إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. المقدمة وكتاب الطهارة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب ماء البحر) إلى (باب الوضوء بماء البرد)

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب ماء البحر) إلى (باب الوضوء بماء البرد)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله تعالى الماء طاهراً مطهراً إذا كان باقياً على أصل خلقته، ومن هذا ماء البحر، فهو مع ملوحته وطعمه المتغير إلا أنه طاهر مطهر، وكذلك ماء الثلج وماء البرد وإن كان متجمداً إلا أنه طاهر مطهر.

    1.   

    ماء البحر

    شرح حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في ماء البحر.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ].

    يقول النسائي رحمه الله: باب في ماء البحر.

    وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ويكون معنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .

    هذه الترجمة معقودة لبيان حكم التوضؤ بماء البحر، وأنه طهور يتوضأ به كما يتوضأ بالمياه الأخرى، وأن ماء البحر كغيره من المياه, فهو طهور يحصل به التطهر.

    وسأل هذا الرجل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر هل يتوضئون منه؟ وكان عندهم شك في عدم طهوريته، ولعلهم فهموا ذلك، أو ظنوا ذلك من كونه مغايراً لسائر المياه في ملوحته الخاصة، فسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام عن هذا الذي وقع في نفوسهم من التردد بماء البحر؛ لمغايرته لسائر المياه بملوحته الشديدة، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن البحر ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ).

    ولم يجب النبي صلى الله عليه وسلم السائل بقوله: نعم، مع أنه يكفي في الجواب أن يقول: نعم؛ لأن السؤال: أنتوضأ بماء البحر؟ فالجواب يكون: نعم، لكنه عدل عليه الصلاة والسلام إلى التنصيص على طهوريته؛ لأنه لما رأى هذا التردد فيهم أراد أن يبين لهم أنه طهور، وأن وصف الطهورية موجود فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه) .

    ثم قوله: (هو) الضمير يرجع إلى مكان البحر, وليس إلى الماء؛ لأنه لو كان يرجع إلى الماء لكان سياق الكلام: ماء البحر طهور ماؤه، وهذا لا يستقيم، ولكن المقصود منه: المكان الذي فيه البحر.

    ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى هذا التردد منهم في طهوريته, بين أمراً آخر قد يترددون فيه، وهو حل الميتة، فأضاف عليه الصلاة والسلام في الجواب بيان حكم آخر وهو: حل ميتة البحر، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (الحل ميتته) المقصود بالميتة: الحيوانات التي لا تعيش إلا فيه، هذا هو المقصود من الميتة التي تكون حلالاً، وهذا واضح، ولا يدخل فيه ما لو جاءت حيوانات البر وماتت في البحر, فإنها وإن قيل: إنها ميتة بحر إلا أنها لا يشملها الحديث؛ لأن الحديث يشمل ما لا يعيش إلا بالماء، هذا هو الذي يكون ميتته حلالاً.

    أما ما مات فيه من الحيوانات التي لا تعيش فيه وهي التي تعيش في البر، وقعت في البحر فماتت فيه فهي وإن صدق عليها أنها ميتة بحر؛ لأنها ماتت في البحر إلا أنها ليست الميتة التي عناها رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه حكمها واحد، سواءً ماتت بماء البحر أو ماتت بماء غير ماء البحر فهي حرام.

    وقد بين عليه الصلاة والسلام هذا الحكم في هذا الحديث الذي لم يسأل عنه, ولكنه أضافه في الجواب؛ لأن المقام يقتضيه، وهذا من كمال بيانه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا قالوا: في الحديث دليل على أن المسئول إذا سئل عن أمر وكان هناك شيء يقتضي المقام إضافته في البيان فإن ذلك جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر فأجاب وأضاف إلى الجواب أمراً يقتضيه المقام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وهو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني الذي مر ذكره كثيراً، وهو من رجال الجماعة، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى.

    [عن مالك].

    إمام دار الهجرة، مالك بن أنس الإمام المشهور، العلم الذي قال عنه البخاري : إن أصح الأسانيد على الإطلاق: مالك عن نافع عن ابن عمر .

    [عن صفوان بن سليم].

    ثقة, خرج حديثه الجماعة.

    [عن سعيد بن سلمة].

    ثقة, خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.

    [أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار].

    ثقة, خرج حديثه الأربعة, وهو كتلميذه الذي روى عنه وهو سعيد بن سلمة ، كل من الاثنين روى لهم أصحاب السنن الأربعة, ولم يرو لهم البخاري , ومسلم .

    والحديث صحيح، وهو من الأحاديث الصحيحة التي صححها البخاري وهي خارج الصحيح، وهنا يدل على أن البخاري ليس كل ما كان صحيحاً يودعه في كتابه الجامع الصحيح، فإنه إنما أودع بعض الصحيح, ولم يودع كل الصحيح، ولهذا فإن حديث أبي هريرة في الوضوء بماء البحر صححه البخاري ، ونقل عن البخاري تصحيحه ومع ذلك لم يورده في صحيحه.

    وقد صححه كثيرون من أهل العلم، وابن حجر العسقلاني في ترجمة المغيرة بن أبي بردة هذا في تهذيب التهذيب عزا تصحيحه إلى عشرة من المحدثين, وسرد أسماءهم: فلان, وفلان, وفلان، ثم قال: وآخرون، بعدما سرد عشرة أسماء من المحدثين صححوا حديث أبي هريرة هذا قال: وآخرون؛ يعني: أنه صححه غير العشرة هؤلاء الذين سماهم، ومنهم: الطحاوي , الترمذي , ابن خزيمة , وابن حبان , وعدد كبير من المحدثين صححوا هذا الحديث.

    1.   

    الوضوء بالثلج

    شرح حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بالثلج.

    أخبرنا علي بن حجر أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) ].

    أورد النسائي باب: الوضوء بالثلج، وأورد بعده ترجمة: باب: الوضوء بماء الثلج، والمقصود من هذا: بيان أن الثلج طاهر مطهر، وماؤه إذا ذاب فهو أيضاً طهور مطهر، وأنه تحصل الطهارة به ويتوضأ به.

    وهنا قال: الوضوء بالثلج؛ ومعنى هذا: أن الإنسان إذا استعمل الثلج في الوضوء سواء كان الثلج جامداً ,أو غير جامد, كالذي يسقط ويركب بعضه على بعض, فيكون مثل القطن، والناس يخوضون فيه ويمشون في هذا الثلج الذي بعضه فوق بعض؛ فإنه تحصل الطهارة بالثلج، فلو أن إنساناً استعمل قطعة من الثلج وأجراها على جسده وذابت وهو يتوضأ بها فإن الوضوء بذلك صحيح؛ لأنه وضوء من ماء.

    وأورد فيه حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا كبر في صلاته - في الصلاة الجهرية- سكت هنيهة, ثم بدأ في القراءة، فسأله أبو هريرة رضي الله عنه قائلاً: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول بين التكبير والقراءة؟) يعني: بين تكبيرة الإحرام والقراءة؛ لأنه يسكت بينهما، فسأله ما الذي يقوله في ذلك، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من السؤال عن أمور الدين، وأنهم قاموا بنقل الشريعة والبحث عما يحتاج الناس إليه, حيث سأل أبو هريرة هذا السؤال لرسول الله عليه الصلاة والسلام, فأخبره عليه الصلاة والسلام بأنه يقول هذا الدعاء: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) .

    فهذا دعاء من أدعية الاستفتاح، ومن أدعية الاستفتاح: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض). ومنها: (سبحانك اللهم وبحمدك..)، فهذه أنواع من الاستفتاحات، وكلها حق، وكل ما ثبت منها فهو حق لا تعارض بينها، وإذا أخذ بهذا أو بهذا أو بهذا فكله حق، فالأخذ بأي واحد منه حق، والاختلاف فيه اختلاف تنوع، وكون الواحد يختار هذه الصيغة وهذا يختار هذه الصيغة, فلا يقال: إنهم مختلفون اختلاف تضاد؛ لأن هذا ثابت وهذا ثابت، فأي واحد منها يحصل به المقصود، فالخلاف فيه خلاف تنوع، ليس خلاف تضاد، خلاف التضاد: هو الذي فيه نفي وإثبات في شيء واحد, مثل: أكل لحم الإبل هل ينقض الوضوء أو لا ينقض؟ فأحدهم يقول: ينقض, والآخر: يقول: لا ينقض، فهذا خلاف تضاد، وأيضاً واحد يقول: إنه لا تصلح الصلاة لمن أكل لحم إبل حتى يتوضأ، والآخر يقول: لا ينقض الوضوء بل يصلي ولا يتوضأ، فهذا اختلاف تضاد.

    واختلاف التضاد هو الذي يسوغ فيه الاجتهاد، فللمجتهد المصيب أجران, وللمجتهد المخطئ أجر واحد، أما اختلاف التنوع فكله حق؛ لأن كله ثابت عن رسول الله، فهو أنواع، فهذا اختار هذا, وهذا اختار هذا، لكن ليس اختلاف تضاد، والتضاد نفي وإثبات، وتحليل وتحريم، هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ فهذا اختلاف التضاد، أما اختلاف التنوع فهو مثل: اختلاف أنواع التشهد، فهذا ثابت، وهذا ثابت، وهذا ثابت، فإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، ومثله ألفاظ الأذان,كل هذا مما ثبتت فيه السنة من أي لفظ صح وثبت, فإن الأخذ بأي واحد منها حق.

    والرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بهذا الجواب، والمقصود منه ما جاء في آخره: (اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) فإذاً: هذا يدل على أن الثلج طهور يطهر به، والمقصود من ذلك: أن الذنوب ينقى منها ويطهر منها, ويتخلص منها, كما يحصل التطهير الحسي، والتطهير المحسوس بالماء والثلج والبرد، يحصل التنقية بها، قيل: وإنما نص على البرد والثلج وهي باردة؛ لأن الذنوب تؤدي إلى النار، والنار فيها الحرارة , وفيها الإحراق، فناسب أن يأتي ذكر التطهير بالثلج والبرد وهما باردان.

    والمقصود من إيراد النسائي للحديث: هو الإشارة إلى أن التطهير الشرعي الحسي يكون بالثلج, ويكون بالبرد, ويكون بالماء، وأنه يحصل به التطهير، وأن الثلج مثل الماء السائل يحصل به التطهير وإن كان جامداً، وإن كان أيضاً غير جامد, ولكنه ليس ذائباً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].

    هو: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو من رجال البخاري , ومسلم , والترمذي, والنسائي .

    [أخبرنا جرير].

    هو: ابن عبد الحميد الذي مر ذكره مراراً، هو الذي روى عنه علي بن حجر السعدي ، وكذلك فإنه نسب في الذين روى عنهم علي بن حجر ، وهو ثقة, وهو من رجال الجماعة, وخرج حديثه أصحاب الكتب.

    [عن عمارة بن القعقاع].

    هو: عمارة بن القعقاع الضبي ثقة, خرج حديثه الجماعة، وهو من رجال الكتب الستة، وهو الذي يروي عن أبي زرعة ، وقد روى عنه هنا, وروى عنه في صحيح البخاري حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن..) من رواية عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة وهو آخر حديث في صحيح البخاري بهذا الإسناد.

    [عن أبي زرعة].

    هو: ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي حفيد جرير بن عبد الله صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عن جرير , وسبق أن مر بنا ذكره فيما مضى في رواية عمه إبراهيم بن جرير عنه في حديث مضى، يروي فيه إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

    وأبو زرعة هذا معروف بكنيته، وهو من التابعين الذين رووا عن الصحابة، وقد ذكرت فيما مضى أنه يوافقه في هذه الكنية بعض المحدثين الذين اشتهروا برواية الحديث من المتقدمين والمتأخرين: أبو زرعة الرازي , وأبو زرعة الدمشقي، أبو زرعة الرازي هو: عبيد الله بن عبد الكريم توفي سنة مائتين وأربع وستين بعد وفاة الإمام مسلم بثلاث سنوات، وقد روى عنه مسلم في صحيحه حديثاً واحداً في الدعاء، أظنه: (اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء).

    وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي ، اسمه واسم أبيه مثل الأوزاعي ، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو ، وهما من أئمة أهل الشام إلا أن الأوزاعي متقدم في القرن الثاني، والدمشقي متأخر في القرن الثالث، وكانت وفاته سنة مائتين وإحدى وعشرين, ولم يخرج له إلا أبو داود في سننه, وأما الرازي فقد خرج له مسلم وبعض أصحاب السنن كما ذكرت ذلك فيما مضى.

    ومن المتأخرين الذين اشتهروا بـأبي زرعة : ابن العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الأثري أبو زرعة ، ويقال له: ولي الدين ، ولأبيه: زين الدين ، وكنيته أبو زرعة الذي هو أحمد بن الحسين ، وهو مشهور بذلك، ومشهور بهذه الكنية، وهو متأخر؛ لأنه في القرن التاسع، وفاته سنة ثمانمائة وست وعشرين، فهؤلاء يوافقون أبا زرعة ابن عمرو بن جرير في هذه الكنية.

    وأما صحابي الحديث فهو الصحابي الذي تكرر في الأحاديث، وذكرنا في الدرس الماضي أن له في الكتب خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً.

    1.   

    الوضوء بماء الثلج

    شرح حديث: (...اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء بماء الثلج.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء الثلج، فهناك الوضوء بالثلج, وهنا بماء الثلج؛ يعني: الثلج إذا ذاب وتحول إلى ماء سائل؛ لأنه إذا كان في حال كونه ثلجاً ليس سائلاً حتى يذوب، فإذا ذاب صار ماءً, فيقال له: ماء ثلج، والترجمة السابقة فيها ذكر الثلج دون الماء، والمقصود بها: التوضؤ بالثلج، وكما قلت لكم كون الإنسان إذا كان الثلج بعضه فوق بعض فيأخذ منه ويتوضأ فهو يتوضأ بماء، وكذلك لو أخذ قطعة من الثلج جامدة فجعل يجريها على جسده, وهي تذوب ويتوضأ بها فهو وضوء بالثلج، وكل ذلك وضوء بالماء.

    أما هذه الترجمة فهي: وضوء بماء الثلج؛ يعني: الماء السائل الذي ذاب، فالثلج عندما ينزل في الليل في الأماكن التي تنزل فيها الثلوج ويركب بعضها فوق بعض قد يصل أحياناً إلى متر في الارتفاع عن الأرض، ويسد الطرق ولا يستطيعون المشي؛ لأنهم لا يعرفون أثر الطريق؛ لأنه قطعة مثل الزرع مرتفع عن الأرض، فيصل أحياناً إلى متر، فإذا طلعت عليه الشمس ذاب وصار ماء، فإذا ذاب وصار ماءً فهذا هو مقصود النسائي بالترجمة: الوضوء بماء الثلج، وقد أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد) , وهو مثل ما تقدم في حديث أبي هريرة : (بالثلج والماء والبرد) .

    تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    إسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي ابن راهويه , الذي تقدم ذكره كثيراً، والذي ذكرنا فيما مضى عن الحافظ ابن حجر أنه يقول: يعبر بـ(أخبرنا) ولا يعبر بـ(حدثنا) وأنه خرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وقد خرجوا عنه ورووا عنه مباشرة، وهو فقيه, محدث, حافظ, ثقة.

    قوله: [أخبرنا جرير].

    هو: ابن عبد الحميد الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، ومر في مواضع متعددة فيما مضى.

    قوله: [عن هشام بن عروة].

    هو هشام بن عروة بن الزبير ، وهو من الثقات الأثبات، وهو من رجال الجماعة، وهو يروي عن أبيه.

    قوله: [عن عروة بن الزبير].

    وعروة بن الزبير هو أحد الثقات الأثبات, الذين خرج لهم الجماعة، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين يتكرر ذكرهم في الأسانيد، والذين قال عنهم ابن القيم :

    إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة

    فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة

    فـعروة بن الزبير هو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين الذين كانوا في عصر التابعين، والذين يرجع الناس إلى علمهم وإلى فقههم، وإذا جاءت مسألة اتفقوا عليها قالوا: وهذه المسألة قال بها الفقهاء السبعة، بدل ما يسردون أسماءهم يكتفون بأن يقولوا: الفقهاء السبعة.

    قوله: [عن عائشة].

    عائشة أم المؤمنين, تقدم ذكرها مراراً.

    1.   

    الوضوء بماء البرد

    شرح حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء البرد.

    أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا معاوية بن صالح عن حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير قال: شهدت عوف بن مالك رضي الله عنه يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على ميت، فسمعت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) ].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي قوله: باب: الوضوء بماء البرد، ولم يأت بذكر ماء البرد, ولكنه جاء في الحديث البرد، والذي يناسبه تماماً في المطابقة هو الحديث الذي قبله، وهو قوله: (بماء الثلج والبرد) حديث عائشة ، لكن كما هو معلوم أن الثلج هو ماء إلا أنه ماء متجمد، فيصدق أن يقال عليه: ماء برد، ويصدق أن يقال عليه: برد؛ لأنه لا فرق بين تسميته ماء برد؛ لأنه يطلق على ذائبه وعلى جامده، هو أيضاً ماء وإن كان جامداً, فالبرد في حال قبل ذوبانه , فالذي يطابق الترجمة الحديث الذي قبله؛ لأن فيه ماء البرد وماء الثلج، لكن كونه أتى بماء البرد وأتى بهذا الحديث الذي فيه برد فلا فرق بين البرد وماء البرد، فالنتيجة واحدة، كله طهور، سواءً كان في حال ذوبانه وكونه سائلاً, أو كونه جامداً عند نزوله من السماء قبل أن يذوب، كل ذلك يقال له: ماء برد, كما يقال له: برد.

    والمقصود من ذلك: الوضوء به، وأن الوضوء يكون بالبرد كما يكون بالثلج، وهو طهور مطهر, يحصل به التطهر ويحصل به التوضؤ، ومن أجل ذلك عقد له هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء البرد، وأورد حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أنه شهد صلاة جنازة على ميت، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد) ، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث هنا: (واغسله بالماء والثلج والبرد) .

    تراجم رجال إسناد حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت

    قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله ].

    هارون بن عبد الله البغدادي, شيخ النسائي , وهو ثقة، خرج له مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.

    [ حدثنا معن ].

    هو ابن عيسى ، وهو من أجل أصحاب الإمام مالك ، وهو ثقة, حافظ, ومن رجال الجماعة.

    [ حدثنا معاوية بن صالح ].

    هو معاوية بن صالح بن حدير ، وهو من الثقات، وقد خرج حديثه الجماعة.

    [ عن حبيب بن عبيد ].

    هو حبيب بن عبيد الرحبي, وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة، وهو ثقة.

    [ عن جبير بن نفير ].

    وهو من التابعين المخضرمين، وهو من الثقات، وقد خرج له البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة, مثل تلميذه الذي روى عنه وهو حبيب بن عبيد ، كل من الاثنين خرج لهم البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة.

    [ عن عوف بن مالك] .

    هو عوف بن مالك الأشجعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد جاء في بعض طرق الحديث أن عوفاً لما سمع دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للميت قال: (تمنيت أن أكون أنا الميت).

    وعوف بن مالك ذكر عنه في الخلاصة: أن له في الكتب سبعة وستين حديثاً، اتفق البخاري , ومسلم على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديث ، وانفرد مسلم بخمسة أحاديث.