إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب القضاء [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المدعي إذا لم يكن له بينة على خصمه فله اليمين على خصمه، وإن نكل المدعى عليه باليمين قضي عليه، والدعوى لا تقبل إلا أن تكون محررة، وللقاضي أحوال تجاه البينة والشهود تزكية وجرحاً، كما أن الحكم على الغائب فيه حالات يراعيها القاضي عند القضاء.

    1.   

    تابع طرق الحكم وصفته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن قال المدعي: ما لي بينة، أعلمه الحاكم أن له اليمين على خصمه على صفة جوابه، فإن سأل إحلافه أحلفه وخلى سبيله، ولا يعتد بيمينه قبل مسألة المدعي، وإن نكل قضى عليه، فيقول: إن حلفت وإلا قضيت عليك، فإن لم يحلف قضى عليه، وإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينته حكم بها، ولم تكن اليمين مزيلةً للحق.

    فصل فيما تصح به الدعوى والبينة:

    ولا تصح الدعاوى إلا محررةً معلومة المدعى به، إلا ما تصححه مجهولاً كالوصية وعبد من عبيده مهراً ونحوه، وإن ادعى عقد نكاح أو بيع أو غيرهما فلا بد من ذكر شروطه، وإن ادعت امرأة نكاح رجل لطلب نفقة أو مهر أو نحوهما سمعت دعواها، فإن لم تدع سوى النكاح لم تقبل، وإن ادعى الإرث ذكر سببه.

    وتعتبر عدالة البينة ظاهراً وباطناً، ومن جهلت عدالته سئل عنه، وإن علم عدالته عمل بها، وإن جرح الخصم الشهود كلف البينة به، وأنظر له ثلاثاً إن طلبه.

    وللمدعي ملازمته، فإن لم يأت ببينة حكم عليه، وإن جهل حال البينة طلب من المدعي تزكيتهم، ويكفي فيها عدلان يشهدان بعدالته، ولا يقبل في الترجمة والتزكية والجرح والتعريف والرسالة إلا قول عدلين.

    ويحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق، وإن ادعى على حاضر في البلد غائب عن مجلس الحكم، وأتى ببينة لم تسمع الدعوى ولا البينة.

    باب كتاب القاضي إلى القاضي:

    يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق، حتى القذف، لا في حدود الله، كحد الزنا ونحوه، ويقبل فيما حكم به لينفذه وإن كان في بلد واحد، ولا يقبل فيما ثبت عنده ليحكم به إلا أن يكون بينهما مسافة قصر، ويجوز أن يكتب إلى قاضٍ معين، وإلى من يصل إليه كتابه، من قضاة المسلمين، ولا يقبل إلا أن يشهد به القاضي الكاتب، شاهدين، فيقرأه عليهما ثم يقول: أشهد أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ثم يدفعه إليهما.

    باب القسمة: ولا يجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر أو رد عوض إلا برضا الشركاء كالدور الصغار، والحمام والطاحون الصغيرين، والأرض التي لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة].

    تقدم لنا شيء من أحكام القضاء ومن ذلك ما يتعلق بشروط القاضي، وأنه يشترط في القاضي شروط:

    الشرط الأول: أن يكون بالغاً.

    الشرط الثاني: أن يكون عاقلاً.

    الشرط الثالث: أن يكون ذكراً.

    الشرط الرابع: أن يكون حراً.

    وكذلك أيضاً أن يكون مسلماً، سميعاً، متكلماً، عدلاً، مجتهداً.. إلى آخره.

    كذلك أيضاً تقدم لنا ما يتعلق بالآداب التي ينبغي أن يكون عليها القاضي.

    وكذلك أيضاً تقدم لنا هل يحكم القاضي بعلمه أو لا يحكم بعلمه؟ وذكرنا في هذه المسألة تفصيلاً.

    وكذلك أيضاً تقدم لنا فيما إذا حضر إليه الخصمان, فإن القاضي له حالتان:

    الحالة الأولى: أن يبدأهما بأن يقول: أيكما المدعي؟

    الحالة الثانية: أن يسكت حتى يبدأه الخصمان.. إلى آخره.

    وتقدم لنا أنه إذا سمع الدعوى من المدعي, فإن المدعى عليه لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يقر، فإذا أقر بما ادعاه المدعي فإنه يحكم عليه.

    الحالة الثانية: أن ينكر، فإذا أنكر دعوى المدعي قال للمدعي: إن كان لك بينة فأحضرها إن شئت، فإذا أحضر البينة سمعها القاضي، وتقدم أن المؤلف قال: (ويحرم عليه أن يرددها أو أن يعنتها) ونحو ذلك.

    ما يلزم القاضي إذا لم يكن للمدعي بينة

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن قال المدعي: ما لي بينة؛ أعلمه الحاكم أن له اليمين على خصمه).

    إذا أنكر المدعى عليه ما ادعاه المدعي، فيقال للمدعي: إن كان لك بينة فأحضرها، إن أحضرها سمعها القاضي، إذا قال المدعي: ما لي بينة أعلمه القاضي أن له اليمين على خصمه.

    ويدل لذلك: (أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول الله! هذا غلبني على أرض لي. فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي وليس له فيها حق.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه)، وهذا هو الشاهد، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه من حديث وائل بن حجر الحضرمي رضي الله تعالى عنه.

    قال: (على صفة جوابه).

    يعني: تكون اليمين على صفة جواب المدعي، المدعي قال: أقرضته ألف ريال، قال القاضي: أعطنا البينة، قال المدعي: ليس هناك بينة، وقد أنكر المدعى عليه، فنقول للمدعى عليه: عليك اليمين على صفة جواب المدعي، وعلى هذا يقول: والله ما أقرضني ألف ريال، هكذا يكون على صفة جوابه، يعني: على جواب المدعي، فيقول: والله ما أقرضني ألف ريال.

    قال: (فإن سأل).

    يعني: المدعي سأل القاضي أن يحلف المدعى عليه.

    قال: (أحلفه وخلى سبيله).

    إذا حلف المدعى عليه يخلى سبيله؛ لأن الأصل براءة ذمته.

    قال: (ولا يعتد بيمينه قبل مسألة المدعي).

    يعني: إذا كان المدعي ليس له بينة يعلمه القاضي، يعلم القاضي المدعي أن له اليمين على خصمه، وحينئذ يسأل المدعي القاضي أن يحلفه.

    ولو حلف المدعى عليه قبل سؤال المدعي تحليفه هل يعتد بهذه اليمين أو لا يعتد؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان, المؤلف رحمه الله يرى أنه لا يعتد بها، وهذا قول جمهور العلماء، أنه لا يعتد بيمين المدعى عليه حتى يسأل؛ لأن الحق له، المدعي يسأل القاضي أن يحلف المدعى عليه، والقاضي يقوم بأمره بالحلف.

    وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، واستدلوا بما تقدم من حديث وائل بن حجر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمدعي: (ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه).

    والرأي الثاني: ذهب إليه أبو يوسف من الحنفية: أنه لا حاجة إلى أن يسأل المدعي القاضي أن يحلف المدعى عليه، بل القاضي مباشرةً له أن يحلف المدعى عليه.

    وهذا القول يظهر والله أعلم أنه هو الأقرب؛ لأن إقامة الدعوى قرينة على الطلب؛ لأنه لا حاجة أن يسأل المدعي القاضي أن يحلفه، بل القاضي يقوم بتحليفه وإن لم يسأل المدعي القاضي تحليفه، لكن لو حلف قبل أن يأمره القاضي بالحلف هل يعتد بذلك أو لا يعتد؟ نقول: لا يعتد.

    فعندنا أمران:

    الأمر الأول: حلف قبل سؤال المدعي وقلنا: الأقرب أنه يعتد.

    الأمر الثاني: حلف قبل سؤال القاضي، وهذا لا يعتد به.

    نكول المدعى عليه عن اليمين

    قال: (وإن نكل قضي عليه).

    ولو قال المدعى عليه: أنا لا أحلف، فإنه يقضي عليه بالنكول، وعلى هذا لو قال المدعي: أنا أريد منه ألف ريال قرضاً، فأنكر المدعى عليه، يقال للمدعي: أعطنا البينة، قال: ما عندي بينة، قلنا له: لك يمينه، فقال له القاضي: احلف أنك ما اقترضت منه ألف ريال، قال: لا أحلف ونكل، فإنه يقضى عليه بالنكول، ويلزم بالألف.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن اليمين لا ترد على المدعي، لا نقوم برد اليمين على المدعي، وهذا هو المذهب ومذهب الحنفية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وائل بن حجر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لك يمينه)، يدل على أن اليمين تكون على المدعى عليه، قال للمدعي: (ألك بينة؟ ثم قال: ولك يمينه)، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).

    والرأي الثاني: رأي المالكية والشافعية: أن اليمين ترد على المدعي، فإن حلف المدعي فإنه يستحق الدعوى، وإن نكل ولم يحلف سقطت دعواه.

    ودليلهم على ذلك قالوا: بأن اليمين وإن وردت في جانب المدعى عليه فهي أيضاً واردة في جانب المدعي، كما سيأتينا في أحاديث القسامة.

    ويدل لذلك أيضاً قول الله عز وجل: فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [المائدة:107] .

    الرأي الثالث: التفصيل في هذه المسألة، وهو إن كان المدعي عالماً بما يدعيه من صدق نفسه وصحة دعواه فإنه يجوز رد اليمين عليه؛ لأنه سيحلف وهو يعلم صدق نفسه، فإن امتنع سقطت دعواه، وإن كان الذي يعرف بحقيقة الأمر هو المدعى عليه ولا يشاركه في ذلك المدعي فإن اليمين لا ترد.

    وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: بأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    قال: (فيقول: إن حلفت وإلا قضيت عليك).

    يقول القاضي للمدعى عليه: إن حلفت خليت سبيلك، وإلا تحلف قضيت عليك، فإن لم يحلف قضى عليه.

    قال: (فإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينةً حكم بها ولم تكن اليمين مزيلةً للحق).

    لو قال المدعي: لا أعلم لي بينة، قلنا: لك اليمين على المدعى عليه، حلف المدعى عليه وحينئذ إذا حلف المدعى عليه يخلي القاضي سبيله ويحكم له، المدعي بعد أن حلف المدعى عليه تذكر البينة إن كان قد نسي البينة، أو أن أحداً يعلم بالحق وجاء وشهد، فهل ينظر إلى البينة بعد حلف المدعى عليه أو لا ينظر إلى البينة؟

    قال المؤلف رحمه الله: ينظر إلى البينة، واليمين لا تكون مزيلةً للحق، فالقاضي يحكم بالبينة واليمين لا تكون مزيلةً للحق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم البينة على اليمين، فقال في حديث وائل بن حجر : (ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قدم البينة على اليمين.

    وهذا رأي جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ ولأن المدعي قد يقول: أنا لا أعلم أن لي بينة، قد يكون نسي البينة، وقد يكون أيضاً لا يعلم البينة، هناك من يعلم الحق لكنه يجهل هذه البينة.

    فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم خلافاً لما ذهب إليه الظاهرية.

    1.   

    ما تصح به الدعوى والبينة

    تحرير الدعوى

    قال المؤلف: (ولا تصح الدعوى إلا محررة).

    يعني: مضبوطة معلومة المدعى به، فلا يصح أن يدعي عليه أن يقول: أنا أريد منه حقاً، اضبط الحق وحرره، أنا أريد منه مالاً ما هو المال هذا؟ وما سبب المال؟ اضبطه.

    فلا بد أن تكون الدعوى محررة مضبوطة معلومة المدعى به وهذا هو المشهور من المذهب وهو قول جمهور أهل العلم، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أقضي على نحو ما أسمع)، فإذا كانت غير مضبوطة وغير معلومة المدعى به كيف يقضي القاضي؟ وقال: أنا أريد منه مالاً، ما هو المال هذا؟ كم المال؟ ما عدده؟ ما سببه؟.. إلى آخره، لا بد أن تضبط، مال، قرض، صفته كذا، عدده كذا، ألف ريال.. إلى آخره، أنا أريد منه أرضاً، ما هي هذه الأرض.. إلى آخره.

    والرأي الثاني: أنه يصح أن تكون الدعوى غير محررة، وأنه لا يشترط أن تكون محررةً، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما تقدم من قصة الحضرمي والكندي، فإن المدعي في هذه القصة ادعى أرضاً ولم يحرر هذه الأرض، ويطلب القاضي من المدعي أن يحرر دعواه، وهذا القول هو الصواب، فنقول: يصح أن تكون غير محررة ثم بعد ذلك القاضي يطلب من المدعي أن يحرر دعواه.

    قال: (إلا).

    استثنى المؤلف ما نصححه مجهولاً كالوصية، فالوصية كما تقدم تدخلها الجهالة، فتصح الوصية بالمجهول، وتصح بالمعدوم، مثلاً لو قال: أوصيت بثلث مالي، ولا ندري كم يكون ثلث ماله؛ لأن الثلث يعتبر عند الموت، قد يكون عنده الآن مليون وعند الموت يكون عنده ثلاثة ملايين، فأصبح الثلث مليوناً، وقد يهلك المال فما يكون عنده إلا مائة ألف ويكون الثلث ثلاثة وثلاثين ألفاً، فالوصية تصح بالمجهول، فالقاضي يسمع الوصية غير المحررة؛ لأن الوصية تصح بالمجهول.

    فمثلاً: لو وصى بشيء من ماله صح ذلك، لو وصى بحظ أو نصيب أو شيء كل هذا جائز، فالوصية تدخلها الجهالة الوصية، وهذا جائز.

    فإذا ادعى قال: هو أوصى لي بشيء من ماله يسمع القاضي ذلك؛ لأن الوصية هذه صحيحة.

    قال: (وبعبد من عبيده مهراً ونحوه).

    أيضاً كما تقدم لنا في باب الصداق أن الجهالة اليسيرة تصح في المهر؛ لأن النكاح لا يقصد للكسب، وإنما المقصود من النكاح ما يترتب عليه من المصالح العظيمة، فليس المقصود منه الكسب والتجارة ونحو ذلك.

    وعلى هذا لو أصدقها سيارة من سياراته أو ثوباً من ثيابه ونحو ذلك فإن هذا صحيح، وعلى هذا لو ادعت المرأة على زوجها أنه أصدقها سيارةً من سياراته صح ذلك؛ لأن هذا الصداق صحيح، والوصية بالمجهول صحيحة، والجهالة اليسيرة في الصداق صحيحة؛ لأنه يصح أن يصدقها ثوباً من ثيابه أو سيارةً من سياراته، فإذا ادعت عند القاضي أنه أصدقها ثوباً من ثيابه فينظر القاضي في هذه، وإن كانت غير محررة، ما قالت: الثوب الذي صفته كذا وصفته كذا ونحو ذلك.

    من ادعى عقداً لزمه ذكر شروطه

    قال رحمه الله: (وإن ادعى عقد نكاح أو بيع أو غيرهما).

    يعني: كإجارة أو شركة أو نحو ذلك.

    قال: (فلا بد من ذكر شروطه).

    يعني: ادعى عقد نكاح، ادعى الزواج من هذه المرأة فيقول المؤلف: لا بد من أن يذكر الشروط: رضا الزوجين، والتعيين، والولي، والشهادة.. ونحو ذلك.

    ومثله أيضاً: ادعى البيع، وأن هذا الرجل باعه هذه السيارة فالمؤلف يقول: لا بد أن يذكر الشروط.. إلى آخره؛ لأن الناس يختلفون في الشروط، وقد لا يكون العقد صحيحاً عند القاضي.

    والصواب في مثل هذه المسائل: أنها ترجع إلى قرائن الأحوال، وما يحتاجه القاضي.. إلى آخره؛ لأن العامي قد لا يعرف شروط النكاح، وقد لا يعرف شروط البيع، لكن يعرف أن هذا الرجل باعه، أو أن هذا الرجل عقد له، فهو يدعي ذلك، فكوننا نقول له: ما هي الشروط.. إلى آخره قد لا يعرف مثل هذه الأشياء.

    قال: (وإن ادعت امرأة نكاح رجل لطلب نفقة أو مهر أو نحوهما سمعت دعواها).

    يعني: إذا ادعت أنها تزوجت من هذا الرجل وهي تطالبه بالمهر، أو تطالبه بالنفقة، يقول المؤلف: تسمع دعواها؛ لأنها تدعي حقاً لها تضيفه إلى سببه.

    قال: (وإن لم تدع سوى النكاح لم تقبل).

    لأن النكاح حق للزوج، وعلى هذا إذا ادعت هذه المرأة أنها تزوجت من فلان، فهذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تدعي ذلك لطلب حق من حقوقها من مهر أو نفقة, ونحو ذلك فهذه تسمع دعواها.

    الأمر الثاني: ألا تدعي إلا النكاح، أي: ما ادعت النكاح لأجل حق من حقوقها وإنما ادعت مجرد النكاح، يقول المؤلف: لا تقبل دعواها؛ لأن النكاح حق للزوج، فلا تسمع دعواها لحق غيره.

    قال: (وإن ادعى الإرث ذكر سببه).

    لأن أسباب الإرث تختلف، وأسباب الإرث ثلاثة: النكاح، والزوجية، والولاء، يعني: هل هناك سبب الزوجية؟ هل هناك نسب، قرابة؟ هل هناك ولاء؟ يقول لك: لا بد من ذكر سببه؛ لأن أسباب الإرث تختلف.

    قال: (وتعتبر عدالة البينة ظاهراً وباطناً).

    يعني: تشترط عدالة البينة، وهذا سيأتينا إن شاء الله في كتاب الشهادات، ومعنى ضابط العدالة.

    عدالة الشهود

    قال: (ومن جهلت عدالته سئل عنه).

    البينة لا تخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يعلم القاضي عدالتها، فهنا يحكم بعلمه، يعرف زيداً وعمراً وأنهما من أهل العدالة المبرزين في العدالة، فلا حاجة إلى تزكية ويحكم بذلك.

    الحالة الثانية: أن يعلم جرح البينة فنقول: يردها، وهذه من المسائل التي يحكم فيها بعلمه كما تقدم.

    الحالة الثالثة: أن يجهل حال البينة، لا يدري هؤلاء الذين جاءوا يشهدون هل هم عدول أو ليسوا عدولاً؟ وحينئذ نحتاج إلى التزكية، يحتاج يسأل القاضي من يزكيهم؛ ولهذا قال: (ومن جهلت عدالته سأل عنه)، يعني: يسأل عنه أو يطلب من يزكيه ممن له به خبرة باطنة بصحبة أو معاملة ونحو ذلك.

    قال: (وإن علم عدالته عمل بها).

    ولا يحتاج إلى تزكية، كذلك أيضاً إذا علم عدم العدالة وجرح البينة، فإنه يعمل بعلمه ولا حاجة إلى التزكية.

    ما يلزم الخصم إذا جرح الشهود

    قال: (وإن جرح الخصم الشهود كلف البينة).

    أي: بالجرح، فلو أن الخصم جرح الشهود، فيقول المؤلف رحمه الله: كلف البينة، فالمدعي يأتي بالمزكين الذين يزكون البينة، والمدعى عليه يجرح البينة، وأنهم ليسوا عدولاً، فأيهما تقدم هل تقدم بينة الجرح أو تقدم بينة التعديل؟

    العلماء رحمهم الله يقولون: تقدم بينة الجرح على بينة التعديل؛ لأن بينة الجرح معها زيادة علم بأمر باطن خفي على المعدل، فإذا جرح الخصم الشهود نقول: أعطنا البينة، وإن جرح الخصم الشهود كلف البينة به.

    قال: (وأنظر له ثلاثة أيام إن طلبه).

    يعني: إذا طلب نقول: أعطنا البينة على أنهم ليسوا عدولاً، لا بد أن تأتي بالبينة على أنهم ليسوا عدولاً، فإذا طلب الإمهال فإننا نمهله ثلاثة أيام؛ لأن في الثلاثة فسحة لكي يبحث عن بينة الجرح وليس فيه تطويل أيضاً على المدعي.

    ومثل هذه المسائل -والله أعلم- ما دام أنه ليس هناك فيها نص فيرجع في ذلك إلى اجتهاد القاضي.

    قال: (وللمدعي ملازمته).

    أي: ملازمة الخصم في مدة الإنظار لئلا يهرب.

    قال: (فإن لم يأت ببينة حكم عليه).

    لأن عجزه عن إقامة البينة دليل على عدم ما ادعاه، إذا لم يأت بالبينة حكم عليه، وإن أتى بالبينة نقول: اجتمع عندنا بينة التعديل وبينة الجرح، فتقدم بينة الجرح.

    تزكية الشهود

    قال: (وإن جهل حال البينة طلب من المدعي تزكيتهم).

    القاضي بالنسبة للبينة لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يعلم عدالتهم فيعمل بذلك.

    الحالة الثانية: أن يعلم جرحهم فيعمل بذلك.

    الحالة الثالثة: أن يجهل حال البينة. فيقول المؤلف رحمه الله: (يطلب من المدعي تزكيته).

    قال: (ويكفي عدلان يشهدان بعدالته).

    مسألة: هل يشترط التعدد أو لا يشترط؟

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: في التزكية لا بد من التعدد، وأيضاً المزكون لا بد أن يكونوا عدولاً، ولهذا قال: عدلان يشهدان بتزكيته.

    والرأي الثاني: أنه يكفي واحد، وهذا قال به أبو حنيفة رحمه الله، وهذا القول هو الصواب: أن كل شاهد يكفي في تزكيته واحد، ويدل لذلك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود) وهذا في الترجمة, فكذلك أيضاً في التزكية.

    ويدل لذلك أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بـعبد الله بن أريقط في الدلالة وكان ماهراً، وهذا واحد، فيظهر والله أعلم أنه يكتفى بواحد.

    ومن أمثلة ذلك أيضاً في القافة: أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بقيافة مجزز المدلجي ، فكذلك أيضاً في التزكية.

    قال: (ولا يقبل في الترجمة والتزكية والجرح والتعريف والرسالة).

    الترجمة: تعبير من لغة إلى لغة أخرى، والتزكية تزكية الشهود، والجرح جرح الشهود، والتعريف عند الحاكم بالمدعي والمدعى عليه قد يكون التعريف لامرأة ونحو ذلك، والرسالة: من قاض إلى قاض كما سيأتينا في كتاب القاضي إلى القاضي.

    يقول لك المؤلف رحمه الله تعالى: (إلا قول عدلين).

    وعند الحنفية والمالكية أنه يكتفى في الترجمة بواحد.

    والصحيح أن هذه المسائل يكتفى فيها بواحد، وتقدمت الأدلة على ذلك.

    الحكم على الغائب

    قال: (ويحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق، وإن ادعى على حاضر بالبلد غائب عن مجلس الحكم، وأتى ببينة لم تسمع الدعوى ولا البينة).

    يقول المؤلف رحمه الله: (يحكم على الغائب) والغائب له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون غائباً عن مجلس الحكم حاضراً في البلد، فهذا لا يجوز الحكم عليه؛ ولهذا قال: (وإن ادعى على حاضر بالبلد غائب عن مجلس الحكم وأتى ببينة لم تسمع الدعوى ولا البينة)، فإذا كان غائباً عن مجلس الحكم لكنه موجود في البلد غير مستتر نقول: بأنه لا يحكم عليه.

    الحالة الثانية: أن يكون غائباً عن مجلس الحكم حاضراً في البلد لكنه مستتر، أي: متخفٍ.

    الحالة الثالثة: أن يكون غائباً عن البلد.

    وفي هاتين الحالتين موضع خلاف: إذا كان غائباً عن البلد، أو كان غائباً عن مجلس الحكم وهو في البلد لكنه مستتر مختفٍ، فهنا هل يحكم عليه أو لا يحكم عليه؟

    جمهور أهل العلم على أنه يحكم عليه، واستدلوا على ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة كما سيأتينا في قصة الأنصاري الذي قتل وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود وهم غائبون.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية وهو أنه لا يحكم على الغائب، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع).

    ووجه الدلالة هنا قال: (ألحن)، إذا سمع الدعوى ولم يسمع رأي الآخر وعنده قوة بيان.. إلى آخره ربما أنه يحكم له ويحكم على الغائب.

    وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (على نحو ما أسمع) وهنا لم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلام الخصم.

    والأقرب في هذه المسألة والله أعلم هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم في أنه يقضي على الغائب، ويحكم عليه، وإذا حضر الخصم فهو على بينته ودعواه، يسمع القاضي البينة والدعوى.

    قال: (وإن ادعى على حاضر بالبلد غائب عن مجلس الحكم وأتى ببينة لم تسمع الدعوى ولا البينة).

    وهذا تقدم لنا في القسم الأول.

    1.   

    كتاب القاضي إلى القاضي

    قال رحمه الله تعالى: (باب كتاب القاضي إلى القاضي: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق حتى القذف، لا في حدود الله كحد الزنا).

    قال: (كتاب القاضي إلى القاضي).

    يعني: ما يكتبه القاضي إلى قاض آخر فيما يتعلق بالقضايا من إثبات القضية أو الحكم في القضية، إثباتاً أو حكماً.

    ويدل على كتاب القاضي إلى القاضي (أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عماله) كما كتب إلى عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه. وأيضاً الخلفاء الراشدون كتبوا إلى عمالهم كما كتب أبو بكر ، وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عن الجميع، والإجماع منعقد على ذلك. ويدل لذلك أيضاً من القرآن قول الله عز وجل: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل:29].

    قبول كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق

    قال: (يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق).

    يعني: ما يشترط لكتاب القاضي إلى القاضي ولصحة هذا الكتاب؟ هل يكون المكتوب معيناً في أشياء خاصة، أو أنه يشمل كل شيء؟

    هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، والمشهور من المذهب: أنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل شيء يحكم به القاضي، حتى فيما يتعلق بالحدود، وفيما يتعلق بالقصاص وفي كل شيء يحكم به القاضي فإنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    الرأي الثاني: أنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي فيما يتعلق بحقوق الآدميين، حتى فيما يتعلق بحد القذف والقصاص، دون بقية الحدود التي هي حقوق الله.

    يعني: ما يتعلق بحقوق الآدميين من الأموال وحد القذف والقصاص يقبل، أما بقية الحدود فإنه لا يقبل، وهذا مذهب الشافعية وهم يوافقون الحنابلة.

    قال: (حتى القذف لا كحد الزنا).

    إذاً: الشافعية يوافقون الحنابلة، في أنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي فيما يتعلق بحقوق الآدميين حتى ما يتعلق بحد القذف والقصاص إلى آخره، أما ما يتعلق بحقوق الله من الحدود فإنه لا يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي، هذا مذهب الشافعية والحنابلة.

    الرأي الثاني: رأي المالكية وهو رواية عند الحنابلة: أنه يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل شيء حتى في الحدود والقصاص، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    ويدل لذلك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل خيبر في قتل عبد الله بن سهل ) كما في حديث القسامة.

    والآن تنظيمات القضاء وغيرها حكمت مثل هذه الأشياء، لكن نحن نبين كلام العلماء رحمهم الله.

    صور ما يكتبه القاضي للقاضي

    قال: (ويقبل فيما حكم به لينفذه).

    يعني: بم يكتب القاضي إلى القاضي؟

    قال: الصورة الأولى: ما حكم به القاضي لينفذه قاضٍ آخر، فهو الآن حكم هنا في هذا البلد وكتب إلى القاضي بمكة لكي ينفذ حكمه.

    قال: (وإن كانا في بلد واحد).

    حتى لو كان كل منهما في بلد واحد.

    قال: (ولا يقبل فيما ثبت عنده ليحكم به إلا أن يكون بينهما مسافة قصر).

    هذه الصورة الثانية: ما ثبت عنده ليحكم به، هنا الآن ثبت عنده لكنه ما حكم، سمع البينات وثبت عنده الحق لكنه ما حكم، فيكتب للقاضي الآخر أن يحكم به.

    وهذه الصورة اشترط فيها المؤلف أن يكون بينهما مسافة قصر. أما الصورة الأولى فلم يشترط المؤلف أن يكون بينهما مسافة قصر قال: (حتى وإن كانا في بلد واحد).

    ومثل هذه الأشياء ذكر المؤلف رحمه الله صورتين وهناك صور أخرى، لكن مثل هذه الأشياء الآن تحكمها التنظيمات القضائية.

    قال: (ويجوز أن يكتب إلى قاض معين وإلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين من غير تعيين).

    يعني: لا يشترط أن يكون القاضي المكتوب إليه معيناً، بل يصح أن يكون القاضي المكتوب إليه غير معين، ويصح أن يكون معيناً.

    قال: (ولا يقبل إلا أن يشهد به القاضي شاهدين).

    هذا الشرط الثالث: الشهادة على كتاب القاضي إلى القاضي.

    فالشرط الأول: ما يتعلق بما يكتب به.

    الشرط الثاني: أن يشهد القاضي الكاتب شاهدين، يشهد شاهدين، إذا ثبت عنده أو حكم به لكي ينفذه قاض آخر فيكتب إلى فلان القاضي: لقد حكمت على فلان كذا وكذا، وحكمت لفلان على فلان كذا وكذا.. إلى آخره تقوم بتنفيذ مثل هذا الحكم.

    القاضي يأتي بشاهدين عدلين ويقرأ عليهم هذا المكتوب، ويشهدهما على ما في هذا المكتوب.

    قال: (فيقرأه عليهما ثم يقول: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان بن فلان، ثم يدفعه إليهما).

    يعني: يشترط أن يشهد القاضي شاهدين عدلين على ما كتبه إلى القاضي الآخر، سواء ثبت عنده ليحكم به، أو حكم به لكي ينفذه.

    وهذا الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى فيه نظر، ولم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم لبعض دون أن يكون هناك شهادة كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى.

    ويقال: بأن أول من أتى بالشهادة على كتاب القاضي هو ابن أبي ليلى ، وأما الخلفاء والقضاة والأمراء فما زال عمل المسلمين على عدم الشهادة، والنبي صلى الله عليه وسلم كتب ومع ذلك لم يشهد.

    فنقول: إن هذا الإشهاد فيه نظر، والصواب في هذه المسألة أنه لا يجب الإشهاد.

    1.   

    القسمة

    قال رحمه الله تعالى: (باب القسمة.

    القسمة أدرجها المؤلف رحمه الله في كتاب القضاء؛ لأن الشركاء إذا احتاجوا إلى الاقتسام قد يقع بينهم شيء من الخلاف، فيرجع في ذلك إلى القاضي، أو أنهم يلجئون أولاً إلى القاضي لكي يقسم بينهم.

    فذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بأحكام القسمة في كتاب القضاء.

    تعريف القسمة

    القسمة في اللغة مأخوذة من قسمت الشيء إذا جعلته أقساماً.

    وأما في الاصطلاح فهي: تمييز الأنصبة بعضها من بعض.

    أدلة القسمة

    والأصل في القسمة القرآن والسنة وكذلك الإجماع.

    أما القرآن: فقول الله عز وجل: وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ [القمر:28] .

    وأما السنة: فحديث جابر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة).

    والإجماع قائم على ذلك، والنظر الصحيح يقتضيها؛ لأن الشراكة فيها شيء من الضرر، فيحتاج إلى التقاسم.

    أقسام القسمة

    قال: (لا تجوز قسمة الأملاك).

    القسمة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: قسمة تراض.

    والقسم الثاني: قسمة إجبار.

    وقسمة التراضي: أشار إليها المؤلف رحمه الله بقوله: (لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر أو برد عوض إلا برضى الشركاء).

    يعني: العقارات التي لا تنقسم إلا بضرر مثل لو كان عندنا دكان صغير: متران بمترين، لو قسمناه متراً بمتر فهناك ضرر.

    أو مثلاً رد عوض، يعني: لو قسمنا هذا العقار وهذا أخذ النصف وهذا أخذ النصف، فيحتاج صاحب النصف هذا أن نرد عليه، يعطيه صاحب النصف الآخر شيئاً من المال.

    فيقول المؤلف رحمه الله: هذه القسمة التي يترتب عليها إما ضرر أو رد عوض لا بد فيها من رضا الشركاء.

    قال: (كالدور الصغار، والحمام).

    أي: الحمام المغتسل.

    قال: (والطاحون الصغيرين، والأرض التي لا تتعدل بأجزاء).

    تتعدل بأجزاء يعني: بالمساحة.