إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب القضاء [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القاضي له صفات وآداب، فمن الصفات التي تشترط فيه: أن يكون بالغاً عاقلاً ذكراً حراً مسلماً عدلاً سميعاً بصيراً متكلماً مجتهداً ولو في مذهبه، أما الآداب فينبغي أن يكون: قوياً من غير عنف، ليناً من غير ضعف، ويحرم أن يقضي وهو غضبان أو حاقن أو نحوه، ويحرم عليه ق

    1.   

    صفات القاضي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويشترط في القاضي عشر صفات: كونه بالغاً, عاقلاً, ذكراً, حراً، مسلماً, عدلاً، سميعاً, بصيراً, متكلماً، مجتهداً ولو في مذهبه، وإذا حكَّم اثنان بينهما رجلاً يصلح للقضاء نفذ حكمه في المال والحدود واللعان وغيرها.

    باب آداب القاضي: ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف، ليناً من غير ضعف، حليماً ذا أناة وفطنة، وليكن مجلسه في وسط البلد فسيحاً، ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه ودخولهما عليه.

    وينبغي أن يحضر مجلسه فقهاء المذاهب، ويشاورهم فيما يشكل عليه.

    ويحرم القضاء وهو غضبان كثيراً، أو حاقن، أو في شدة جوع أو عطش، أو هم أو ملل، أو كسل أو نعاس أو برد مؤلم، أو حر مزعج، وإن خالف فأصاب الحق نفذ. ويحرم قبول رشوة وكذا هدية إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته إذ لم تكن له حكومة.

    ويستحب أن لا يحكم إلا بحضرة الشهود.

    قال رحمه الله: ولا ينفذ حكمه لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له، ومن ادعى على غير برزة لم تحضر، وأُمرت بالتوكيل، وإن لزمها يمين أرسل من يحلفها، وكذا المريض.

    باب طريق الحكم وصفته:

    إذا حضر إليه الخصمان قال: أيكما المدعي؟ فإن سكت حتى يبدأ جاز، فمن سبق بالدعوى قدمه، فإن أقر له حكم له عليه، وإن أنكر قال للمدعي: إن كان لك بينة فأحضرها إن شئت، فإن أحضرها سمعها وحكم بها، ولا يحكم بعلمه ].

    تقدم لنا جملة من أحكام القضاء، فمن ذلك: ذكرنا تعريف القضاء في اللغة والاصطلاح، والفرق بين القضاء والإفتاء، وكذلك حكم تنصيب القاضي، وكذلك حكم تولية القضاء، وأيضاً ما يتعلق بوظيفة القاضي.. إلى آخره، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويشترط في القاضي عشر صفات: كونه بالغاً, عاقلاً, ذكراً, حراً..) إلى آخره.

    يقول المؤلف رحمه الله: (ويشترط في القاضي عشر صفات: كونه بالغاً، عاقلاً).

    الشرط الأول والثاني: البلوغ والعقل

    الشرط الأول: كونه بالغاً عاقلاً، هذا الشرط الأول من شروط تولية القاضي، فلا يصح تولية غير البالغ، وكذلك أيضاً: عاقلاً، فلا يصح تولية المجنون.

    ويدل لذلك أن غير المكلف لا ينظر لنفسه فكيف ينظر لغيره، ولأن غير المكلف تحت ولاية غيره فلا يكون والياً على غيره، إذ أن القضاء نوع من الولاية، فغير المكلف تحت ولاية غيره، فلا يكون والياً على غيره.

    الشرط الثالث: الذكورية

    قال: (ذكراً).

    هذه الصفة الثالثة، أن يكون ذكراً، وعلى هذا فلا يصح تولية المرأة، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ ودليلهم على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، ولأن الولايات العامة كالقضاء ونحوها مبنية على كمال العقل والدين، والمرأة فيها نقص في عقلها وفي دينها؛ ولأن مجلس القضاء يغشاه أيضاً كثير من الرجال، فكيف تباشره المرأة؟

    والرأي الثاني رأي الحنفية حيث يقولون: يصح أن تتولى القضاء في الأمور التي تقبل شهادتها فيها، أي: في الأمور التي تقبل فيها شهادة المرأة.

    ودليلهم على ذلك: القياس على الشهادة، كما أنها تقبل شهادتها فكذلك تصح توليتها القضاء في الأمور التي تقبل شهادتها.

    ويجاب عن هذا: بأن هناك فرقاً بين الشهادة والقضاء, فالشهادة مجرد إخبار بخلاف القضاء، فإن القضاء يحتاج إلى تصور المسألة.

    وكذلك الشهادة تكون عارضة، والمرأة ليست دائماً تشهد، بخلاف القضاء فإنه يكون دائماً.

    وعلى هذا فالصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    وعند الطبري وابن حزم أنه يصح أن تتولى المرأة القضاء مطلقاً للعمومات، وهذا ضعيف لما تقدم.

    الشرط الرابع: الحرية

    قال: (حراً).

    هذا الشرط الرابع: أن يكون حراً، وعلى هذا فالرقيق لا يصح أن يكون قاضياً، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ قالوا: لأن الرقيق مشغول بخدمة سيده.

    والرأي الثاني: أنه يصح أن يتولى القضاء إذا أذن له سيده؛ لأننا ما دمنا نقول: بأنه مشغول بحقوق سيده فإذا أذن له سيده انتفت العلة، وهذا القول هو الصواب.

    وعند الحنفية يصح أن يتولى الرقيق القضاء لكن لا تنفذ أحكامه إلا إذا عتق، لكن هذا القول ضعيف.

    والصواب في هذه المسألة أنه: إذا أذن له سيده كما قاله بعض الحنابلة فإنه يصح أن يتولى القضاء.

    الشرط الخامس: الإسلام

    قال: (مسلماً).

    هذا الشرط الخامس، يشترط أن يكون مسلماً؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ولا شك أن القضاء فيه علو، والله عز وجل يقول: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141] ؛ ولأن الكافر لا يؤمن على قضايا المسلمين.

    الشرط السادس: العدالة

    قال: (عدلاً).

    هذا الشرط السادس: أن يكون عدلاً، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لأن الله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، فقوله: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ [الحجرات:6] أمر بالتبين من خبر الفاسق، فلا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله، بل لا بد أن يتبين قوله، فالله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، فإذا كان الفاسق أمر الله عز وجل بأن يتبين خبره فكيف يكون قاضياً؟ لأنه إذا كان قاضياً نحتاج إلى أن نتبين خبره.

    والرأي الثاني: أن العدالة ليست شرطاً، وهذا قال به بعض الحنفية وبعض المالكية، وهو أنه يصح أن يكون فاسقاً؛ لأن ركن العمل هو الأمانة والقوة: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    وعلى هذا إذا كان أميناً على قضاياه فيصح أن يتولى القضاء، وهذا القول يظهر والله أعلم أنه هو الصواب، لكن مع ذلك يتحرى العدل، لكن قد يحتاج إلى الفاسق ما دام أنه أمين.

    الشرط السابع: السمع

    قال: (سميعاً).

    هذا الشرط السابع: أن يكون سميعاً، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لأن الأصم لا يسمع كلام الخصمين، فلا بد أن يسمع لكي يفرق بين الإقرار والإنكار.. إلى آخره.

    وعند المالكية: يصح أن يتولى الأصم القضاء للعمومات، والذي يظهر والله أعلم هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، لأن كوننا نرتب قاضياً أصم هذا فيه مشقة على الناس، حتى ولو قضى الأصم ما دام أنه عالم وقضى في بعض المسائل العرضية هذا ممكن يقال: يصح، لكن كوننا نرتبه قاضياً عاماً للناس هذا فيه مشقة، وكما تقدم أنه لا يسمع كلام الخصمين، ولا يفرق بين الإقرار والإنكار وكيف يسمع الشهادة، وكيف يناقش الشهود.. إلى آخره.

    الشرط الثامن: البصر

    قال: (بصيراً).

    هذا هو الشرط الثامن: أن يكون بصيراً؛ لأن الأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه، وهذا أيضاً هو قول جمهور أهل العلم.

    وعند المالكية يصح أن يكون الأعمى قاضياً، و(النبي صلى الله عليه وسلم ولى ابن أم مكتوم وهو أعمى) ، وشعيب عليه السلام كان غير مبصر، وللعمومات أيضاً فإنها تدل على ذلك.

    فالصحيح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه المالكية وهو أنه يصح أن يكون الأعمى قاضياً، والقول: بأنه لا يعرف المدعي من المدعى عليه هذا غير صحيح، بل كما سيأتينا التفريق بين المدعي والمدعى عليه، وأنه يتمكن الأعمى من معرفة المدعي من المدعى عليه.. إلى آخره.

    الشرط التاسع: القدرة على الكلام

    قال: (متكلماً).

    هذا الشرط التاسع، وعلى هذا فالأخرس الذي لا يتكلم لا يصح أن يتولى القضاء؛ لما تقدم في الأصم، وهذا ما عليه جماهير العلماء خلافاً للمالكية.

    فجمهور العلماء يشترطون أن يكون متكلماً؛ لأن الأخرس لا يمكن أن يناقش الشهود، ولا يمكنه أيضاً أن ينطق بالحكم، وليس كل الناس يعرفون إشارته ويفهمون إشارته، خلافاً للمالكية.

    والصحيح في ذلك أنه لا يصح تولية الأخرس لما تقدم في الأصم الذي لا يسمع؛ لما يترتب على ذلك من المشقة، وقد يصح لو كان في مسائل عارضة.

    الشرط العاشر: الاجتهاد

    قال: (مجتهداً).

    هذا الشرط العاشر: أن يكون مجتهداً، وعلى هذا إذا كان ليس من أهل الاجتهاد فلا يصح أن يولى القضاء.

    وهذا ما عليه أكثر أهل العلم، بأنه يشترط أن يكون مجتهداً؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالتحاكم إلى ما أنزله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر بالتقليد، وعلى هذا لا بد أن يكون مجتهداً.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه لا يشترط أن يكون مجتهداً، فيصح أن يولى غير المجتهد.

    وهذا القول هو الأقرب، واليوم لا يمكن أن يولى المجتهد الذي بلغ رتبة الاجتهاد في علم الفقه والسنة وأصول الفقه، ومواضع الإجماع، والناسخ والمنسوخ.. إلى آخر ما ذكره العلماء رحمهم الله في شروط المجتهد، هذا صعب جداً.

    والصواب في ذلك كما قال بعض أهل العلم: للضرورة أنه يولى غير المجتهد، لكن القاضي لا يجوز له أن يقضي إلا بالعلم، ولا يجوز له أن يقضي بالجهل، بل كما يفعل الآن القضاة يسمع من الخصمين ثم بعد ذلك يدرس المسألة، وبعد أن يدرس المسألة ويعرف كلام العلماء في هذه المسألة يحكم بين الخصمين حسب دراسته لهذه المسألة.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولو في مذهبه).

    المؤلف رحمه الله خفف المسألة بأن جعل المجتهد ليس الاجتهاد المطلق؛ وإنما يكفي أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه الذي يقلده، فيراعي ألفاظ إمامه، ويقلد كبار المذهب، ويحكم بذلك.

    والصواب في ذلك: أنه يجتهد فيما دل عليه الكتاب والسنة، فيسمع من الخصمين كما سبق، ويتصور القضية ويدرسها، ثم بعد ذلك يحكم بين الخصمين.

    أما القول بأنه لا بد أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه الذي يقلده ويراعي ألفاظه ويقلد كبار المذهب ويحكم بذلك.. إلى آخره فهذا لا يجوز، بل القاضي متعبد بما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65].

    هذه شروط القاضي، ولا يشترط في القاضي أن يكون كاتباً، حتى ولو كان غير كاتب أو كان غير ورع أو غير زاهد فإنه يصح له أن يولى القضاء.

    1.   

    التحكيم

    قال: (وإذا حكم اثنان بينهما رجلاً يصلح للقضاء نفذ حكمه في المال والحدود واللعان وغيرها).

    هنا تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسألة التحكيم، يعني: لو أن رجلين أو أكثر لم يذهبوا إلى القاضي في المحكمة خشية طول إجراءات الأنظمة، وعمدوا إلى شخص لكي يحكم بينهم، فهل هذا جائز أو ليس جائزاً؟

    يقول المؤلف رحمه الله: هذا جائز؛ لأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فإن عمر وأبياً تحاكما إلى زيد بن ثابت ، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم ، فالتحاكم إلى شخص جائز ولا بأس به.

    والتحاكم هو: أن يولي شخصان شخصاً لكي يحكم بينهما، فالتحكيم من معانيه الحكم.

    ما يشترط في المحكم هذا؟

    يشترط فيه: أن يكون رجلاً يصلح للقضاء، وعلى هذا شروط القاضي السابقة لا بد أن تتوفر في المحكم.

    ما هي الأشياء التي يسوغ للمحكم أن يحكم بها؟

    قال: (في المال والحدود واللعان وغيرها).

    يعني: أنه يحكم بكل ما يحكم به القاضي حتى في الحدود، وفي اللعان، وفي الأموال، وغير ذلك، وهذا هو المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني رأي أبي حنيفة : وهو أنه يحكم في كل ما يحكم به القاضي إلا الحدود والقصاص.

    وعند المالكية: أنه يحكم في كل شيء إلا في ثلاث عشرة مسألة: الوصية، والوقف، وأمر الغائب، والنسب، والولاء، والحد، والقصاص، ومال اليتيم، والطلاق، والعتق، والرشد، واللعان.. إلى آخره.

    الرأي الأخير رأي الشافعية: أنه يحكم في كل شيء إلا الحدود.

    والذي يظهر والله أعلم هو ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهو أنه يحكم في كل شيء إلا ما يتعلق بالحدود والقصاص.

    أما الحدود فأمرها ظاهر؛ لأن الذي يقيم الحدود هو الإمام ونواب الإمام؛ لأنها من اختصاص الإمام، والقصاص وإن كان الذي يقيمه هو المجني عليه لكنه أيضاً لما كان يتعلق بالدماء ونحو ذلك فيظهر أنه لا يصار إلى المحكم فيما يتعلق بالقصاص.

    والتحكيم الآن وما يتعلق به له أنظمة ومن أراد أن يأخذ رخصة تحكيم لا بد أن تتوفر فيه شروط، ومجالات التحكيم محدودة الآن من قبل وزارة العدل، وهذه الأمور نظمت الآن فيما يتعلق بالمحكم، ورخصة المحكم، وشروط المحكم، وما هي المجالات التي يحكم بها، والمجالات التي لا يحكم فيها.

    1.   

    آداب القاضي

    قال رحمه الله تعالى: (باب آداب القاضي).

    يعني: أخلاقه التي ينبغي أن يكون عليها.

    قال: (ينبغي) أي: يسن (أن يكون قوياً من غير عنف) لئلا يطمع فيه الظالم.

    لأنه إذا كان ضعيفاً طمع فيه الظالم، والعنف ضد الرفق.

    قال: (ليناً من غير ضعف).

    لئلا يهابه صاحب الحق؛ لأنه إذا كان غير لين فإن صاحب الحق يهابه، وقد لا يدلي بحجته خوفاً منه.. إلى آخره.

    فالأدب الأول: أن يكون قوياً من غير عنف.

    والأدب الثاني: أن يكون ليناً من غير ضعف.

    الأدب الثالث: أن يكون حليماً؛ لئلا يغضب من كلام الخصم.

    ولا شك أن مجلس القضاء يعتريه شيء من اللجاج، والخصومة، ورفع الأصوات، وربما حصل شيء من ازدراء القاضي.. ونحو ذلك، فلا بد أن يكون حليماً، يربي نفسه على الحلم وعدم سرعة الغضب.. إلى آخره.

    قال: (ذا أناة).

    هذه الصفة الرابعة، يعني: تؤدة لا يتعجل وفي حديث عائشة رضي الله عنها: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه)، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)، فإذا تعجل ربما تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي.

    قال: (وفطنة).

    هذه الصفة الخامسة، أن يكون عنده فطنة؛ لئلا يخدعه الخصم.

    وأيضاً لو ذكر المؤلف رحمه الله أن يقرأ في أقضية من قبله؛ لأنه كيف يكتسب القاضي الفطنة إلا من خلال قراءة تجارب الآخرين، فأقضية من قبله هي صور تطبيقية لما ينبغي أن يكون عليه القاضي، وبها يكتسب الفطنة، ويكتسب الخبرة، ونحو ذلك، فلا بد أن يراجع وأن يقرأ في أقضية من قبله من القضاة، وكيف قضوا في هذه المسألة، ويتصور هذه المسألة.

    وأيضاً يمرن نفسه أن يقرأ القضية قبل أن يقرأ في حكم القاضي، ثم بعد ذلك يحكم فيها وينظر ما الفرق بين حكمه وحكم القاضي الذي سبقه.

    ولا شك أن الإفادة من تجارب الآخرين مهم جداً، فالقضاة الذين سبقوا لا شك أن لهم مراساً في القضاء وعندهم خبرة وتجربة ينبغي أن يستفيد منها القاضي.

    قال: (وليكن مجلسه في وسط البلد فسيحاً).

    الأدب السادس أن يكون مجلسه في وسط البلد إذا أمكن؛ لكي يستوي أهل البلد في المضيء إليه، وهذا من باب العدل.

    قال: (ويعدل بين الخصمين في لحظه).

    هذا الأدب السابع, يعدل بين الخصمين في لحظه، يعني: في نظره؛ لأنه إذا حد النظر إلى أحد الخصمين وكسره للخصم الآخر فهذا فيه نوع من الحيف وعدم العدل، وربما أنه يكسر هذا الخصم الذي حد له النظر، فلا يتمكن من الإدلاء بحجته.

    قال: (ولفظه).

    (في لفظه) فيما يتعلق برفع الصوت، وما يتعلق بهيئة الكلام، قد يرقق الكلام لأحد الخصمين ويخشنه للخصم الآخر، قد يخفضه لأحد الخصمين ويرفعه للخصم الآخر، وأيضاً في هيئة الكلام قد يكون هذا الكلام لأحد الخصمين ليناً ويكون لهذا خشناً، وهذا خلاف العدل، وهو نوع من الحيف.

    قال: (ودخولهما عليه) أيضاً يعدل في دخول الخصمين عليه فلا يقدم أحدهما على الآخر إلا المسلم مع الكافر، فإن المسلم يقدم على الكافر؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

    قال: (وينبغي أن يحضر مجلسه فقهاء المذاهب).

    هذا الأدب العاشر: أن يحضر مجلسه فقهاء المذاهب، وأن يشاورهم فيما يشكل عليه؛ لقول الله عز وجل: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159] ، يعني: إن اتضح له الأمر حكم به، وإن لم يتضح فإنه يؤخره؛ لقول الله عز وجل: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159] .

    وهذا الكلام فيه نظر، كونه يحضر مجلس القضاء فقهاء المذاهب إلى آخره أو غير من يحتاجه القاضي من الشهود والأعوان ونحو ذلك هذا فيه نظر؛ لأن الخصمين قد يحصل عندهما من الأمور التي لا ينبغي أن يطلع عليها إلا القاضي ومن يحتاجه القاضي، قد تكون الخصومة بين قريبين، قد تكون الخصومة بين زوجين ونحو ذلك... إلى آخره، فقول المؤلف: (ينبغي أن يحضر مجلسه فقهاء المذاهب) هذا فيه نظر، أما إذا ما تبين له الأمر في القضية فيؤخر الحكم فيها، ثم بعد ذلك يشاور أهل العلم ويتصل بهم ويستفيد منهم.

    1.   

    ما يحرم على القاضي

    قال: (ويحرم القضاء وهو غضبان كثيراً، أو حاقن، أو في شدة جوع، أو عطش، أو هم، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج).

    القضاء حال الغضب

    الأدب الحادي عشر: يحرم على القاضي أن يقضي وهناك ما يشوش على ذهنه؛ لأن ذلك يمنعه من تصور المسألة كما ينبغي، وإذا اختل تصوره للمسألة اختل الحكم على هذه المسألة، فيحرم القضاء وهو غضبان كثيراً؛ لحديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان)، خرجاه في الصحيحين. والغضب له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون الغضب يسيراً في بداياته فهذا لا يضر، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى وهو غضبان لما اختصم الزبير ورجل من الأنصار في شأن الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير : (اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك! فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال للزبير : اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدار)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قضى في حال الغضب.

    الحالة الثانية: أن يكون الغضب شديداً بحيث لا يتصور المسألة فهذا لا يجوز له أن يقضي، ولا يصح قضاؤه.

    الحالة الثالثة: أن يكون الغضب متوسطاً بحيث يغضب ويتصور المسألة إلى آخره، فهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إن أصاب الحق نفذ وإن لم يصب الحق لم ينفذ).

    فصل المؤلف رحمه الله في هذه المسألة.

    والرأي الثاني: أنه ينفذ قضاؤه؛ لقضاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قال به الشافعي.

    والرأي الثالث: أنه لا ينفذ لوجود ما يشوش على الذهن ويمنع من تصور المسألة.

    وأيضاً حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان)، لكن ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى هو الأقرب في هذه المسألة.

    قبول القاضي الرشوة

    قال: (ويحرم قبول رشوة).

    الرشوة محرمة، وهي من كبائر الذنوب؛ لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي)، وهذا خرجه الترمذي وإسناده حسن.

    والرشوة هي: ما يعطاه القاضي بعد الطلب. والهدية: ما يعطاه بدون طلب.

    والرشوة أن يأخذ من أحد الخصمين ليحكم له بالباطل، أو يمتنع من الحكم بالحق حتى يعطيه صاحب الحق، إما أن يأخذ من أحد الخصمين لكي يحكم له بالباطل، أو يمتنع من الحكم بالحق حتى يعطيه صاحب الحق.

    الهدية للقاضي

    قال: (وكذا هدية إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته إذا لم تكن له حكومة).

    الهدية غلول؛ كما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أن هدايا العمال غلول، والغلول من كبائر الذنوب، والهدية للقاضي لا تخلو من أقسام:

    القسم الأول: أن يكون الغرض منها أن يحكم له ظلماً وجوراً، فهذه محرمة ولا تجوز، وهي ضرب من الرشوة.

    القسم الثاني: أن تكون الهدية للقاضي ممن له خصومة، كما قال المؤلف: إذا لم تكن له حكومة فلا يجوز، يعني: كون الإنسان له خصومة ويعطي القاضي نقول: هذا محرم ولا يجوز، ولا يجوز للقاضي أيضاً أن يقبل.

    القسم الثالث: أن تكون الهدية من شخص بينه وبين القاضي مهاداة، إما لجوار، وإما لقرابة.. إلى آخره، وليس له خصومة، وحكمه كما قال: جائز ولا بأس به.

    القسم الرابع: أن تكون الهدية بين القاضي وشخص بينهما مهاداة وليس له خصومة، وهذه حكمها جائزة، لكن إذا كان الخصم سيقدمها بين يدي خصومة ستحدث، فنقول: هذا محرم ولا تجوز.

    القسم الخامس: إذا لم يكن بينهما مهاداة وليس له خصومة أعطى القاضي كذا، فهذه جمهور أهل العلم: أنه لا يجوز له أن يأخذها، ولهذا قيدها المؤلف بقوله: (وكذا هدية إلا إن كان ممن يهاديه قبل ولايته) يعني: ليس بينهما مهاداة وليس هناك خصومة فجمهور أهل العلم أنه لا يجوز.

    ويدل لذلك قصة ابن اللتبية فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هلا جلس في بيت أبيه وأمه ينظر أيهدى إليه أم لا؟) لو لم يكن قاضياً ما أعطاه الناس، لكن لما كان قاضياً أعطاه الناس، ينظرون إلى الولاية، فهنا أخذها بسبب الولاية.

    والذي يظهر هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    بل إن الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: يكره للقاضي أن يبيع ويشتري بنفسه؛ لأنه إذا باع واشترى بنفسه فإن الناس سيراعونه ويحابونه، ويقولون: لا يبيع ويشتري إلا بوكيل لا يعرف به.

    القضاء يحضره الشهود

    قال رحمه الله: (ويستحب ألا يحكم إلا بحضرة الشهود).

    هذا أيضاً من الآداب الأدب الثاني عشر.

    تنفيذ حكم القاضي

    قال: (ولا ينفذ حكمه لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له).

    وهذا سيأتينا في كتاب الشهادات من لا تقبل شهادته، مثل: أصوله وفروعه لا يحكم لأصوله ولا لفروعه، وأيضاً لا يحكم لنفسه، والعلة في ذلك التهمة، وهذا قول جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني ذهب إليه بعض المالكية وبعض الشافعية: أنه ينفذ حكمه؛ لأن القاضي لا يحكم إلا بالبينة، فإذا كان هناك بينة زالت التهمة، والله أعلم.

    وعلى هذا لو عرضت له قضية فإنه يتحاكم إلى قاض آخر، كما تحاكم عمر وأبي إلى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما.

    وإذا حكم الحاكم متى ينقض حكمه؟ الأصل أن حكم الحاكم لا ينقض إلا في ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: إذا خالف نصاً صحيحاً صريحاً من القرآن أو السنة، فإنه ينقض حكمه.

    المسألة الثانية: إذا خالف إجماعاً قطعياً.

    المسألة الثالثة: أن يحكم بخلاف ما يعتقده.

    قال رحمه الله تعالى: (ومن ادعى على غير برزة).

    يعني: ادعى على امرأة لا تبزر من بيتها وإنما هي مستترة في بيتها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لم تحضر وأمرت بالتوكيل).

    يعني: لا تحضر إلى المحكمة، وأمرت بالتوكيل؛ لأنها معذورة؛ لأن هذه المرأة متسترة، فما دام أنها لا تبرز لحوائجها، ويؤخذ من كلامه أنها إذا كانت تبرز لحوائجها وتخرج إلى الأسواق لحوائجها فإنها تستدعى إلى المحكمة.

    قال: (وإن لزمها يمين أرسل من يحلفها).

    كما سيأتينا إذا كانت ادعي عليها فالبينة على المدعي، واليمين على من أنكر، فإذا أنكرت والمدعي ليس له بينة فإنه يلزم هذه المرأة المدعى عليها يمين، وما دام أنها غير برزة فإن القاضي يبعث من يحلفها.

    قال رحمه الله تعالى: (وكذا المريض).

    يعني: المريض إذا ادعي عليه فإن القاضي يبعث من يسمع جوابه، وإن لزمه يمين بعث من يحلفه.

    1.   

    طريق الحكم وصفته

    قال رحمه الله تعالى: (باب طريق الحكم وصفته).

    طريق كل شيء ما يتوصل به إليه، والحكم هو الفصل بين الخصومات، وهنا أراد المؤلف رحمه الله أن يبين كيفية حكم الحاكم القاضي.

    من يقدم بالكلام من الخصمين

    قال: (إذا حضر إليه خصمان قال: أيكما المدعي؟ فإن سكت حتى يبدأ جاز، فمن سبق بالدعوى قدمه).

    والقاضي إذا حضر إليه الخصمان له حالتان:

    الحالة الأولى: أن يقول: أيكما المدعي؟ كي يبدأ بالكلام.

    الحالة الثانية: أن يسكت حتى يبدأ الخصمان.

    فله حالتان: إما أن يتكلم وأن يسأل الخصمان: أيهما المدعي؟ وإما أن يسكت.

    قال: (فمن سبق بالدعوى قدمه).

    وإن ادعيا معاً أقرع بينهما. من سبق بالدعوى قدمه، وسيأتي من هو المدعي ومن هو المدعى عليه، وخلاف أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذه المسألة؛ لأن فهم القاضي للمدعي من المدعى عليه قطعٌ لكثير من مراحل القضية، فإذا فهم من هو المدعي ومن هو المدعى عليه يستطيع القاضي أن يكون أنجز كثيراً من الحكم في هذه القضية، فلا بد للقاضي أولاً أن يفهم من هو المدعي من المدعى عليه.

    وليس كل من بدأ بالكلام هو المدعي، أو تأخر عن الكلام يكون هو المدعى عليه.. إلى آخره؛ لأنه إذا كان هذا هو المدعي نطالبه بالبينة، بخلاف المدعى عليه قد تكون عليه اليمين.

    قال رحمه الله: (فإن أقر له حكم له وعليه، وإن أنكر قال للمدعي: إن كان لك بينة فأحضرها إن شئت).

    إذا ادعى المدعي فإن المدعى عليه لا يخلو من أمرين: إما أن يقر، وإما أن ينكر.

    ادعى عليه قال: أريد منه كذا وكذا قرضاً، فإن أقر قال المدعى عليه: نعم هو صادق، فلا حاجة إلى أن يطالب المدعي بالبينة، الآن ادعى زيد على عمرو ، قال: أريد منه ألف ريال قرضاً، نقول: المدعى عليه لا يخلو إما أن يقر، وإما أن ينكر، وإن سكت يأخذ حكم المنكر، فإن أقر حكم عليه القاضي، ولا حاجة إلى أن يطلب من المدعي أن يحضر البينة.

    قال: (فإن أقر حكم له وعليه، وإن أنكر).

    هذه الحالة الثانية، قال: أنا أقر أنه يريد ألف ريال قرضاً يحكم عليه، ولا حاجة أن يطالب المدعي للبينة.

    قال: (وإن أنكر).

    المدعى عليه أنكر قال: لا يستحق علي ما ادعى أو لا حق له علي، أو هو كاذب ونحو ذلك، أو قال: ما أقرضني أو كذب علي ونحو ذلك، قال القاضي للمدعي: إن كان لك بينة فأحضرها إن شئت، قال: فإن أحضرها فهو بالخيار، إن أحضرها حكم بها، إذا لم يحضرها فاليمين على المدعى عليه، قال: (فإن أحضرها) يعني: المدعي أحضر البينة قال: (سمعها وحكم بها)، ويحرم أن يرددها أو ينتهرها أو يعنتها.. إلى آخره، ويحكم بها، أي: يحكم بالبينة.

    حكم القاضي بعلمه

    قال: (ولا يحكم بعلمه).

    القاضي هل يحكم بعلمه أو لا يحكم بعلمه؟

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: القاضي لا يحكم بعلمه إلا في مسائل:

    المسألة الأولى: ما يحدث في مجلسه كإقرار الخصم، فيحكم به.

    المسألة الثانية: فيما يتعلق بالجرح والتعديل، إذا كان يعرف عدالة الشهود أو جرح الشهود حكم بذلك، قبل البينة أو رد البينة.

    المسألة الثالثة: لا يحكم بخلاف علمه ولو مع البينة، يعني يعلم أن زيداً أقرض عمراً، وزيد هذا المقرض ما عنده بينة، فلا يحكم بأن ما في قرض يدفع القضية إلى غيره؛ لأنه يعلم أن هناك قرضاً لكن ما يحكم به، فلا يحكم بخلاف علمه، فيدفع القضية إلى قاض آخر.

    المسألة الرابعة: أن يحكم بعلمه فيما يتعلق بحق الله تعالى على وجه الحسبة، كمن سمع أن زوجاً طلق زوجته، فإنه يحكم بذلك، نعم إذا سمع أن زوجاً طلق زوجته طلاقاً بائناً ثم يدعي الزوجية، في هذه المسائل يحكم القاضي بعلمه، وما عدا ذلك هل يحكم بعلمه أو لا يحكم؟

    المؤلف رحمه الله يقول: لا يحكم، وهذا هو المشهور من المذهب، وقال به الإمام مالك وهو مذهب الحنفية.

    والرأي الثاني: رأي الشافعي : أنه يحكم بعلمه.

    والذين قالوا: بأنه لا يحكم بعلمه قالوا: للتهمة.

    والذين قالوا: بأنه يحكم بعلمه استدلوا بحديث عائشة في قصة هند رضي الله عنها، فإنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: (إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني وبني ما يكفيني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، لكن قالوا: إن هذا مقام إفتاء وليس مقام قضاء.

    والذين قالوا: بأنه لا يحكم بعلمه؛ للتهمة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (إنما أقضي على نحو ما أسمع) على حسب ما أسمع من البينات.

    وكونه لا يقضي بعلمه هو القول الصواب.