إسلام ويب

شرح سنن النسائي - المقدمة - ترجمة الإمام النسائيللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم! صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنبدأ مستعينين بالله عز وجل، متوكلين عليه، سائلين منه العون والتوفيق والتسديد، بشرح (الأربعين النووية) لـأبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى.

    وهذه الأحاديث الأربعون أحاديث عظيمة، وهي من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد أُعطي النبي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، حيث يأتي بالكلام القليل في المبنى ولكنه يكون واسع المعنى، فالكلمات قليلة، ولكن المعاني واسعة، فهي قواعد كلية، وقواعد عامة اشتملت عليها الأحاديث التي اختارها الإمام النووي رحمه الله تعالى.

    ولم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيء في حفظ أربعين حديثاً، وما جاء في ذلك فهو حديث ضعيف، وقد ذكر الإمام النووي نفسه في مقدمته للأربعين أنه لم يثبت الحديث في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه قال إن حديث: (نضر الله امراءً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، وكذلك أيضاً: (ليبلغ الشاهد الغائب) يدعوان لذلك. وإن جمع شيء من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والاشتغال به، ولفت الأنظار إليه فيه قيام بحفظ سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس الاعتماد في ذلك على الحديث الضعيف المروي في ذلك.

    1.   

    نبذة مختصرة عن حياة الإمام النسائي

    الكلام عن الكتب الستة

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، أرسله الله تعالى بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فدل أمته على كل خير، وحذرها من كل شر.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنحمد الله عز وجل الذي وفقنا في الأعوام الماضية لدراسة كتابين عظيمين, هما: كتاب الإمام البخاري، وكتاب الإمام مسلم، وهما أصح كتب الحديث وأفضلها والمقدم فيها. وبعد ذلك نبدأ -بحمد الله- متوكلين على الله، وسائلين منه العون والتوفيق، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتحصيل العلم النافع والعمل به.

    نبدأ بعد ذلك بكتاب عظيم من كتب السنة؛ من كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كتاب الإمام النسائي ؛ السنن الصغرى, الذي يقال له: المجتبى، أو المجتنى.

    وقبل أن نبدأ بدراسة الكتاب نتكلم ببعض الكلام عن المؤلف الإمام النسائي، وعن كتابه السنن، الذي هو أحد الكتب الستة المشهورة المعروفة, التي هي من كتب الأصول.

    ومن المعلوم أن العلماء ذكروا أن الكتب الأصول التي هي مقدمة على غيرها، والتي هي مشتملة على أكثر الأحكام، ومستوعبة لكثير من الأحاديث، هي الكتب الستة: الصحيحين, وسنن أبي داود, وسنن النسائي, وجامع الترمذي, وسنن ابن ماجه، فهذه ستة كتب يقال لها: الكتب الأصول، والسادس منها وهو: ابن ماجه مختلف في عده؛ لأن للعلماء في السادس منها ثلاثة أقوال:

    أحد هذه الأقوال: أن السادس هو سنن ابن ماجه.

    والثاني: أن السادس هو الموطأ.

    والثالث: أن السادس هو سنن الدارمي.

    لكن الذي اشتهر عند كثير من العلماء, والذي عول عليه كثير منهم أن السادس هو: ابن ماجه؛ لكثرة الأحاديث الزائدة فيه على الكتب الخمسة، وقد أفردها البوصيري في كتاب سماه: (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه)، جمع الأحاديث الزائدة في هذا الكتاب على الكتب الخمسة وتكلم عليها، وهو كتاب مشهور معروف, والبوصيري هو في زمن الإمام الحافظ ابن حجر في القرن التاسع الهجري.

    الإمام النسائي اسمه ونسبته

    نتكلم هنا على بعض الأمور المتعلقة بالإمام النسائي رحمة الله عليه.

    فالإمام النسائي كنيته: أبو عبد الرحمن، واسمه: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار الخراساني.

    النسائي نسبة إلى وطن، ولكن الأولى: نسبة عامة, والثانية: نسبة خاصة، فخراسان إقليم واسع، وينسب إليها: خراساني؛ نسبة إلى ذلك الإقليم الواسع، والنسائي نسبة إلى بلدة من ذلك الإقليم يقال لها: نساء، فهو ينسب نسبة عامة, ونسبة خاصة، نسبة إلى الإقليم ونسبة إلى البلدة التي هي من ذلك الإقليم، ولكن الذي اشتهر هو نسبته إلى بلدته؛ وهي: نساء، بل إن شهرته صارت بالإضافة إليها؛ لأن أصحاب الكتب الستة منهم من اشتهر باسمه كالإمام مسلم، ومنهم من اشتهر بنسبته إلى بلده كـالبخاري، والنسائي، والترمذي، ومنهم من اشتهر بكنيته كـأبي داود، ومنهم من اشتهر بنسبه أو بنسبته وهو ابن ماجه.

    و النسائي -كما ذكرت- نسبته إلى بلدته التي هي قرية أو بلدة من بلاد خراسان.

    ومن المعلوم أن العلماء عندما يترجمون للشخص يذكرون النسبة العامة والنسبة الخاصة أحياناً، كما ذكروا بالنسبة للنسائي، حيث قالوا: الخراساني النسائي، وأحياناً إذا انتقل الإنسان من بلد إلى بلد, وكان ينسب إلى بلد ثم تحول منها إلى بلد آخر, فإنه ينسب إلى الاثنتين، ولكن بـ(ثم) فيقال: فلان كذا ثم كذا، البصري ثم المدني، أو الكوفي ثم الدمشقي، أو البغدادي ثم الواسطي، يذكرون البلدين الأول والأخير, ويأتون بـ(ثم) لتبين المتقدم من المتأخر، ولتبين النسبة المتقدمة على المتأخرة.

    أما إذا كانت النسبة إلى عام وإلى خاص فإنهم لا يأتون بـ(ثم)، وإنما يكتفون بأن يقولوا: الخراساني النسائي، نسبة إلى الأعم ثم نسبة إلى الأخص؛ لأنه ليست هناك مهلة ولا تفاوت، بخلاف الانتقال من بلد إلى بلد؛ فإن البلد الأول ينسب إليه على أنه المنسوب إليه أولاً، والبلد الثاني ينسب إليه آخراً، فيؤتى بـ(ثُم) التي تبين البلد المتقدم أو النسبة إلى البلد المتقدم عن البلد المتأخر.

    حال الإمام النسائي في طلب الحديث

    الإمام النسائي رحمة الله عليه نشأ في بلده, وأخذ الحديث عن أهل بلده، ثم رحل إلى البلاد المختلفة، وهذه طريقة المحدثين، وطريقة العلماء السابقين, أنهم يعنون بحديث أهل بلدهم ويتلقون عن الشيوخ في بلدهم الذي هم فيه، ثم ينتقلون إلى البلاد الأخرى ليأخذوا عن الشيوخ الآخرين، وفيهم من يروي الحديث بإسناد نازل؛ لأنه لم يتمكن من الرحلة، فيروي عن شيوخ من أهل بلده -الذين رحلوا وأخذوا- ما أخذوه عن غيرهم، فإذا رحل هو فإنه يحصل الإسناد العالي, ويحصل منه أحياناً التحديث بالإسناد العالي، وغالباً ما يحدث بالإسناد النازل في أول الأمر؛ حيث لم يرحل ولم يلتق بالشيوخ الذين هم أعلى من الشيوخ الذين لقيهم في بلده، فإذا رحل إلى بلدان أخرى والتقى بشيوخ أخذ عنهم شيوخه، فإنه في هذه الحالة يأتي بالإسناد العالي, ويحرص عليه.

    ومن المعلوم: أن الإسناد العالي أفضل من الإسناد النازل إذا كان الرجال ثقات وحفاظاً، أما إذا كان الإسناد العالي في رجاله شيء من الضعف, والإسناد النازل رجاله أقوى ورجاله مقدمون في الحفظ والإتقان والثقة والعدالة؛ فإن الإسناد النازل يكون عند ذلك أفضل من الإسناد العالي, كما ذكر ذلك العلماء.

    فالإمام النسائي رحمة الله عليه أخذ عن مشايخ بلده في خراسان, ثم انتقل بعد ذلك إلى العراق, وإلى الشام, وإلى الحجاز, وإلى مصر, وجلس في آخر حياته في مصر وعاش فيها مدة طويلة، وأخذ عنه العلماء والمحدثون فيها، وكان ينتقل في البلد, وأخذ الحديث عن عدد كبير من الشيوخ في بلده وغير بلده.

    ومن المعلوم: أن الرحلة عند أهل الحديث لها أهمية كبرى, ولها شأن عظيم، ويرون أن الإنسان الذي لم يرحل عن بلده, ولم يحصل إلا حديث بلده, أنه لم يحصل شيئاً يذكر، والذي يحصل إنما يكون بالتعب والنصب والكد, وقطع المسافات, وإنهاك النفس وإتعابها في سبيل الوصول إلى الحديث، وكما قال بعض العلماء وهو يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم.

    فكانوا يتحملون المشاق, ويتجشمون الصعوبات, ويلقون المتاعب في سبيل الحصول على الأحاديث, والرحلة إلى الشيوخ للتلقي عنهم، ومنهم من يرحل من أجل حديث واحد, يذكر له أنه عند شيخ في بلد ناءٍ, فيسافر إلى ذلك البلد النائي؛ من أجل أن يظفر به، ومن أجل أن يحصل عليه، هذا كان شأنهم، وهذا كان ديدنهم رحمة الله تعالى عليهم.

    مولد النسائي ووفاته ومشاركته أصحاب الكتب الخمسة من مشايخهم

    الإمام النسائي رحمه الله عاش في القرن الثالث الهجري، وكل حياته في القرن الثالث الهجري، وعُمِّر طويلاً حيث بلغ عمره ثمانية وثمانين سنة، أي: أنه قارب التسعين، وكانت ولادته -على ما ذكر عنه على سبيل التقريب- في سنة مائتين وخمس عشرة، ووفاته سنة ثلاث بعد الثلاثمائة، أي: في أول القرن الرابع بعد مضي ثلاث سنوات منه، فهو معمر, وقد عاش هذه المدة الطويلة, ولقي الشيوخ الكبار، وأخذ عن المشايخ الذين أخذ عنهم أصحاب الكتب الخمسة الآخرون, وإن كانوا أقدم منه إلا أنه كما ذكرت عمر؛ لأنه ولد في أوائل القرن الثالث, وتوفي في أول القرن الرابع الهجري.

    وهو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة؛ فأولهم البخاري ؛ لأنه توفي سن مائتين وستة وخمسين، وبعده الإمام مسلم حيث توفي سنة مائتين وإحدى وستين، يعني: بعد البخاري بخمس سنوات، ثم بعده ابن ماجه حيث توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ثم أبو داود حيث توفي سنة خمس وسبعين ومائتين، ثم الترمذي حيث توفي سنة تسع وسبعين ومائتين، ثم النسائي وهو آخرهم حيث توفي سنة ثلاث بعد الثلاثمائة.

    فإذاً: هو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة، وهو أيضاً متقدم؛ لأنه ليس بينه وبين مسلم في الولادة إلا عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة؛ لأن مسلماً ولد سنة مائتين وست, والنسائي ولد سنة مائتين وخمسة عشر، فهو مقارب له بالولادة, ولكنه عاش بعده اثنتين وأربعين سنة، فلهذا صار إسناده عالياً، ولقي الشيوخ الكبار، وأخذ عنه الشيوخ، مثل الطبراني الذي عمره مائة سنة, وقد توفي سنة ثلاثمائة وستين، أي: بعد وفاة النسائي بسبع وخمسين سنة، فهذا معمر, وهذا معمر، وهكذا يكون العلو؛ حيث يلتقي الشخص بالشخص ثم يعمر بعده، ويكون شيخه لقي المشايخ في سن مبكر، وبين ولادة هذا ووفاة هذا مدة طويلة.

    فإذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه عاش في القرن الثالث الهجري، وهو أزهى عصور السنة من حيث التأليف؛ لأنه ألفت فيه الكتب الستة، وألف فيه غيرها من الكتب الكثيرة من المسانيد وغيرها، ومسند الإمام أحمد يعتبر أوسع كتاب، حيث تبلغ أحاديثه أربعين ألفاً كما ذكر ذلك بعض العلماء، وهو في القرن الثالث؛ لأن وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين.

    إذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه عاش في هذا القرن، وهو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة، فقد عُمِّر حتى بلغ ثمانية وثمانين سنة تقريباً، وقد أخذ عن بعض شيوخ الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب وشاركهم, مثل: شيخه قتيبة بن سعيد الذي أكثر عنه، وهو أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الآخرين، فهو شيخ للبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .

    وأخذ أيضاً عن: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار فإن هؤلاء من صغار شيوخ البخاري، ومسلم ، والذين كانت وفاتهم قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وأخذ عنهم النسائي كما أخذ عنهم أصحاب الكتب الأخرى، فهو شارك أصحاب الكتب الأخرى الخمسة في مشايخهم, وذلك -كما ذكرت- أنه وإن تأخرت وفاته فإن ولادته متقدمة؛ لأنه كان في أوائل القرن الثالث الهجري, ووفاته في أول القرن الرابع الهجري.

    أشهر تلامذة النسائي الذين تلقوا عنه

    النسائي أخذ عنه التلاميذ الذين كانوا في زمنه وتلقوا عنه في بلده وغير بلده، وممن اشتهر بالأخذ عنه: ابن السني ، وكذلك أبو جعفر العقيلي, وأبو جعفر الطحاوي, وغيرهم كثير، والطبراني أخذ عنه وهو من أصحاب الإسناد العالي؛ لأنه ولد سنة مائتين وستين, وتوفي سنة ثلاثمائة وستين, وعاش مائة سنة، وأدرك من حياة النسائي ثلاثاً وأربعين سنة، وعاش بعده سبعاً وخمسين سنة، فأخذ عنه وعُمِّر بعده، فصار الإسناد من طريقه من الأسانيد العالية، ولهذا يقال عن الطبراني : إنه عالي الإسناد بالإطلاق؛ لأنه عُمِّر وأخذ عن المعمرين كـالنسائي وغيره.

    مكانة النسائي ومنزلته عند العلماء

    يعتبر النسائي رحمة الله عليه من الحفاظ، ومن أئمة المسلمين، والذي وصفه بعض العلماء بالإمامة، وأنه من أئمة المسلمين، ووصفوه بأنه أحد الحفاظ، وأنه أحد الأعلام، وأنه إمام في الجرح والتعديل، وأنه ممن يقبل قوله في الجرح والتعديل، وأثنى عليه العلماء ثناءً عظيماً، بل إن من العلماء من قال: إن شرطه أقوى من شرط مسلم وشرط البخاري ؛ من حيث إنه تجنب الرواية عن أشخاص, أو لين أشخاصاً روى عنهم البخاري، ومسلم ، لكن كما هو معلوم أن البخاري، ومسلم التزما الصحة وهو لم يلتزم الصحة، لكن هذا يدل على إتقانه، وعلى تحريه، وعلى أنه متمكن في علم الحديث، وعلى أنه ينتقي، فهو يدل على علو منزلته، وعلى فضله، وعلى نبله، وإن كان ما في البخاري ومسلم مقدم على ما عنده كما معروف عند العلماء، لكن مثل هذه العبارة التي جاءت عن بعض العلماء: أن له شرطاً أشد من شرط البخاري، ومسلم تدل على قيمته وعلى علو منزلته, وإن كان هذا لا يسلم به مطلقاً، وإنما قد يسلم به في الجملة، وذلك من جهة أن بعض الأشخاص الذين لينهم النسائي ولم يرو عنهم روى عنهم البخاري، ومسلم ، إلا أن هذا لا يقدح في البخاري ومسلم، أو في رجال البخاري ومسلم ، لكن يدل على قيمة منزلة النسائي وقيمة كتابه وقيمة سننه، وأنه كتاب عظيم، وأنه له شأناً كبيراً.

    تأليف النسائي كتاب الخصائص في فضائل علي بن أبي طالب

    الإمام النسائي رحمة الله عليه -كما قلت- عاش في مصر, وفي آخر الأمر ارتحل منها إلى الشام وجاء إلى دمشق، وحصل له فيها محنة كما ذكر ذلك بعض العلماء، وألف فيها كتاب (الخصائص), أي: خصائص علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجاء عنه أن سبب تأليفه إياه: أنه وجد أن أهل الشام عندهم حب شديد لبني أمية، ولم يجد عندهم ذكراً كبيراً لـعلي رضي الله عنه وأرضاه، فألف هذا الكتاب ليبين لهم فضل ذلك الإمام، وليبين الأحاديث التي وردت في فضله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فأراد بذلك الخير، وأراد بذلك بيان فضل أهل الفضل, وميزة أهل التقدم؛ وهو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، فألف ذلك الكتاب.

    ثم ألف كتاب (فضائل الصحابة)، وبدأ بفضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عن الجميع، ولكنه ألف كتاب (الخصائص) في دمشق ليبين فضل ذلك الإمام العظيم الذي شُغل كثير من الناس في تلك البلاد بغيره؛ وهم بنو أمية، وفي مقدمتهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فألف هذا الكتاب يريد الخير.

    موقف النسائي من معاوية رضي الله عنه

    سئل النسائي عن معاوية رضي الله عنه وأرضاه، فجاء عنه ما يدل على الثناء عليه, وما يدل على فضله، وجاء عنه عبارة فيها شيء من الحط من شأنه، وأوذي بسببها إن صح ذلك النقل، وأنه أوذي بسبب ما أجاب به لما سئل عن معاوية، وأنه طلب منه أن يؤلف في فضائل معاوية فقال: وأي فضائل له؟ أي: ما هي الفضائل التي لـمعاوية فيؤلف فيها؟ وذكر حديث: (لا أشبع الله بطنه) وهو حديث في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    وإن صحت عنه هذه الرواية فقد جاءت عنه أيضاً رواية أخرى تدل على فضل معاوية ، وتدل على أنه واحد من الصحابة، وأن القدح في الصحابة قدح في الدين.

    بل إن هذا الحديث -أي: حديث: (لا أشبع الله بطنه)- يدل على فضل معاوية كما ذكر ذلك بعض العلماء.

    والإمام مسلم رحمه الله لما أورد هذا الحديث أورده بعدما أورد الأحاديث التي فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اللهم ما دعوت على إنسان, ولم يكن أهلاً لتلك الدعوة, أن يجعلها الله تعالى له طهراً وزكاءً وفضلاً).

    فلما أورد الإمام مسلم رحمه الله تلك الأحاديث, عقبها بهذا الحديث ليبين أن معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه لا تضيره هذه الدعوة، وإنما هي تنقلب دعاءً له, وتنقلب ثناءً عليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنني اشترطت على ربي أنني ما دعوت على إنسان ليس بأهل لتلك الدعوة أن يجعل الله تعالى له ذلك طهراً ونقاءً).

    والحديث الذي قبل هذا الحديث هو في قصة أم سليم مع اليتيمة التي كانت عندها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرف البنت أنها صغيرة, ثم أتت إليه وقال لها: (من أنتِ) وأخبرته: بأنها يتيمة أم سليم ، فقال: (كبرت لا كبرت سنك) فلما أورد مسلم هذا الحديث, أورد بعده حديث: (لا أشبع الله بطنه) وهو حديث ابن عباس في قصة معاوية .

    ثم إن معاوية رضي الله عنه كان من كتبة الوحي، وهذا من فضائله، وهو مؤتمن ائتمنه الرسول صلى الله عليه وسلم على كتابة وحي رب العالمين، فهذا من فضائله وهذا من نبله رضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: هذه الكلمة لا تضر معاوية رضي الله عنه وإنما تنقلب مدحاً عليه، وما جاء عن النسائي جاء عنه ما يقابل تلك الكلمة، ولعله قالها ليلفت الأنظار إلى عدم الغلو في الأشخاص، وأن أهل الشام لما صار له منزلة عندهم؛ ولأنهم نشأوا لا يعرفون إلا هو, وقد مكث أربعين سنة في دمشق. عشرين سنة أميراً، وعشرين سنة خليفة، فنشأوا وعاشوا لا يعرفون إلا معاوية بن أبي سفيان؛ فأراد أن يأتي بهذه الكلمة حتى يقلل من الإطراء, أو من التجاوز الذي حصل من بعضهم.

    ثم أيضاً ذلك الحديث الذي ذكره عن معاوية هو في الحقيقة ثناء عليه، ولا يعتبر قدحاً فيه؛ لأن مسلماً رحمه الله لم يورده إلا في موطن, وأورده لبيان أن هذا مما ينفع معاوية ولا يضره، ومن قبيل ما هو منقبة لـمعاوية وليس مثلبة له رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    ومن المعلوم أن الصحابة جميعاً يجب أن تمتلئ القلوب من محبتهم، وأن تنطق الألسنة بذكرهم والثناء عليهم، وألا يذكروا إلا بالجميل.

    مدى صحة نسبة الإمام النسائي للتشيع وأنها سبب وفاته

    وقد نسب النسائي إلى التشيع، وقيل عنه: إن عنده تشيعاً، ولعل هذا بسبب هذه الكلمة التي سمعت منه في حق معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    ثم إن التشيع في بعض سلف هذه الأمة لا يؤثِّر؛ لأنه أحياناً يكون من قبيل تقديم شخص على شخص في الفضل على حسب ما يراه، كما يجري عند تفضيل عثمان وعلي رضي الله عنهما ، فإن المشهور عن العلماء تقديم عثمان على علي في الفضل، وبعض العلماء يقدم علياً على عثمان في الفضل، أما التقديم عليه في الخلافة فلا يقدم عليه, ولا يقدمه سلف هذه الأمة عليه، وقد قال بعض العلماء: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.

    وتقديمه عليه بالخلافة هو اعتراض على ما أجمع عليه سلف هذه الأمة، وأما التقديم بالفضل فهذا هو الذي لا يبدع من قال به، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر العقيدة الواسطية، فإنه قال: تقديم علي على عثمان في الفضل لا يبدع قائله، وإنما الذي يبدع تقديمه عليه بالخلافة، هذا هو الذي يبدع من قال به، أي: من قال: إن علياً أولى من عثمان بالخلافة فهو مبتدع؛ لأنه قال قولاً يخالف ما أجمع عليه الصحابة وما اتفق عليه سلف الأمة.

    وأما من ناحية الفضل فإن هذا لا يؤثِّر؛ لأنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل في الولاية، أي: أن الولاية قد يقدم فيها المفضول مع وجود الأفضل، وهذا لا يؤثر ولا يقدح في الفاضل كون غيره يقدم عليه.

    وبعض العلماء نسب إلى التشيع بسبب تقديمه علياً على عثمان، ومن هؤلاء الذين وصفوا بهذا: ابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل، وكذلك الأعمش، وابن جرير، وعبد الرزاق ، وجماعة جاء عنهم تقديم علي على عثمان في الفضل، وهذا لا يقدح، والتشيع الذي سببه هذا لا يؤثر.

    وبعض ما ينسب إلى بعض الأئمة الفضلاء والعلماء المحدثين الثقات المتقنين من التشيع هذا من أسبابه، أي: تقديم علي على عثمان في الفضل، رضي الله تعالى عن الجميع، وهذا لا يؤثر، ولا يعتبر صاحبه مغموزاً ولا مقدوحاً به؛ لأن جماعة من العلماء على هذا المنوال، ولا يؤثر هذا على فضلهم وعلى نبلهم، وهذه مسألة خلافية، وإن كان المعروف والمشهور عن العلماء هو تقديم عثمان على علي في الفضل، كما أنه مقدم في الخلافة، والذين قالوا بخلاف ذلك قلة، لكن قولهم لا يقدح فيهم ولا يحط من شأنهم، ولا يؤثر على نبلهم وعلى فضلهم، فهم جهابذة وحفاظ ومتقنون وعُمَد في الجرح والتعديل, ومع ذلك جاء عنهم هذا القول فنسبوا إلى التشيع بسببه، وذلك لا يقدح فيهم ولا يؤثر.

    والذي جاء عن النسائي من كونه تكلم بهذه الكلمة في معاوية ، فقد بين فضله في موضع آخر، وكونه ألف خصائص علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لا يؤثر فيه ولا أن ننسبه إلى التشيع؛ لأن هذا لا يدل على قدح فيه، ولا يدل على غمز فيه، وإنما هذا شأنه شأن غيره ممن نسبوا إلى التشيع, ونسبتهم إلى التشيع لا تؤثر فيهم.

    وقيل: إن وفاته كانت بسبب إيذائه الذي حصل له في دمشق، وأنه لما قال ما قال في حق معاوية ضرب, وأنه أوذي, وأنه مرض على إثر ذلك, وأنه انتقل بعد ذلك إلى الرملة، وقيل: إلى مكة ومات بها, وأنه توفي بسبب ذلك.

    وقيل: إنه توفي بسبب الإيذاء الذي حصل له من بعض الناس الذين آلمهم ولم يعجبهم ما قاله في معاوية، إن صح هذا الكلام عن الإمام النسائي رحمة الله عليه.

    وكانت وفاته في أوائل سنة ثلاث بعد الثلاثمائة؛ أي: في أول القرن الرابع الهجري.

    1.   

    تأليف الإمام النسائي للسنن الصغرى ومنهجه فيه

    النسائي له كتابان في السنن: أحدهما موسع, ويقال له: السنن الكبرى، والثاني مختصر ويقال له: السنن الصغرى، ويقال له: المجتبى، ويقال له: المجتنى.

    والكتاب الذي عول عليه العلماء واعتبروه أحد الكتب الستة هو: المجتبى الذي هو السنن الصغرى، والتي انتقاها واختارها من كتابه السنن الكبرى.

    وهذا الكتاب لقي -كما لقي غيره من الكتب المعتمدة الأصول- عناية فائقة من العلماء.

    وهذا الكتاب أي: (السنن الصغرى) -الذي هو المجتبى- أو المجتنى اختلف من الذي اجتباه أو اختصره أو انتخبه من السنن الكبرى, هل هو النسائي نفسه, أو أنه أبو بكر بن السني تلميذه وأحد رواة الكتاب عنه؟ على قولين للعلماء: القول الأول وهو المشهور:

    أن الذي انتخبه والذي اختاره واجتباه هو نفس المؤلف.

    القول الثاني: من العلماء من قال: بأن الذي اختاره أو انتخبه واستخرجه من السنن الكبرى هو تلميذه ابن السني. ولكن المشهور هو الأول.

    وقد جاء أنه لما ألف كتاب السنن الكبرى أهدى منه نسخة إلى ملك الرملة أو أمير الرملة فقال له: أكل ما فيه صحيح؟ فقال: لا، فاختار له منه السنن الصغرى الذي هو المجتبى.

    ويمكن أن يكون القول الثاني له حظ من النظر لا على سبيل الاستقلال، بل يحتمل أن يكون قام ابن السني بتوجيه من النسائي بأن يستخرج منه أحاديث عينها، فيكون ذلك الذي أضيف إلى ابن السني له وجه، لا على سبيل الاستقلال بل على سبيل التوجيه من الإمام النسائي.

    لكن المشهور -كما عرفنا- هو أن النسائي نفسه هو الذي اختاره، وإذا كان اختاره وانتقاه بنفسه واستخرجه بنفسه, أو علم على بعض الأحاديث وأرشد بعض تلاميذه إلى استخراجها منه فيمكن أن يكون منسوباً إلى المستخرج الذي حصل بالتوجيه، ويمكن أن يكون حصل منه بنفسه، ولكن المشهور أن الذي انتخبه والذي اختاره هو الإمام النسائي نفسه.

    وقد جاء مكتوباً على بعض النسخ أنه من عمل النسائي، وأنه اختصار النسائي أو انتخاب النسائي نفسه.

    ومهما يكن من شيء فإن الكتاب اشتهر، وسواءً قام به النسائي نفسه، أو قام به تلميذه بتوجيه منه، أو بغير توجيه منه، فهو منتخب من كتاب سنن النسائي الكبرى، لكن هناك أحاديث موجودة في الصغرى وليست في الكبرى، وهذا يؤيد أن الذي قام بوضعه النسائي نفسه؛ لأن فيه أحاديث هي للنسائي يقول فيها: أخبرنا فلان عن فلان إلى آخره، وهي ليست موجودة في سنن النسائي الكبرى؛ وهذا يؤيد ويوضح أن النسائي نفسه هو الذي وضع هذا الكتاب، وهو الذي ألف هذا الكتاب؛ لأنه لو كان مجرد اختصار وانتخاب من كتاب معين ما كان يحصل فيه الزيادة -أي: في المختصر أو المنتخب- على ما كان في الأصل؛ لأن الذي يأتي إلى كتاب مؤلف وينتخب منه لا يتعدى الكتاب الذي انتخب منه ما دام أنه مجتبى منه ومجتنى منه ومنتخب منه، فهذا يؤيد أنه عمل النسائي نفسه.

    وقد ذكر هذا الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمته لكتاب (تحفة الأشراف)، وذكر بعض الأبواب الموجودة في نفس الكتاب الذي هو السنن الصغرى: باب كذا وكذا مما لم يكن في الكبرى، وأنه في الصغرى دون الكبرى.

    وأما كون الكبرى يكون فيها أشياء ليست في الصغرى فهذا ليس بغريب؛ لأنه هو الأصل المنتخب منه، لكن الذي يحتاج إلى أن يعرف ويحتاج إلى التنصيص عليه هو كون الصغرى فيها أشياء لا توجد في الكبرى، وهذا ما هو موجود في نفس السنن في بعض الأبواب، أنه في الصغرى وليس في الكبرى، وقد نص عليه الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمته لكتاب المزي (تحفة الأشراف) الذي قام بتحقيقه وبإخراجه ونشره.

    الفرق بين حدثنا وأخبرنا عند النسائي

    الإمام النسائي رحمة الله عليه في كتابه (السنن الصغرى) يستعمل عبارة (أخبرنا)، وهي التي يستعملها في هذا الكتاب، فتعبيره (بأخبرنا) يعني: لا يأتي بحدثنا وإنما يأتي بأخبرنا، و(أخبرنا) و(حدثنا) بعض العلماء يسوي بينهما ولا يفرق بينهما.

    ومن العلماء من يفرق بينهما؛ فيجعل (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ، فإذا كان الشيخ يقرأ والتلاميذ يسمعون, فيعبر التلاميذ (بحدثنا)، أما إذا كان الشيخ لا يقرأ ولكنه يقرأ عليه أحد الطلاب وهو يسمع، والباقون يسمعون وهم يقرءون عليه ليأخذوا عنه؛ فإنهم يعبرون (بأخبرنا)، وهذا يسمى عرض: وهي القراءة على الشيخ، يعني: يعبرون بما قرئ على الشيخ بـ(أخبرنا)، وبما سمع من لفظ الشيخ بـ(حدثنا).

    وبعض العلماء لا يفرق بين (حدثنا) و(أخبرنا)، فيستعمل (حدثنا) و(أخبرنا) فيما سمع من لفظ الشيخ وفيما قرئ على الشيخ وهو يسمع، فلا يفرقون بين هذا وهذا.

    ومن المعلوم أن النسائي لم يكن دوماً على هذه الطريقة، أي: أنه لم يحصل منه أنه قرأ على الشيخ وهو يسمع، وأن هؤلاء الذين يروي عنهم قد قرئ عليهم وهو يسمع، ليس كذلك، بل بنى على القاعدة أو على الطريقة التي هي عدم التفريق بين (حدثنا، وأخبرنا)، وأن (أخبرنا) تستعمل فيما تستعمل فيه (حدثنا)، وأنها ليست مقصورة على ما قرئ على الشيخ وهو يسمع وهذا ما يسمى عرضاً: وهو القراءة على الشيخ.

    فصنيع النسائي هو ليس على طريقة التفريق بين (حدثنا، وأخبرنا)، وإنما هو على طريقة التسوية بين (حدثنا، وأخبرنا).

    وممن اشتهر عنه التعبير بأخبرنا: إسحاق بن راهويه الإمام المشهور المعروف، فإنه عرف عنه أنه غالباً وكثيراً ما يستعمل أخبرنا فيما يرويه عن شيوخه، ولا يستعمل حدثنا إلا قليلاً، وهذا هو المشهور عنه، ولهذا الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري عندما يأتي ذكر إسحاق في شيوخ البخاري غير منسوب، ثم يلتبس ويحتمل هل هو إسحاق بن راهويه أو إسحاق بن منصور, أو غيرهم ممن يسمى إسحاق؟ يستشهد أو يستأنس بتعبيره -أي: إسحاق - بأخبرنا، إذا جاء غير منسوب وفيه: (أخبرنا) فإنه يعتبرها قرينة تدل على أنه إسحاق بن راهويه؛ لأنه عرف من عادته أنه يأتي بأخبرنا، وإن أتى بحدثنا فهو قليل ونادر بالنسبة لتعبيره بأخبرنا.

    إذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه يستعمل لفظ (أخبرنا) في الرواية عن شيوخه في هذا الكتاب -الذي هو السنن الصغرى- والذي يقال له: المجبتى, ويقال له: المجتنى.

    كيفية رواية النسائي عمن روى عنه ولم يقصده بالرواية

    ومن مشايخه الذين روى عنهم ولكنه ما قصده في الرواية: الحارث بن مسكين ، كان بينه وبينه وحشة، وكان لا يأذن له أن يأتي لأخذ الحديث عنه، فكان يأتي ويجلس من وراء ستار ويسمع الحارث بن مسكين وهو يحدث تلاميذه، فكان النسائي يسمع منه ويحدث عنه, ولكن لا يقول: أخبرنا، ولا يقول: حدثنا؛ لأنه ما قصده بالتحديث، ولكنه سمع منه، فيأتي فيقول: الحارث بن مسكين قال: أخبرنا، وأحياناً يقول: أخبرنا، فيحتمل أن يكون هذا الذي عبر عنه في بعض المواضع بأخبرنا أنه حصل ذلك قبل أن يمنعه من الأخذ عنه، أو أن يكون أذن له فيما بعد، فيكون هذا التنويع الذي عند النسائي في كونه أحياناً يقول: أخبرنا الحارث بن مسكين ، وأحياناً ابن مسكين قال: أخبرنا، فلا يأتي بصيغة عنه؛ لا أخبرنا ولا حدثنا؛ فيحتمل أن يكون سماعه منه على حالين: حال فيها إذن، وحال فيها عدم إذن، فالذي فيها إذن هو الذي فيه التعبير بأخبرنا، والذي فيها عدم إذن وعدم سماح له بالأخذ عنه هو الذي يكون غفلاً من الصيغة التي هي: أخبرنا أو حدثنا، وإنما يقول: الحارث بن مسكين قال: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان، ويسوق الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا من دقة النسائي ومن تحريه ومن تورعه؛ لأنه في الحال التي منعه من الرواية لم يكن يمتنع، بل يأخذ الحديث، ولكنه لا يعبر بحدثنا ولا أخبرنا، إلا ما جاء عنه في بعض المواضع ويحمل على ما ذكرت: من أنه قد يكون ذلك قبل المنع، ويمكن أن يكون في بعض الأحوال أذن له، وأنه روى على الحالين: مرة غفلاً لا يأتي بكلمة حدثنا، ولا يأتي بأخبرنا، وفي بعض الأحيان القليلة يأتي بأخبرنا، لكن هذا -كما ذكرت- يدل على ورعه وعلى دقته، وأنه في هذه الأحوال التي منع فيها من الرواية لم يمتنع من أخذ الحديث.

    والعلماء قد ذكروا من جملة مسائل المصطلح: من خص قوماً بالحديث فإن لغيرهم ممن لم يخص أن يروي إذا سمع, فإذا حصل منه السماع, فإنه يروي وإن لم يقصد؛ لأن الرواية مبنية على السماع وعلى تحقق الرواية سواءٌ حصل الإذن أو لم يحصل الإذن، ما دام الإذن قد حصل في الجملة لغيره من الطلاب بأن يأخذوا عنه, فإن لغيرهم أن يأخذ وإن منعه هو من الأخذ؛ لأن التحديث قد وجد، لكن العبارة التي يعبر بها هي التي يكون فيها التحرز، ويكون فيها الدقة، ويكون فيها التورع من الإتيان بلفظ يوهم خلاف الواقع.

    ثم إن النسائي رحمة الله عليه يأتي أحياناً بتعليقات بعد ذكر الحديث إما لبيان اسم، أو لبيان حال رجل، أو ما إلى غير ذلك، مما سيمر بنا إن شاء الله في هذا الكتاب، فهذا من عمله الذي يقوم به في كتابه زائداً على ما يورده من الأحاديث.

    إيراد كلمة: (قال) قبل (حدثنا) أثناء الإسناد في سنن النسائي

    أيضاً الموجود في كتاب النسائي غالباً التعبير بـ(قال) قبل (حدثنا) و(أخبرنا) في أثناء الإسناد، وهذه لا ندري هل هي من الأصل -من كتابة النسائي- أو أنها من بعض النساخ؟ لأن المعروف عند المحدثين أن كلمة (قال) تحذف قبل الصيغة في أثناء الإسناد, تحذف كتابة وينطق بها عند القراءة، كأن يقول: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، وإن لم يكن فيه قال في أثناء الإسناد، لكن كتاب النسائي فيه ذكر كلمة قال قبل الصيغة، فيحتمل أن تكون هذه من النسائي ، ويحتمل أن تكون هذه من النساخ فيأتون بكلمة (قال) ويثبتونها، والتي اشتهر عند العلماء أنها تحذف خطاً للاختصار والتخفيف من الكتابة، وينطق بها عند القراءة وإن لم تكن موجودة؛ لأن هذا مما شاع في الاصطلاح عند العلماء، بحيث تحذف كلمة (قال) قبل الصيغة خطاً وينطق بها عند القراءة وإن لم تكن موجودة.

    1.   

    الكتب التي اعتنت بسنن النسائي سنداً ومتناً

    إن كتاب النسائي رحمة الله عليه لم يلق عناية خاصة به، لا من حيث الرجال ولا من حيث المتون، فإنه لم يحصل له كما حصل للصحيحين، ولسنن أبي داود، ولجامع الترمذي من العناية الخاصة، ولم يحصل له عناية خاصة من حيث الشرح والاعتناء ببيان المتون وشرحها وتوضيحها، ولا كذلك فيما يتعلق بالرجال، فلم يحصل ذلك على سبيل الاستقلال، ولكنه حصل على سبيل الاشتراك مع غيره، فمن حيث المتون ومن حيث الأسانيد لقي مع غيره -لا على سبيل الاستقلال- عناية فائقة وعناية تامة.

    أما كونه يعتنى به بحيث يؤلف فيه مؤلفات شارحة له, أو معتنية برجاله على سبيل الاستقلال, فهذا لم يظهر شيء ولم يشتهر شيء من هذا القبيل.

    والسيوطي وقد كانت وفاته سنة تسعمائة وإحدى عشرة، أي: بينه وبين النسائي ما يزيد على ستمائة سنة، يقول في مقدمة كتابه (زهر الربى في شرح المجتبى): إن هذا الكتاب على عظم شأنه ما اشتهر له وما ظهر له شرح، وقد مضى على تأليفه ستمائة سنة، ويقول: إنه ما علم أنه حصل له عناية، وأنه لم يحصل له شرح يليق بهذا الكتاب -الذي هو كتاب النسائي - ومع ذلك فـالسيوطي شرحه في شرح مختصر، أيضاً لم تكن فيه العناية التامة.

    إذاً: فلم يحصل له من العناية ما حصل لغيره من الكتب الأخرى، اللهم إلا ابن ماجه فإنه مثله لم يحصل له عناية من حيث الشرح مثل ما حصل للكتب الأربعة الأخرى التي هي: البخاري، و مسلم، و الترمذي، و أبو داود .

    الكتب التي اعتنت بسنن النسائي من حيث الإسناد

    أما من حيث الرجال فقد اعتني به مع غيره من الكتب، وألف مؤلفات برجال الكتب الأربعة التي هي: السنن, ومؤلفات لرجال الكتب الستة، وأما كونه يعتنى بمؤلف برجاله, فهذا لا نعلم شيئاً ظهر فيه لا مخطوطاً ولا مطبوعاً، بل وحتى الذكر، اللهم إلا نادراً في ذكر الشيوخ أو في ذكر شيوخه، أما بالنسبة لرجاله فلا نعلم فيه شيئاً، ولكنه ألف فيه مع غيره.

    مما ألف فيه -وهو مطبوع ومشهور, وبعضها لم يطبع- وهو أصلها كتاب: ( الكمال في أسماء الرجال)، للحافظ عبد الغني المقدسي المتوفى على رأس سنة ستمائة من الهجرة، ألف كتابه (الكمال في أسماء الرجال)، وهو خاص برجال الكتب الستة التي هي: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وهذا الكتاب لم يطبع، ولم يوجد كاملاً، وإنما يوجد منه قطع، ولكن جاء بعده أبو الحجاج المزي ، وهو شيخ ابن كثير وصهره، أي: والد زوجته، فابن كثير زوج بنت أبي الحجاج المزي المتوفى سنة سبعمائة واثنين وأربعين، ألف كتاباً سماه: (تهذيب الكمال)، اعتنى فيه عناية فائقة برجال الكتب الستة، ورجال أصحابها في الكتب الأخرى، بمعنى: أنه لا يقتصر على الكتب الستة، وإنما على رجال أصحابها.

    إذاً: فرجال الكتب الستة موجودون في هذا الكتاب، وهذا الكتاب موجود مخطوط, وهو مصور على النسخ الخطية، وبدئ بطباعته من مدة، وظهر منه عدة مجلدات، وهو كتاب نفيس جامع مفيد.

    ومن أعجب ما فيه أن مؤلفه رحمة الله عليه مع صبره وتحمله وعدم تعبه ونصبه، فإنه عندما يأتي للراوي الذي يترجم له يذكر تلاميذه وشيوخه، ويرتب التلاميذ ويرتب الشيوخ في كل ترجمة، بحيث أن الإنسان إذا أراد أن يبحث عن رجل فلا يحتاج إلى أنه يقرأ الأسماء كلها في ترجمة الرجل: شيوخه وتلاميذه، بل ينظر أول اسمه فيبحث عنه، فإذا كان سليمان مثلاً في وسط الأسماء، وإذا كان محمد في آخر الأسماء، وإذا كان إبراهيم في أول الأسماء؛ لأنه عند كل ترجمة من التراجم هذه الألوف يرتب الشيوخ في كل ترجمة على الحروف، ويرتب التلاميذ في كل ترجمة على الحروف، بحيث لا يتعب الإنسان في الأسماء الغير المرتبة، فإذا أراد أن يبحث عن رجل مباشرة يذهب إلى مكان أول اسمه فيبحث عنه، إن وجده وإلا ترك الكتاب وبحث عنه في مصدر آخر.

    وهذا من شدة العناية وشدة الحرص على الدقة وعلى تذليل الصعوبات أمام المشتغلين بالعلم والمنتسبين إليه، إذ يجدون الجهود التي بذلت قد حصل فيها ذلك الترتيب, وحصل فيها تلك الدقة وتلك العناية التامة.

    إذاً: هو كتاب عظيم، وهو أوسع من الكمال، وإن كان يسمى (تهذيب الكمال) إلا أنه أوسع منه، وليس كما يظن البعض أنه أقل منه مثل ما في تهذيب التهذيب فهو أقل من تهذيب الكمال، بل التهذيب أوسع من الكمال، ولكنه بناه على ذلك؛ لأن ذاك خدمه من حيث الترتيب ومن حيث الجمع ومن حيث الكلام، ولكن هذا من حيث التراجم والتوسع فيها وحصر الأقوال واستيعابها أوسع وأعظم من أصله الكمال.

    فتهذيب الكمال للمزي في أسماء الرجال مشتمل على رجال النسائي, كما اشتمل على رجال الخمسة الآخرين وهم: البخاريمسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .

    وكتاب تهذيب الكمال جاء بعده الحافظ ابن حجر فهذبه في كتاب سماه (تهذيب تهذيب الكمال)، لكنه اختصاراً يقال: (تهذيب التهذيب)، و(أل) في التهذيب عوض عن المضاف إليه؛ لأنها للعهد الذهني, يعني: التهذيب الذي هو تهذيب الكمال، وهذا كثيراً ما يستعمل على سبيل الاختصار، مثل ما يقال: الفتح، مثلاً: قال الحافظ في الفتح، قال الحافظ في البلوغ، فبدل أن يقول: بلوغ المرام, أو يقول: فتح الباري؛ يحذف المضاف إليه ويأتي بـ(أل) عوضاً عن المضاف إليه من الأول، وهذا يذكرونه اختصاراً، ويأتي في كثير من أسماء الكتب المكونة من مضاف ومضاف إليه, فيحذفون المضاف إليه ويأتون بأل في الأول: قال الحافظ في الفتح، ذكره الحافظ في الفتح، قال الحافظ في البلوغ.. وهكذا، قال عبد الغني في العمدة, يعني: عمدة الأحكام وهكذا، فيحذفون المضاف إليه ويأتون (بأل) في أول المضاف بعد حذف المضاف إليه اختصاراً فتكون للعهد الذهني، يعني: المعهود بالأذهان فالعمدة: هي المعهودة بالأذهان, أو البلوغ: هو المعهود بالأذهان، أو الفتح: هو المعهود بالأذهان الذي هو فتح الباري, وبلوغ المرام, وعمدة الأحكام.

    فسماه تهذيب التهذيب، حيث يأتي ببعض كلام المزي ويختصره, ويأتي ببعض ما فيه ولكن له زيادات، فعندما ينقل من كلام المزي ما يريد أن ينقل من الترجمة، يأتي بعد ذلك في آخرها فيقول: قلت، ثم يأتي بكلام لا يوجد في تهذيب الكمال.

    فإذاً: الزيادات التي عند الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب وليست عند المزي هي ما بعد: (قلت)، أما ما قبلها فهو من كلام المزي, لكنه مختصر وليس كل كلامه، بل بعض كلام المزي ، وما بعد (قلت) هو كلام الحافظ ابن حجر الذي أتى به من كلام العلماء المتأخرين ومن استدراكاته هو واطلاعه هو، رحمة الله عليه.

    ثم قام وأتى بكتاب بعد هذا مختصر جداً وهو (تقريب التهذيب)، وتقريب التهذيب هذا على اختصاره يعطي القارئ رأي الحافظ ابن حجر في الشخص؛ لأنه في تهذيب التهذيب لا يستطيع أن يخرج بنتيجة من كلام الحافظ ابن حجر بأن يقول: هذا رأيه؛ لأنه يأتي بكلام المزي ثم بعد ذلك يأتي بكلام لغيره، يعني: ينقله بعد قلت، لكن عندما يقرأ الإنسان كتاب تهذيب التهذيب يطرح سؤالاً ويقول: ما هي النتيجة التي توصل إليها الحافظ ابن حجر؟ وما هي الخلاصة التي توصل إليها الحافظ ابن حجر في حال الرجل من الجرح والتعديل؟ هل هو ثقة, أو غير ثقة، أو أنه ضعيف، أو أي حالة من الأحوال التي يوصف بها الرجل جرحاً وتعديلاً؟ الجواب على هذا السؤال يوجد في تقريب التهذيب، أي: أن رأي الحافظ ابن حجر لا يوجد في تهذيب التهذيب, ولكن يوجد في تقريب التهذيب، فهو كتاب مختصر يأتي بالترجمة بسطر أو سطرين أو ثلاثة, وقد تصل إلى أربعة, بلفظ موجز مفيد يتبين منه رأي الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه في الرجل الذي ترجم له في تهذيب التهذيب.

    وكتاب تهذيب الكمال أيضاً اعتنى به الذهبي في كتابين؛ أحدهما: تذهيب التهذيب، لأن تلخيص ابن حجر له اسمه: (تهذيب التهذيب).

    وأما الذهبي فـ(تذهيب التهذيب).

    وله كتاب آخر خاص برجال الكتب الستة، ولا يذكر رجال الكتب الأخرى, مثل: (عمل اليوم والليلة) للنسائي, والقراءة خلف الإمام للبخاري, والأدب المفرد للبخاري ، فلا يذكر إلا رجال الكتب الستة الذين في صحيح البخاري، وصحيح مسلم, وسنن أبي داود, وسنن النسائي, وسنن ابن ماجه, وسنن الترمذي، ورجال هذه الكتب الستة فقط، وهذا سماه: (الكاشف في رجال الكتب الستة)، فهو خاص، بخلاف التذهيب فإنه في رجال أصحاب الكتب الستة.

    وكتاب الذهبي (التذهيب) قام الخزرجي -وهو من علماء القرن العاشر- بتلخيصه واختصاره في كتاب سماه: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، فهو في درجة كتاب التقريب لـابن حجر؛ لأن (التذهيب) في درجة (تهذيب التهذيب)، و(الخلاصة) في درجة (تقريب التهذيب)، الخلاصة للخزرجي ، إلا أن الخزرجي ليس مثل الحافظ ابن حجر لا يأتي برأي منه, أو بكلام منه وإنما ينقل كلام العلماء، يذكر اثنين من الشيوخ واثنين من التلاميذ ويذكر قال فيه فلان كذا، وقال فيه فلان كذا، أي: أنه ينقل بعض ما قيل فيه وبعض شيوخه وتلاميذه.

    هذه طريقة صاحب الخلاصة الخزرجي في كتابه: خلاصة تذهيب الكمال.

    فهذه الكتب اعتنت برجال الكتب الستة, ومنها سنن النسائي.

    إذاً: فكتاب تهذيب الكمال للمزي هو كتاب عظيم ولا يستغني عنه طالب علم، وهو موسوعة في أسماء الرجال الذين هم رجال أصحاب الكتب الستة.

    وينبغي أن يعلم أن سادس الكتب الستة في هذه الكتب التي قامت بخدمة هذه الكتب هو: ابن ماجه وليس الموطأ، أي: أن السادس هو ابن ماجه، فالرجال في هذه الكتب هم رجال ابن ماجه ؛ لأن سادس الكتب في هذه المؤلفات هو ابن ماجه وليس الموطأ ولا الدارمي؛ لأن صاحب الكمال لما ألف كتابه ألفه في رجال الكتب الستة على أن الكتب الستة سادسها سنن ابن ماجه وقد مشى على هذا الأساس, وجمع هذه التراجم لأصحاب هذه الكتب، وجاء بعده العلماء وبنوا على كتابه تلك الكتب المطولة والمختصرة.

    ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الكتاب الذي ذكرت -وهو كتاب تهذيب الكمال- يعتبر موسوعة من الموسوعات في أسماء الرجال، فإذا ضم الإنسان إليه كتاب لسان الميزان لـابن حجر جاءه مجموعة من الرجال غير ما اشتملت عليه تلك الكتب؛ لأن من شرط الحافظ ابن حجر في الميزان: ألا يأتي فيه برجل ترجم له في التهذيب، إذاً: فمعناه رجال يضمون إلى الرجال وهم رجال غير الرجال، يعني: معناه أن هذا العدد الذي في اللسان يضاف إضافة جديدة ولا تكرار فيه بين اثنين، فإذا كان الإنسان عنده تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب المبني عليه, ولسان الميزان فإنه يكون عنده عدد هائل وعدد كبير من الرجال؛ لأن تهذيب التهذيب في اثني عشر مجلداً، ولسان الميزان في ثمانية مجلدات، فيكون عشرين مجلداً فيها أسماء رجال ولا تكرار في تلك الرجال.

    الكتب التي اعتنت بسنن النسائي من حيث المتن

    أما فيما يتعلق بالمتون والعناية بالمتون فأيضاً قرن النسائي مع غيره، وممن اعتنى بالمتون: رزين العبدري في كتابه: التجريد، فإنه جمع متون تلك الكتب واستوعبها، ولكن سادس الكتب عنده: الموطأ، فجاء بعده ابن الأثير أبو السعادات ، فبنى عليه كتاب: جامع الأصول، بناه على كتاب رزين التجريد، ورتبه ونظمه وأتى بكتب، والكتب رتبها على الحروف، وكما قلت: هو مبني على ذلك الكتاب فالسادس هو الموطأ، وهو لا يذكر الأسانيد وإنما يذكر المتون، يقول: عن فلان, ثم يرمز للذين رووا هذا الحديث مثلاً: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والموطأ، لا يذكر ابن ماجه ؛ لأن ابن ماجه السادس بدله الموطأ.

    وابن الأثير هذا هو صاحب (النهاية في غريب الحديث)، والمشهور في ابن الأثير أنه فيه ثلاثة إخوة كلهم اشتهروا بابن الأثير، وكلهم يختلف عن غيره في التخصص؛ فأحدهم محدث, وهو صاحب النهاية وصاحب جامع الأصول، وأحدهم مؤرخ، والثالث أديب وهو صاحب كتاب (المثل السائر)، فهم ثلاثة إخوة اشتغلوا في العلم، واحد منهم برز في الحديث وعنايته في الحديث، والثاني في التاريخ، والثالث في الأدب، والمشهور عندما يأتي في النقل من كتب اللغة أو في كتب الحديث عندما يقال: قال أبو السعادات, أو يقال: قال ابن الأثير، المقصود به المحدث صاحب النهاية وصاحب جامع الأصول، وهذا الكتاب -الذي هو جامع الأصول- كتاب واسع، جمع هذه الكتب وسادسها كما ذكرت الموطأ وليس سنن ابن ماجه.

    ومن الذين اعتنوا بأطراف هذه الكتب وكتابه مطبوع هو كتاب: تحفة الأشراف للمزي الذي طبع في الدار القيمة في الهند، وقام بطبعه وتحقيقه: عبد الصمد شرف الدين الذي أشرت إليه، وذكر في المقدمة أن في الصغرى ما ليس في الكبرى، أي: في السنن الصغرى ما ليس في الكبرى، وهذا الكتاب -الذي هو تحفة الأشراف- يذكر فيه طرف الحديث، أي: أوله، ولكنه يذكر الإسناد، فكتاب تحفة الأشراف في معرفة الأطراف مثل سنن النسائي، وفيه أيضاً -كما يشير إليه عبد الصمد شرف الدين- أشياء من السنن الكبرى؛ لأنه يجعله بين قوسين ويقول: في الكبرى، وليس في الصغرى.

    هذه من الكتب التي اعتنت بهذا الكتاب مع غيره، لكنه لم يحصل له عناية خاصة تليق به من حيث العناية بشرحه والتوسع فيه كما توسع في غيره من الكتب الأخرى كالصحيحين وسنن أبي داود وجامع الترمذي.