إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الشهادات [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يقبل في الزنا إلا أربعة شهود، وبقية الحدود والقصاص والأموال وغيرها يكفي فيه رجلان، وفي المال ونحوه يقبل -أيضاً- رجل وامرأة، أو رجلان أو رجل ويمين المدعي، وتقبل شهادة المرأة فيما يخص النساء.

    1.   

    عدد الشهود

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل في عدد الشهود:

    ولا يقبل في الزنا والإقرار به إلا أربعة، ويكفي على من أتى بهيمة رجلان.

    ويقبل في بقية الحدود والقصاص، وما ليس بعقوبة، ولا مال ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال غالباً كنكاح وطلاق ورجعة وخلع، ونسب وولاء وإيصاء إليه لا يقبل فيه إلا رجلان.

    ويقبل في المال وما يقصد به كالبيع والأجل والخيار فيه، ونحوه رجلان، أو رجل وامرأتان، ورجل ويمين المدعي.

    وما لا يطلع عليه الرجال: كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والحيض والولادة والرضاع والاستهلال ونحوه، يقبل فيه شهادة امرأة عدل، والرجل فيه كالمرأة.

    ومن أتى برجل وامرأتين، أو أتى بشاهد ويمين فيما يوجب القود، لم يثبت به قود ولا مال، وإن أتى بذلك في سرقة ثبت المال دون القطع، وإن أتى بذلك في خلع ثبت له العوض، وتثبت البينونة بمجرد دعواه.

    فصل: ولا تقبل الشهادة على الشهادة إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، ولا يحكم بها إلا أن تتعذر شهادة الاصل بموت أو مرض أو غيبة مسافة قصر، ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول: اشهد على شهادتي بكذا أو يسمعه يقر بها عند الحاكم أو يعزوها إلى سبب من قرض أو بيع أو نحوه وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض، ويلزمهم الضمان دون من زكاهم ].

    قال رحمه الله تعالى: (فصل: ولا يقبل في الزنا والإقرار به إلا أربعة).

    هذا الفصل فيما يتعلق بعدد الشهود، وتقدم أن ذكرنا أنه لم يرد في عدد الشهود إلا في موضعين: الموضع الأول: في الزنا، والموضع الثاني: من عرف بالغنى ثم افتقر وطلب من الزكاة بدعوى الفقر، فهذا لا بد من ثلاثة، وما عدا ذلك لم يرد شيء.

    وذكرنا أيضاً الفرق بين مسألة التحمل والأداء، فالتحمل يطلب أن يتحمل عدلان، أما الأداء فالذي يظهر والله أعلم أنه أوسع من التحمل، وليس فيه ما في التحمل من العدد.

    عدد الشهود في الزنا

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يقبل في الزنا والإقرار به إلا أربعة).

    الزنا لا بد فيه من أربعة، ودليل ذلك القرآن والسنة، أما القرآن فقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4]، وأيضاً الله عز وجل قال: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء:15]، وأيضاً حديث سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه فإنه قال: ( يا رسول الله! إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم )، رواه مسلم في صحيحه، فالزنا لا بد فيه من أربعة، والإجماع قائم على ذلك.

    لكن اختلف العلماء رحمهم الله تعالى: هل يشترط أربعة رجال، أو أن النساء لهن مدخل في الشهادة في الحدود ونحو ذلك، على ثلاثة آراء:

    الرأي الأول وهو رأي أكثر أهل العلم: أنه لا بد من أربعة، وأنه لا مدخل للنساء في الشهادة في الحدود، واستدلوا على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4]، قال: أربعة شهداء، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4]، قال: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ [النور:4]، وأربعة مؤنثة تدل على تذكير المعدود، فيدل ذلك على أنه لا بد من أربعة شهداء.

    ولأن شهادة المرأة قد يعتريها الضلال، كما في قول الله عز وجل: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا [البقرة:282]، والحدود مما يدرأ بالشبهات.

    الرأي الثاني: أن شهادة النساء في الحدود تصح تبعاً للرجال، وعلى هذا لو كان عندنا ثلاثة من الرجال يُكتفى بامرأتين، ولو كان عندنا رجلان يُكتفى بأربع نسوة وهكذا، وهذا ذهب إليه حماد وعطاء .

    الرأي الثالث: أن شهادة النساء تصح منفردات في الحدود، وهذا هو قول الظاهرية، وعلى هذا لو شهد في حد الزنا ثمان نسوة كفى ذلك، ومن باب أولى لو شهد رجلان وأربع نسوة فإن ذلك كاف.

    أما دليل القول الثاني الذين قالوا بأن شهادة النساء تصح في الحدود تبعاً للرجال فإن الله سبحانه وتعالى جعل شهادتهن تابعة لشهادة الرجال، فقال سبحانه وتعالى: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282].

    وأما الذين قالوا: يُكتفى بشهادة النساء ولو لم يكن هناك رجال كما هو قول الظاهرية، فاستدلوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى قال: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282]، فالله سبحانه وتعالى جبر شهادة النساء بمضاعفة العدد، فإذا تضاعف العدد فإن شهادة المرأتين تقوم مقام شهادة الرجل.

    وأيضاً: يدل لذلك حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل، قلنا: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها )، رواه البخاري ومسلم، فجعل شهادتها مثل نصف شهادة الرجل، فإذا ضوعفت أصبحت كشهادة الرجل تماماً وهذا في الزنا.

    عدد الشهود في اللواط

    أما اللواط فقد تقدم المذهب أنهم يعتبرون اللواط زنا، وعلى هذا لا بد فيه من أربعة، وتقدم أن الصحيح في اللواط أنه ليس كالزنا، وأن عقوبته ليست عقوبة الزنا، وعلى هذا فالصواب أنه لا يأخذ حكم الزنا، وأنه لا يشترط فيه أربعة، وأقل ما نقول إذا قلنا باشتراط العدد فنقول: يشترط فيه اثنان.

    كذلك أيضاً الإقرار بالزنا، يقول المؤلف: لا بد من أربعة يشهدون أنه أقر بالزنا، وتقدم لنا أن الصواب أن الإقرار يُكتفى فيه إقرار مرة واحدة، وعلى هذا نقول: الصواب في هذه المسألة أنه لا يشترط في الشهادة على الإقرار بالزنا أربعة، وأنه يكتفى أن الإقرار بالزنا كغيره من الإقرارات.

    عدد الشهود في من أتى بهيمة

    قال: (ويكفي على من أتى بهيمة رجلان).

    لقول الله عز وجل: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، ولأن من أتى بهيمة فهذا موجبه التعزير.

    عدد الشهود في الحدود والقصاص

    قال: (ويقبل في بقية الحدود والقصاص، وما ليس بعقوبة ولا مال، ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال غالباً، كنكاح وطلاق ورجعة ونسب وولاء وإيصاء إليه.. يقبل فيه رجلان).

    ودليلهم على ذلك قول الله عز وجل: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282].

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا مدخل للنساء في هذه الأشياء، يعني: بقية الحدود والقصاص، وما ليس بمال ولا يقصد به المال، كالنكاح والطلاق والرجعة والخلع والنسب، والولاء والإيصاء إليه، ومعنى الإيصاء إليه: يعني: أوصى إليه مثلاً أن يفرق زكاته، وأن يقوم على وقفه أو على أطفاله، أو أن يقضي دينه، ونحو ذلك.

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (رجلان)، فيفهم من ذلك أنه لا مدخل للنساء في الشهادة على هذه الأنواع.

    وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول المالكية والشافعية، واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل جعل شهادة المرأة في المال وما يقصد به المال، فقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282].. إلى أن قال سبحانه وتعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، وسياق هذه الآية في الأموال، فدل ذلك على أن شهادة المرأة إنما تقبل في المال.

    واستدلوا على ذلك أيضاً بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:106]، قال: اثنان، ولم يقل: اثنتان، دل على أن هذه الأشياء إنما تقبل فيها شهادة الرجال، ولا تقبل فيها شهادة النساء.

    الرأي الثاني في هذه المسألة: هو رأي ابن حزم كما تقدم، فـ ابن حزم يرى أن الحدود تدخلها شهادة النساء، فمن باب أولى ما دون ذلك، فعنده يصح أن يشهد النساء منفردات أو تابعات للرجال، ودليله ما تقدم من حديث أبي سعيد ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل )، فجعل شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل .

    الرأي الثالث رأي أبي حنيفة: التفصيل، وأنه في القصاص والحدود لا مدخل للنساء في الشهادة، وما ليس بمال ولا يقصد به مال من أحكام الأبدان فللنساء مدخل في ذلك.

    والرأي الأخير: أنه يصح شهادة النساء مطلقاً إذا كن تابعات للرجال كما تقدم، وهو قول عطاء وحماد رحمهما الله.

    الشهود في المال وما يقصد به البيع

    السادس قال: (يقبل في المال وما يقصد به المال، كالبيع والأجل والخيار ونحوه رجلان أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي).

    يقبل في المال وما يقصد به المال، مثل: البيع، والقرض، والشركة، والإجارة، والمزارعة، والمساقات، ونحو ذلك، يقبل فيه رجلان، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282].

    أو رجل وامرأتان، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، وقوله: (أو رجل وامرأتان) يفهم منه أن شهادة النساء على وجه الاستقلال، يعني: هل تقبل شهادة أربع نسوة في الأموال؟ ظاهر كلام المؤلف أنها لا تقبل؛ لأنه قال: (رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي) فظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أنه لو شهد أربع نسوة في المال وما يقصد به المال أنه لا تقبل شهادتهن.

    والرأي الثاني: أنها تقبل شهادتهن؛ لأن الله عز وجل إنما جعل شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فإذا كان كذلك ووجد عندنا أربع نسوة؛ فإن هؤلاء النسوة شهادتهن يعدلن شهادة رجلين، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة، أما القول بأنه لا يجوز فهذا مذهب الحنابلة والشافعية.

    قال: (أو رجل ويمين المدعي)، فأصبح عندنا المال وما يقصد به المال، رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، هل يجوز أو لا يجوز؟ هذا فيه خلاف.

    الرابع: رجل ويمين المدعي، وهذا هو المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم، ودليلهم على ذلك: كما ثبت في صحيح مسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين).

    والرأي الثاني -وهو رأي الحنفية-: أنه لا يصح القضاء بالشاهد ويمين المدعي، ودليلهم على ذلك القاعدة المعروفة عندهم بأن هذه زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، والآحاد لا ينسخ المتواتر، والنص هو القرآن: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، وما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين)، ولكن هذه القاعدة التي ذكرها الحنفية باطلة بمقدماتها، وسبق الكلام عليها وأشرنا إلى أن ابن القيم رحمه الله تعالى ردها في إعلام الموقعين، وكذلك ردها الشوكاني؛ لأن الأخذ بهذه القاعدة يؤدي إلى إبطال كثير من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    وهل يقضى بامرأتين ويمين المدعي أو لا يقضى؟

    المذهب وهو أيضاً مذهب الشافعية والحنفية من باب أولى أنه لا يقضى بامرأتين ويمين المدعي.

    والرأي الثاني: ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله واختاره شيخ الإسلام وابن القيم ، وابن حزم : أنه يصح القضاء بامرأتين ويمين المدعي؛ لأن المرأتين تقومان مقام شهادة الرجل، فالضلال الذي يُخشى في شهادتها جبره الله عز وجل بمضاعفة العدد، هذا هو الصواب في هذه المسألة.

    السابع: ما يتعلق بقول الطبيب والبيطار ونحو ذلك، وهذا يقبل فيه قول واحد، ويدل لذلك ما سيأتينا إن شاء الله في الأدلة.

    عدد الشهود في ما لا يطلع عليه إلا الرجال

    قال: (وما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب، والبكارة والثيوبة، والحيض والولادة والرضاع، والاستهلال ونحوه، يقبل فيه شهادة امرأة عدل).

    وهذا الثامن: ما لا يطلع عليه الرجال غالباً، وإنما في الغالب يطلع عليه النساء، فتقبل فيه شهادة المرأة، والرجل من باب أولى، ويدل لذلك حديث عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت جارية سوداء فأخبرت أنها قد أرضعتهما، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كيف وقد قيل )، وفي هذا قبول شهادة هذه المرأة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني هو رأي الحنفية: أنه يُكتفى بشهادة امرأة واحدة فيما لا يطلع عليه الرجال، والثنتان والثلاث أحوط.

    والرأي الثالث رأي المالكية: أنه لا بد من امرأتين.

    وعند الشافعية أنه لا بد من أربع نسوة.

    والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى؛ لما تقدم من حديث عقبة رضي الله تعالى عنه.

    وقد جاء في الحديث الذي رواه الدارقطني لكنه ضعيف لا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة وحدها.

    قال: (والرجل فيه كالمرأة).

    يعني: إذا قبلنا شهادة المرأة في الرضاع مثلاً أو في الثيوبة أو البكارة، فالرجل من باب أولى؛ لكمال الرجل.

    عدد الشهود فيما يوجب القود

    قال: (ومن أتى برجل وامرأتين أو شاهد ويمين فيما يوجب القود لم يثبت به قود ولا مال).

    وما ذكره المؤلف هنا مثال لقاعدة تقدم لنا في كتاب الأصول والقواعد الجامعة، وهي أن الأحكام تتبعض وتختلف باختلاف أسبابها.

    قوله: (إذا أتى برجل وامرأتين، أو شاهد ويمين فيما يوجب القود)؛ لأنه كما سلف لنا على المذهب أنه لا مدخل لشهادة النساء في القصاص، فهذا رجل أتى برجل وامرأتين، أو بشاهد ويمين، فيما يوجب القود، قال المؤلف: (لم يثبت به قود) لأن القصاص لا يثبت إلا برجلين، (ولا يثبت المال) لأن المال بدل عن القصاص، فإذا لم يثبت القصاص لم يثبت البدل.

    قال: (وإن أتى بذلك في سرقة ثبت المال دون القطع)، يعني: أتى برجل وامرأتين في السرقة، والحدود كما تقدم لا بد فيها على المذهب من رجلين، وهنا أتى برجل وامرأتين، أو رجل ويمينه، قال المؤلف رحمه الله: لم يثبت القطع، لكن يثبت المال؛ لأن المال يثبت برجل وامرأتين، ويثبت أيضاً بالشاهد واليمين، لكن القطع لا يثبت إلا برجلين.

    قال: (وإن أتى بذلك في خلع)، يعني: في دعوى خلع، (ثبت له العوض)؛ لأن الخلع مال، فمثلاً: امرأة ادعت على زوجها أنه خلعها بألف ريال؛ وأتت هذه المرأة برجل وامرأتين، أو برجل ويمينها، تحلف، فإنه يثبت العوض؛ لأن هذا مال.

    وصورة المسألة: الرجل هو الذي ادعى على هذه المرأة أنه خالعها، وأنها طلبت الخلع منه بألف ريال، وأتى هذا الرجل بشاهد وامرأتين، أو أتى بشاهد ويمين، فيثبت له العوض؛ لأن العوض مال، وهذه بينة تامة بالنسبة للمال.

    قال: (وثبتت البينونة بمجرد دعواه).

    الأصل أن الخلع يثبت برجلين، لكن هنا الخلع ثبت ليس بالبينة، وإنما ثبت بالإقرار، لكونه أقر، فالعوض ثبت برجل وامرأتين أو برجل ويمين؛ لكمال بينته، لكن حصول البينونة ثبتت بالإقرار بالخلع.

    فالخلاصة في ذلك: أنه فيما يتعلق بعدد الشهود لم يثبت عندنا إلا في الزنا، وكذلك أيضاً من عرف بالغنى ثم افتقر وطلب الزكاة؛ فهنا نقول: لا بد من ثلاثة كما جاء في حديث قبيصة (حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا أن فلاناً أصابته فاقة، فحلت له المسألة) فلا بد من ثلاثة.

    وأما ما عدا ذلك مما جاء في الأدلة من عدد الشهود فهذا يكون في التحمل، فعندنا الأداء أوسع من التحمل؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنه يكتفى بشاهد واحد إلا ما ورد فيه النص، وعلى هذا قول الله عز وجل: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282].. إلى آخره وهذا في التحمل، فعند التحمل تَوَثَّق، وعَدِّدِ الشهود والبينات؛ حماية للحق، لكن عند الأداء فالأداء أوسع، ولهذا ذهب ابن القيم رحمه الله تعالى وكذلك القاضي شريح وزرارة بن أبي أوفى إلى أنه يكتفى بشاهد واحد، ما عدا ما ورد فيه النص، فيتوقف فيه على النص، ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات:6]، فأمر الله عز وجل بالتبين في خبر الفاسق، ويفهم من ذلك أنه إذا كان عدلاً موثوقاً بخبره أنه يقبل، بل الله عز وجل أمر بتبين خبر الفاسق، والتوثق منه، فإذا ثبت أنه ثابت وأنه لم يكذب فيه فإنه يقبل، ويدل لذلك أيضاً حديث خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه في قصة مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم الفرس مع الأعرابي، وأنه شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته، وجماهير أهل العلم على أنه لا يُكتفى بشهادة واحد، وأنه لا بد من التعدد، وأن هذا يختلف بأنواع المشهود عليه، فقد يكون زنا.. قد يكون لواطاً.. قد يكون حداً.. قد يكون قصاصاً.. قد يكون من أحكام الأبدان.. قد يكون من أحكام الأموال.. إلى آخره، فيختلف العدد باختلاف المشهود عليه.

    1.   

    الشهادة على الشهادة

    قال: (فصل في الشهادة على الشهادة).

    والشهادة على الشهادة: أن يشهد شخص لفلان أنه شهد على فلان لفلان بكذا وكذا.

    والنظر الصحيح يقتضي القول بشرعية الشهادة على الشهادة؛ لأن الحاجة داعية إليها، ولأنها لو لم تقبل لتعطلت كثير من الشهادات، وتعطل أيضاً الحكم بها بموت شاهد الأصل، أو لغيبته، أو لغير ذلك من الأعذار.

    شروط قبول: الشهادة على الشهادة

    قال رحمه الله: (ولا تقبل الشهادة على الشهادة إلا في حق يُقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي).

    لكي يشهد شخص على أن فلاناً شهد أن لفلان كذا.. إلى آخره، يشترط لذلك شروط:

    الشرط الأول: قال: (لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا في حق يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي)، فالشرط الأول فيما يتعلق بالمشهود عليه، وهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، فالمشهور من المذهب أن الشهادة على الشهادة تقبل في كل شيء إلا في الحدود، وهذا أيضاً مذهب الحنفية، والشافعية، واستثنوا الحدود؛ لأن الحدود مبناها على الدرء بالشبهات ونحو ذلك، فتقبل الشهادة على الشهادة حتى في القصاص، وفي حد القذف؛ لأن حد القذف يغلب فيه حق الآدمي.

    الرأي الثاني: أنها تقبل الشهادة على الشهادة في كل شيء، حتى في الحدود، وذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى، وبه قال ابن حزم ، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة.

    وأما القول بأن الحدود تدرأ بالشبهات فهذا فيه ضعف، والصواب أن الحد إذا ثبت يجب إقامته، وإذا لم يثبت فإنه لا يُقام.

    فالصواب في هذه المسألة أن الشهادة على الشهادة تقبل في كل شيء، ويستدل لهذا بأدلة الشهادة، وكما أننا نقبل شهود الأصل فكذلك أيضاً شهود الفرع؛ لأن الفرع له حكم الأصل، والبدل له حكم المبدل.

    قال رحمه الله: (إلا أن تتعذر شهادة الأصل، ولا يحكم بها).

    أي: لا يحكم الحاكم بالشهادة على الشهادة.

    قوله: (إلا أن تتعذر شهادة الأصل بموت أو مرض أو غيبة مسافة قصر) هذا الشرط الثاني: أن تتعذر شهادة الأصل؛ إما بمرض، أو غيبة، أو خوف، أو ضرر، أو موت.. إلى آخره، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم؛ لأنه إذا أمكن سماع شهادة الأصل فإنه يستغنى عن البحث عن شهادة الفرع، ولأن هذا أحوط.

    والرأي الثاني: رأي محمد بن الحسن من الحنفية أن هذا ليس شرطاً، وأنه حتى وإن لم تتعذر شهادة الأصل فإنه يصح الحكم بشهادة الفرع، حتى لو كان شاهد الأصل في زاوية المسجد، فلشاهد الفرع أن يشهد.

    لكن يظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه جمهور أهل العلم هو الأحوط، وأنه ما دام أن شاهد الأصل لم يتعذر ويمكن أن يأتي.. إلى آخره؛ فنقول: يؤتى به، لكن إن تعذر إما لكونه مريضاً، أو لكونه غائباً، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: حتى لو كانت غيبته أقل من يوم.

    وقيل: لا بد أن تكون غيبة فوق يوم، وقيل بأن الغيبة لا بد أن تكون مسافة قصر، والصحيح أنه إذا كان غائباً، أو به مرض يشق عليه، أو يلحقه ضرر، ونحو ذلك، نقول: يصار إلى شهادة الفرع.

    أما إطلاق شهادة الفرع مع إمكانية الإتيان بشهادة الأصل، فهذا فيه نظر.

    الشرط الثالث: لا بد من عدالة شهود الأصل وشهود الفرع، وتقدم ما يتعلق بالعدالة وضابط العدالة.. إلى آخره.

    والشرط الرابع: أنه لا بد من دوام عدالة الجميع.

    والشرط الخامس: أنه لا بد أن يعين شاهد الفرع شاهد الأصل.

    قال رحمه الله: (ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل).

    هذا هو الشرط السادس، لا بد أن يسترعي شاهد الأصل شاهد الفرع، (فيقول: اشهد على شهادتي بكذا، أو يسمعه يقر بها عند الحاكم، أو يعزوها إلى سببٍ من قرض أو بيع أو نحوه) فواحد من أمور ثلاثة:

    إما أن يسترعيه، يقول: اشهد على شهادتي.. اشهد أنني أشهد أن فلاناً يريد من فلان كذا وكذا.

    أو يسمعه يقر بها عند القاضي، يسمعه يقر أن زيداً يريد منه ألف ريال قرضاً، هنا يشهد.

    أو يعزوها إلى سببٍ من قرض أو بيع ونحوه، فيسمعه يعزو شهادته، يعني: شاهد الفرع يسمع شاهد الأصل، ويقول بأن زيداً باع لعمرو كذا وكذا فيشهد، أو أن زيداً اقترض من عمرو كذا وكذا، فيشهد.

    ويؤخذ من كلام المؤلف أنه في غير هذه الحالات الثلاث، لا يشهد، وعلى هذا لو سمعه يقول: زيد يريد من عمرو ألف ريال، لا يشهد؛ لأنه لم يسترعه ولم يسمعه يقر بها عند الحاكم، ولم يعزها إلى السبب، والصحيح أنه يشهد، فأصبح عندنا أربع حالات:

    الحالة الأولى: أن يسترعيه، أي يقول له: اشهد على شهادتي.

    الحالة الثانية: أن يسمع شاهد الفرع شاهد الأصل يقر بالشهادة عند الحاكم، فهنا يشهد.

    الحالة الثالثة: أن يسمع شاهد الفرع شاهد الأصل يقر بها ويعزوها إلى سببٍ عند غير الحاكم، يقول: أشهد أن زيداً باع لعمرو كذا وكذا، أو اقترض منه كذا وكذا.. إلى آخره.

    الحالة الرابعة: ما عدا الحالات الثلاث، يعني يسمعه يقول: زيد يريد من عمرو ألف ريال ولم يقل: بيع أو قرض أو نحو ذلك، هنا المذهب أنه لا يشهد، وأنه لا يشهد إلا في الحالات الثلاث، والصحيح في ذلك أنه يشهد، وأنه يؤدي كما سمع.

    رجوع شهود المال بعد الحكم

    قال رحمه الله تعالى: (وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض، ويلزمهم الضمان دون من زكاهم).

    هذه مسألة مهمة، وهي: إذا الشهود شهدوا عند الحاكم ثم بعد ذلك رجعوا، فهذا لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: إذا كان رجوعهم قبل الحكم، فنقول: إذا رجعوا قبل الحكم فإن شهادتهم تسقط عند جمهور العلماء، ولا يجوز للقاضي أن يقضي بها؛ لأنه حصل تناقض في شهادتهم، والقاضي لا يقضي بالمتناقض.

    الحالة الثانية: أن يكون ذلك بعد الحكم، يعني: بعد أن تم الحكم قالوا: رجعنا، وهذا لا يخلو من أقسام:

    القسم الأول: أن يكون المحكوم به حداً أو قصاصاً، فهنا لا يجوز للقاضي أن يستوفي هذا؛ لأنهم ما دام أنهم رجعوا فهذه شبهة عند جمهور أهل العلم، والحدود يرون أنها تدرأ بالشبهات، وفي قول الإمام مالك رحمه الله أنه لا ينقض الحكم، والصواب في هذه المسألة أنه ينقض الحكم، إذ كيف ننفذ الحكم ونقطعه، أو نقتله، وهؤلاء يقولون: رجعنا.

    القسم الثاني: أن يكون المحكوم به مالاً، فهل ينقض الحكم أو لا ينقض الحكم؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول وهو رأي جمهور العلماء: أن الحكم لا ينقض ما دام أنه مال، حتى لو رجعوا.

    والرأي الثاني وهو رأي الحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن حزم : أنه يجب نقضه.

    لكن الصواب في هذه المسألة أنه لا ينقض الحكم، وأن القاضي يثبت على حكمه.

    وهل يضمنون أو لا يضمنون؟ جمهور العلماء على أنهم يضمنون.