إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد المحسن العباد
  3. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة- (باب وضوء الرجال والنساء جميعًا) إلى (باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء)

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة- (باب وضوء الرجال والنساء جميعًا) إلى (باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أجاز الشرع استعمال الماء الفاضل عن المرأة بعد اغتسالها من الجنابة بالنسبة للرجل أو العكس، هذ وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام المقدار الكافي من الماء الذي يتوضأ به وهو المد والذي يُقدر بملء كفي الرجل المتوسط.

    1.   

    وضوء الرجال والنساء جميعاً

    شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله جميعاً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وضوء الرجال والنساء جميعاً.

    أخبرني هارون بن عبد الله، حدثنا معن، حدثنا مالك (ح) وحدثنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع ، عن ابن القاسم حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب وضوء الرجال والنساء جميعاً، يعني: مجتمعين، يجتمع الرجل والمرأة في الوضوء من إناء واحد، هذا يغترف وهذا يغترف من الإناء، فهذا هو المقصود بالترجمة، و(جميعاً) هي حال، والمراد بها: أنهم يتوضئون مجتمعين، يعني: حال كونهم مجتمعين.

    ثم أورد النسائي حديث: عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)، يعني: مجتمعين، فهي حال من الواو في: (يتوضئون) وليس للتأكيد وإنما هي للحال، يعني: يتوضئون مجتمعين، أي: لا يكون توضؤهم كل واحد على حدة، بل يحصل منهم الاجتماع.

    وقوله: (كان الرجال والنساء يتوضئون)، كان واسمها وخبرها، الرجال والنساء اسم ويتوضئون خبر، ثم: (جميعاً) حال، كان الرجال والنساء يتوضئون مجتمعين، يعني: في حال اجتماعهم، والمقصود من ذلك: أن هؤلاء الذين يتوضئون مجتمعين هم المحارم، فالرجل مع زوجته، أو الأخ مع أخته أو مع أمه أو ما إلى ذلك، ليس المقصود أن جنس الرجال مع جنس النساء ولو كان بعضهم أجانب عن بعض، وإنما إذا كان بعضهم محارم لبعض، ومن العلماء من قال: يحتمل أن يكون هذا قبل فرض الحجاب، وأنهم رجال ونساء ليس بعضهم محرماً لبعض، ويكون هذا قبل الحجاب، لكن الأظهر والأقرب أن المقصود بهم المحارم، وأن هذا في جميع الأحوال؛ لأنه إذا قيل: قبل الحجاب، يعني أنهم يتركون ذلك بعد الحجاب، ولكن المقصود من ذلك: أن المحارم يتوضأ بعضهم مع بعض، الرجل مع زوجته، والأخ مع أخته، والرجل مع بنته أو مع أمه أو ما إلى ذلك، أي: يكون في حق المحارم وليس في حق الأجانب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله جميعاً)

    قوله: [ أخبرني هارون بن عبد الله ].

    (أخبرني) سبق أن ذكرت أن الفرق بينها وبين (أخبرنا): أن (أخبرني) يستعملها الراوي إذا كان سمع وحده من شيخه، أو أخذ وحده عن شيخه، تحمل وحده سواءً كان عن طريق السماع أو القراءة، فيقول: حدثني أو أخبرني، معناه أنه ليس معه أحد عندما حدثه شيخه. أما: حدثنا وأخبرنا, فإنهم يستعملونها فيما إذا كان الرجل تحمل ومعه غيره؛ بأن يكون الشيخ لم يحدث شخصاً واحداً، وإنما حدث جماعةً من الطلاب أخذوا عنه في وقت واحد، وكل واحد منهما يعبر فيقول: حدثنا أو أخبرنا، يعني: هو وغيره، هذا هو الفرق بينهما في اصطلاح المحدثين.

    [حدثني مالك ].

    فـالنسائي له طريقان في هذا الحديث: طريق يرويها عن هارون بن عبد الله عن معن بن عيسى عن مالك ، والطريق الثانية: عن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك ، معناه أن الطريقين يلتقيان عند مالك وهذا هو أول موضع يستعمل فيه النسائي التحويل، يعني: يأتي (ح) وحدثنا، أو (ح) وأخبرنا، أو (ح) وفلان في المواضع الكثيرة التي مضت، والأحاديث العديدة التي مضت كلها ليس فيها تحويل؛ والسبب أن النسائي لا يستعمل التحويل كثيراً, وهو نفس السبب الذي كان عند البخاري؛ لأن البخاري كان يأتي بالأحاديث من طرق مختلفة على الأبواب ليستدل به على موضوعات، فلا يحتاج إلى التحويل، لكن يحتاج إلى التحويل من يجمع الطرق في مكان واحد، كما يفعل الإمام مسلم ، أما البخاري فكان لا يحتاج إلى التحويل؛ لأنه يأتي بالحديث في سبعة مواضع أو في ثمانية مواضع، وكل موضع يأتي بطريق غير الطريق الأولى، فلا يحتاج إلى أن يستعمل التحويل، ولكنه استعمله قليلاً ومثله النسائي، لما كان من النسائي في طريقته أنه يستعمل التراجم كثيراً، وكثيراً من المواضع لا يأتي في الباب إلا حديثاً واحداً، ولهذا فإن أرقام الأبواب ليست بعيدةً عن أرقام الأحاديث، فبينهما شيء من التقارب بكثرة الأبواب، فمن أجل ذلك لا يحتاج إلى التحويل ولا يستعمل التحويل، وإنما يستعمله قليلاً، وهنا بدأ لأول مرة في كتابه السنن يستعمل التحويل.

    والمقصود من التحويل هو: الإتيان بكلمة (ح) والمقصود منها: الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنها لو لم تأت الـ (ح) لكانت الواو التي بعدها تعطف على الذي قبلها، ومعلوم أن الذي قبلها متقدم على الذي بعدها، فالذي قبلها مالك ، والذي بعدها الحارث بن مسكين ، فلو لم يأت هذا التحويل لظن أن الإمام مالك يروي عن الحارث بن مسكين ، والحارث بن مسكين متأخر عن الإمام مالك، فيروي عن الإمام مالك بواسطة، ولا يروي عنه مباشرة.

    إذاً استعمال التحويل فائدته هي الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد، يعني: أن الشيخ بعدما يذكر مسافة من الطريق، يرجع ويأتي بطريق آخر، ثم الطريقان يلتقيان عند مكان واحد، ثم ينطلقان بطريق واحد، فهنا الآن إسنادان: هارون عن معن ، والحارث بن مسكين عن ابن القاسم ، ومعن وابن القاسم يرويان عن مالك ، ثم تتحد الطريق: مالك عن نافع عن ابن عمر.

    إذاً هذه هي فائدة التحويل، فلو لم تأت (ح) التحويل هذه لالتبس أو لظن القلب، أو التقدم والتأخر فيكون المتأخر متقدماً والمتقدم متأخراً، وتكون الأسماء متداخلة بعضها مع بعض، أما الإتيان بهذه الـ (ح) فإنها تفصل وتميز، وتدل على أن المؤلف أو أن المحدث وقف في إسناده الأول ورجع لينشئ إسناداً جديداً يتلاقى مع إسناده الأول، ثم يتحدان بعد ذلك إلى أن يصل السند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحياناً يأتي التحويل ويستمر الإسناد، ثم يأتي بإسنادٍ آخر يكمله إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    [ هارون بن عبد الله ].

    أما هارون بن عبد الله فقد سبق أن مر ذكره مراراً , وهو هارون بن عبد الله البغدادي أبو موسى, الملقب بـالحمال، وهو من رجال مسلم والسنن الأربعة، وهو ثقة.

    [ عن معن ].

    وهو ابن عيسى الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو من أصحاب مالك ، بل قال أبو حاتم الرازي : إنه أثبت أصحاب مالك ، وسبق أن مر بنا في زياد بن سعد أنه أثبت أصحاب الزهري ، كما قال ابن عيينة: أنه أثبت أصحاب الزهري ، فـمعن بن عيسى هذا هو أثبت أصحاب مالك , ومعن بن عيسى هذا من الثقات الحفاظ، وهو من رجال الجماعة.

    أما الطريق الثاني: فهي الحارث بن مسكين ، وهنا ما قال: أخبرني الحارث بن مسكين ، وسبق أن مر في بعض الطرق أنه قال: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وجميع ما جاء عن الرواية عن الحارث بن مسكين يقول: قراءةً عليه وأنا أسمع، وأحياناً يأتي: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وأحياناً يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وقيل في تفريق النسائي بين هاتين الحالتين: أن الحارث بن مسكين كان قد منع النسائي من الرواية عنه، فكان يأتي ويختفي في مكان لا يراه النسائي، بحيث إذا حدث النسائي أو قرأ على النسائي أحد يسمع، فأحياناً يقول: أخبرني، وأحياناً يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، لا يقول: أخبرني لأنه منعه من أنه يروي عنه، فهو لا يعبر بـ(أخبرني)؛ لأنه منعه من الرواية عنه، ولأنه لو قال: أخبرني لكان معناه أنه يحدثه، فقالوا في الفرق بينهما: أنه لعله منعه أولاً ثم أذن له بعد ذلك، فكان يروي أحياناً بأخبرني حيث كان مأذوناً له، وأحياناً لا يعبر بـ(أخبرني) حيث سمع قراءةً عليه وهو يسمع وهو غير مأذون له، فهو لا يقول: أخبرني؛ لأن الحارث بن مسكين ما أراد أن يحدثه، بل منعه أن يأخذ عنه، فكان يأخذ عنه خفيةً من وراء ستار، فيسمع القارئ يقرأ عليه، ثم هو يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، ما يقول: أخبرني، وفي المواضع التي مرت يقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، هذا هو الفرق بين الحالين اللتين حصلتا للرواية عن الحارث بن مسكين فإنه أول ما حصل الالتقاء به فإنه منعه.

    [ وحدثنا الحارث بن مسكين ].

    الحارث بن مسكين هو من الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه النسائي وابن ماجه .

    [ عن ابن القاسم ].

    أما ابن القاسم فهو: عبد الرحمن بن القاسم المصري , الفقيه المشهور الذي اعتنى بجمع مسائل الإمام مالك وفقهه، وهو من أصحاب مالك وهو مشهور عند ذكر أقوال الإمام مالك في المسائل الفقهية، وكذلك أيضاً هو يروي عنه الأحاديث كما هو هنا، وقد سبق أن مر بنا, وهو من الثقات، وقد خرج حديثه البخاري والنسائي , وأبو داود في المراسيل، يعني: ما خرج له في السنن، وإنما خرج له في كتابه المراسيل.

    وفي نسخة التقريب كما سبق أن نبهت عليه قال: البصري، والبصري والمصري متقاربتان من حيث الرسم ولهذا يحصل تصحيف بينهما؛ فأحياناً يكون هو المصري, ويقال له: بصري، وأحياناً يقال: هو مصري ويقال له: بصري، وفي نسخة التقريب الطبعة المصرية قال عنه: البصري، وهو ليس بصرياً وإنما هو مصري، ولكن لتقارب اللفظين يحصل التصحيف بينهما، فيطلق على المصري في بعض الأحيان بصرياً تصحيفاً، ويطلق على البصري مصرياً تصحيفاً.

    ثم الطريقان عن: معن بن عيسى وابن القاسم هما طريقان يلتقيان عند الإمام مالك ، ثم يتوحد الطريق بعد ذلك إلى نهايته عن الإمام مالك.

    [ حدثني مالك ].

    الإمام مالك سبق أن مر ذكره مراراً، وهو المحدث الفقيه إمام دار الهجرة، وصاحب المذهب المعروف الذي له أصحاب اعتنوا بجمع حديثه وفقهه، وكتابه الموطأ جمع فيه بين الفقه والحديث، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع ].

    و نافع هو مولى ابن عمر ، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه في الكتب الستة.

    [عن ابن عمر].

    و ابن عمر سبق أن مر ذكره، وأنه أحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد الذي فيه الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر هو الذي يقول فيه البخاري : إنه أصح الأسانيد على الإطلاق، وأما عند غيره فهناك طرق أخرى أو أسانيد أخرى يقال عن كل واحدٍ منها: إنه أصح الأسانيد.

    1.   

    فضل الجنب

    شرح حديث عائشة: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله في الإناء الواحد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل الجنب.

    أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها أخبرته: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد)].

    قال النسائي: باب فضل الجنب، أي: ما يبقى منه من الماء؛ فالفضلة التي تبقى بعد أن يغتسل يقال له: فضل؛ لأن الفضل هو الزائد الذي يزيد على ما يستعمل أو على الحاجة, هذا هو المقصود بالفضل هنا: الزيادة التي تبقى بعد اغتسال الجنب.

    قوله: باب فضل الجنب، يعني: ما يبقى بعد اغتساله فإن حكمه أنه ماءٌ طاهر يجوز ويمكن استعماله، وأن كون الجنب يغترف من إناء ويغتسل من إناء يتناول منه فما يبقى بعده يمكن أن يستعمل؛ لأنه طهور، ولا يقال: إنه ماء مستعمل؛ لأن الماء المستعمل هو: الذي يتساقط من الأعضاء، فهذا هو الذي رفع به الحدث، فلا يرفع بهذا المتساقط حدثاً آخر، أما الإناء الذي يؤخذ منه ويغترف منه ثم يبقي بقية، فهذا شأنه كشأن غيره من المياه، ماء اغترف منه جنب واغتسل وبقي منه بقية في الإناء، فإن لغيره أن يأتي ويغترف منه ويغتسل.

    النسائي أورد في هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كنت أغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد).

    هذا اللفظ مطابقته للترجمة فيها دقة، أو فيها شيء من الخفاء، ووجهها: أنه إذا كان كل واحد منهما يغترف، فمن ينتهي منهما أولاً، فإن الآخر يكون قد استعمل ذلك الفضل الذي بقي من الأول؛ لأنه إذا انتهى واحد منهما معناه: أن الثاني استعمل البقية التي بقيت على اغتسال الأول أو على اغترافه، فهو يدل على الترجمة ويطابقها من هذه الناحية؛ لأن الإنسان عندما يسمع الحديث وعندما يرى الترجمة يقول: ليس هناك تطابق، وليس هناك واحد يستعمل فضل الثاني، لكنه جاءت أحاديث صريحة في هذا في صحيح مسلم : (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يغتسل بفضل ميمونة )، فهذا هو الواضح فيما يطابق الترجمة.

    وأما هذا الحديث فهو يدل على الترجمة من حيث أن من فرغ منهما أولاً فإن الثاني الذي لم يفرغ يكون قد استعمل الفضل، أي: استعمل الزيادة التي بقيت بعد فراغ الجنب الأول الذي فرغ قبل صاحبه، وهذا سائغ كما هو معلوم، وهو أيضاً يدل على ما دلت عليه الترجمة السابقة من كونهم يتوضئون جميعاً الرجال والنساء، لكنه أفرد الحديث بترجمة مستقلة وأتى بفضل الجنب ليستدل به على موضوع آخر غير موضوع اجتماع الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد.

    الترجمة السابقة كانت في الوضوء، أي: كله في رفع الحدث، سواءً اغتسال أو وضوء، كله في رفع الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر، والترجمة السابقة فيها الاشتراك، وهذه الترجمة أيضاً فيها الاشتراك، إلا أن النسائي أتى بالترجمة الثانية ليستدل على موضوع آخر وهو استعمال الفضلة واستعمال البقية، والحديثان يدلان على المرتبتين: قضية اشتراك الرجال والنساء، وقضية استعمال الفضلة، ولكن النسائي أتى بترجمتين, وأتى بالحديثين ليستدل على كل موضوع بحديث مستقل.

    واغتسال الرجال والنساء هذا متفق عليه ومجمع عليه، واغتسال النساء بفضلة الرجال أيضاً حكي الإجماع عليه، أما اغتسال الرجال بفضلة النساء فهذا فيه خلاف بين العلماء، فجمهور العلماء على جوازه، وأن الرجل يغتسل بفضل اغتسال المرأة، فما يبقى بعد اغتسالها فللرجل أن يغتسل به، ومن العلماء من قال: إنه لا يغتسل بفضل المرأة إذا خلت به، فإذا خلت بالماء واستعملته فإنه لا يستعمله، ويستدلون على ذلك بحديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في بعض كتب السنن أنه قال: (نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)، وقد صححه بعض العلماء لكن بعضهم ضعفه، واعتبرت الأحاديث الكثيرة الصحيحة الدالة على الجواز مطلقاً، ومنها الحديث الذي في صحيح مسلم: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بفضل ميمونة ).

    ومن العلماء من قال: إن المقصود بالمنهي عنه إنما هو الماء المستعمل, وهو المتساقط من الأعضاء، وهذا ليس بواضح، أو قيل: إنه للكراهة لا للتحريم، فيكون التفريق بينهما: أن ما جاء من الأحاديث الدالة على الفعل يدل على الجواز، وما جاء من المنع يدل على الكراهة.

    وقول عائشة رضي الله عنها لرسول الله عليه الصلاة والسلام وهما يغتسلان من إناء واحد: (دع لي) معناه: أنها تشترك معه في الاغتسال، وهناك أحاديث كثيرة جاءت في قضية الاشتراك, وقضية اغتسال الرجال بفضل النساء، ومنه الحديث الذي في صحيح مسلم: اغتساله عليه الصلاة والسلام بفضل ميمونة، وهذا واضح الدلالة على ذلك، وكما قلت: بعضهم ضعف الحديث الذي فيه المنع، وبعضهم حمله على الكراهة، وبعضهم حمله على أنه متساقط من أعضائها، وهذا ليس بواضح كونه متساقطاً من أعضائها، يعني: معناه أنها تتوضأ مثلاً لتغتسل في طست, ثم الماء الذي يتساقط يأتي بعدها من يستعمله، هذا ليس واضحاً تفسيره, أو حمله على هذا المعنى، لكن يمكن أن يكون هذا ضعيفاً، وإذا كان صحيحاً فيحمل هذا على الكراهة وهذا على الجواز.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله في الإناء الواحد)

    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد ].

    قتيبة هذا هو: ابن سعيد الذي أكثر عنه النسائي، يعني مر ذكره كثيراً في الأسانيد الماضية يروي عن شيخه قتيبة بن سعيد ، وهو من رجال الكتب الستة كما سبق.

    [حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري، الفقيه المحدث الذي يعتبر فقيه مصر، وإذا ذكر الفقه في مصر يأتي في مقدمة من يذكر بالفقه الليث بن سعد ، وكما ذكرت لكم فيما مضى فقد أفرد الحافظ ابن حجر ترجمته في رسالة، وبين كثيراً من مناقبه وفضائله وفقهه، وحديثه في رسالة مستقلة اسمها: الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية، وهي موجودة ومطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، وأذكر أنه قال: أنه لا يعلم مسألة شذ فيها أو قال قولاً يخالف غيره فيها، إلا في مسألة واحدة وهي: ميتة الجراد، فكان يقول بحرمتها.

    [عن ابن شهاب ].

    هو الزهري الذي ذكرت فيما مضى أنه يأتي بصيغتين: بصيغة ابن شهاب ، وبصيغة الزهري ، هكذا يأتي ذكره في الأسانيد؛ لأنه اشتهر بنسبته إلى جده زهرة ، وبنسبته إلى جدٍ من أجداده اسمه شهاب ، وسبق أن ذكرت لكم نسبه وأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وزهرة أخو قصي بن كلاب جد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيلتقي نسب الزهري مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في جد الرسول صلى الله عليه وسلم كلاب الذي هو أبو قصي وأبو زهرة.

    وهو ينسب إلى زهرة بن كلاب, فيقال له: الزهري نسبةً إلى جده زهرة الذي هو أخو قصي بن كلاب.

    وأما شهاب فهو كما ترون جد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ، يعني جد جده؛ لأن جده الأول: عبيد الله ، وجده الثاني: عبد الله ، وجده الثالث: شهاب ، فهو جد جده، وهذا معناه أنه ينسب إلى واحدٍ من أجداده الذي هو جد جده؛ لأنه اشتهر بهذين الوصفين.

    وهو من الحفاظ الثقات، وممن خرج حديثه الجماعة، وقد ذكرت لكم فيما مضى أنه هو أول من قام بجمع السنة وجمع الحديث بتكليفٍ من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله بصفة رسمية، وإلا فإن جمعه بصفة فردية موجود من قبل؛ لأن بعض الصحابة كان يكتب وكان يجمع، وكذلك غيرهم كان يكتب لنفسه، لكن كونه يجمع بتكليف من الدولة وبتكليف من الخليفة فإن هذا لم يحصل إلا في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وكان الذي كلف بهذا هو الزهري ، ولهذا يقول السيوطي في الألفية:

    أول جامع الحديث والأثر ابن شهابٍ آمر له عمر

    [عن عروة ].

    هو ابن الزبير بن العوام ، وهو من الثقات الحفاظ الأثبات، وهو من رجال الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين والذين يرجع الناس إلى فقههم وإلى علمهم، وهم جمعوا بين الفقه والحديث، فهم محدثون فقهاء، ويقال لهم: الفقهاء السبعة، وفي المسائل التي يتفقون عليها يقولون: قال بها الفقهاء السبعة، فيأتي في بعض المسائل التي يطلق عليهم فيها فيقول: قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وأن ابن القيم ذكرهم في أول إعلام الموقعين؛ لأن كتاب ابن القيم إعلام الموقعين بدأه بذكر فقهاء الأمصار والذين يرجع إليهم في الفتوى، والذين هم يوقعون, يعني: يخبرون بحكم الله عز وجل؛ لأن اسم الكتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين، فهو إعلام وليس أعلام؛ لأنه ليس كتاب تراجم، وإنما هو إخبار من العلماء عن شرع الله عز وجل وعن أحكام الشريعة، وذكر في أوله جملةً من المفتين الذين يرجع إليهم في الفتوى، ولما ذكر المدينة وذكر الفقهاء فيها في زمن الصحابة وفي زمن التابعين، ذكر أن ممن اشتهر في المدينة من التابعين الفقهاء السبعة، وذكرهم ثم ذكر بيتين من الشعر يشتملان عليهم، ولا أدري لمن هذين البيتين، هل هما له أو لغيره، وأنه أوردهما غير عاز لهما، وغير ذاكر أنهما من شعره، وإنما ذكر اشتمال هذين البيتين على الفقهاء السبعة، لذلك يقول:

    إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍ روايتهم ليست عن العلم خارجة

    فقل هم عبيد الله عروة قاسمٌ سعيدٌ أبو بكر سليمان خارجة

    [ عن عائشة ].

    هي أم المؤمنين، وهي خالة عروة، يعني: هو يروي عن خالته؛ لأنه ابن أسماء بنت أبي بكر ، فهو يروي عن خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وأم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها مر ذكرها مراراً وتكراراً، وذكرت أنها أحد الصحابة السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين هم ستة من الرجال وواحدةٌ من النساء، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنسٌ والبحر كـالخدري وجابرٌ وزوجة النبي

    1.   

    القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء

    شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء.

    أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا شعبة حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي)].

    أورد النسائي باب: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء، وفي بعض النسخ: في الوضوء، يعني: المقدار من الماء الذي يكفي للوضوء, وأورد تحت هذه الترجمة حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي)، والمكوك قيل: إنه المد الذي هو ربع الصاع؛ لأن الصاع مكون من أربعة أمداد، وجاء في بعض الأحاديث أنه يغتسل بالصاع، فالصاع أربعة أمداد، يعني هنا المكاكي خمسة، فمعناه زيادة على الصاع على تفسير المكوك بالمد، فيكون معناه خمسة أمداد، يعني: صاع ومد، وقد جاء في الحديث الصحيح: (أنه كان يتوضأ بالمد, ويغتسل بالصاع)، وقد جاءت الروايات تختلف في بعض التقادير، وهذا إنما هو في بيان ما حصل في بعض أحوال الرسول عليه الصلاة والسلام، كلٌ يحكي ما كان يعلمه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه توضأ بهذا المقدار، أو أنه حصل التوضؤ بهذا المقدار.

    والمكوك قيل: إن المراد به المد الذي هو ربع الصاع، والمد يقدرونه بأنه بمقدار ملء اليدين المتوسطتين يعني بمقدار -مثلاً- ملء اليدين المتوسطتين من التمر أو من البر أو ما إلى ذلك، يعني يكون الصاع أربع مرات من هذا المقدار، لكن إذا نظرنا للصاع الذي هو موجود عندنا والذي هو قريب من صاع النبي صلى الله عليه وسلم أو مثله، فنجد أن أربع أوراد بأيدينا لا تصل إلى ملئه، ولعل السبب في هذا والله أعلم أن المتقدمين كانت أيديهم أكبر، والناس فيما بعدهم كانوا بخلاف في الصاع، ولهذا الذين حكوا ذلك في الماضي إنما يحكون عن واقع أيديهم، ومن المعلوم أنه قد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً)، ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن، فكان ستين ذراعاً فنقص الحجم ومقدار الناس عن تلك المقادير في الأزمان المختلفة، فيحتمل أن يكون الأمر أنه حصل النقصان أيضاً بعد ذلك الزمن، فصار مقدار الكف أو مقدار ما يكون في الكفين أربعة مما يكون في كفيهم, يعني: يملأ الصاع، وأربعةً مما يكون في أيدينا لا يملأ الصاع، فلعل هذا هو السبب.

    وقوله: (مكاكي)، في بعض الروايات في صحيح مسلم : (مكاكيك)، فأبدلت الكاف الأخيرة ياء, ثم أدغمت ياءً في ياء فصارت مكاكي.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ].

    وهو عمرو بن علي الفلاس بن بحر بن كنيز البصري, الذي سبق أن مر ذكره تكراراً ومراراً، وهو أحد الثقات الحفاظ المتقنين, ومن أئمة الجرح والتعديل، وكثيراً ما يأتي ذكره في الكلام في الرجال, قال فيه الفلاس: كذا، وقال فيه الفلاس: كذا، وهو من رجال الكتب الستة؛ بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما سبق أن ذكرت فيما مضى؛ لأن أصحاب الكتب الستة كلهم يروون عنه مباشرةً، فكل واحد يقول: أخبرنا عمرو بن علي ؛ لأنه شيخ لهم جميعاً.

    [حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر]

    وعبد الله بن عبد الله بن جبر, ويقال: ابن جابر أيضاً، فهو أحياناً يأتي في بعض الأسانيد ابن جبر، وفي بعضها ابن جابر، ولا تنافي بينها؛ لأنه يقال له: ابن جبر، ويقال له: ابن جابر، وهو من رجال الجماعة ومن الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب.

    [سمعت أنس بن مالك].

    و أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الصحابة المكثرين الذين مر ذكرهم مراراً، وهو أحد السبعة الذين أشرت إليهم آنفاً المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.