إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. خالد بن علي المشيقح
  4. سلوكيات خاطئة في فترة الامتحانات

سلوكيات خاطئة في فترة الامتحاناتللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العناية بالنشء مسلك الأخيار وطريق الأبرار، ولا يفسد المجتمع ويهلك في الهالكين إلا حين تفسد أجياله، ولا ينال الأعداء من الأمة إلا إذا نالوا من شبابها. فالواجب تعريف الشباب بالعزائم من الأمور والعالي من الهمم، وعلاج ما يظهر من سلوكيات خاطئة لديهم، والتي منه

    1.   

    أهمية العناية بالنشء والشباب

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

    إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    عباد الله! زينة الحياة الدنيا وعدة الزمان بعد الله هم الشباب الناشئون في طاعة ربهم، لا تكاد تعرف لهم نزوة، أو يعهد عليهم صبوة، يستبقون في ميادين الصالحات، أولئك لهم الحياة الطيبة في الدنيا ولهم الظل الظليل يوم القيامة، ولئن تطلعت الأسرة لإصلاح ناشئتها، ورغبت في أن تقر عينها بصلاحهم، فعليها أن تهتم بتربيتهم وتسليحهم بسلاح الإيمان، وتحصينهم بدروع التقوى، وأخذهم بجد وقوة من العلم النافع والعمل الصالح.

    إن العناية بالنشء مسلك الأخيار وطريق الأبرار، ولا يفسد المجتمع ويهلك في الهالكين إلا حين يفسد أجياله، ولا ينال الأعداء من أمة إلا إذا نالوا من شبابها وصغارها، والله عز وجل ذكر عن أنبيائه أنهم توجهوا إلى ربهم بصلاح ذرياتهم قبل وجودهم ومن بعد وجودهم، فمن دعاء زكريا عليه السلام: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران:38].

    ولا خير في ذرية إن لم تكن طيبة، وقال إبراهيم عليه السلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم:35]، وقال: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم:40].

    وقال الله عز وجل: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي [الأحقاف:15] يدعو به كل مؤمن.

    وقال سبحانه: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].

    من الشباب ينشأ العلماء العاملون والجنود المجاهدون، وفيهم الصناع والمحترفون، إذا صلحوا سعد بهم المجتمع، وقرت بهم أعين آبائهم وأمهاتهم، وامتد نفعهم وحسنت عاقبتهم، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24].

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم طرق التربية بقوله لـابن عباس رضي الله عنهما: (يا غلام! إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، رواه أحمد والترمذي.

    إن أول لبنة في بناء الشباب لبنة العقيدة ورسوخ الإيمان، وصدق التعلق بالله وحده، والاعتماد عليه، وإن أولها حفظ الله بحفظ حقوقه وحدوده، ومن ثم الاستعانة به وحده في الأمور كلها، والتوكل عليه، واليقين الجازم بأنه سبحانه بيده الضر والنفع، وغرس القناعات في الواجب والمحرم مما جاء به الإسلام.

    1.   

    حاجة الشباب إلى العزيمة القوية والهمة العالية

    إن الشباب اليوم بحاجة إلى المعرفة التامة بالعزائم من الأمور والعالي من الهمم، يدل على ذلك بعض السلوكيات التي توجد منهم في أيامنا هذه.

    إن قوي العزيمة من الشباب من تكون إرادته تحت سلطان دينه وعقله، ليس عبداً لشهواته، فتعس عبد الدينار وعبد الدرهم، ومن صرامة العزيمة وعلو الهمة أن يفرغ الفؤاد عن الشهوات، والعواطف السريعة، هذا عبد الرحمن الداخل صقر قريش رحمه الله تعالى حين قدم الأندلس أهديت له جارية فنظر إليها، وقال: إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا شغلت عنها بما أهم به ظلمتها، وإن أنا اشتغلت بها عما أهم به ظلمت همتي، ألا فلا حاجة لي بها ثم ردها إلى صاحبها.

    إن الشهوات والعواطف وحب الراحة وإيثار اللذات هو الذي يسقط الهمم ويفتر العزائم، فكم من فتيان يتساوون في نباهة الذهن وذكاء العقل وقوة البصيرة، ولكن قوي الإرادة فيهم وعالي الهمة ونافذ العزيمة هو الكاسب المتفوق، يجد ما لا يجدون، ويبلغ من المحامد والمراتب ما لا يبلغون، بل إن بعض الشباب قد يكون أقل إمكانيات وأضعف وسائل ولكنه يفوق غيره بقوة الإرادة وعلو الهمة والإصرار على الإقدام، وإنه لحقيق بالرجال القوامين على التربية أن يعطوا هذا الدرس مكانه، أعني: علو الهمة ومضي العزيمة، من أجل بناء صروح من العز شامخة، إن لم يكن كذلك فقد ظلم المجتمع نفسه، يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12].

    1.   

    سلوكيات خاطئة لشبابنا أيام الامتحانات

    إننا أيها المسلمون ونحن في أيام الامتحانات نجد على بعض الشباب سلوكيات خاطئة تنبئ عن عدم علو الهمة وإصرار العزيمة.

    ضعف الهمم في العلم والتعلم

    فمن هذه السلوكيات الخاطئة: ضعف الهمم في التعلم والتوجيه، ومن بخس حق العلم والمعرفة أن يطلب الفتى العلم لينال به رزقاً، أو لكي ينافس به زميلاً، حتى إذا أدرك الوظيفة أو انتهى من الامتحان رمى بالكتاب وأخلد إلى الراحة ونسي العلم وأضاع المعرفة، وتنحى عن الطلب وترك العمل، وإنما يرفع رأس المجتمع أولئك الذين يقبلون على العلم بجد وصبر وثبات، ولا ينقطعون عن التحصيل والاستزادة إلا حين ينقطعون عن الحياة.

    وإنك لتعجب من زهد كثير من المسلمين اليوم في القراءة، والاطلاع على ميراث النبوة، وتعلم العلم الشرعي، فلو سألت كثيراً من الشباب: كم ختم كتاب الله عز وجل في هذه السنة؟ لوجدت العجب من الإجابة، وهل قرأ في صحيح البخاري فضلاً من أن يقرأه كاملاً؟ لوجدت العجب أيضاً، بينما تدل الإحصاءات على أن غير المسلمين يقرءون ويمضون أوقاتهم في القراءة.

    ترك العمل بعد العلم

    العلوم أيها المسلمون ما وضعت إلا لتهدي إلى العمل النافع، فلا شرف لبعضها في نفسها، وإنما شرفها بما يترتب عليها من علم صالح وأثر حسن، وكيف تكون المفاخرة بفتيان درسوا من العلوم التجريبية ما درسوا، ثم لم ينفعوا بلادهم في معامل ولا مصانع تكون بها أمتهم رائدةً إلى الصلاح، وقائدةً إلى مناهج الحق والصواب، في كل ميدان وفي كل مجال، ومن هنا كان لزاماً اقتران العلم بالعمل، فمن السلوكيات الخاطئة التي نلحظها هو ترك العمل بعد نهاية العام الدراسي، فمن علم خيراً فليبادر إلى فعله، ومن علم شراً فليحذر الاقتراب منه، وما يحيي القلوب بالمعرفة اليقظة والعلم النافع إلا المبادرة إلى العمل، فبه تستنير القلوب، ويصح المسير في دروب الحياة، يقول بعض السلف: كنا نستعين على حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمل بها.

    ويقول بعض الحكماء: إذا أردت الاستفادة من النصائح المكتوبة والمسموعة فجربها واعمل بها، فإنك إن لم تفعل كان نصيبك نسيانها.

    إن المعلومات النظرية التي لم ينقلها العمل من دائرة الذهن والأفكار المجردة إلى وقائع الحياة لا فائدة فيها، فالجندي لا تنفعه معلوماته إذا لم يمارسها في الميدان، وطالب الشريعة لا ينفعه علمه إذا لم يمارس في الدعوة إلى الله عز وجل وتطبيق ما تعلم، وماذا ينفع الطبيب علمه وكراريسه وأدواته إذا لم يمارسها طباً وعلاجاً.

    أيها الشباب! احذروا الوقوف عند حدود الأماني، والاقتصار على الكلام والمقترحات المجردة، فذلك يفتح أبواباً مخوفةً من الجدل الطويل والثرثرة القاتلة للوقت والجهد والمواهب، وما الأماني إلا رءوس أموال المفاليس.

    تضييع الوقت في الشوارع

    عباد الله! ومما ينتج عن ضعف الهمة وجود شيء من السلوكيات الخاطئة، منها ما مضى، ومن ذلك: كثرة الدوران في الشوارع من بعض الشباب، وإساءة استخدام نعمة المراكب، وإزعاج المسلمين بإطاراتها، ووجود بعض الاجتماعات المريبة بين الصغار والكبار، وإلقاء الكتب التي تحمل الآيات القرآنية والأذكار الشرعية، مما يحتم على الأسرة وعلى المربين والمعلمين أن يقوموا مثل هذه السلوكيات، وأن يسعوا في علاجها.

    رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].

    أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    توجيه الشباب إلى الاستفادة من الأوقات وشغلها بالنافع من الأعمال

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله أيها الشباب، واعلموا أن للعمر أجلاً، وأن الآمال عريضة في بحر لا ساحل له، فسارعوا إلى العمل الصالح، واحفظوا لحظات العمر، واشغلوا الوقت بما ينفع في العاجل والآجل.

    إن ما سبق التنبيه عليه من بعض السلوكيات الخاطئة التي توجد في مثل أوقاتنا هذه، سببها هو عدم شغل أوقات الشباب بما يعود عليهم بالنافع.

    إن الشاب إذا لم يشغل في مشاريع الخير والإنتاج المثمر نهبته الأفكار الطائشة، وعاش في دوامة من الترهات والمهازل، كما أن شغل الأوقات وشحنها بالأعمال والواجبات، والانتقال من عمل إلى عمل، ومن مهمة إلى مهمة ولو كانت خفيفة يحمي المرء من علل البطالة ولوثات الفراغ، والنفس كما قال الشافعي رحمه الله: إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

    وإن المجتمع إذا أراد أن يتخلص من مفاسد كثيرة وشرور عريضة عليه أن يتحكم بأوقات فراغ الشباب، وإذا تأملت الشريعة تجد أن التكاليف الشرعية في الإسلام منظور فيها إلى هذه الحقيقة، وأن الشريعة تدور على الجهاد ومجاهدة النفس ومجاهدة الناس، فالصلوات الخمس في ترتيبها وتوزيعها، والعبادات الأخرى في واجباتها ونوافلها بدنيةً ومالية، والأذكار بكرةً وعشياً، قياماً وقعوداً وعلى المضاجع، والحرف والمهن، والقيام بالحقوق للقريب والبعيد، كل ذلك جهادات ومجاهدات تستغرق العمر كله لحظةً لحظة، ولا تبقي فرصةً للغفلة والذهول.

    1.   

    نصيحة الشباب بالجد والاجتهاد والمربين بتنوير الشباب والاهتمام بهم

    أيها الشباب! استعينوا بالله عز وجل في الجد والاجتهاد والمذاكرة، واحذروا مشاعر الخوف والقلق التي تكون في مثل هذه الأيام، وتذكروا بامتحاناتكم هذه امتحانكم الأكبر أمام الله عز وجل، واستعينوا بالصبر والصلاة، واحذروا الغش في الامتحان، فإن هذا محرم ولا يجوز، ( ومن غشنا فليس منا ).

    وأنتم أيها المدرسون المربون عليكم كفل في تنوير الشباب، والعمل على قضاء فراغهم في مثل هذه الأيام بما يعود عليهم بالنافع عاجلاً وآجلاً، اجتمعوا وتدارسوا في مثل هذه السلوكيات الخاطئة، وقوموا بعلاجها، تؤدوا حق الله عز وجل وحق مجتمعكم.

    نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه التوفيق والسداد.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك باليهود الظالمين، والنصارى الحاقدين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم.

    اللهم لا تدع لنا في هذا اللحظات المباركة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مريداً للحق إلا وفقته، ولا مريداً للشر إلا هديته، يا ذا الجلال والإكرام، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.