إسلام ويب

التساهل بصغائر الذنوب والمعاصيللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الذنوب إما كبائر وإما صغائر، والكبيرة ما كان فيها حد أو وعيد، والصغائر خلاف ذلك، ومن الصغائر التي تساهل بها الناس: غض البصر، والاختلاط بالأجنبيات، والسب والهجر فوق ثلاث ليال، والأكل بالشمال. وقد حذر الشارع من صغائر الذنوب أيما تحذير؛ لما يترتب عليها وعلى

    1.   

    تقسم الذنوب إلى صغائر وكبائر

    الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا أيها المسلمون! اتقوا الله تعالى وأنيبوا إلى ربكم، واشكروا له على نعمه الظاهرة والباطنة.

    عباد الله! إن من شكر الله عز وجل على نعمة المطر ترك الذنوب صغيرها وكبيرها، إن كثيراً من الناس يتساهلون بصغائر الذنوب ويصرون عليها، وهذا خلاف شكر الله عز وجل، وعلى المسلم أن يأخذ حذره من سلوك الخاسرين.

    إن التساهل بصغائر الذنوب والمعاصي فضلاً عن كبائرها ضد شكر نعمة الله عز وجل، أما الكبائر فأمرها واضح، فلقد رتب عليها الحد في الدنيا أو الوعيد في الآخرة، أو رتب عليها عقوبة خاصة عياذاً بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، ومن أراد الوقوف على ما ورد في حقيقة الكبائر، وفي عددها وما رتب عليها، فعليه بكتاب: الزواجر عن اقتراف الكبائر، لـابن حجر الهيتمي رحمه الله.

    وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذنوب كلها كبائر، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الذنوب قسمان: كبائر وصغائر، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص، قال الله عز وجل: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، وقال سبحانه: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم . فالذي بينهن هي الصغائر.

    فقد دلت هذه الأدلة وغيرها أن في الذنوب صغائر وهي المعبر عنها باللمم، وقد يعبر عنها بالسيئة، وسميت في الحديث بمحقرات الذنوب؛ وهي ما قل وصغر من الذنوب في أعين الناس، ولا يسلم منها أحد إلا من سلمه الله وعافاه، وروى الترمذي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).

    ذكر بعض الصغائر التي يتساهل بها الناس

    عباد الله! من الصغائر التي يتساهل بها الناس: النظر إلى النساء الأجنبيات والشباب المردان، سواء عن طريق مباشر كوجه لوجه، أو من وراء شق، أو عن طريق الصور الثابتة في المجلات ونحوها، أو الصور المتحركة في الأفلام والهواتف النقالة، وأجهزة الاتصال الأخرى.

    ولقد أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بالغض من أبصارهم؛ ذلك لأن النظر هو المدخل الأساسي لتسرب الشهوة إلى النفس وطغيانها، وإفساد القلب، فالغض من البصر يساعد على العفة وحفظ الفرج، وهو شكر لله عز وجل على نعمه، قال الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:30-31].

    سئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل ترك المعاصي وتاب منها وقال: لو ضرب بالسياط ما دخل في معصية أبداً، غير أنه لا يدع النظر، فقال: أي توبة هذه؟!

    فالنظرة سبب للفتنة وإشغال القلب، فاتق الله يا عبد الله! وراقب الله فإنه مطلع عليك، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

    قيل لبعض السلف: بم يستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى من نظرت إليه.

    ولقد كان الربيع بن خثيم رحمه الله من شدة غضه لبصره وإطراقه يظن الناس أنه أعمى، ولقد طرق الباب يوماً على صاحب له فخرجت الجارية، ثم رجعت إلى سيدها وقالت: إن بالباب صاحبك الأعمى.

    ومر يوماً على عصبة من النساء، فقالت واحدة منهن: انظرن إلى هذا الأعمى كفانا الله شر العمى، وليس بأعمى، ولكنه عمي عن الفتنة والباطل، وامتثل قول الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] وشكر الله عز وجل على نعمه.

    عباد الله! ومن صغائر الذنوب: الخلوة والاختلاط بالنساء الأجنبيات، كما يحصل في المحلات التجارية التي تحتوي على ملابس النساء والأطفال، أو بين الخدم والسائقين في البيت، أو بين الخدم وأهل البيت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري ومسلم.

    وفي صحيح البخاري: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم).

    ومن الصغائر: السب دون القذف كالتنابز بالألقاب، ومنها أيضاً: الإشراف على بيوت الناس والتطلع على أحوالهم وأخبارهم.

    ومنها: هجر المسلم فوق ثلاث.

    ومنها: الأكل بالشمال، وغير ذلك مما لا يترتب عليه عقوبة خاصة.

    التحذير من التساهل بصغائر الذنوب

    عباد الله! لا يعني كون هذه الذنوب صغائر أنها سهلة وهينة، كلا، بل إن المعاصي كلها سبب للضلال والعقوبة، قال الله عز وجل: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23].

    قال بلال بن سعد رحمه الله: لا تنظر إلى صغر الخطيئة أو المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت.

    وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابنه الحسن : يا بني! احذر من أن يراك الله عند معصية، ويفقدك عند طاعة؛ فتكون من الخاسرين.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري : (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما انضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه).

    وروى أنس رضي الله عنه قال: (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات) رواه مسلم في صحيحه. يعني بذلك: المهلكات.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا أذنب نكتت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه) رواه ابن ماجه بإسناد حسن.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، يأخذون من الليل ما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح.

    فهذه الذنوب وإن كانت صغائر كلها من ضد شكر نعمة الله عز وجل، ومن شكره سبحانه أن يتوب المسلم وأن يقلع عن هذه الذنوب صغيرها وكبيرها، فبذلك تستتم الزيادة وتحصل البركة.

    اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بقوم فتنة أن تقبضنا إليك غير مفتونين.

    اللهم إنا نعوذ بك من الذنوب صغيرها وكبيرها، اللهم أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا، وأن نعمل صالحاً ترضاه.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    آثار وعقوبات الذنوب والمعاصي

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الوعد والوعيد. أما بعد:

    أيها المسلمون! اتقوا الله تعالى الذي يعلم سركم وجهركم، ويعلم ما تكسبون.

    إن للذنوب والمعاصي آثاراً سيئة، وعقوبات في الدنيا والآخرة، جمعها ابن القيم رحمه الله في كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي.

    فمما ذكره رحمه الله: أن المعاصي توهن القلب والبدن، وتسبب محق البركات ونقص الخيرات في العلم والعمل والمال والأهل.

    قال ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان تعلمه؛ للخطيئة يعملها.

    كما أن الذنوب تورث الذلة لصاحبها، قال سليمان التيمي رحمه الله: إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته، ذكره ابن الجوزي رحمه الله في كتابه: صفوة الصفوة.

    ومن ذلك: أنها تسبب حلول النقم وزوال النعم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبب ذنب، ولا حلت به نقمة إلا بسبب بذنب، قال عمر رضي الله عنه: لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة.

    إن علينا عباد الله! أن نشكر الله عز وجل على هذه النعم؛ نعم المطر والخيرات والبركات، فإن المطر رحمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غيمت السماء عرف ذلك في وجهه، فإذا مطر فرح واستر، وقال: (إن المطر رحمة).

    إن التساهل بالمعاصي ولو كانت صغيرة سبب لمحق البركات، وموجب لسخط الله تعالى، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد في مسنده: ( إياكم والمعصية، فإن بالمعصية حل سخط الله عز وجل ).

    ولو لم يكن في ترك المعصية إلا حصول العافية، ومحبة الله تعالى لكان جديراً بالمؤمن والمؤمنة أن يفرح بترك المعاصي، قال شفي بن ماتع الأصبحي رحمه الله: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة.

    وقال محمد بن كعب رحمه الله تعالى: ما عبد الله بشيء أحب إليه من ترك المعاصي، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) خرجاه في الصحيحين، فأتى بالاستطاعة في جانب المأمورات، ولم يأت بها في جانب المنهيات، إشارة إلى عظيم خطرها وقبيح وقعها، وأنه يجب على المسلم أن يتباعد عنها مطلقاً، بخلاف المأمور فإنه يفعله ما استطاع.

    ولنعلم أن أعظم زاجر عن الذنوب هو الخوف والخشية من الله علام الغيوب.

    سئل سعيد بن جبير رحمه الله عن الخشية؟ فقال: أن تخشى الله تعالى حتى تحول خشيته بينك وبين معاصيه.

    وقال مكحول : أرق الناس قلوباً أقلهم ذنوباً.

    1.   

    بعض أسباب تكفير السيئات ومغفرة الذنوب

    عباد الله! من رحمة الله بنا وفضله علينا أن جعل لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب أسباباً؛ من ذلك اجتناب الكبائر مع فعل الطاعات، كالصلوات وسائر الحسنات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.

    وفي سنن الترمذي بإسناد حسن من حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها).

    وقال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].

    ومن المكفرات: القرض والصدقات، قال تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن:17]، وقال عز وجل: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:271].

    ومن أسباب المغفرة: الاستغفار مع عدم الإصرار، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    إن علينا معاشر المسلمين! أن نبادر إلى تنظيف قلوبنا بالشكر والتوبة والاستغفار؛ شكراً لله عز وجل على ما أنعم به علينا، وأن نحفظ جوارحنا من أدران الذنوب والإصرار؛ لنحظى بطعم الإيمان ولذة العبادة والبركة فيما أصاب.

    اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وسائر الأمراض، وطهر جوارحنا من الرياء وسائر المعاصي، اللهم طهر أعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى.

    اللهم أعطنا من الخير فوق ما نرجو، واصرف عنا من السوء فوق ما نحذر، يا لطيف يا خبير.

    اللهم إنا نسألك حسن العمل، وحسن الخاتمة.

    اللهم اجعلنا من الذين يجزون أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.

    اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وأخص منهم الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن بقية صحابة نبيك أجمعين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم انصر من نصر الدين، اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس عسرة المعسرين، واقض الدين عن المدينين.

    اللهم فك أسر المأسورين، اللهم ردهم إلى بلادهم وأهليهم سالمين غانمين، يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.