إسلام ويب

من صفات أهل الفردوس [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صفات أهل الجنة أنهم يخشعون في صلاتهم ويأتون بالأسباب المعينة على ذلك؛ من إسباغ للوضوء، والتبكير للصلاة، واستحضار عظمة الله عز وجل عند الوقوف بين يديه، وطرد الوساوس وما يصرف القلب، والنظر إلى موضع السجود وعدم الالتفات بالرأس. كما أن من صفاتهم أنهم يعرض

    1.   

    الخشوع في الصلاة من صفات أهل الجنة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، فقالوا: يا رسول الله! أفلا نبشر الناس؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إن في الجنة مائة درجة، كل درجة ما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة)، نسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يورثنا الفردوس الأعلى، وأن يجعلنا من سكانها إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    فمن أراد هذه المنزلة العظيمة فعليه أن يأخذ بأسباب ذلك، وقد بين الله عز وجل في كتابه صفات الذين يرثون الفردوس الأعلى، قال الله عز وجل في أول سورة المؤمنون: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2].

    والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، والمؤمن هو الذي آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فالذي يتصف بالصفات التي ذكرها الله عز وجل مفلح قطعاً، ولهذا عبر الله عز وجل بلفظ الماضي، وعبر بقد مما يدل على تحقق الوقوع، فحري بنا وجدير لكي نكون من ورثة الفردوس، لكي نكون من ورثة هذه الجنة العالية، أن نتصف بهذه الصفات العظيمة التي بينها الله عز وجل في أول سورة المؤمنون بقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2].

    هذه الصفة الأولى من صفات الوارثين للفردوس الأعلى، وهو الخشوع في الصلاة، والخشوع في الصلاة هو حضور القلب فيها، وعدم حديث النفس فيها، وإن غالبته نفسه وحدثته وسرح قلبه فعليه أن يستعيذ بالله وأن ينفث عن يساره ثلاثاً، وأن يعاود إلى صلاته.

    أهمية الخشوع

    الخشوع هو لب الصلاة وقلبها وروحها، وهو سبب حياة هذه الصلاة، وهو صفة الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والخشوع فضله عظيم وأجره كبير، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بوضوء -أي: بماء يتوضأ به- فتوضأ ثلاثاً، غسل وجهه ثلاث مرات، ويديه ثلاثاً، ومسح برأسه وغسل رجليه ثلاثاً، ثم قال صلى الله عليه وسلم: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر له ما تقدم من ذنبه).

    فالخشوع في الصلاة وحضور القلب فيها، ومطاردة وساوس الشيطان سبب لغفران الذنوب.

    وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها.

    وجاء في حديث عمار رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل لينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها)، إلى أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا عشرها)، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا ثوب بالصلاة أقبل حتى يخفر بين المرء وصلاته حتى يخفر بين المرء وقلبه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، فيظل الرجل يصلي لا يدري كم صلى).

    فالوسوسة وعدم الخشوع سبب لذهاب الأجر، وهو من مداخل الشيطان على المصلين، وهو سبب لذهاب روح الصلاة ولبها، فحري بنا وجدير أن نجاهد أنفسنا على الخشوع، وأن نأخذ بأسباب الخشوع.

    أسباب الخشوع في الصلاة

    الخشوع له أسباب فمن أسبابه أن يسبغ المسلم وضوءه، وأن يتوضأ كما أمره الله عز وجل بأن يتوضأ وضوءاً كاملاً لا يبخس من وضوئه شيئاً، أن يغسل وجهه وأن يتمضمض، وأن يدخل الوضوء إلى داخل أنفه، وأن يغسل يديه من أطراف أصابعه إلى ما بعد المرفقين، وأن يمسح بجميع رأسه، وأن يغسل رجليه من أطراف الرجلين إلى ما بعد الكعبين.

    ومن أسباب الخشوع: أن يتقدم المسلم إلى صلاته، وألا يتأخر إلى وقت الإقامة أو إلى ما بعد الإقامة، فإنه إذا تقدم إلى مصلاه مبكراً كان هذا أحرى أن يفرغ قلبه لله عز وجل، وأن يبتعد وينفصل عن أمور الدنيا ومشغلاتها، والمبادرة إلى الصلاة له فضل عظيم عند الله عز وجل، فمن فضله أن المسلم يحوز الصف الأول، وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا).

    ومن فضائل التقدم إلى الصلاة: القرب من الإمام، وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك فقال: (تقدموا فاتموا بي، وليأتم بكم من خلفكم).

    ومن فضائل التقدم إلى الصلاة: أن المتقدم يحوز فضيلة دعاء الملائكة، وأنه في صلاة ما انتظر الصلاة، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، تقول: (اللهم اغفر له! اللهم ارحمه! اللهم تب عليه!)، فرجل تدعو له الملائكة حري بأن يقبل الله عز وجل دعاء ملائكته فيه.

    ومن فضائل التقدم إلى الصلاة: إدراك تكبيرة الإحرام، ومن فضائل ذلك قراءة شيء من كتاب الله عز وجل، والحصول على السنة القبلية إذا كان للصلاة سنة قبلية، كصلاة الظهر، فلها أربع قبلها، وكصلاة الفجر لها ركعتان قبلها.

    هذه الفضائل من أسباب الحصول على الخشوع في الصلاة.

    ومن أسباب الخشوع في الصلاة: أن يستحضر المسلم إذا قام في الصف أنه يقوم بين يدي الله عز وجل، وأنه إذا رفع يديه فإنه يرفع الحجاب بينه وبين ربه، وأنه إذا قال: الله أكبر فهو اعتراف وإقرار منه بأن الله عز وجل أكبر من كل شيء، أكبر من الدنيا وأموالها ومناصبها وزخارفها، وإذا كان كذلك فحري بالمسلم أن يجعل قلبه كله لله عز وجل، ولا يجعل لدنياه منه شيئاً، ويستحضر أيضاً أنه إذا وضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره أنه كما قال الإمام أحمد : عز في مقام ذل، ويستحضر أن الله سبحانه وتعالى يناجيه، كما جاء ذلك في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال عبدي: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل).

    ومن أسباب الخشوع في الصلاة أن يصلي المسلم صلاة مودع كما هي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أوصني، فقال عليه الصلاة والسلام: (صل صلاة مودع).

    ومن أسباب الخشوع في الصلاة: أنه إذا طرأت عليه وساوس الشيطان وحديث الدنيا، فعليه أن ينفث عن يساره، وأن يستعيذ بالله من الشيطان نافثاً ثلاث مرات.

    ومن أسباب الخشوع في الصلاة: أن ينظر إلى موضع سجوده، وألا يلتفت برأسه أو ببصره، فإن هذا اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد كما جاء ذلك من حديث عائشة في صحيح البخاري.

    هذه أسباب وأبواب للخشوع في الصلاة، فحري بنا وجدير وقمن أن نأخذ بها، لكي نحوز هذه الصفة العظيمة من صفات الوارثين للفردوس الأعلى، وهي صفة الخشوع في الصلاة، أسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يجعلني وإياكم من المفلحين، ومن الخاشعين في صلاتهم، ومن الذين يرثون الفردوس الأعلى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الإعراض عن اللغو من صفات أهل الجنة

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم وأبارك على سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، ونترضى عن صحابته أجمعين.

    أما الصفة الثانية من صفات الوارثين للفردوس الأعلى المفلحين، فقد قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3].

    واللغو فسره بعض المفسرين بأنه الشرك، وفسره بعضهم بأنه المعاصي، وفسره بعضهم بأنه كل ما لا فائدة فيه، وهذا هو أقرب التفاسير، فاللغو: هو كل ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، فحري بالمسلم وجدير به أن يزن أقواله وأفعاله، وأن ينظر إلى أقواله وأفعاله، فإنها لا تخلو من ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: قول أو فعل ظهرت فيه المصلحة، فليقدم عليه المسلم، وذلك كذكر الله عز وجل، والدعوة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقراءة كتاب الله، وكالصلاة والاعتكاف والحج وصلة الأرحام وبر الوالدين، وغير ذلك من الأفعال والأقوال الطيبة الصالحة، فليقدم عليها العبد المسلم، وليشغل جوارحه بها.

    أما القسم الثاني: فأقوال وأفعال ظهرت مفسدتها، فيجب على المسلم أن يكف عنها، وذلك كالغيبة والنميمة، والسخرية والاستهزاء والبذاءة والكذب واللعن والطعن والسباب، ونحو ذلك من الأقوال الفاسدة المحرمة، وكذا يعرض عن استماع الغناء والوقوع في الفواحش، وأكل الربا وأكل مال اليتيم، وغير ذلك مما حرم الله عز وجل.

    أما القسم الثالث: فأقوال وأفعال لم تظهر مصلحتها ولا مفسدتها، فقد ذكر العلماء كـالنووي وغيره أن السنة أن يمسك عنها، وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وقد جاء أيضاً في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المخرج في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين بها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).

    وقد قال الله عز وجل: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وقال سبحانه: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    فإذا كان الكلام أو الفعل لا تترتب عليه مصلحة، فالسلامة لا يعدلها شيء، فحري بالمسلم أن يمسك عن ذلك، فإن هذا من لغو الكلام وفضوله، إلا إذا كان يترتب على هذا الكلام المباح مصلحة، كإيناس زوج أو ضيف أو صديق أو نحو ذلك، لكن عليه أن يتحرز في كلامه، فإن الكلام يجر بعضه بعضاً، فقد يكون مبتدؤه مباحاً ثم يجر ذلك إلى الكلام المحرم.

    هاتان صفتان من صفات المفلحين الذين يرثون الفردوس الأعلى، وسنكمل هذه الصفات إن شاء الله في لقاء قادم، فنسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المؤمنين المفلحين الذين يرثون الفردوس الأعلى، اللهم اجعلنا من ورثة الفردوس الأعلى يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك باليهود الظالمين، والنصارى الحاقدين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ عليهم دماءهم، واحفظ عليهم أموالهم، واحفظ عليهم أعراضهم، اللهم من أرادهم بسوء فأشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، وجعل اللهم تدبيره في تدميره، وجعل اللهم الدائرة عليه يا قوي يا عزيز، اللهم إنا ندرأ بك في نحور الظالمين، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس عسرة المعسرين، وفك أسر المأسورين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم اجعل ما أصابهم كفارة لسيئاتهم، ورفعة لدرجاتهم, اللهم اغفر لموتى المسلمين، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين وجعلنا للمتقين إماماً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.