ثم غسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً، ويده الشمال ثلاثاً، ومسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ورجله الشمال ثلاثاً، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو هذا) ].

    هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب غسل الوجه.

    وغسل الوجه هو أول فروض الوضوء التي بينها الله عز وجل بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، وهنا عقد هذه الترجمة لغسل الوجه، وأورد تحتها حديث علي المشتمل على صفة الوضوء كاملة، ولكنه أورد الحديث بكماله للاستدلال به على غسل الوجه؛ لأن الحديث يدل عليها وعلى غيرها.

    وأورد فيه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن عبد خير يروي فيه (أن علياً رضي الله عنه صلى ثم دعا بطهور) أي: دعا بوضوء، (قالوا: ما يصنع به وقد صلى؟) أي: قالوا ذلك في أنفسهم، أو فيما بينهم؛ يعني: إما كل واحد في نفسه قال هذا الكلام، أو أنهم فيما بينهم تكلموا؛ لما دعاء بالوضوء؟ يعني: فيما بينهم يتسارون، قالوا ذلك؛ لأن الأصل أن الوضوء قبل الصلاة، فقالوا: (ما يريد إلا ليعلمنا)، أي: أن هذا الفعل الذي قصده وأراده بعد أن فرغ من الصلاة ما فعله إلا ليعلمنا كيفية وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، هكذا فهموا من عمله، وأن هذا يكون بعد الصلاة؛ لأنه لو كان قبلها فسيكون في وقته المناسب الذي لا يُستغرب، ولكن كونه يكون قد صلى، ثم يدعوا بماء ويتوضأ أمام الناس إنما يكون قصده أن يعلم الناس كيفية وضوء النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص على بيان السنن، وإيضاحها للناس، وتعليمهم إياها ولو لم يسألوا، فهذا يدل على ما كانوا عليه من الفضل، وعلى الصدق والإخلاص، وعلى قيامهم بتبليغ سنة الرسول عليه الصلاة والسلام بالقول والفعل؛ أحياناً يكون بالقول، وأحياناً يكون بالفعل، وأحياناً يكون بالقول والفعل؛ لأن هنا علياً رضي الله بين ذلك بالفعل، ثم بين ذلك بالقول بعد الفعل فقال: (من سره...) وهذا هو الذي به تبين أن الحديث مرفوع؛ لأن فعل علي هذا العمدة فيه ما أخذه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما توضأ وهم يشاهدون ويعاينون قال رضي الله عنه: (من سره أن يعلم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو هذا).

    (فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يديه فغسلها ثلاثاً).

    هذا فيه أيضاً ما تقدم في الأحاديث السابقة: أنه عندما يريد الوضوء من إناء لا يغمس يده في الإناء ابتداءً، وإنما يفرغ عليها من الإناء فيغسلها خارج الإناء، وبينا -كما سبق- أن هذا مستحب إلا فيما إذا كان في القيام من النوم، فإن فيه خلاف؛ هل هو واجب أو مستحب؟ أما هنا فهو مستحب؛ كونه يغسلها خارج الإناء هو للاستحباب؛ حتى إذا وجد فيها وسخ زال خارج الإناء لا في داخله، ثم بعد ذلك يغمس يده اليمنى، ويخرج منها الماء لإكمال بقية أعضاء الوضوء.

    (ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً من الكف الذي يأخذ به الماء) أي تمضمض واستنشق ثلاثاً من الكف الذي يأخذ به الماء؛ وهي اليد اليمنى، ثم قيل: إن المقصود من ذلك: أن المضمضة والاستنشاق من كف واحدة؛ بمعنى أنه أخذ ماءً فوضع بعضه في فمه فتمضمض به، وبعضه رفعه إلى أنفه فاستنشقه، ثم استنثره، وهذا فيه الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وقد جاء في بعض الروايات: (أنه تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً)، فيكون معناه: أنها تفصل المضمضة عن الاستنشاق بأن يكون لكل منهما غرفة؛ لأن الغرفة لهذا غير الغرفة لهذا، وكل هذا صحيح، والأمر فيه واسع.

    (ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، ويده الشمال ثلاثاً)، الغسل لليدين لكاملهما؛ يعني: بما في ذلك الكف الذي غسله خارج الإناء في البداية؛ لأن ذاك لتنظيفه عن أن يكون به وسخ، أما غسله هنا فهو غسل الواجب الذي هو فرض من فروض الوضوء، فهو يغسل اليدين كاملتين من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والمرفقان داخلتان؛ لأن الغاية داخلة في المغيا، فالمرفقان مغسولتان مع اليدين.

    (ومسح برأسه مرة واحدة)، هذا المسح جاء مبين في بعض الروايات؛ أنه يبدأ من مقدم رأسه حتى ينتهي إلى مؤخره، ثم يعود إلى المكان الذي بدأ منه، ففي الحديث قال: ( أقبل بهما وأدبر)؛ يعني: يذهب بهما إلى مؤخر الرأس ثم يأتي بهما إلى مقدم الرأس.

    وقوله: (ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ورجله الشمال ثلاثاً).

    علي رضي الله عنه صرح بالغسل، ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غسلهما، وهذا أمير المؤمنين علي الذي تزعم الرافضة بأنهم من أتباعه ومن أحبابه، ويقولون: بأن فرض الرجلين المسح وليس الغسل، فهم في الحقيقة مخالفون لـعلي رضي الله عنه، وإنما الذين يتبعونه ويحبونه ويحبون الصحابة جميعاً هم أهل السنة والجماعة، الذين وفقهم الله عز وجل للحق والهدى والسداد، وأما الرافضة المخذولون فإنهم غلوا في علي وبعض أهل البيت، وجفوا في حق أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

    ثم أيضاً من علامة هذه الأمة يوم القيامة أنهم يأتون غراً محجلين من أثر الوضوء، ومن المعلوم أن التحجيل إنما يكون بغسل أعضاء الوضوء -اليدين والرجلين- ويأتون غراً محجلين من أثر الوضوء ومن علامات الوضوء، وكل هذا يبين أن الفرض للرجلين إنما هو الغسل، وليس المسح الذي تزعمه الرافضة.

    وما يذكر عن ابن جرير الطبري أنه كان يرى المسح وليس الغسل فإن هذا لم يصح عنه، وإنما الذي جاء عنه هو واحد من الرافضة اسمه: أبو جعفر محمد بن جرير، وافق ابن جرير الطبري في كنيته وفي اسمه واسم أبيه، وذاك الرافضي أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم، وقد ذكر الذهبي، وابن حجر العسقلاني في اللسان، والميزان ترجمة الاثنين: الإمام من أهل السنة، وابن جرير الرافضي الذي هو صاحب الكلام في هذه المسألة، فالمصيبة أو البلية التي حصلت أن ظن بعضهم أن ابن جرير الطبري هو الذي يُحكى عنه المسح في الرجلين، وفي الحقيقة إنما هو ذاك الرافضي.

    ومن المعلوم أن الرافضة عقيدتهم في الأصول مباينة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وأعظم ما ابتلوا به أنهم أخذوا دينهم من الأئمة الإثني عشر، أولهم علي رضي الله عنه، وآخرهم صاحب السرداب، فعقيدتهم مأخوذة من هؤلاء، وما جاء عن الصحابة لا يعولون عليه؛ لأنهم يعولون على ما جاء عن المعصومين، وهم الأئمة الاثنا عشر، فعقائدهم وأصولهم وفروعهم مأخوذة من هذا المنهج.

    إذاً: فهم مباينون لأهل السنة تمام المباينة؛ ولهذا فهم يبغضون الصحابة ويسبونهم، وفي مقدمتهم أبو بكر, وعمر, وعثمان رضي الله تعالى عن الجميع. وقد قال أبو زرعة الرازي، وهو من علماء القرن الثالث الهجري، وكلامه موجود في الكفاية للخطيب البغدادي: (إذا رأيتم من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام, فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الكتاب حق، والرسول حق، وإنما بين لنا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة)، وكلامه في غاية الوضوح؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، والكتاب والسنة إنما عرفناهما عن طريق الصحابة، فإذا قدح القادح في الصحابة فقد قدح في الكتاب والسنة.

    تراجم رجال إسناد حديث علي في غسل الوجه

    قوله: [ أخبرنا قتيبة].

    قتيبة هذا تكرر ذكره في سنن النسائي كثيراً، وهو أول شيخ روى عنه في سننه، وكثير من الأسانيد التي مرت بنا جاء فيها ذكر قتيبة بن سعيد، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا أبو عوانة].

    هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو مشهور بكنيته، ومن الأمور المهمة في معرفة علوم الحديث: معرفة أصحاب الكنى، وفائدة هذه المعرفة: ألا يظن أن الشخص الواحد شخصين؛ إذا ذكر مرة بكنيته، ومرة باسمه، فالذي لا يعرف أن الوضاح بن عبد الله اليشكري كنيته أبو عوانة، لو جاء أبو عوانة في إسناد، والوضاح بن عبد الله في إسناد آخر، يظن أن هذا غير هذا. وقد مر بنا قريباً أبو هاشم إسماعيل بن كثير، في إسنادين متجاورين؛ في أولهما اسمه، وفي الثاني كنيته، فالذي لا يعرف الكنية لهذا الرجل يظن أن أبا هاشم غير إسماعيل بن كثير.

    وأبو عوانة هذا هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    وذكرت -كما سبق- أن من العلماء المحدثين من يوافقه في الشهرة وفي الكنية، وهو أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني صاحب المسند، أو المستخرج، أو الصحيح، يقال له ثلاثة أسماء؛ المستخرج على صحيح مسلم، ويقال له: الصحيح، ويقال له: المسند، وكانت وفاته سنة 316هـ؛ لأنه متأخر عن هذا، فإن هذا في القرن الثاني، وذاك وفاته في القرن الرابع الهجري، فإذا قيل: صحيح أبي عوانة، أو أخرجه أبو عوانة، أو رواه أبو عوانة، فالمراد به يعقوب بن إسحاق، أما إذا جاء في أثناء أسانيد الأحاديث في الكتب الستة، فالمراد به الوضاح بن عبد الله اليشكري، الذي يروي عنه قتيبة بن سعيد في هذا الإسناد.

    والإسناد الذي قبل هذا مسلسل من رواة الكوفيين؛ لأن كله كوفيون من أوله إلى آخره، قال فيه: موسى بن عبد الرحمن، وهو كوفي، يروي عن حسين بن علي الجعفي، وهو كوفي، يروي عن زائدة بن قدامة، وهو كوفي، وزائدة يروي عن خالد بن علقمة، وهو كوفي، يروي عن عبد خير، وهو كوفي، يروي عن علي، وهو كوفي، فيقال: مسلسل بالرواة الكوفيين، والمسلسل عند العلماء هو: الذي يتفق الرواة في الإسناد في صفة كما في الإسناد السابق، أو يكون كلهم مثلاً مصريين، أو مسلسل بصيغة من الصيغ، أو بأي صفة من الصفات يتصل بها الرواة.

    أما الإسناد الذي معنا؛ فـقتيبة بن سعيد يروي عن أبي عوانة، وأبو عوانة يروي عن خالد بن علقمة، وعند ذلك يتلاقى مع الإسناد السابق.

    [ عن خالد بن علقمة ].

    هو خالد بن علقمة الكوفي صدوق، وهو من رجال أبي داود، والنسائي، وابن ماجه .

    وعبد خير ثقة، ومن أصحاب السنن الأربعة، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    عدد غسل الوجه

    شرح حديث علي في عدد غسل الوجه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: عدد غسل الوجه.

    أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله وهو ابن المبارك عن شعبة عن مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه: (أتي بكرسي فقعد عليه، ثم دعا بتور فيه ماء، فكفأ على يديه ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق بكف واحد ثلاث مرات، فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، وأخذ من الماء فمسح برأسه -وأشار شعبة مرة من ناصيته إلى مؤخر رأسه، ثم قال: لا أدري أردهما أم لا؟- وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا طهوره). وقال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب خالد بن علقمة وليس مالك بن عرفطة ].

    هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب عدد غسل الوجه؛ لأنه في الترجمة الأولى لغسل الوجه، وهي مشتملة على أن الوجه يغسل ثلاث غسلات، وهنا أتى بالترجمة من أجل عدد غسلات الوجه، وأنها ثلاث غسلات، فأورد حديث علي بطريق أخرى؛ ليستدل به على العدد، وهو مشتمل على ما ترجم له، والأول استدل به على أصل الغسل وهو مشتمل عليه، إلا أنه على عادته -كما عرفنا- يعدد التراجم، ويأتي بأحاديث تحتها، وتكون تلك الأحاديث بينها فروق؛ إما في الإسناد، أو في المتون، أو فيهما جميعاً.

    وهنا الحديث فيه تفاوت في الإسناد، وفيه أيضاً تفاوت في المتن، وكل من الاثنين يدل على غسل الوجه ثلاثاً، إلا أن الترجمة الأولى لأصل غسل الوجه، والثانية لعدد غسلات الوجه، ومن المعلوم أن التثليث في غسل أعضاء الوضوء جاءت به السنة، وهو أفضل صفات الوضوء وأكملها؛ وهي: ثلاثاً ثلاثاً، ويجوز اثنتين اثنتين، ويجوز مرة مرة، وقد جاءت بذلك كله السنة، كما يجوز التفاوت؛ بأن يكون بعضها يغسل مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، فكل هذا سائغ وجائز، وقد جاءت به السنة، لكن أكملها أن يكون الغسل ثلاثاً.

    تراجم رجال إسناد حديث علي في عدد غسل الوجه

    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].

    هو المروزي، راوية عبد الله بن المبارك، ويلقب بـالشاه، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي.

    [أخبرنا عبد الله].

    هو ابن المبارك، هو من دون سويد بن نصر، كما سبق أن عرفنا ذلك؛ لأن سويد بن نصر لا يحتاج أن يقول هو، وإنما يقول: فلان وينسبه كما يشاء، لكن لما كان سويد بن نصر تلميذه ذكره باسمه فقط، ولم يذكر اسم أبيه، فالذي دونه إما النسائي، أو من دون النسائي، قالوا: هو ابن فلان من أجل الإيضاح والبيان.

    وعبد الله بن المبارك هو أحد الأئمة الكبار، والثقات الحفاظ، وممن جمعوا بين العلم والعبادة، وقد قال عنه الحافظ في التقريب كما ذكرت مراراً قال: حافظ، متقن، حجة، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، فهو ثناء عظيم على هذا الإمام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن شعبة].

    هو ابن الحجاج، وأمير المؤمنين في الحديث، ومن الذين وصفوا بهذا الوصف، وهو من أعلى وأرفع صيغ التعديل، وأمراء المؤمنين في الحديث جمعهم بعض العلماء المتأخرين -وهو محمد بن الحبيب الشنقيطي- ونظمهم في أبيات، ومنهم شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وغيرهم.