إسلام ويب

الاقتصاد الإسلاميللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الجوانب المهمة التي عني بها الإسلام الجانب الاقتصادي في حياة الفرد والمجتمع، لما له من الأهمية الكبرى في حياة الناس وواقعهم وفي تصرفاتهم المالية. ولقد أقام الإسلام نظامه الاقتصادي على قواعد وأسس، من أهمها تحريم الربا بمختلف أشكاله وألوانه، ورتب عليه ال

    1.   

    الأسس والقواعد التي بني عليها الاقتصاد الإسلامي

    الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وشرع لنا أكمل الشرائع، وأفضل الأحكام، وأبان لنا الحلال والحرام، وجعل في الحلال غنية عن الحرام، أحمده تعالى وأشكره، وأسأله التجاوز عن جميع الذنوب والآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحل البيع وحرم الربا، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، أولي الفضل والتقى، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها المسلمون! اتقوا الله تبارك وتعالى، واشكروه على ما هداكم للإسلام، وأولاكم من الفضل والإنعام.

    عباد الله! لقد جاء الإسلام ديناً كاملاً ونظاماً شاملاً، عم بإصلاحه البلاد والعباد، وهيأ بتنظيمه أمور المعاش والمعاد، عني بتصحيح العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، لم يترك نظاماً فيه صلاح للفرد والمجتمع إلا جاء به وحث عليه.

    ألا وإن من الأنظمة المهمة التي عني بها الإسلام الجانب الاقتصادي في حياة الفرد والمجتمع؛ لما له من الأهمية الكبرى في حياة الناس وواقعهم وفي تصرفاتهم المالية.

    لقد أقام الإسلام نظامه الاقتصادي على قاعدة الإيمان وأساس العقيدة، وأن الله سبحانه هو خالق الكون ومالك الملك، له الخلق والأمر، وله الحكم والتشريع، وأن المال مال الله، استخلف العباد فيه لينظر كيف يعملون.

    وأقامه على تحريم ظلم الناس في أموالهم، وبخسهم حقوقهم، كما مكن لهم من الأرزاق والمعايش والأقوات ابتلاءً وامتحاناً؛ ليرى صدق تعاملهم، وأباح لهم البيع والاتجار لتنتظم أمورهم، وحرم عليهم تضييع الأموال وأكلها بالباطل.

    لقد أمر الإسلام أتباعه أن يسيروا في ذلك كله على وفق منهج الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعيداً عن الظلم والتعدي وبخس الناس حقوقهم، وأكل أموالهم.

    لقد جاء الإسلام في نظريته الاقتصادية وسطاً بين النظم وعدلاً بين المبادئ الرأسمالية والاشتراكية، فراعى الملكية الفردية، وعني بمصالح الأفراد إلى جانب مصالح الجماعة، بلا إفراط أو تفريط، وبلا وكس ولا شطط.

    لم يجعل للفرد طريقاً للإثراء والتضخم والاحتكار والتسلط على حساب الآخرين، كما أنه لم يبخسه حقه، ولم يلغ تملكه، ولم يجعله مظلوماً في مجتمع تسوده حرب الطبقات، كما هو واقع النظم الأرضية، والقوانين الوضعية.

    1.   

    الربا في ميزان الشريعة الإسلامية

    عباد الله! ومن أهم ملامح النظام الاقتصادي الإسلامي تحريمه للربا، وتشنيعه على المرابين؛ لما للربا من آثار سيئة وعواقب وخيمة، وأخطار كثيرة، وشرور مستطيرة.

    الأدلة على حرمة الربا من الكتاب والسنة

    الربا كبيرة كبرى وبلية عظمى، محرم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة.

    والربا من أكبر الذنوب عند الله، وأعظم الفواحش، محرم في جميع الشرائع السماوية، قال الله عز وجل: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [النساء:160-161].

    أكلة الربا متوعدون بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة، مهددون بالعذاب في النار وبئس القرار.

    أكلة الربا محاربون لله ورسوله يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279] وهل يجرؤ أحد على محاربة العزيز الجبار، القوي المتين، من له أدنى مسكة من عقل أو ذرة من إيمان، فمن بارز الله بالمحاربة فهو الخاسر المهزوم.

    المرابون ملعونون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء)، أي: سواء في الإثم.

    في الربا جرأة على دين الله، ومخالفة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي ألغى مسالك الجاهلية ومنها الربا، ففي صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله).

    الآثار السيئة للربا

    وفي الربا عباد الله خراب البلاد والعباد، وها نحن نسمع اليوم انهيار البنوك والمصارف الغربية القائمة على الربا.

    وفي الربا تعطيل لمصالح البشر، وتعريض لأموالهم للخطر.

    فالربا جور وظلم، وبغي وتسلط، به يلغى المعروف، وبه ينعدم الإحسان، به تذهب الأموال وتمحق البركات: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276].

    المرابي على شفا حفرة من النار، وعلى طريق هلكة وشر، مبغض عند الله وعند عباد الله.

    ما ظهر الربا في أمة إلا أهلكها، ولا في جماعة إلا دمرها، ولا فشا في أمة إلا حل بها الفقر والأمراض والظلم.

    وكم نرى ونسمع من تلف الأموال وزوالها بغرق أو حرق أو نحو ذلك من العقوبات العاجلة.

    وكم نسمع اليوم ما تفرزه المشكلات الاقتصادية المتأزمة في العالم من تراكم الديون الهائلة جراء الربا والتعامل به وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:127].

    الوعيد الشديد لأكلة الربا

    قال الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275].

    قال المفسرون: أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي مسه الشيطان وصرعه، كلما قاموا صرعوا، وكلما أرادوا النهوض سقطوا فهم كالمجانين والعياذ بالله.

    وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لما أسري بي مررت بقوم بطونهم بين أيديهم، كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، قد مالت بهم بطونهم، لا يستطيعون أن يبرحوا، كلما قاموا مالت بهم بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! فقال: هؤلاء أكلة الربا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275]).

    وروى الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! فقال: هؤلاء أكلة الربا).

    وروى البخاري من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا).

    التحذير من التساهل في أمر الربا

    عباد الله! ألا إن الربا من أعظم ما ابتليت به المجتمعات والدول، فالواجب على من أراد نجاته يوم العرض على الله أن يحذره غاية الحذر، ولا يغتر به المتساهلون الذين غرهم حب المال، يقاسون أتعابه، ويتحملون حسابه.

    فلا يحملنكم الجشع والطمع على المعاملات المحرمة، فاعتبروا يا أولي الأبصار: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39].

    فاتقوا الله عباد الله، واتقوا الله أيها التجار، واتقوا الله يا أرباب البنوك والمصارف، دعوا الربا، واحذروا عذاب الله ونقمته، إن من العار على المسلمين أن يستبدلوا في أمور معاملاتهم الذي هو أدنى بالذين هو خير، وأن يستمرئوا التعامل بالربا المحرم وهم حاملو رايات الإصلاح للبشرية، كيف وهم يرون اليوم الأنظمة الوضعية تنهار وتتهاوى بين الفينة والأخرى!

    فالفرصة فرصة أهل الإسلام في عرض النظام الاقتصادي على البشرية، وسيحظى بالنجاح، وقد نجح، كيف وهو تنزيل من حكيم حميد.

    اللهم إنا نعوذ بك من الربا ومن أكله وكتابته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نسألك رزقاً حلالاً طيباً، اللهم صل وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    التنبيه على بعض المعاملات الربوية المنتشرة

    الحمد لله الذي حرم علينا الخبائث، وأحل لنا الطيبات، أحمده تعالى وأشكره، وأسأله الثبات في الحياة وعند الممات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    عباد الله! اتقوا الله في السر والخفيات، المطلع على ما تكنه الضمائر والصدور.

    عباد الله! لقد انتشر في أوساط المسلمين كثير من المعاملات الربوية، أنبه على شيء منها، فمن ذلك:

    القرض بالفائدة: كأن يقرض رجل آخر مبلغاً من المال على أن يرد عليه هذا المبلغ مع زيادة، وسواء كانت هذه الزيادة عيناً أو كانت منفعة، وكل قرض جر منفعة فهو ربا كما ورد عن الصحابة رضي الله عنه.

    ومن ذلك: الإيداع في المصارف بالفائدة.

    ومن ذلك: أن يبيع الذهب بالتقسيط.

    ومن ذلك: أن يبادل الذهب الجديد بالذهب القديم مع الزيادة، فهذا كله داخل في الربا.

    ومن المعاملات الربوية: ما يحصل عند صرف النقود بعضها ببعض عند مصارفة ريالات بريالات، أو ريالات بجنيهات ونحو ذلك، من عدم التقابض في المجلس، فإن هذا محرم ومن الربا.

    ومن ذلك: ما يحصل في محل الصاغة والحلي والمجوهرات من بيعها بدراهم، ثم بعد ذلك يحصل التفرق قبل القبض.

    ومن ذلك: بيع العينة المحرم، وهو أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها على من اشتراها منه بأقل من ثمنها نقداً.

    ومن ذلك: ما يوجد من صور التورق وخصوصاً ما تسلكه بعض المصارف، كالتورق المصرفي عن طريق بيع المعادن وغير ذلك، وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) رواه مسلم .

    وله من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء).

    ومن صور المعاملة المحرمة المعاصرة: ما تعمد إليه بعض البنوك والشركات والمؤسسات المالية من الدعوة إلى المساهمات التي لا تخلو من الميسر والمشتبه.

    فعلى المسلم أن يحذر من جميع ذلك، فإن الأمر عظيم والخطر جسيم، والبديل عن ذلك كثير بحمد الله من صور التعامل الحلال المباح، والمجتمع المسلم مجتمع محبة وتراحم ومودة وتكافل، والله عز وجل يقول: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279].

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين، وأخص منهم الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن بقية العشرة المبشرين، وعن بقية صحابة نبيك أجمعين. يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك باليهود الظالمين، والنصارى الحاقدين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم اجعل ما أصابهم زيادة في حسناتهم، ورفعة لدرجاتهم، وتكفيراً لسيئاتهم، اللهم اغفر لموتى المسلمين، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بقوم فتنة أن تقبضنا إليك غير مفتونين.

    اللهم أغثنا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق، اللهم صل وسلم على نبينا محمد.