إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. المقدمة وكتاب الطهارة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - تابع باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء - باب النية في الوضوء

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - تابع باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء - باب النية في الوضوءللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نية المؤمن أبلغ من عمله، وعلى حسب نيتك تنال أجرك، ومن شرط العبادة النية، والوضوء عبادة تفتقر إلى نية تميزه عن غسل الأعضاء لأجل التبرد ونحوه، ومما ينبغي في الوضوء الاقتصاد بالماء وعدم الإسراف.

    1.   

    القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء

    شرح حديث: (إن النبي توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد ثم ذكر كلمة معناها حدثنا شعبة عن حبيب قال: سمعت عباد بن تميم يحدث عن جدتي وهي أم عمارة بنت كعب، أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأتي بماءٍ في إناء قدر ثلثي المد، قال شعبة: وأحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما) ].

    هنا أورد النسائي حديثاً آخر في الترجمة السابقة: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء، وكلمة (الرجل) هذه لا مفهوم لها، فالمرأة كذلك، بمعنى: أن المرأة لا تختلف في الحكم فتكون أكثر أو أنقص؛ لأن الأحكام للرجال والنساء سواء، فإذا جاء شيء يخص الرجال خص الرجال، وإذا جاء شيء يخص النساء خص النساء، وأما حيث لا يأتي ما يدل على التخصيص فإن الحكم لا فرق فيه بين الرجال والنساء.

    إذاً: فذكر الرجل في الترجمة لا مفهوم له، وإنما جرى على الغالب من أن الذكر يكون للرجال، وقد جاءت الأحاديث على هذا المنوال؛ يذكر الرجل فقط والأحكام لا تخص الرجال، وإنما هي للرجال والنساء، مثل الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، فكذلك المرأة داخلة في هذا الحديث، فإذا كانت امرأة تصوم صوماً فلتصمه؛ لأن القضية ليست خاصة بالرجال، فذكر الرجل لا مفهوم له، فأحياناً يأتي ذكر الرجال ليس للتخصيص؛ وإنما لكون ذكرهم يأتي في الغالب، ولكون الخطاب معهم.

    وقد أورد النسائي تحته حديث أم عمارة الأنصارية بنت كعب -ويقال: إن اسمها نسيبة -: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأوتي بماءٍ في إناءٍ قدر ثلثي مدٍ)، والحديث الأول فيه ذكر المكوك؛ والمكوك هو المد، وهنا مقدار ثلثي المد، والرسول صلى الله عليه وسلم الغالب عليه أنه كان يتوضأ بالمد، ولكن قد ينقص عنه -كما جاء في هذا الحديث- وقد يزيد.

    وفي الاغتسال كان يغتسل في الصاع، وقد يزيد كما جاء في حديث الخمسة الأمداد؛ لأن الخمسة هي صاع ومد؛ لأن الصاع أربعة أمداد، فخمسة: صاع ومد، يعني: وضوءه واغتساله هو في هذه الحدود، وقد يزيد قليلاً، وقد ينقص قليلاً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    محمد بن بشار لقبه بندار، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وذكرت أن محمد بن بشار أحد رجال الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنه مباشرةً، ويشابهه ويماثله شخصان سبق أن ذكرتهما فيما مضى، وهما من رجال أصحاب الكتب الستة، بل هما من شيوخ أصحاب الكتب الستة، ومات الثلاثة في سنة واحدة؛ وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، وكلٌ منهم شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، وهم: محمد بن مثنى الملقب بـالزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهذان مع محمد بن بشار ماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهم من صغار شيوخ البخاري. وذكرت فيما مضى: أن محمد بن مثنى قد وافق محمد بن بشار بأنه ولد معه في سنةٍ واحدة، ومات معه في سنةٍ واحدة، ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة أحدهما أنه قال: وكانا كفرسي رهان؛ أي: ما كان أحد يسبق الثاني، فالولادة واحدة، والوفاة واحدة، ولهما نفس الشيوخ والتلاميذ.

    و محمد بن بشار من الثقات, ولقبه بندار.

    [عن محمد].

    محمد هنا غير منسوب، وقال عقبه: حدثنا محمد ثم ذكر كلمةً معناها، لا أدري ماذا يريد بهذه الكلمة؟ ومن المعلوم أن الذي يذكر ليس محمد المروي عنه الذي لم ينسب؛ لأن محمداً هو الذي قال: حدثنا محمد، يعني: ابن جعفر، فهو ليس الذي ذكر هذا، وإنما الذي ذكر قبله، إما أن يكون محمد بن بشار هو الذي ذكر هذه الكلمة، والنسائي هو الذي قال: ثم ذكر كلمة معناها؛ لأن الذي قال: حدثنا محمد هو محمد بن بشار، ثم ذكر أيضاً محمد بن بشار كلمةً معناها، ما فهمت هذه الكلمة التي قال: كلمة معناها، فلا أدري ماذا يريد بها؟ هل محمد بن بشار ذكر كلمةً أخرى وراء محمد، فقال: غندر أو قال: ابن جعفر، أو قال كلمةً أخرى؟

    وأبو داود ذكر محمد بن جعفر, فقال: حدثنا محمد بن جعفر، يعني: سماه ونسبه هناك، وأما النسائي فهو في السنن الكبرى قال مثل ما قال هنا، يعني: قال: ثم ذكر كلمةً معناها، بهذا اللفظ.

    إذاً: فـمحمد المذكور هنا هو ابن جعفر الذي هو غندر، وهو معروف بالرواية عن شعبة، وأيضاً محمد بن بشار كثير الرواية عن محمد بن جعفر، وكثيراً ما يأتي إذا جاء ذكر محمد غير منسوب, والراوي محمد بن بشار، فالمقصود به: محمد بن جعفر الذي هو غندر، وهذه الكلمة التي جاءت هنا لا أفهم لها معنى، ما أدري ماذا يراد بها؟ لا أدري هل هذا وضعها، أو أن فيها تصحيف، أو فيها زيادة ونقصان؟

    [حدثنا محمد].

    هو غندر، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات، ومن رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة ].

    هو ابن الحجاج وقد مر ذكره، وهو الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.

    [عن حبيب ].

    حبيب هو ابن زيد الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    [سمعت عباد بن تميم].

    هو عباد بن تميم بن غزية الأنصاري، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب.

    [عن أم عمارة بنت كعب الأنصارية].

    هي: أم عمارة بنت كعب الأنصارية ، ويقال: اسمها نسيبة، وهي صحابية، وهي تروي هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد خرج حديثها أصحاب السنن الأربعة.

    هنا يقول: سمعت عباد بن تميم يحدث عن جدتي، وفي سنن النسائي الكبرى: عباد بن تميم يحدث عن جدته، وفي سنن أبي داود : عباد بن تميم يحدث عن جدته، وهي جدة لهما جميعاً، فكل منهما صحيح، فما جاء فيه جدتي فالمتكلم هو حبيب بن زيد ، وهي جدة حبيب بن زيد، وما جاء فيه ضمير الغائب إذا قال حبيب بن زيد: عن تميم عن جدته، فالضمير يرجع إلى تميم فهي أم تميم والد عباد.

    وهي أم عبد الله بن زيد بن عاصم راوي حديث الوضوء، وهو أخوه لأمه؛ لأن عبد الله بن زيد بن عاصم أخو تميم بن غزية من أمه، فهي جدة لـعباد؛ لأنها أم لـتميم والده، وهي أيضاً جدة لـحبيب بن زيد . وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال: أنها والدة حبيب بن زيد الأكبر، وجدة حبيب بن زيد الأصغر، وقال: إنه روى عنها، يعني: حفيدها عباد بن تميم، وروى حبيب بن زيد عن مولاة جدته أم عمارة، يعني: فهي جدةٌ للاثنين، فما جاء في بعض الأسانيد من ذكر جدتي، والضمير يرجع إلى المتكلم وهو حبيب بن زيد صحيح، وما جاء من ضمير الغيبة والضمير يرجع إلى عباد بن تميم فهو صحيح أيضاً.

    ففي سنن النسائي الكبرى, وفي سنن أبي داود: عباد يحدث عن جدته، وفي السنن الصغرى عندنا: يقول حبيب بن زيد عن عباد بن تميم: سمعته يحدث عن جدتي، فكل من الضميرين صحيح؛ لأنها جدة للجميع، جدة لهذا، وجدة لهذا.

    [قال شعبة: (فأحفظ أنه غسل ذراعيه)].

    يعني أنه روى عن حبيب بن زيد أنه غسل ذراعيه ودلكهما، وأنه مسح باطن أذنيه, ولم أحفظ أنه مسح ظاهرهما، يعني: أنه ما حفظ في روايته عن حبيب بن زيد، (أنه مسح ظاهرهما)، لكن قد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن المسح للأذنين يكون لباطنهما ولظاهرهما؛ فتكون السبابة في داخل الأذن في باطنها، والإبهام تمسح ظاهرها، فالسبابة تمسح داخل الأذن، والإبهام تمسح ظاهر الأذن، وقد جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فالذي ذكر شعبة أنه لم يحفظه في هذا الحديث هو ثابتٌ في بعض الأحاديث الأخرى.

    1.   

    النية في الوضوء

    شرح حديث: ( إنما الأعمال بالنية...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النية في الوضوء.

    أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم حدثني مالك، ح وأخبرنا سليمان بن منصور أنبأنا عبد الله بن المبارك -واللفظ له- عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب: النية في الوضوء، ويريد بهذه الترجمة أن الأعمال لا بد فيها من النيات، وأنها تكون معتبرةً بالنيات، وقد أورد تحت هذه الترجمة حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    وهذا الحديث حديث عظيم، يدل على أن الأعمال تعتبر بنياتها، وأن الإنسان يحصل الأجر والثواب على حسب النية التي ينويها بالتقرب إلى الله عز وجل. والوضوء هو من الأعمال التي تدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنية)، وفي بعض الروايات: (بالنيات)، ولا تنافي بين النية والنيات؛ لأن النية بالإفراد يراد بها جنس النيات، وعلى هذا تتفق مع لفظ الجمع في رواية: (إنما الأعمال بالنيات).

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لامرئ ما نوى)، يعني: أنه يحصل الأجر والثواب، ويحصل الجزاء على حسب نيته، فالجملة الأولى: تدل على أن الأعمال إنما تعتبر بنياتها، والجملة الثانية تدل على ما يترتب عليها من الجزاء، وأن لكلٍ من الجزاء والثواب ما نواه، وأن جزاءه على نيته، وثوابه على نيته.

    ثم أيضاً من المعلوم أن الأعمال منها ما يكون عبادةً وقربةً في أصله؛ كالوضوء, والصلاة وغيرها، ومنها ما يحصل الأجر فيه والثواب إذا حصلت النية فيه؛ كالأكل, والشرب, والإنفاق على الأولاد، فهذه أمور يقوم بها الإنسان، منها ما هو لازمٌ لنفسه، ومنها ما هو لازمٌ لمن يعول، ولكنه يثاب على ذلك إذا نوى، وإذا احتسب الأجر والثواب عند الله، وأما إذا لم يفكر ولم يدر في خلده التقرب إلى الله عز وجل بهذا العمل، فإنه لا يحصل من ورائه شيئاً، وإنما يحصل الثواب والجزاء على العمل الذي هو مباح أو واجب، كالإنفاق على الأولاد، وكالأكل والشرب، فإذا نوى القربة ونوى التقرب إلى الله عز وجل، فإن الله تعالى يأجره على ذلك.

    ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب أمثلة ونماذج متفرعة عن هذه القاعدة -التي هي قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى)- فقال عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله)، تقابل: (إنما الأعمال بالنيات)، وقوله: (فهجرته إلى الله ورسوله)، تقابل (وإنما لامرئ ما نوى).

    فقوله: ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله )، يعني: أن عنده قصداً حسناً، وعنده نية طيبة، (فهجرته إلى الله ورسوله) يقابل قوله: (وإنما لامرئ ما نوى)، يعني: فيحصل الأجر والثواب لنيته, وعلى تقربه إلى الله عز وجل، فالجملة مكونة من شرط وجزاء، والشرط يرجع للجملة الأولى التي هي النية، والجزاء يرجع للجملة الثانية التي هي حصول الثواب على الأعمال، أو ترتب الثواب على الأعمال.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)، اتحد الشرط والجواب، والأصل التغاير بينهما، فهنا حصل الاتحاد، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)، وإنما يتضح الفرق بينهما والمغايرة بينهما بالتعلق، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصداً، فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وجزاءً، فإذاً كل من الاثنين له متعلق وله تعلق، وبه يحصل التغاير، يعني: فليس الشرط والجزاء متحدين تماماً، ولكن بينهما فرق.

    ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً ومثالاً فيما كان فيه القصد حسناً، والثواب على ذلك طيباً وعظيماً, ذكر مثالاً آخر يتعلق بغير ذلك, فقال: (ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو لامرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يعني: من كان قصده الدنيا, فإنه يحصل الدنيا التي أرادها إن شاء الله عز وجل أن يحصلها، ولكن ليس هناك ثواب، ولا هناك أجر؛ لأن النية إنما كانت للدنيا ولم تكن للآخرة؛ لأنه لم يهاجر ابتغاء وجه الله عز وجل، ولنصرة دين الله عز وجل، وإنما هاجر لحظٍ دنيوي، ولرغبةٍ دنيوية، فنصيبه وتعلقه إنما هو في الدنيا.

    إذاً: هذا الحديث حديث عظيم، ابتدأ به البخاري صحيحه، فهو أول حديث في صحيح البخاري، وإنما ابتدأ به؛ لأن كل عمل إنما هو معتبر بالنية، فلكونه مشتمل على هذه القاعدة وعلى هذا الأساس افتتح به الإمام البخاري صحيحه، وجعله أول حديث في صحيحه، وتبعه على ذلك بعض العلماء، والنووي لما جمع أربعين حديثاً من جوامع الكلم، جعل أول حديث في الأربعين, أول حديث في صحيح البخاري، وجعل ثاني حديث في الأربعين أول حديث في صحيح مسلم الذي هو حديث عمر: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر...)، وهو جبريل.

    ثم إن إسناد هذا الحديث، يقول فيه النسائي: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم حدثني مالك، ثم قال: ح، وأخبرنا سليمان بن منصور أنبأنا عبد الله بن المبارك واللفظ له، ثم اتحدت الطرق الثلاث عند يحيى بن سعيد الأنصاري، واتحدت إلى عمر.

    فإذاً: الحديث جاء من عند النسائي بثلاث طرق، كلها تتلاقى عند يحيى بن سعيد الأنصاري، الطريق الأولى: يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد، والطريقة الثانية: الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك، والطريق الثالثة: سليمان بن منصور عن عبد الله بن المبارك، ثم الثلاثة: حماد ومالك وعبد الله بن المبارك كلهم يروون عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهذه الطرق الثلاث منها طريقان عاليتان الأولى والثالثة، والطريق الثانية نازلة؛ لأن الطريق الأولى والثالثة بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري اثنان، والطريقة الثانية الوسطى بين النسائي ويحيى بن سعيد الأنصاري ثلاث وسائط، الذين هم: الحارث بن مسكين، وابن القاسم، ومالك، فهي ثلاث طرق؛ طريقان عاليتان ليس بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري فيهما إلا اثنان، وطريقٌ نازلة بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري ثلاث وسائط.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إنما الأعمال بالنية...)

    قوله: [ أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي ].

    هو بصري، ثقةٌ، خرج حديثه مسلم, وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري شيئاً.

    [ عن حماد ].

    هنا حماد غير منسوب، وهو يحتمل: حماد بن زيد وحماد بن سلمة، لكن هو حماد بن زيد؛ لأنه جاء في السنن الكبرى للنسائي تسميته، وأنه حماد بن زيد، ثم أيضاً في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي أنه روى عن حماد بن زيد وما روى عن حماد بن سلمة، ولم يُذكر في مشايخه حماد بن سلمة، وبمثل هذه الطريقة يتضح معرفة الاثنين اللذين يحتمل أن يكون هذا أو هذا؛ بمعرفة الطرق الأخرى، أو قد يصرح به في بعض الطرق كما هنا.

    الطريقة الثانية: الحارث بن مسكين، وهنا قال: والحارث بن مسكين، ولم يقل: أخبرنا ولا أخبرني، وقد ذكرت سابقاً أن الحارث بن مسكين منع النسائي أن يروي عنه, فكان يأتي ويختفي من وراء الستار ويسمع, ثم يروي، ولكنه ما يقول: أخبرني؛ لأنه ما أراده في التحديث، فيقول: والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، ولا يقول: أخبرني؛ لأنه ما قصده بالتحديث، بل منعه من أن يأخذ عنه، فكان يأخذ عنه خفيةً، ومن وراء الستار يسمع. وقد جاء في بعض الطرق كما مر بنا في النسائي أنه يقول: أخبرنا، إذاً: فقد قصده بالسماع، فيحتمل أن يكون أذن له فيما بعد، فصار يقول: أخبرني، فالحالات التي كان سمع فيها وهو ممنوع، وإنما سمع من وراء الستار دون أن يعلم الحارث بن مسكين ما يقول فيها: أخبرني، والحالات التي يكون حصل له إذن فيها يقول: أخبرني الحارث بن مسكين.

    و حماد بن زيد الذي ذكرته في الإسناد في الطريق الأولى هو من الثقات, الأثبات، ومن رجال الجماعة كما عرفنا ذلك فيما مضى.

    وأما الحارث بن مسكين فقد عرفنا أنه ثقةٌ، وأنه خرج حديثه أبو داود, والنسائي.

    [ عن ابن القاسم ].

    هو عبد الرحمن كما سبق أن عرفنا ذلك، وهو صاحب الإمام مالك الفقيه المشهور، الذي عُني بجمع مسائل الإمام مالك الفقهية، وكذلك روى الحديث عنه -كما هنا- وكما مر بنا في طرق متعددة يروي فيها عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك الأحاديث، فهو معنيٌ بجمع فقه الإمام مالك، وهو أيضاً يروي الأحاديث عن الإمام مالك، وهو ثقة, روى له البخاري، وروى له النسائي، وأبو داود في كتاب المراسيل, كما سبق أن عرفنا ذلك.

    [ حدثني مالك ].

    الإمام مالك هو إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، الإمام المشهور، المحدث, الفقيه، الذي هو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، والذي له أصحاب عنوا بفقهه، فصار فقهه مدوناً بعناية أصحابه بذلك، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو أحد الأفراد الذين قال عنهم البخاري: إن إسنادهما أصح الأسانيد؛ وهو مالك عن نافع عن ابن عمر.

    فهذا هو الطريق الثاني، وفيه ثلاثة، فالطريق الأول فيه اثنان، والطريق الثالث ففيه اثنان كذلك.

    [أخبرنا سليمان بن منصور ].

    هو البلخي، وهو ثقةٌ, لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي، فهو شيخٌ للنسائي، ولم يرو عنه الباقون، وهو من الثقات، وهو سليمان بن منصور البلخي، ويلقب بـزرغندة.

    [ أنبأنا عبد الله بن المبارك ].

    هو عبد الله بن المبارك المروزي، الإمام, المشهور, المحدث، الذي ذكره في التقريب الحافظ ابن حجر فقال: ثقة، حافظ، حجة، مجاهد، جواد، جمعت فيه خصال الخير.

    والنسائي لما ذكر الطرق الثلاث إلى حماد بن زيد، وإلى مالك، وإلى عبد الله بن المبارك قال: واللفظ له، يعني: اللفظ لـعبد الله بن المبارك، فليس هذا لفظ مالك ولا لفظ حماد بن زيد، وإنما هو لفظ عبد الله بن المبارك، فذكر ثلاثةً من الرواة، وعين من له اللفظ منهم، يعني: لفظ الحديث الموجود هو لفظ عبد الله بن المبارك؛ ومعناه: أن لفظ مالك ولفظ حماد بن زيد ليس بهذا اللفظ الموجود، بل يختلف عنه شيئاً ما، وأما اللفظ المزبور الموجود, فهو لفظ عبد الله بن المبارك، وهنا تلتقي الطرق الثلاث، وتتحد عند يحيى بن سعيد الأنصاري، لأنها ثلاث طرق من النسائي: طريقٌ فيها شخصان، ثم طريق فيها ثلاثة، ثم طريق فيها اثنان، ثم تلتقي عند يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم تتحد في طريق واحد.

    [ عن يحيى بن سعيد ].

    هو يحيى بن سعيد الأنصاري, المدني، سبق أن مر بنا ذكره، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن إبراهيم ].

    هو محمد بن إبراهيم التيمي, المدني، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.

    [ عن علقمة بن وقاص ].

    هو علقمة بن وقاص الليثي، وهو أيضاً ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    ترجمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    قوله: [ عن عمر بن الخطاب ].

    هذا أول حديث يأتي لـعمر رضي الله عنه، وعمر أمير المؤمنين، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين؛ لأن أبا بكر يسمى خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما ولي عمر وكان خليفة لـأبي بكر، ولو أضيف إلى أبي بكر لطالت الإضافات، فيقال: خليفة خليفة رسول الله، فأطلق عليه أمير المؤمنين، فهو أول من سمي بأمير المؤمنين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وأفضل من وطأ على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين وبعد أبي بكر، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه المناقب الكثيرة، وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رأى له قصراً في الجنة، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: (ما سلكت فجاً -يخاطب عمر- إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، يعني: أن عمر بن الخطاب لا يجتمع هو والشيطان في طريق، فإما عمر وإما الشيطان، فإذا سلك عمر طريقاً هرب منه الشيطان.

    فهو صاحب المناقب الكثيرة، وقد تولى الخلافة بعد أبي بكر، ومكث بها عشر سنوات وأشهراً، وفي عهده فتحت الفتوح، وقضي على الدولتين العظميين في ذلك الوقت؛ دولة فارس والروم، وأخذت كنوز كسرى وقيصر، وأحضرت إلى عمر في المدينة، وقسمها رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتحقق على يديه ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن كنوز كسرى وقيصر ستنفق في سبيل الله)، فقد أنفقت في سبيل الله على يد الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأحاديثه خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على عشرة، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر حديثاً.

    ومن الملاحظ الذي يلبس به بعض المخذولين، يقولون: كيف يكون أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي أحاديثهم قليلة، وأبو هريرة أحاديثه كثيرة، مع أن هؤلاء أسلموا في أول من أسلم، وأبو هريرة ما أسلم إلا في السنة السابعة عام خيبر، ومع ذلك تكون أحاديثه بالآلاف، وهؤلاء أحاديثهم بالمئات؟! فبعض المخذولين المرذولين يلبس ويشوش على من لا يفهم من أهل السنة بمثل هذا الكلام، ومن المعلوم أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه حصل له أمور جعلته يكثر حديثه منها:

    أولاً: كونه ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر بذلك.

    وثانياً: كون الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له دعوة ما نسي شيئاً بعدها.

    ثالثاً: كونه عمِّر وعاش بعد الخلفاء الراشدين مدةً طويلة.

    رابعاً: أنه كان موجوداً في المدينة والناس يوفدون ويردون على المدينة، فيأخذ ويعطي، فكثر حديثه.

    وأما الخلفاء الراشدون: أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين وأشهراً، وكان مشغولاً بقتال المرتدين، وعمر رضي الله عنه تولى الخلافة ومكث بها عشر سنوات وأشهراً، وكان مشغولاً بالخلافة، وأما أبو هريرة فكان متفرغاً، ما عنده إلا الأخذ والإعطاء في الحديث، ثم كان مقيماً في المدينة، والمدينة يفد لها الناس صادرين وواردين، فيأخذون ما عنده ويعطونه ما عندهم، فكثر حديثه، وصار أن ما وجد عنه من الكثرة لا مجال فيها لتلبيس الملبسين، ودجل الدجالين، وما يحوكه المغرضون الذين يريدون أن يشوشوا على بعض أهل السنة، وعلى بعض الناس في الطعن في أبي هريرة ورواية أبي هريرة، وما إلى ذلك مما يريدونه من السوء، من القصد السيئ.

    غرابة سند حديث: (إنما الأعمال بالنيات)

    هذا الحديث هو من الأحاديث الغريبة التي هي من غرائب الصحيح؛ يعني: ما جاءت إلا من طريق واحد؛ لأن هذا الحديث -(إنما الأعمال بالنيات)- ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمر رضي الله عنه، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم كثر رواته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وفي الإسناد الذي معنا ثلاثة رووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري : حماد بن زيد، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ورواه جمع كثير انتشر واتسع بعد يحيى بن سعيد الأنصاري، فهو حديث غريب من غرائب الصحيح، ومن المعلوم أن الصحيح لا يشترط فيه تعدد الطرق، فيكفي الطريق الواحدة إذا كان رجالها ثقات, وكان متصلاً، فإنه يكفي في الصحة.

    فأول حديث في صحيح البخاري حديث ما جاء إلا من طريق واحدة، وآخر حديث في البخاري كذلك؛ وهو حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فهذا حديث غريب فرد من غرائب الصحيح، ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو هريرة، ولم يروه عن أبي هريرة إلا أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، ولم يروه عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير إلا عمارة بن القعقاع، ولم يروه عن عمارة بن القعقاع إلا محمد بن فضيل، ثم كثر رواته عن محمد بن فضيل بن غزوان.

    والغريب والفرد هو: الذي جاء من طريق واحد؛ لأن الأحاديث أو أقسام الأحاديث عند المحدثين أربعة أقسام: غريب، وعزيز، ومشهور، ومتواتر، فالغريب: ما جاء من طريق واحدة، ويقال: له فرد. والعزيز: ما جاء من طريقين؛ يعني: يجيء عن صحابيين، ثم هكذا يتسلسل عن اثنين. والمشهور: ما جاء عن ثلاثة فأكثر ولم يصل إلى حد التواتر. والمتواتر: ما رواه جمعٌ كثير تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستندهم الحس. إذاً: الغريب هو: ما جاء من طريق واحد، فإذا كان رجاله ثقات وهو متصل؛ فإنه يكون صحيحاً كما في هذا الحديث الذي هو فاتحة صحيح البخاري ، وحديث أبي هريرة الذي هو خاتمة صحيح البخاري.

    ويكون عزيزاً إذا كان فيه صحابيان، ومشهوراً إذا كان فيه ثلاثة صحابة، وهكذا، ولكن ليس لازماً أن يتصل إلى المخرج هكذا، يعني: مثل ما هو موجود عندنا، ليس هو فرداً إلى النسائي، وإنما هو فرد إلى يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم اتسع بعد ذلك.