إسلام ويب

نعمة تطبيق الحدودللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حد الحدود نعمة عظيمة امتن الله بها على المسلمين لحفظ دمائهم وأعراضهم وأموالهم وعقولهم، ومن فرط في هذه الأحكام فقد فرط في الإسلام؛ لأنه يساعد على نشر الفوضى وعدم استقرار المجتمع، والناظر في المجتمعات غير الإسلامية يرى ذلك جلياً، فالجريمة لا رادع لها، وحقوق

    1.   

    أهمية إقامة الحدود

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً).

    إن كل ما يمكن تصوره من رخاء وسعة عيش ورغد، كل ذلك لا يعدل تطبيق حد من حدود الله.

    الأرض أرض الله، والحكم لله، والعباد عباد الله، فعباد الله في أرض الله يجب أن يحكموا بشرع الله، إن الله هو الذي خلقنا، وهو الذي يعلم ما يصلحنا وما يصلح لنا أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة:140]، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216].

    لقد كذب بعض البشر حين زعموا أن أحكام الله في القتل والزنا والسرقة وحشية، إنها العدل والرحمة والقسطاط، إنها الخير والبركة التي تعم البلاد والعباد، إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم حق لا يتخلف، فحد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً.

    عباد الله! إن الأمن والطمأنينة والسعادة في الدنيا قبل الآخرة لن تكون إلا بتطبيق شرع الله في عباد الله، وإلا فهو الشقاء والنكد والفوضى والسلب والنهب.

    ولنعتبر بالدول التي تسمى اليوم بالمتقدمة، فكم معدلات الجريمة فيها؟ كم فيها من قتل وسلب ونهب وسرقة وزنا؟

    إن مثل هذه الأشياء أصبحت اليوم تحتسب بما فوق الثانية.

    إن الوحشية حقاً هي في ترك الحبل على الغارب للمعتدين يعيثون في الأرض فساداً، أو في إيقاع عقوبة مخالفة لما شرعه الله عز وجل.

    لكي يشيع الأمان ويطمئن الإنسان شرعت شرائع الحدود والقصاص للمعتدين، إنها مبادئ وأحكام من أجل ضبط المجتمعات، أساسها الرحمة العامة والمصلحة الراجحة.

    إن الرحمة بمفهومها الواسع غير مقصورة على الشفقة والرقة التي تنبت في النفس نحو مستضعف أو أرملة أو طفل، ولكنها رحمة عامة للضعيف والشريف والرئيس والمرؤوس.

    لا مكان للرحمة للمعتدين، لا مكان للرحمة لمنتهكي الأعراض والأموال والدماء، لا يعرف العدالة في شرائع الحدود والقصاص إلا المقروحون المكتوون ممن أهدرت دماؤهم، وانتهكت أعراضهم، ونهبت أموالهم، هل يترك أولئك تلك المعتدون طليقين يزداد المجتمع بهم بلاء وشقاء؟‏

    الحكمة من القصاص

    إن أغلب المعتدين يُقدمون على القتل حين يذهلون عن الثمن الذي يدفعونه حتماً، ولو علموا أنهم مقتولون يقيناً لترددوا ثم أحجموا.

    ويوم أن قالت العرب: القتل أنفى للقتل، قال الله عز وجل عبارة أوجز لفظاً، وأحكم أسلوباً: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179]، نعم، إن في القصاص حياة حين يكف من يهم بالجريمة عن الإجرام.

    في القصاص حياة حين تشفى صدور أولياء القتيل من الثأر الذي لم يكن يقف عند حد، ثأر تسيل معه الحياة على مذابح الأحقاد العائلية، والثأر القبلي، جيلاً بعد جيل، لا تكف الدماء عن المسيل.

    في القصاص حياة تشمل المجتمع كله، حين يسود البلاد الأمان الذي يصون الدماء.

    الحكمة من حد الزنا

    وكما حفظت النفوس حفظت الأعراض، فلا قسوة في جلد أو رجم؛ لأن الغرض الأسمى هو حماية الشرف، وصيانة الأسر، وإشاعة الطهر والعفة بين الرجال والنساء: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2].

    إن الآية لتبين بوضوح أن هذا النوع من الرأفة بالزناة والزواني لا يجتمع مع الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى الرغم مِنْ أنّ مِنْ أخص خصائص المؤمنين أنهم رحماء بينهم، فالرفق بالمعتدين على الأعراض ومرتكبي الفواحش ليس من الرحمة في شيء.

    الزواج الصحيح هو وحده الملتقى المشروع للنفوس الكريمة والأسر الشريفة، يلبي نداء الفطرة بطريقة سليمة صحيحة.

    إن الولي العاقل والأب الشريف والمربي الغيور لا يهنأ له بال ولا يقر له قرار ولا يشعر بالطمأنينة حتى يضع موليته بيد زوج كريم يصون عرضها ويحفظ كرامتها، لاسيما هذه الأيام التي كثرت فيها بواعث الشر ومهيجات الشهوة.

    ومن أجل هذا وتأكيداً لحفظ حرمات الناس من أن تستطيل عليها الألسنة الحداد، فتقع في الإفك، شرع حد القذف؛ ليجلد المفترون، وتسقط كرامتهم، وترد شهادتهم، وتحفظ أعراض العفيفين والعفيفات.

    الحكمة من حد السرقة

    أما السراق واللصوص فشرع حد قطع اليد لحفظ هذا المال الشريف، هذا العامل الكادح قد قبض أجره ليضعه في أفواه نساء وصبية، فإذا بيد آثمة تمتد إلى كسبه وتستولي على رزقه، يأخذ اللص في لحظة ما جمعه الشريف بأيام وليالي من عرق جبينه.

    إن اليد العاملة الكاسبة، حقها أن تصان وتحمى، حقها أن يضمن لها سعيها وتأمن في عيشها.

    إن اليد الفاسدة التي عزفت عن شريف العمل، وامتدت إلى الناس بالأذى، وعز علاجها، لا بد من بترها ليرتاح منها صاحبها، ويريح المجتمع كله من مفاسده.

    إن السطو على الأموال جريمة تزداد وتستشري، إن لم تقابل بالعلاج الحاسم فإنها تتحول إلى جرأة على الدم الحرام، فما أيسر أن يقتل اللص من يعترض طريقه! سواء كان هذا المعترض من رجال الأمن أو من رجال الأعمال والأموال؛ بل حينما يستفحل أمرهم ويتصاعد خطرهم تعظم العقوبة الزاجرة في حقهم في شريعة الله عز وجل، إنهم أصبحوا محاربين لله ولرسوله، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33].

    إن من قاتل من أجل المال وأخذه بالسلاح محارب لله ورسوله، جزاؤه كما جاء في الآية: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33].

    أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    عاقبة من ضيع شرع الله والعمل بحدوده

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

    يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    لقد تعالت نداءات الجاهلين بإلغاء عقوبة القتل لمن يستحقها، فهذا المعتدي عندهم منحرف المزاج مضطرب النفس، ينبغي أن يعالج، إنه اعتذار عن المعتدين مرفوض، ومع هذا فقد وجدت هذه النداءات استجابة عند البعض، فألغيت عقوبة القتل من بعض الدول، ففتحوا سجوناً كثيرةً، سمن فيها المعتدون لكي يخرجوا إلى الناس أشد ضراوة وأكثر شقاوة.

    ماذا كسب الذين أهملوا حكم الله في الحدود والقصاص وأعملوا حكم الطاغوت؟

    لم يجنوا إلا انتشار الجريمة، وسيادة الفوضى، وذعر الألوف في مساكنهم ومسالكهم، وفي الحديث: (وما ترك أئمتهم العمل بكتاب الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم).

    إنه لتأخذك الدهشة حين ترى في واقع الذين ظلموا أنفسهم وابتعدوا عن شرع الله ما ينشرونه من أنواع الجرائم المستبشعة، مع استهانتهم بالأنفس، واسترخاصهم للدماء، وانتهاكهم للأعراض، وابتزازهم للأموال.

    لقد وصل الحال بهم حين أمنوا العقوبة الرادعة أن كونوا قوى كبيرة تضارع الدول والحكومات، بل قد تفوق عليها في قوتها وأنواع أسلحتها، إنها عصابات تقطع الطرق، وتخيف السبيل، وتنشر الرعب والفساد، وتغير على المصارف والخزائن، وتستهين بالقوانين والأعراف، من قاومهم قتلوه، ومن سكت عنهم استخفوا به وأهانوه، شرهم يستشري، وأمرهم يستفحل، والناس منهم في هرج ومرج واضطراب وفساد، تلك عقوبة الذين تركوا شرع الله.

    عباد الله! إن الأمن الذي يتحقق بتطبيق شرع الله لا يعتمد على العقوبة وحدها، ولكن يعتمد قبل ذلك وبعده على غرس الإيمان في القلوب، وزرع الخشية من علام الغيوب، فتترك النفوس الاعتداء رغبة ورهبة، يغذي ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بأساليبه المتعددة ونداءات الوعظ الرقيق والتذكير الرفيق، وتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل.

    ومن هنا: فإن دين الإسلام لا يقف متربصاً من أجل أن تزل قدم ليُجْهِزَ على صاحبها؛ ولكنه يمنح الفرص تلو الفرص، من الستر المحمود، والوعظ الرقيق، والتذكير الرفيق، ليرشد الضال ويصلح العاصي.

    عباد الله! لا تجوز الشفاعة في حد من الحدود بعد وصولها إلى الأمير، وهو ما يسمى عندنا اليوم - بالإمارة -، لحديث المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فأهم ذلك أهلها، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أسامة بن زيد فكلمه أسامة ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: (إن مما أهلك من كان قبلكم، أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يدها، وحسن حال المرأة.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بقوم فتنة أن تقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وأخص منهم الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن بقية العشرة المبشرين، وعن بقية صحابة نبيك أجمعين.

    اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس عسرة المعسرين، واقض الدين عن المدينين، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم اجعل ما أصابهم كفارة لسيئاتهم، ورفعة لدرجاتهم، اللهم فك أسر المأسورين، اللهم ردهم إلى بلادهم سالمين غانمين، اللهم اغفر لموتى المسلمين، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.