إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب القضاء [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القسمة إما أن تكون بالتراضي أو بالإجبار ولكل أحكام مختصة، كما أن للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم، أو بقاسم ينصبونه، وتكون أجرته على قدر الأملاك، فإذا اقتسموا أو اقترعوا ألزموا بناتج القسمة، وهناك أحوال ينظر فيها إلى قول من ادعى غلط القسمة من الشركاء وأحوال لا

    1.   

    تابع القسمة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب القسمة.

    لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر، أو رد عوض إلا برضا الشركاء، كالدور الصغار، والحمام والطاحون الصغيرين، والأرض التي لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة، كبناء أو بئر في بعضها، فهذه القسمة في حكم البيع، ولا يجبر من امتنع من قسمتها، وأما ما لا ضرر ولا رد عوض في قسمته، كالقرية، والبستان، والدار الكبيرة، والأرض، والدكاكين الواسعة، والمكيل والموزون من جنس واحد، كالأدهان، والألبان، ونحوها، إذا طلب الشريك قسمتها أجبر الآخر عليها، وهذه القسمة إفراز لا بيع، ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم وبقاسم ينصبونه، أو يسألوا الحاكم نصبه وأجرته على قدر الأملاك، فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة، وكيف اقترعوا جاز.

    باب الدعاوي والبينات.

    المدعي من إذا سكت ترك، والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك، ولا تصح الدعاوى والإنكار إلا من جائز التصرف، وإذا تداعيا عيناً بيد أحدهما فهي له مع يمينه، إلا أن تكون له بينة فلا يحلف، وإن أقام كل واحد بينةً أنها له قضي للخارج ببينته ولغت بينة الداخل].

    وتقدم لنا شيء من أحكام الدعاوى، ومن ذلك هل يشترط في الدعوى أن تكون محررة، أو أن هذا ليس شرطاً؟ وأن المؤلف رحمه الله تعالى اشترط أن تكون محررة، إلا ما يصحح مجهولاً، كالوصية، وكما لو أمهرها ثوباً من ثيابه.. إلى آخره.

    تقدم لنا أيضاً أن البينة بالنسبة للقاضي لا تخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يعرف عدالتهما، فهذا يحكم به.

    والحالة الثانية: أن يعرف جرحها، فهنا يردها.

    والحالة الثالثة: أن يجهل حالها، وهنا يحتاج إلى التزكية.

    وتقدم لنا حكم ما إذا جرح الخصم البينة، وأنه يمهل ثلاثة أيام.. إلى آخره.

    وتقدم لنا أيضاً هل يحكم على الغائب أو لا يحكم على الغائب؟ وذكرنا التفصيل في هذه المسألة، كذلك أيضاً تقدم لنا ما يتعلق بكتاب القاضي إلى القاضي، وبأي شيء يكون كتاب القاضي إلى القاضي.. إلى آخره؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب القسمة).

    وذكرنا مناسبة ذكر باب القسمة ضمن كتاب القضاء.. إلى آخره، وذكرنا الأصل في القسمة من القرآن ومن السنة ومن الإجماع، وأن القسمة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: قسمة التراضي.

    والقسم الثاني: قسمة الإجبار.

    قال المؤلف رحمه الله: (لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر، أو رد عوض إلا برضا الشركاء).

    القسمة نوعان:

    النوع الأول: قسمة التراضي.

    النوع الثاني: قسمة الإجبار.

    وقسمة التراضي هي القسمة التي لا تكون إلا مع وجود الضرر أو رد العوض، ومثلنا لذلك كعقار صغير، كدكان مثلاً، هذا المحل التجاري طوله متران وعرضه متران، ولو قلنا بقسمته ترتب على ذلك ضرر، هذا يأخذ متراً وهذا يأخذ متراً، هذا فيه ضرر، والغالب أنه لا يستفاد منه.

    (أو رد عوض) هذه أرض إذا قسمناها، هذا الجانب يأخذه زيد، وهذا يأخذه عمرو، هذا الجانب أحسن من هذا الجانب، فيحتاج إلى أن يرد عوضاً إلى الجانب الآخر، فهذه القسمة التي لا تكون إلا بضرر أو رد عوض يسميها العلماء رحمهم الله قسمة التراضي؛ لأنها لا تكون إلا برضا الشركاء، ولا يجبر على من امتنع منها.

    قال رحمه الله تعالى: (كالدور الصغار، والحمام والطاحون الصغيرين، والأرض التي لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة).

    الأرض التي لا تتعدل بأجزاء، ولا تتعدل بقيمة، وسيأتينا إن شاء الله بيان ذلك، يعني لا تتعدل بأجزاء صغيرة هذه الأرض، هذا له النصف وهذا له النصف، لا تتعدل بالأجزاء، ولا تتعدل أيضاً بالقيمة، ما يمكن؛ لأنه إذا قسمت فاتت منفعتها.

    يقول: (كبناء أو بئر في بعضها) البئر لا يمكن أن يقسم، هذا له النصف وهذا له النصف، وأيضاً بالنسبة للبئر لا يمكن أن يتعدل بالقيمة، وسيأتي إن شاء الله شيء من ذلك.

    حكم قسمة التراضي

    قال: (فهذه القسمة في حكم البيع).

    قسمة التراضي هذه حكمها حكم البيع، وحينئذ لا تجوز إلا بتراضي الشركاء، ويثبت فيها أحكام البيع.

    وعلى هذا هل يثبت فيها خيار المجلس أو لا يثبت فيها خيار المجلس؟

    نقول: يثبت فيها خيار المجلس، فمثلاً: لو قسمنا هذه الأرض وجعلنا عوضاً، قلنا: الذي يأخذ هذا الجانب الشمالي يدفع للجانب الجنوبي عشرة آلاف، هنا حصل رد عوض، رضي زيد أن يأخذ الجانب الشمالي ويرد على صاحب الجانب الجنوبي عشرة آلاف، ثم بعد ذلك وهو في خيار المجلس قال: فسخت، هل له ذلك أو ليس له ذلك؟ له ذلك؛ لأنها في حكم البيع، يثبت لها أحكام البيع من خيار المجلس وغير ذلك من الشفعة وغيرها، سائر أحكام البيع تثبت لها.

    ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (فهذه القسمة في حكم البيع) تثبت لها أحكام البيع، ولا تجوز إلا بتراضيهما، وهذا هو المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني: رأي المالكية، يقولون: بأنها إن وقعت بقسمة القاضي فإنها إفراز، لا يثبت لها أحكام البيع، وليس لأحد حق الفسخ، وإنما هي إفراز نصيب عن نصيب، إذاً لا يكون لها أحكام البيع إن وقعت بقسمة القاضي، وإن وقعت بقسمة الشركاء فإنها في حكم البيع.

    وخلاصة كلام المالكية: أنها في حكم البيع إلا إن وقعت بقسمة القاضي، فإن وقعت بقسمة القاضي فإنها حكم الإفراز، بمعنى أنها لا تأخذ أحكام البيع.

    الرأي الثالث: رأي الشافعية، يقولون: القسمة بيع فيما يقابل المردود، وإفراز فيما عداه، فهي تشتمل عندهم على إفراز وعلى بيع، فهي بيع فيما يقابل المردود، يعني: هذا صاحب الجانب الشمالي، وهذا صاحب الجانب الجنوبي، فلو أن صاحب الجانب الشمالي أخذ مائة متر، وصاحب الجانب الجنوبي أخذ ثمانين متراً، قلنا: صاحب الشمالي يدفع لصاحب الجنوبي عشرة آلاف ريال، فما كان زائداً فهو في حكم البيع، وما عدا ذلك فهو في حكم الإفراز، يقولون: الذي حصلت فيه المعاوضة هذا الزائد مقابله هذا العوض هذا في حكم البيع، وما عدا ذلك في حكم الإفراز.

    إجبار من امتنع من القسمة

    قال: (ولا يجبر من امتنع من قسمتها).

    من امتنع من القسمة هل يجبر أو لا يجبر؟ يقول المؤلف رحمه الله: (لا يجبر) لما يترتب على ذلك من ضرر أو رد عوض وهي معاوضة، والإنسان لا يجبر عن المعاوضة.

    إذاً: كيف الخلاص من هذه الشركة مثلاً: إذا كان عندنا هذا العقار لا ينقسم إلا بضرر أو رد عوض، ورفض أحد الشركاء على أن ينقسم، قلنا: لا يجبر على القسمة، كيف الخلاص من الشركة إذا كان ما يريد الإجارة وإنما بالبيع؟

    المشهور من المذهب وهو مذهب المالكية أنه يجبر على البيع، يقول: إما أن تقسم وإلا تبيع، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله دفعاً للضرر عن الشركة.

    والرأي الثاني: رأي الشافعي وأبي حنيفة : أنه لا يجبر؛ لأن الإنسان لا يجبر على بيع ما يملك.

    والصواب هو الرأي الأول؛ لأنه لا طريق إلى التخلص من هذه الشركة إلا بالبيع، إما أن نقول له: قاسم وإلا تبيع.

    قسمة الإجبار وحكمها

    قال رحمه الله: (وما لا ضرر ولا رد عوض في قسمته، كالقرية، والبستان، والدار الكبيرة).

    هذا القسم الثاني من نوعي القسمة، وهو قسمة الإجبار.

    قسمة الإجبار هذه لا ضرر في القسمة ولا رد عوض، فيجبر من امتنع منها، نقول: من امتنع منها فإننا نجبره، ومثل المؤلف رحمه الله قال: (كالقرية)، المقصود بذلك مجموعة المزارع، والبستان، والدار الكبيرة، والأرض والدكاكين الواسعة، فمثلاً: عندنا أرض مساحتها تساوي ألف متر، فيمكن أن تقسم بين اثنين أو بين ثلاثة، هذا يأخذ خمسمائة وهذا يأخذ خمسمائة.. إلى آخره.

    قال: (والمكيل والموزون من جنس واحد، كالأدهان، والألبان، ونحوها، إذا طلب الشريك قسمتها أجبر).

    هذا صاع من الدهن، صاع من اللبن، صاع من البر، صاع من الشعير، يمكن أن يقسم، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: يجبر الآخر على القسمة؛ لعدم الضرر، ودفعاً لضرر الشركة، نقول: لا يوجد ضرر، وأيضاً دفعاً لضرر الشركة.

    قال: (وهذه القسمة إفراز لا بيع).

    وعلى هذا: هل يثبت لها أحكام البيع أو لا يثبت لها أحكام البيع؟

    نقول: أحكام البيع لا تثبت لها، هذه القسمة إفراز، يعني: تخليص نصيب من نصيب آخر، ولا شيء لها من أحكام البيع، وعلى هذا لو كان عندنا مائة صاع من البر، هذا له النصف وهذا له النصف، وقسمنا هذه الأصواع، وفي أثناء المجلس قال أحدهم: فسخت، هل يملك الفسخ أو لا يملك الفسخ؟ لا يملك الفسخ؛ لأنها ليست بيعاً، ولا تأخذ أحكام البيع، وأيضاً لو كانت أرضاً واسعة، هل تثبت فيها الشفعة أو لا تثبت فيها الشفعة؟

    نقول: الشفعة لا تثبت فيها؛ لأنها ليست بيعاً ولا تأخذ أحكام البيع.

    ولو حلف لا يبيع ثم قاسم هذه القسمة، هل يحنث أو لا يحنث؟

    لا يحنث؛ لأنها ليست بيعاً.

    تقاسم الشركاء فيما بينهم

    قال رحمه الله تعالى: (ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم وبقاسم ينصبونه، أو يسألوا الحاكم نصبه).

    يقول المؤلف رحمه الله: يجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم، ولا يلزم أن يرجعوا إلى القاضي، أو بقاسم ينصبونه، يأتون بزيد من الناس، مثلاً: إذا كانت عقاراً يأتون بمساح لكي يقسم بينهم.. إلى آخره، أو يسألون القاضي نصبه، ويجب على القاضي أن يجيبهم لقطع النزاع، هذا إذا كان من صلاحيات القاضي.

    أجرة القاسم

    قال: (وأجرته على قدر الأملاك).

    وهذا هو المشهور من المذهب ومذهب الشافعية: أن أجرة القاسم على قدر الأملاك، وعلى هذا لو كان لأحدهما النصف، وللآخر الثلث، وللثالث السدس، كم تكون الأجرة؟

    صاحب النصف عليه ثلاثة أسهم من الأجرة، وصاحب الثلث عليه سهمان، وصاحب السدس عليه سهم واحد، وهذا على رأي الحنابلة والشافعية.

    والرأي الثاني رأي الحنفية والمالكية: أنها على قدر الملاك، وليست على قدر الأملاك، وعلى هذا إذا قلنا: على قدر رءوس الملاك، تكون القسمة أثلاثاً، هذا عليه الثلث، وهذا عليه الثلث، وهذا عليه الثلث.

    طرق القسمة

    كيف يقسم القاسم؟ نقول: لذلك طريقان:

    الطريق الأول: أن تكون القسمة عن طريق الأجزاء، إذا كانت تتعدل بالأجزاء.

    مثلاً: أرض مساحتها ألف، ممكن أن نقسمها، الجزء الأول: خمسمائة والجزء الثاني خمسمائة، هذه أرض بين ثلاثة، هذا له النصف، وهذا له الثلث، وهذا له السدس، ممكن تتعدل بالأجزاء، فنجزئها إلى ستة أجزاء، الأول: يأخذ ثلاثة، والثاني يأخذ جزئين، والثالث يأخذ جزءاً واحداً، والأجزاء هنا متعدلة ولا فرق بين هذا الجزء الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس.

    الطريق الثاني: إذا كانت لا تتعدل بالأجزاء، وإنما تتعدل بالقيمة، فنعدلها بالقيمة، ولا نعدلها بالأجزاء، مثلاً: هذه الأرض بين اثنين، لو جعلناها هذه خمسمائة، وهذه خمسمائة، أصبح فيه حيف، هذا الجانب أغلى من هذا الجانب، فحينئذ لا نعدلها بالأجزاء، فلو فصلناها بالأجزاء جعلنا خمسمائة متر وجعلنا خمسمائة متر، وأصبح هنا حيف، بل إذا كانت لا تتعدل بالأجزاء ويوجد حيف على أحد الشركاء فإننا نعدلها بالقيمة، القيمة كم؟ هذه ألف متر قيمتها تساوي مائة ألف، نجعل هذا النصف بخمسين ألفاً، قد يكون أربعمائة متر، ونجعل النصف الثاني بخمسين ألفاً وقد يكون ستمائة متر، فيكون هنا التعديل بالقيمة.

    إذاً: كيف يقسم القاسم؟ له حالتان:

    الحالة الأولى: إذا كان يمكن أن تعدل بالأجزاء فإنه يعدلها بالأجزاء، هذه أرض لا فرق بين هذا الجانب وهذا الجانب، لكل منهما النصف، هذا خمسمائة وهذا خمسمائة، هذه الخمسمائة بخمسين ألفاً، وهذه الخمسمائة بخمسين ألفاً.

    الحالة الثانية: إذا كان لا يمكن أن تتعدل بالأجزاء، نعدلها بالقيمة، لو جعلنا هذه الأرض نصفين، هذه خمسمائة وهذه خمسمائة فأصبحت الخمسمائة هذه بستين ألفاً وهذه بأربعين، هذا فيه حيف، لو قسمناها خمسمائة وخمسمائة، هذه الخمسمائة أرغب على الجانب الشمالي يكون قيمته ستين، وهذا يكون قيمته أربعين، هنا ما نعدل بالأجزاء بأن نجعل خمسمائة وخمسمائة تماماً، وإنما نعدل بالقيمة، فنجعل النصف الأول ما قيمته خمسين ألفاً، قد يكون ثلاثمائة متر، وقد يكون أربعمائة متر.. إلى آخره، والنصف الباقي قيمته يساوي خمسين ألفاً، فنقول: طريقة القسمة طريقان: إما أن تعدل بالأجزاء بالمساحات، أو تعدل بالقيمة.

    متى تلزم القسمة

    قال رحمه الله: (فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة).

    يعني: بعد أن نعدل المقسوم بالأجزاء أو نعدل المقسوم بالقيمة، إن تراضوا هذا يأخذ هذا الجانب، وهذا يأخذ هذا الجانب، فالأمر إليهما، وإذا لم يتراضوا نرجع إلى القرعة.

    وإذا تمت القسمة وتراضوا، أو أقرعنا بينهم، هل هذه القسمة لازمة أو ليست لازمةً؟

    جمهور العلماء على أنها قسمة لازمة؛ لأن هذه القسمة كالحاكم، وحكم الحاكم لازم.

    والرأي الثاني رأي الشافعية: أنه بعد حصول القسمة وبعد حصول القرعة لا تكون لازمة إلا بالرضا، والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    القرعة بين الشركاء

    قال رحمه الله: (وكيف اقترعوا جاز).

    سواء اقترعوا عن طريق كتابة أوراق، أو اقترعوا عن طريق الحصى، أو نحو ذلك، فهو جائز ولا بأس به، لأن هذه القرعة لم يرد لكيفيتها حد في الشريعة، فيرجع في ذلك إلى أعراف الناس.

    وأيضاً: لا بد أن نعدل المقسوم إما بالأجزاء، أو بالقيمة، أما لو لم نعدل ثم أجرينا القرعة، فهذا لا يجوز، بل يصبح من الميسر.

    ولو قلنا: هذا الجانب دون أن نعدله بالأجزاء أو بالقيمة، هذا جانب وهذا جانب، وخططنا خطاً ثم أجرينا قرعةً، نقول: هذا لا يجوز؛ لأنه قد يكون هذا أكثر من هذا.. إلى آخره، فلا بد أن نعدل أولاً إما بالأجزاء أو بالقيمة، ثم بعد ذلك نجري القرعة.

    انتهى باب القسمة.

    بقي عندنا مسألتان:

    العيب في نصيب أحد الشركاء بعد القسمة

    المسألة الأولى: إذا خرج في النصيب عيب، يعني: لو أننا قسمنا ثم خرج في نصيب أحدهما عيب وهو يجهل ذلك، فنقول: هو بالخيار، إما أن يفسخ، وإما أن يمسك ويأخذ أرش العيب، لو أنه ظهر في نصيب أحدهما عيب، نقول: أنت بالخيار: إما أن تمسك مع الأرش، وإما أن تفسخ.

    ادعاء أحد الشركاء غلط القسمة

    المسألة الثانية: إذا ادعى أحدهما غلطاً، يعني قال: هذه القسمة فيها غلط، هل ينظر إلى قوله أو لا ينظر إلى قوله؟

    المشهور من المذهب: أنهما إذا تقاسما بأنفسهما لا ينظر إلى كلامه إذا ادعى غلطاً، وإن تقاسما بقاسم نصباه، أو نصبه الحاكم فإنه يقبل، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية، وهو أنه يقبل مطلقاً، وأن القسمة تنقض إذا ظهر الغلط.

    والرأي الثالث: رأي المالكية، يفصلون في المسألة، يقولون: إن كان ذلك بعد التعديل والتقويم، وكان الغلط فاحشاً فإنها تنقض، وإن كان الغلط غير فاحش أو بغير تعديل ولا تقويم فإنها لا تنقض، والصواب في هذه المسألة أن يقال: ينظر إن كان الغلط فاحشاً فإنها تنقض، أما إن كان يسيراً فإنها لا تنقض.

    1.   

    الدعاوى والبينات

    قال رحمه الله تعالى: (باب الدعاوى والبينات).

    تعريف الدعوى والبينة

    الدعوى في اللغة: الطلب، ومن ذلك قول الله عز وجل: وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [يس:57].

    وأما في الاصطلاح: فهي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء بيد غيره أو ذمته.

    والبينات جمع بينة، وهي في اللغة: تطلق على وضوح الشيء وانكشافه.

    وأما في الاصطلاح: فاختلف العلماء رحمهم الله في البينة على رأيين:

    الرأي الأول: أن المراد بالبينة هي كل ما يبين الحق ويظهره، من الشهود وغير ذلك، وليست خاصةً بالشهود، بل هي كل ما يبين الحق ويظهره، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وذهب إليه ابن حجر رحمه الله.

    والرأي الثاني: أن البينة هي الشهادة، ولكل منهم دليل، وهذا قول جمهور أهل العلم.

    أما من قال: بأن البينة هي كل ما يبين الحق ويظهره، فقد استدل بقول الله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ [الحديد:25]، والمراد بالبينات هنا الدلائل الواضحة على وجوب عبادة الله عز وجل، وصدق الرسل، وغير ذلك، وليس المقصود هنا بالبينات الشهادة أو الشهود.

    وكذلك أيضاً حديث زيد بن خالد الجهني في اللقطة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن عرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه)، هذه بينة على أنه صادق، كونه عرف عفاصها ووكاءها، يعني: إناءها وما تربط به فإنها تدفع إليه، وهذا دليل على أنه صادق.

    أما الرأي الثاني قالوا: إن المراد بالبينة الشهود، وهذا قول جمهور أهل العلم، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4]، وما تقدم لنا من حديث الأشعث بن قيس ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (شاهداك أو يمينه).

    والصواب في هذه المسألة أن البينة هي كل ما يبين الحق ويظهره، ومن ذلك الشهود، وكون النبي صلى الله عليه وسلم طلب الشهود لا يلزم من ذلك أن تكون البينة خاصة بالشهود؛ لأن الشهود هي من أقوى البينات.

    ضابط المدعي والمدعى عليه

    قال رحمه الله تعالى: (المدعي من إذا سكت ترك، والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك).

    عرف المؤلف رحمه الله المدعي بأنه من إذا سكت ترك، والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك.

    وقال بعض العلماء: المدعي هو الذي يبدأ بالكلام أولاً، والمدعى عليه هو الذي يتأخر.

    وقيل: المدعي هو الذي يخالف قوله الظاهر، والمدعى عليه هو الذي يوافق قوله الظاهر، فهذه ثلاثة آراء.

    والصواب في مثل هذه المسائل أنه يرجع إلى ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى، وكذلك أيضاً يرجع إلى اجتهاد القاضي في تمييز المدعي من المدعى عليه، وكما تقدم أن القاضي إذا استطاع أن يميز المدعي من المدعى عليه، فإنه يكون سهل عليه كثير من شأن القضية.

    ممن تصح الدعوى والإنكار

    قال: (ولا تصح الدعوى والإنكار إلا من جائز التصرف).

    يعني: يشترط في الدعوى أن يكون المدعي بالغاً، عاقلاً، حراً، رشيداً.. إلى آخره، وأيضاً الإنكار، لا يصح إلا من بالغ عاقل حر رشيد، وعلى هذا فالصبي لا تصح دعواه وإنكاره، وكذلك المجنون والرقيق، والسفيه إلا فيما يؤاخذ به السفيه لو أقر به، كطلاق وحد ونحو ذلك.

    أثر قرينة اليد في الدعوى

    قال: (وإن تداعيا عيناً بيد أحدهما فهي له مع يمينه).

    إذا اثنان تداعيا عيناً من الأعيان، فإن هذا لا يخلو من أحوال:

    الحالة الأولى: ما أشار إليها المؤلف رحمه الله بقوله: (بيد أحدهما)، مثلاً تداعيا هذا الكتاب زيد وعمرو، فإن أحضر أحدهما البينة فالكتاب لمن أقام البينة، إذا أحضر كل منهما بينةً.

    قال المؤلف رحمه الله: (تداعيا عيناً بيد أحدهما فهي له مع يمينه، إلا أن تكون له بينة فلا يحلف، وإن أقام كل واحد بينةً قضي للخارج ببينته ولغت بينة الداخل).

    هذه الحالة الأولى: أن تكون العين بيد أحدهما، وليس لأحدهما بينة تكون العين لمن هي بيده؛ لأن هذا ترجيحاً للظاهر.

    أما إن كان لأحدهما بينة فالعين لمن أقام البينة.

    وإذا كان لكل منهما بينة؟ قال المؤلف رحمه الله: (وإن أقام كل واحد منهما بينة قضي للخارج ببينته).

    وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة ، ومذهب الإمام أحمد ، والخارج هو الذي ليست معه العين، والداخل هو الذي معه العين، يعني: هذا زيد وعمرو الكتاب بيد زيد، وعمرو الكتاب ليس بيده، فعمرو هو الخارج، وزيد الذي بيده الكتاب هو الداخل، فالمذهب ومذهب أبي حنيفة يقضى بها للخارج الذي ليست معه العين.

    الرأي الثاني: أنه يقضى بها للداخل، وهذا مذهب مالك والشافعي .

    أما الذين قالوا: يقضى بها للخارج، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)، الآن الذي يدعي هو الخارج، يدعي العين الآن، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (البينة على المدعي)، فتقدم بينة الخارج، والذين قالوا: بأنه يقدم الداخل، دليلهم على ذلك: أن هذا ترجحت يده بوجود العين.

    ويظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه مالك والشافعي هو الأقرب في هذه المسألة.

    أما طيب! الحالة الثانية: أن تكون العين بيد غيرهما، يعني: زيد وعمرو يدعيان الكتاب، والكتاب بيد صالح، فإن أقام أحدهما بينة فهو له، طيب أقام كل منهما بينة، الكتاب الآن بيد صالح وزيد يدعيه وعمرو يدعيه فأقام زيد بينة وعمرو أقام بينة، فهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله:

    فالرأي الأول: وهو مذهب الإمام أحمد والشافعي : أنه إذا أقام كل منهما بينةً، نقرع بينهما.

    والرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة ومالك : إذا أقام كل منهما بينة أنه يقسم بينهما.

    والصواب في هذه المسألة أن يقال: ينظر إلى أرجح البينتين فإن تساوتا يقسم بينهما.

    الحالة الثالثة: أن تكون العين ليست بيد أحد، فمن أقام بينةً فهي له.

    وإذا أقام كل منهما بينة، يعني: زيد يدعي الكتاب، وعمرو يدعي الكتاب، والكتاب ليس بيد أحد، لا بيد أحدهما ولا بيد ثالث، نقول: من أقام بينةً فهو له، إذا أقام كل منهما بينة فالجمهور أنه يقسم، والرأي الثاني قول الإمام أحمد : أنه يقرع، والصواب كما ذكرت، إن ترجحت إحدى البينتين نصير للراجح، وإذا ما ترجحت يقسم، إذا كان ليس لأحدهما بينة، أيضاً هذا موضع خلاف، فالإمام أحمد : يقرع، والرأي الثاني رأي الشافعي ومالك : أنه يقسم.

    وكما ذكرنا الصواب في هذا ما دام أنه ليس هناك بينة نصير إلى القسمة.

    قال رحمه الله تعالى: (ولغت بينة الداخل..) إلى آخره.

    يعني: إذا وجدنا قرينة ترجح قول أحدهما نرجح بينته، أو نرجح جانبه إذا لم يكن بينة.