إسلام ويب

الإرهابللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإسلام رفض الإرهاب والعنف بجميع أشكاله وألوانه وصوره؛ لأنه قائم على الإثم والعدوان وترويع الآمنين، وتدمير الممتلكات، والاعتداء على الأموال والأعراض والحريات وكرامة الإنسان، وعليه فيحرم تمويله وإعانته، ويجب دفعه وإنكاره، وحري بالمسلم في وقت الملمات وال

    1.   

    حكم تمويل الإرهاب

    الحمد لله الذي أمر بالاعتصام بحبله، والاستقامة على طريقه، وحذر من السبل المضلة والمناهج المعوجة، فقال سبحانه وتعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حذر من البدع وأهلها، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن من أجل نعم الله علينا أن هدانا للإسلام، وأن وفقنا للسنة، وأن جمعنا تحت راية شرعية، تحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعت الكلمة، وأمن الناس، واطمأنت القلوب، وعصمنا الله من الفتن والمحن التي تتخطف الناس من حولنا، وما نحن فيه من نعمة فبفضل الله وحده، ثم ما قامت به هذه البلاد من نصر التوحيد وحماية السنة، والقضاء على مظاهر الشرك والوثنية، ورد البدع وقمعها، وآفة النعم الكفر بها وجحودها، ومن كفر النعم عباد الله إعانة المعتدين الذين يخرجون على الجماعة ويشذون عنها.

    عباد الله! لقد صدر بيان من هيئة كبار العلماء بتحريم تمويل المعتدين والإرهابيين، وفيما يأتي نص قرار الهيئة:

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    فإن هيئة كبار العلماء في جلستها العشرين الاستثنائية المنعقدة في مدينة الرياض تشير إلى ما صدر عنها من قرارات وبيانات فيما يقوم به المفسدون في الأرض، بما يزعزع الأمن، ويهتك الحرمات في البلاد الإسلامية وغيرها، وقد نظرت الهيئة في حكم تمويل الإرهاب، باعتبار أن الإرهاب جريمة تستهدف الإفساد بزعزعة الأمن، والجناية على الأنفس والأموال والممتلكات الخاصة والعامة، كنسف المساكن والمدارس والمستشفيات والمصانع والجسور، ونسف الطائرات أو خطفها، أو الموارد العامة للدولة، كأنابيب النفط والغاز، ونحو ذلك من أعمال الإفساد والتخريب المحرم شرعاً، وأن تمويل الإرهاب إعانة عليه وسبب في بقائه وانتشاره.

    كما نظرت هيئة كبار العلماء في أدلة تحريم تمويل الإرهاب من الكتاب والسنة، وقواعد الشريعة، ومن القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن للوسائل حكم الغايات، ولما جاء في الشريعة من الأمر بحفظ الحقوق والعهود في البلاد الإسلامية وغيرها، لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر أن تمويل الإرهاب أو الشروع فيه محرم وجريمة معاقب عليها شرعاً، سواء بتوفير الأموال أم جمعها أم المشاركة في ذلك، في أي وسيلة كانت، وسواء كانت الأصول مالية أم غير مالية، وسواء كانت مصادر الأموال مشروعة أم غير مشروعة، فمن قام بهذه الجريمة عالماً فقد ارتكب أمراً محرماً، ووقع في الجرم المستحق للعقوبة الشرعية بحسب النظر القضائي.

    وتؤكد هيئة كبار العلماء أن تحريم تمويل الإرهاب لا يتناول دعم سبل الخير التي تعنى بالفقراء في معيشتهم وعلاجهم وتعليمهم؛ لأن ذلك مما شرعه الله في أموال الأغنياء حقاً للفقراء.

    وإن هيئة كبار العلماء إذ تقرر هذا فإنها توصي المسلمين جميعاً بالتمسك بالدين وهدي نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، والكف عن كل عمل من شأنه الإضرار بالناس والتعدي عليهم.

    ونسأل الله عز وجل لهذه البلاد وعموم بلاد المسلمين الخير والصلاح والحفظ وجمع الكلمة، وأن يصلح حال البشرية أجمعين بما يحقق العدل وينشر الفضل، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

    1.   

    حرمة الظلم والعدوان

    عباد الله! من فضل الله على عباده أن رضي لهم الإسلام ديناً، وجعل رسالته الخالدة إلى يوم القيامة، وشرع فيه كل ما فيه نفع وصلاح لهم في دنياهم وأخراهم، ونهاهم وحذرهم عن كل ما يفسد دينهم، وحرم عليهم الظلم والعدوان فيما بينهم، وحفظ المجتمع من الخلل والفساد والبغي والاعتداء، وحمى الضروريات الخمس: النفس والعقل والعرض والنسب والدين والمال، وصانها من أي بغي واعتداء، ورتب عليها حدوداً صارمة في حق من يعتدي على هذه الضروريات، سواء كانت هذه الضروريات لمسلمين أو معاهدين، فالكافر المعاهد له ما للمسلم وعليه ما على المسلم.

    ومن هذا المنطلق رفض الإسلام رفضاً كلياً الإرهاب بجميع أشكاله وألوانه وصوره؛ لأنه قائم على الإثم والعدوان وترويع الآمنين، وتدمير الممتلكات، والاعتداء على الأموال والأعراض والحريات وكرامة الإنسان؛ ولأنه اعتداء موجه ضد الأبرياء المعصومين من الرجال والنساء والأطفال، أو تهديد بهذا الاعتداء أو أية وسيلة أخرى من وسائل الإزعاج والاعتداء، أو إخلال وسلب بأمن المجتمع وطمأنينته.

    عباد الله! فيحرم الإقدام عليه أو المساهمة فيه بأي وسيلة كانت هذه المساهمة، بالتخطيط له، أو بالتستر على أربابه وإيوائهم، أو بتقديم المعونة المادية لهم، كل ذلك لا يجوز، لا من أفراد ولا من حكومات.

    لقد نبذ الإسلام العنف كل النبذ، ورفضه كل الرفض، وحذر من أخطاره الأليمة، وعواقبه الوخيمة، وحتى ولو كان على سبيل المزاح لا يجوز للمسلم أن يروع أخاه المسلم، فروى عامر بن ربيعة رضي الله عنه: أن رجلاً أخذ نعل رجل فغيبها وهو يمزح، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لا تروعوا المسلم؛ فإن روعة المسلم ظلم عظيم).

    وقال عليه الصلاة والسلام في ما ثبت عنه في الصحيح: (من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي، وإن كان أخاه لأبيه وأمه).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار).

    فحرمة مال المسلم كحرمة دمه وعرضه، فلا يجوز أخذ شيء من ماله إلا بإذنه.

    وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أراضين)، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه وماله ودمه)، والتعدي والظلم حرام؛ سواء كان من المسلم على المسلم، أو من المسلم على غير المسلم، بل من جميع العباد والمخلوقات التعدي محرم وظلم.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء).

    فالإسلام يحرم التعدي؛ سواء كان على المال أو البدن أو العرض، وسواء كان على مسلم أو غير مسلم، لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8]، وفيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً).

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم صلِ وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    فئات الإرهاب

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    عباد الله! لقد اكتوت بلادنا بنار العدوان والاعتداء، ومرجع ذلك إلى فئتين:

    أما الفئة الأولى فمن الخارج، فلأن هذه البلاد هي بلاد التوحيد والعقيدة الصحيحة لم يقر لأعداء الإسلام قرار، وهم يرونها تجمع بين التوحيد والأمان، فبدأت مخططاتهم، وبذلوا الأموال والجهود، وأعدوا العدة لزعزعة أمن هذه البلاد، ولتشويه صورة الإسلام الذي تحمله هذه البلاد.

    وأما الفئة الأخرى فهم فئة من الضالين المنحرفين من أبناء هذه البلاد، الذين قد غرر بهم فوقعوا في شباك الخديعة، وأقدموا على بعض الأعمال الشنيعة من تفجير واعتداء على الأموال والدماء، ولكن بفضل الله عز وجل وبفضل خدمة التوحيد والعقيدة وخدمة الحرمين الشريفين، وما يوليه أهل هذه البلاد من عقيدة صحيحة، ومن إحسان وصدقات، منَّ الله عز وجل علينا باستمرار الأمن، ورد كيد المعتدين في نحورهم.

    1.   

    الواجب عند حصول الابتلاءات

    إن واجبنا أن نعود إلى الله عز وجل؛ لأن هذا من الابتلاء، والابتلاء سنة من سنن الله في هذه الحياة، فدار الدنيا دار بلاء، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155]، وهذا الابتلاء ميدان تظهر فيه مكونات النفوس وما تخفيه الصدور؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3]، وقال سبحانه: وَنبلؤهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168].

    وفي حكمة الابتلاء تستيقظ النفوس، وترق القلوب، وتصدق المحاسبة، وفي ساعات الابتلاء يتجلى الثبات في الشديد من اللحظات وسط صرخات من اليائسين وتبرم الشاكين وقلق المشتكين، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:61-62].

    إن الاستقامة على الحق، وملازمة الأعمال الصالحة، وامتثال الأمر والنهي من أعظم أسباب الثبات في الأزمات والملمات، ومن أعظم أسباب بطاء النعم، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:66-68].

    فحري بالمسلمين وجدير بهم وقمن في مثل هذه الأيام، التي تكثر فيها سنن الله الكونية القدرية أن يرجعوا إلى ربهم، وأن يعلقوا قلوبهم به، وأن يتضرعوا إليه، ينجيهم الله عز وجل من المحن والفتن.

    نسأل الله بمنه وكرمه أن يمن علينا بالأمن والإيمان، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وأخص منهم الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية العشرة المبشرين، وعن بقية صحابة نبيك أجمعين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك باليهود الظالمين، والنصارى الحاقدين، والرافضة المعتدين، اللهم احفظ الإسلام والمسلمين من كل سوء ومكروه، اللهم احفظهم بحفظك التام، واحرسهم بعينك التي لا تنام، اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس عسرة المعسرين، واقض الدين عن المدينين، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم اجعل ما أصابهم كفارة لسيئاتهم، ورفعة لدرجاتهم برحمتك يا أرحم الرحمين، اللهم اغفر لموتى المسلمين، اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وعافهم، واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا ورحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.