إسلام ويب

وقفة مع نهاية عامللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • طالب العلم ينبغي له أن يتحلى بصفات وأخلاق أكثر من غيره، فيحرص أن يكون ورعاً تقياً مبتعداً عن كل شهوة وشبهة، محافظاً على السنن والأوراد، مطابقاً فعله لقوله، متميزاً في عبادته وأخلاقه وسلوكه.

    1.   

    مما يوصى به طلاب العلم التورع عن الشبهات

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

    فنحن أيها الأحبة! في إدبار عام وإقبال عامٍ آخر، وحريٌ بطالب العلم وجديرٌ به أن ينظر إلى عامه السابق، وما أودعه فيه من العمل الصالح أو من خلاف ذلك، فإن وجد خيراً فليحمد الله عز وجل، وإن وجد خلاف ذلك فعليه أن يستعتب.

    هكذا ينبغي لطالب العلم، لأن العمل إذا لم يقترن بالعلم لم يكن العلم مثمراً مفيداً، وإنما يكون على خلاف ذلك، فينبغي لطالب العلم -ليس في أمور الواجبات والمحرمات، فهذه واجبة على الجميع حتى العوام- في أمور الشبهات أن يتجنبها، وأن يكون قدوةً لغيره، ولهذا أَلَّفَ السلف رحمهم الله في الورع.

    والورع ذكره ابن القيم رحمه الله، وقبله شيخ الإسلام وفرقوا بين الورع والزهد، فقالوا: الورع: هو ترك ما يُخشَى ضرره في الآخرة، وأما الزُهدْ: فهو ترك ما لا يُرجَى نفعه في الآخرة. وقد قال بعض العلماء عند قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، قال: حق التقوى هو الورع.

    وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرةً ملقاة على الأرض فقال: (لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها)، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم تورعاً.

    وفي حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحلال بَيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعملها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه).

    وآثار السلف رحمهم الله في الورع كثيرة جداً، فهذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه لما سقاه غلامه شربة لبن، وذكر له أن هذه الشربة من اللبن إنما هي بسبب كهانةٍ تكهنها لرجلٍ في الجاهلية، ولم يكن يحسن كهانة، فأدخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه يده في فمه وقاء كل ما في بطنه، وقال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، وفي روايةٍ عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: اللهم إني أبرأ إليك مما حملت العروق والأمعاء.

    وعمر رضي الله تعالى عنه لما أقرض صاحب بيت المال ولده من بيت المال وتاجر فيه وربح، أمره رضي الله تعالى عنه أن يرد الربح إلى بيت المال؛ لأن المال ليس له، المال لعموم المسلمين، فأشار عليه بعض الصحابة أن يجعل هذا المال مناصفة بينه وبين ابنه، يعني: بين بيت المال وبين ابنه.. فرفض.

    ونحن لا نريد أن نخوض في آثار السلف رحمهم الله في الورع، فهذا يطول جداً، والسلف رحمهم الله كانوا على درجة عالية من الورع، وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم، لأنك تجد اليوم كثيراً من المشتبهات، نحن لا نتكلم عن الحلال والحرام الذي دليله واضح، لكن نتكلم عن أمور حصل فيها اشتباه، ودليلها قوي، ومع ذلك تجد أن بعض الناس يخوض فيها.

    فمثلاً: ما يتعلق اليوم بكثرة المساهمات في هذه الشركات، وكثير منها لها قروض بنكية، وأيضاً تعاملت مع البنوك.. إلخ، وقد يكون لها محاذير أخرى، ومع ذلك تجد أن كثيراً من الناس يخوض في مثل هذه ولا يتورع.

    وهذا يوجد في كثير من المكاتب، وغير ذلك من الأمور التي أدلتها تكون صريحة واضحة لكن تجد أن بعض أهل العلم يكون له قول وله مستند لهذا القول في مخالفته، فكثير من الناس وخصوصاً من بعض طلاب العلم لا يتورع، وهذا خلاف العمل بالعلم الذي يقتضي الورع، ولهذا قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فالعلماء العالمون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هم الذين يخشون الله عز وجل ويتقونه حق تقاته.

    ولهذا بعض المفسرين ذكر عند قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، قال: هو الورع، وذلك أن تترك المتشابه.

    وإذا كان الإنسان قد تبينت له السنة الصحيحة، أو تكافأت عنده الأدلة، فإن مقتضى الورع أن يتجنب ذلك، وخصوصاً طالب العلم فإنه لا ينبغي له أن يخوض فيما يخوض فيه عامة الناس.

    وأضرب مثلاً: اللحوم التي تأتي من الخارج من البلاد الكافرة، هذه موضع خلاف بين أهل العلم في الوقت الحاضر، منهم من يبيحها، ومنهم من يحرمها، ولكلٍ مستند، لكنك إذا تأملت وجدت أن الذي يحرم كلامه أقرب من الذي يبيح؛ لأن العلماء رحمهم الله يذكرون من شروط صحة التذكية: إنهارُ الدم، وذكر اسم الله عز وجل بأن يقول: باسم الله، والغالب على أولئك الذين يذبحون أنهم -وإن كانوا يتمسكون بشيءٍ من دياناتهم- تركوا كثيراً من أديانهم، وغلب عليهم ما يسمى بالعلمانية.

    ومثل هؤلاء يغلب على الظن أنهم لا يتحرون فيما يتعلق بالشروط الشرعية، وإن كان الصحيح من كلام أهل العلم رحمهم الله: أنه إذا كان يعترف أنه يهودي أو نصراني، ويدين بشيء من الديانة وإن لم تكن الديانة التي جاء بها موسى أو عيسى، فإن ذبيحته حلال، وأيضاً: يُباح نكاحه، لكن تبقى الشروط الأخرى فيما يتعلق بالتسمية، وفيما يتعلق بإنهار الدم.. مما يقيم الشبهة التي ينبغي لطالب العلم أن يكون عنده ورع في تركها.

    فينبغي لطالب العلم أن يربي نفسه على ذلك، وأن ينظر إلى الشبهات إذا تكافأت الأدلة، أو كان الدليل الذي يمنع أو الذي يوجب دليلاً صريحاً صحيحاً من السنة، فإن مقتضى الورع أن يحتاط المسلم لدينه، وخصوصاً طالب العلم؛ لأن هذا هو مقتضى الخشية لله عز وجل.

    1.   

    مما يوصى به طلاب العلم: المحافظة على السنن وإقران القول بالعمل

    الوصية الثانية: وهي ما يتعلق بالسنن والتطوعات، ينبغي لطالب العلم أن يتميز عن غيره بقراءة الورد من القرآن، بالمحافظة على السنن، بالمحافظة على الوتر، بالمحافظة على شيء من قيام الليل، بحسن الخلق، بالمحافظة على واجبات الآخرين، كبر الوالدين، وصلة الرحم، وكفاية الناس وتعليمهم، والحلم، والعفو.. إلخ، ينبغي لطالب العلم أن يفيده علمه، وإلا فما الفائدة أن يكون الإنسان قد أخذ العلم ولا يستفيد منه، ولا يؤثر في سلوكياته كونه يعلم الحلال والحرام.. إلخ، هذا ليس طيباً، وإذا تأملت أخلاق السلف وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، تجد أنهم يضربون أروع المثل في المبادرة إلى التطبيق والعمل والصبر والحلم وغير ذلك.

    فينبغي لطالب العلم أن يكون متميزاً عن غيره في أخلاقه، في سلوكياته، في عبادته، في صبره، في حلمه، في عفوه، في أداء حقوق الآخرين، في حفظ اللسان، لا يخوض مع الخائضين، لا يخلُط مع المخلطين، وكما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرَف بليله والناس ينامون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبصمته إذا الناس يخوضون، ينبغي أن يكون متميزاً عن غيره من الناس.

    هذا ما أردت أن أوصي به نفسي وإخواني في بداية هذا.