إسلام ويب

شرح عمدة الطالب - كتاب الرضاعللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرضاع: مص من هو دون الحولين لبن ثدي امرأة أو شربه ونحوه، ويشترط في الرضاع المحرم أن يكون من لبن آدمية، وأن يكون بسبب الحمل خلافاً للحنابلة، واختلف في اشتراط عدد الرضعات المحرمة، فالشافعية والحنابلة على أنها خمس وهو الصحيح، والمالكية والحنفية على أن قليله

    1.   

    تعريف الرضاع

    قال المؤلف رحمه الله: كتاب الرضاع: [يحرم منه ما يحرم من النسب، والمحرم خمس رضعات في الحولين، ولبن ميتة وموطوءة بشبهة كغيره، لا لبن بهيمة ومن لم تحمل، فتصير مرضعة أماً في نكاح ونظر وخلوة ومحرمية، وأولادها إخوته، وأخواته كأولاد زوجها، وإخوتهما وأخواتهما أعمامه وعماته، وأخواله وخالاته.. وهكذا، فتباح مرضعة لأبي مرتضع وأخيه من نسب، وأمه وأخته من نسب لأبيه وأخيه من الرضاع، ومن أقر بأن زوجته أخته من الرضاع انفسخ نكاحه، ثم إن صدقت فلا مهر قبل دخول، وإن كذبت فنصفه، وبعده كله، وإن قالت هي ذلك وأكذبها فهي زوجته حكماً، ويكفي فيه امرأة عدل، وإن شك فيه أو في كماله فلا تحريم].

    قال رحمه الله: (كتاب الرضاع).

    الرضاع في اللغة: مص لبن من ثدي.

    أما في الاصطلاح: فهو مص من دون الحولين لبن ثدي امرأة، أو شربه ونحو ذلك.

    والرضاع الأصل فيه من حيث الدليل القرآن والسنة والإجماع من حيث الجملة، أما القرآن فقول الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، والسنة كما سيأتينا أحاديث كثيرة إن شاء الله، منها حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، والإجماع منعقد على ذلك في الجملة.

    1.   

    حكم إرضاع الأم ولدها

    ما هو حكم الرضاع بالنسبة للأم؟

    نقول: بالنسبة للأم لا تخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن تكون في حبال الزوج -أي عصمته- فهذا موضع خلاف، والمشهور من المذهب أنه لا يجب عليها أن ترضع ولدها، فلها أن تمتنع وأن تعاوض والده على إرضاعه، يعني لو قالت لأب الولد: لا أرضعه إلا بكذا وكذا فلها ذلك.

    والرأي الثاني اختيار شيخ الإسلام : أنه يجب عليها أن ترضع ولدها؛ لأن الله عز وجل قال: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233]، وهذا خبر بمعنى الأمر، أي: ليرضعن أولادهن حولين كاملين.

    القسم الثاني: ألا تكون في حبال الزوج، كأن يكون الزوج قد طلقها، وهنا لا يجب عليها أن ترضع إلا بأجرة، فلو طلبت أن يفرض لها أب الولد أجرةً فإنها تجاب إلى طلبها ولا يلزمها أن ترضعه إلا -كما قال العلماء- أن يضطر إلى ثديها، فيجب على الأب أن يمكنها من إرضاعه بالأجرة، المهم إذا رفضت لها ذلك، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [الطلاق:6]، مما يدل على أنه لا يجب عليها، وأيضاً قول الله عز وجل: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق:6] .

    فتبين لنا الخلاصة في حكم الرضاع أن المرأة إن كانت في حبال الزوج فيجب عليها أن ترضع ولدها، وإن لم تكن في حباله فإنه لا يجب عليها أن ترضع ولدها.

    1.   

    يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

    قال المؤلف رحمه الله: (يحرم منه ما يحرم من النسب).

    ويدل لهذا حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، وهذا سيأتي شيء منه في كلام المؤلف رحمه الله تعالى، فنؤجل الكلام عليه إلى ذلك.

    1.   

    شروط الرضاع

    قال: (والمحرم خمس رضعات في الحولين).

    الرضاع المحرم يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون لبن آدمية، وعلى هذا البهيمة لبنها لا يحرم، فلو شرب طفل لبن بهيمة لم تحصل بينهما حرمة، وهذا بالإجماع؛ ولأن الله عز وجل قال: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ [البقرة:233] ، والبهيمة ليست والدة.

    الشرط الثاني: أن يكون اللبن قد ثاب يعني: اجتمع بسبب الحمل أو الوطء، وهذا ما عليه المشهور من مذهب الحنابلة.

    والرأي الثاني رأي أكثر أهل العلم: أن هذا ليس شرطاً.

    وعلى هذا؛ لو أن بكراً لم تتزوج اجتمع في ثديها شيء من اللبن فأرضعت به طفلاً هل تثبت المحرمية أو لا تثبت؟ نقول: الصحيح أنها تثبت بهذه الحال، والصواب أن هذا ليس شرطاً.

    عدد الرضعات المحرمات

    قال رحمه الله: (والمحرم خمس رضعات).

    يعني لا بد من رضعات خمس، وهذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فالمشهور من المذهب كذلك أيضاً هو مذهب الشافعية أنه لا بد من خمس رضعات، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس رضعات، وصار إلى خمس رضعات يحرمن، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك )، وهذا رواه مسلم في صحيحه.

    وأيضاً يدل لهذا ما جاء في قصة سهلة لما استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أو لما شكت إليه حال سالم مولى أبي حذيفة ، وأنه كبر إلى آخره فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه ).

    وأيضاً حديث عائشة في مصنف عبد الرزاق : ( لا يحرم إلا خمس رضعات )، هذه الأدلة كلها دليل لهذا القول.

    الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة ومالك : أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، واستدلوا على ذلك بالعمومات كقول الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، أيضاً حديث عقبة بن الحارث لما تزوج أم إهاب فجاءت جارية سوداء وأخبرت أنها قد أرضعتهما، فذهب عقبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وذكر له ذلك، فلم يستفسر النبي صلى الله عليه وسلم هل الرضعات خمس أو أقل أو أكثر وإنما أمره بفراقها.

    الرأي الثالث: أن الذي يحرم ثلاث رضعات لما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان )، فيفهم من ذلك أن الثلاثة يحرمن.

    وأقرب شيء في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية أنها خمس رضعات لقوة أدلتهم، وأما أدلة الحنفية والمالكية فالجواب عليها بأنها مخصصة بما استدل به الحنابلة والشافعية، وأما حديث مسلم فهو استدلال بالمفهوم يعارضه المنطوق. لكن ما هو ضابط الرضعة؟ المشهور من المذهب أن ضابط الرضعة ما دام الصبي ملتقماً للثدي، فإذا تركه باختياره أو بغير اختياره فهي رضعة، يعني بإمكان المرأة أن تجعله يرضع خمس رضعات في جلسة أو في لحظات بأن تلقمه الثدي، فإذا مص تبعده ثم ترجعه.. وهكذا.

    والرأي الثاني: أن الرضعة هي المصة لما تقدم في صحيح مسلم : ( لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان ).

    الرأي الثالث: أن الرضعة هي كالأكلة أي كالغدوة أو كالعشوة، يعني لا بد أن يشبع، فإذا شبع وتركه باختياره ثم مضى عليه فترة وعاود فإنها تكون رضعة، وهذا الذي يميل إليه ابن القيم رحمه الله والشيخ السعدي .

    تقييد الرضاع بالحولين

    قال المؤلف رحمه الله: (في الحولين).

    هذا الشرط الرابع: أن يكون في الحولين، واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل قال: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] .

    وكذلك أيضاً ورد عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـعمر وابنه وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس هؤلاء جمع من الصحابة عمر وابن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس إلى آخره ورد عنهم أن الرضاع الذي ينشر التحريم هو ما كان في الحولين، وهذا رأي الإمام أحمد رحمه الله.

    ورأي الإمام مالك -رحمه الله- قريب من هذا؛ لأنه يقول: في الحولين ويعفى عن الأمور اليسيرة كشهر وشهرين، وهذه قاعدة عند المالكية أنهم دائماً يعفون عن الأمور اليسيرة.

    الرأي الثالث رأي أبي حنيفة : أنه ثلاثون شهراً، ونكاد أن نقول: بأن جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة يقولون: بأن الرضاع المحرم لا بد أن يكون في الحولين، لكن هناك رأي أخير لم يحده بالزمن وإنما حده بالحال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول: بأنه لا يحد بالزمن وإنما يحد بالحال؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام )، فما قبل الفطام محرم، وما بعد الفطام لا يحرم.

    وأيضاً في حديث عائشة في الصحيحين: ( إنما الرضاعة من المجاعة )، وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قريب، لكن الذي يظهر أن ما ذهب إليه جمهور العلماء -رحمهم الله- أقوى في هذه المسألة، ما دام أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كـعمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة رضي الله تعالى عن الجميع، وأيضاً ورد في حديث ابن عباس : ( لا رضاع إلا في الحولين )، صححه ابن حجر وابن القيم ، فهذا مما يؤيده؛ ولأنه أضبط أيضاً، وعلى هذا يحمل ما جاء في الحديث ( وكان قبل الفطام ).

    حكم لبن الميتة والموطوءة بشبهة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولبن ميتة وموطوءة بشبهة كغيره).

    لبن الميتة يقول لك المؤلف رحمه الله: كغيره، يعني أن لبن الميتة محرم كغيره لعموم الأدلة، أيضاً موطوءة بشبهة، أو موطوءة بعقد فاسد، مثلاً عقد على هذه المرأة بلا ولي يرى أنه محرم، المؤلف عقد فاسد محرم أو وطئها بشبهة، كمن وجد امرأة فوطئها يظنها زوجةً له، فلما وطئها بالشبهة اجتمع اللبن وأرضعت فإن هذا اللبن محرم لعموم الأدلة.

    1.   

    الأحكام المترتبة على الرضاع

    قال: (لا لبن بهيمة) تقدم الكلام عليه.

    قال: (ومن لم تحمل).

    هذا تقدم الكلام عليه.

    قال: (فتصير مرضعة أماً في نكاح ونظر وخلوة ومحرمية، وأولادها إخوته، وأخواته كأولاد زوجها، وإخوتهما وأخواتهما).

    الأحكام المترتبة على الرضاع أربعة أحكام:

    الأول: النظر، يعني إذا انتشرت الحرمة يباح النظر، هذا الحكم الأول.

    الحكم الثاني: الخلوة، له أن يخلو بها.

    الحكم الثالث: المحرمية، يكون محرماً لها.

    الرابع: الحرمة، انتشار التحريم من حيث التناكح كما سيأتي إن شاء الله، هذه الأحكام التي تثبت فقط، وما عدا هذه الأحكام لا تثبت مثل التوارث، ومثل الحضانة، ومثل الولايات، أي كونه يلي النكاح ونحو ذلك، ومثل العقل في الديات، ومثل وجوب النفقات، ومثل صلة الأرحام هذه كلها ما تثبت، يعني ما يجب عليه أن ينفق على أمه من الرضاع، ولا يجب عليه أن يذهب ويصلها صلة الرحم، ولا يكون -إذا قتلت خطئاً- من العاقلة؛ لأن الدية في القتل الخطأ على العاقلة، فالأحكام الواجبة عليه هي الأحكام الأربعة فقط، وما عدا ذلك لا يجب.

    كيف ينتشر التحريم؟

    نقول: هذا بينه النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة في الصحيحين فقال: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، والمحرمات بالنسب تقدمت لنا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23].

    الضابط في الحرمة المنتشرة بسبب الرضاع

    فالمحرمات بالنسب مثلهن يحرمن بالرضاع، وفصل العلماء -رحمهم الله- هذا الكلام في هذا الضابط فقالوا: عندنا مرضعة وصاحب لبن ومرتضع:

    - المرضعة ينتشر التحريم إلى أصولها وفروعها وحواشيهم دون فروعهم.

    - وصاحب اللبن كذلك ينتشر إلى أصوله وفروعه وحواشيهم دون فروعهم.

    - والمرتضع ينتشر التحريم إلى فروعه فقط.

    ونبين ذلك بالأمثلة:

    لو أن المرتضع أراد أن يتزوج أم المرضعة لم يجز ذلك؛ لأنها جدته، وكذلك بنت المرضعة؛ لأنها أخته، وأخت المرضعة، لأنها خالة له، أما بنت أخت المرضعة فيجوز الزواج بها؛ لأنها ابنة خالة.

    ومثله أيضاً صاحب اللبن لو أراد المرتضع أن يتزوج أم صاحب اللبن نقول: لا يجوز؛ لأنها جدته، وكذلك بنت صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وأخت صاحب اللبن؛ لأنها عمته، أما بنت أخت صاحب اللبن فتجوز.

    أيضاً بالنسبة للمرتضع قلنا: ينتشر إلى فروعه فقط، فلو أراد أخو صاحب اللبن أن يتزوج المرتضعة لم يجز ذلك؛ لأنه يكون عماً لها، وكذلك بنت المرتضعة أو المرتضع؛ لأنه جدها.

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فتباح مرضعة لأبي مرتضع وأخيه من نسب).

    نعم المرضعة تباح لأبي المرتضع وأخيه من النسب لما تقدم أن ذكرنا أن المرتضع ينتشر التحريم إلى فروعه ولا ينتشر إلى أصوله ولا إلى حواشيه، وأمه وأخته من نسب لأبيه وأخيه من الرضاع كما سلف.

    حكم نكاح من أقر بأن زوجته أخته من الرضاعة والعكس

    قال: (ومن أقر بأن زوجته أخته من الرضاع انفسخ نكاحه).

    نعم، إذا أقر بأن زوجته أخته من الرضاع يقول المؤلف: ينفسخ نكاحه؛ لأنه أقر بما يوجب ذلك فيلزمه.

    قال: (ثم إن صدقت فلا مهر قبل دخول، وإن كذبت فنصفه وبعده كله).

    ونحن نقول: ينفسخ النكاح في الظاهر لكن الباطن الله أعلم هل هو صادق أو كاذب؟ وبالنسبة للمرأة إن صدقته بأن قالت: أنت صادق فإن كان ذلك قبل الدخول فلا شيء لها؛ لأن الزوجين يتفقان على بطلان النكاح وأن وجوده كعدمه فلا تستحق شيئاً، وإن كان بعد الدخول فلها المهر كاملاً لما استحل من فرجها، هذا إن صدقته، أما إن كذبته بأن قالت: أنت كاذب، فإن كان قبل الدخول فلها النصف؛ لأن الفرقة إنما جاءت من قبل الزوج، وإن كان بعد الدخول فلها المهر لما استحل من فرجها من باب أولى.

    قال: (وإن قالت هي ذلك وأكذبها فهي زوجته حكماً).

    يعني: هي قالت: أنت أخي من الرضاعة، قال: كذبت، فنقول: ما دام أنه ليس هناك بينة فإنها زوجته حكماً لا يقبل قولها عليه، يعني القاضي يحكم للزوج إذا أكذبها في ذلك.

    ما تثبت به الحرمة في الرضاعة

    قال: (ويكفي فيه امرأة عدل).

    يعني: يكفي في الرضاع لكي تثبت المحرمية امرأة عدل، فإذا شهدت امرأة أن زيداً وهنداً قد ارتضعا من فلانة أو منها كفى ذلك، يعني الرضاع المحرم يثبت بشهادة امرأة، ولو قالت هذه المرأة: أنا أرضعت عمراً وهنداً إلى آخره ثبتت المحرمية بينهما، ويدل لذلك حديث عقبة بن الحارث رضي الله تعالى عنه لما تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت جارية وأخبرت أنها قد أرضعتهما، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (كيف وقد قيل..) إلى آخره، المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة هذه الجارية، فدل ذلك على أنه تقبل شهادة امرأة عدل، وهذه المسألة موضع خلاف فبعض العلماء يرى أنه لا يقبل إلا رجلان، لكن الصحيح هو ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لأن هذا هو الذي دلت له السنة.

    الشك في وقوع الرضاع أو كماله

    قال: (وإن شك فيه أو في كماله فلا تحريم).

    إذا شك فيه يعني في أصل الرضاع هل حصل رضاع بين هذا الرجل وهذه المرأة؟ نقول: الأصل عدم الرضاع، وإن كانا متزوجين الأصل بقاء النكاح، وإن كانا غير متزوجين الأصل حل النكاح، فنقول: إذا شك في أصله فالأصل عدمه، أو في كماله بأن شك هل هي خمس رضعات أو أربع إلى آخره نقول: الأصل عدم التحريم.

    1.   

    رضاع الكبير

    مسألة: وهي رضاع الكبير: كما تقدم لنا أن من شروط صحة الرضاع: أن يكون في الحولين، فهل يصح رضاع الكبير أو لا يصح؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى:

    الرأي الأول: رأي الجمهور: أن رضاع الكبير غير صحيح؛ لما تقدم، يعني دليلهم على ذلك الأدلة السالفة التي تدل على أن الرضاع إنما يكون في الحولين، وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] ، وحديث عائشة : ( إنما الرضاعة من المجاعة )، الكبير ما يتغذى باللبن يتغذى بغير اللبن، ( لا يحرم إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام ) إلى آخره، الأدلة كثيرة كما سلف.

    والرأي الثاني: أن رضاع الكبير محَّرم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لكن يكون محِّرماً إذا كانت حالته تشبه حالة سالم مولى أبي حذيفة ، ودليل ذلك قصة سهلة امرأة أبي حذيفة لما ذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وذكرت له ( أن سالماً كبر، وأنه يشق عليها في حال دخوله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أرضعيه تحرمي عليه. قالت: يا رسول الله إنه كبير، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد علمت أنه كبير ).

    وعلى هذا فالخصوصية هنا تكون خصوصية وصف وليست خصوصية عين، يخالف الجمهور الذين يرون أنها خصوصية عين ليست خصوصية وصف، يعني أن هذه قضية معينة في سالم مولى أبي حذيفة ، لا يأخذ هذا الحكم إلا سالم فقط، وهذا ضعيف؛ لأننا سلف أن بينا أن الخصوصية خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وما عدا النبي عليه الصلاة والسلام ليس له أحكام يختص بها؛ لأن الشريعة عامة لكل زمان وكل مكان، فلا يقال: بأن هذه الحكم خاص بهذا الشخص دون غيره.

    وعلى هذا؛ من كانت حاله تشبه حالة سالم مولى أبي حذيفة نقول: بأن الرضاع ينشر الحرمة، لكن شيخ الإسلام يفرق في الأحكام بين رضاع الكبير الذي يقصد منه دفع الحاجة، وبين رضاع الصغير الذي يقصد منه التغذية، فيقول: رضاع الصغير الذي يقصد منه التغذية تترتب عليه أحكام المحرمية، والنظر، والحرمة، وغير ذلك، أما رضاع الكبير الذي يقصد منه دفع الحاجة فالأحكام تتبعض، فهو يبيح الدخول والخلوة فقط.

    1.   

    من تزوجت وفيها لبن من زوج سابق

    تبقينا في مسألة وهي إذا تزوجت المرأة وفيها لبن، وهذا يحصل، يطلقها وهي حامل ثم تضع الحمل ثم تتزوج وفيها لبن ترضع، فهل اللبن للأول أو للثاني؟ هذه المسألة تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: ألا تحمل من الثاني، فاللبن يكون للأول.

    القسم الثاني: أن تحمل من الثاني وتلد فاللبن للثاني.

    القسم الثالث: أن تحمل من الثاني ويزيد اللبن، فالمذهب أنه يكون للأول، والرأي الثاني: أنهما يشتركان فيه، وعلى هذا إذا رضع منها أحد يكون له أبوان من الرضاع، وهذا القول هو الصواب.

    القسم الرابع: أن تحمل ولا يزيد، فاللبن يكون للأول.

    القسم الخامس والأخير: أن ينقطع اللبن ثم بعد ذلك يعود مرةً أخرى فهو للثاني.