إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الأطعمة [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما استثني من أصل إباحة الأطعمة: الجلالة إذا ظهر أثر النجاسة في لحمها ولبنها، وتطيب بالحبس، ولا يباح شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة إلا الجراد والسمك، وللذكاة والآلة التي يذبح بها شروط بينها أهل العلم.

    1.   

    حكم أكل لحم الجلالة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه لدفع برد أو استسقاء ماء ونحوه وجب بذله له مجاناً، ومن مر بثمر بستان في شجرة أو تساقط عنه ولا حائط عليه ولا ناظر، فله الأكل منه مجاناً من غير حمل، وتجب ضيافة المسلم المجتاز به في القرى يوماً وليلة.

    باب الذكاة.

    لا يباح شيء من الحيوانات المقدور عليه بغير ذكاة إلا الجراد والسمك، وكل ما لا يعيش إلا في الماء، ويشترط للذكاة أربعة شروط:

    الأول: أهلية المذكي بأن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً ولو مراهقاً، أو امرأة أو أقلف أو أعمى، ولا تباح ذكاة سكران ومجنون ووثني ومجوسي ومرتد.

    الثاني: الآلة، فتباح الذكاة بكل محدد ولو كان مغصوباً من حديد وحجر وقصب وغيره إلا السن والظفر.

    الثالث: قطع الحلقوم والمريء، فإن أبان الرأس بالذبح لم يحرم المذبوح، وذكاة ما عجز عنه من الصيد والنعم المتوحشة والواقعة في بئر ونحوها لجرحه في أي موضع كان من بدنه، إلا أن يكون رأسه في الماء ونحوه فلا يباح.

    الرابع: أن يقول عند الذبح: باسم الله لا يجزئه غيرها، فإن تركها سهواً أبيحت لا عمداً، ويكره أن يذبح بآلة كالّة وأن يحدها والحيوان يبصره، وأن يوجهه إلى غير القبلة، وأن يكسر عنقه أو يسلخه قبل أن يبرد].

    تقدم لنا شيء من أحكام الأطعمة، وذكرنا من ذلك أن الأصل في الأطعمة الحِلْ، وأنها حلال لكل مسلم يستعين بها على طاعة الله عز وجل، وذكرنا دليل ذلك من القرآن والسنة، وتقدم لنا أن هذا الأصل العظيم يستثنى منه ضوابط، وذكرنا من ذلك الحمر الأهلية، ومن ذلك كل مُضرٍّ فإنه محرم، ومن ذلك كل نجس ومتنجس فإنه محرم، ومن ذلك أيضاً كل ذي ناب من السباع فإنه محرم، ومن ذلك كل ذي مخلب من الطير فإنه محرم، وكذلك أيضاً ما أمر الشارع بقتله أو نهى الشارع عن قتله فإنه محرم ولا يجوز، وكذلك أيضاً ما تولد من مأكول وغيره فإنه محرم ولا يجوز، ذكرنا تسعة ضوابط.

    والضابط العاشر مما يستثنى من هذا الأصل: الجلاَّلة، وهي التي تأكل العذرة، وقد جاء في حديث ابن عمر في السنن (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الجلالة وعن ألبانها)، وكذلك أيضاً جاء في حديث عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الجلالة) فالجلالة التي تأكل العذرة نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقت إباحة الجلالة

    ومتى تباح الجلالة؟ اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك على ثلاثة آراء:

    الرأي الأول: أنها لا تباح حتى تحبس وتطعم الطاهر ثلاثة أيام، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، قالوا: لورود ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    الرأي الثاني: عند الحنفية والشافعية أنه ليس لذلك حد، بل تحبس حتى تطيب ويظن زوال النجاسة.

    والرأي الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أنها إن كانت من الطيور كالدجاج ونحو ذلك، فإنها تحبس ثلاثة أيام، وإن كانت من البقر والإبل فإنها تحبس أربعين يوماً، مع إطعامها الطاهر.

    والذي يظهر والله أعلم هو ما ذهب إليه الحنفية والشافعية، وأن الجلالة تحبس حتى يظن أنها طابت، وزال عنها أثر النجاسة، فإذا طابت وزال عنها أو ظن أن أثر النجاسة قد زال، فإنها تكون حلالاً.

    ضابط ما يحرم من الجلالة

    وهل كل جلالة تحرم أو نقول: إنه ليس جميع الجلالات تحرم؟

    هذا موضع خلاف بين العلماء، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن الجلالة التي تحرم هي التي أغلب علفها وأكلها هو النجاسة، أما ما عداها فإنها لا تحرم.

    الرأي الثاني: أن الجلالة التي تحرم هي التي يظهر أثر النجاسة في لحمها ولبنها، يعني في طعم اللحم في رائحة اللحم، في الحليب ونحو ذلك، إذا ظهر أثر النجاسة في لحمها ولبنها نقول: بأنها لا تجوز، أما إذا لم يظهر أثر النجاسة فعندنا قاعدة وهي أن النجاسة تطهر بالاستحالة، وأن هذه النجاسات استحالت إلى دم ولحم ونحو ذلك.

    فالذي يظهر والله أعلم أننا نقول: بأننا ننظر إلى أثر النجاسة، فإن ظهر أثر النجاسة في لحمها ولبنها ونحو ذلك في الرائحة والطعم في العرق، فنقول: بأن هذا لا يجوز، وإن لم يظهر، بل استهلكت واستحالت هذه النجاسة، فنقول: بأن ذلك حلال.

    حكم الدواجن التي تطعم الميتات

    ويأتينا الآن ما يتعلق بالدواجن، التي تربى في مزارع الدواجن بالملايين الآن، وهذه الدواجن تطعم الميتات؛ لأنها تطعم أعلافاً وتطعم حبوباً، وأيضاً تطعم الدم الذي يذبحونه عند ذبح هذه الدواجن، فيجمع هذا الدم ويعاد تكريره، ومثله أيضاً ما يموت من هذه الدواجن أو ما يقطع من أطرافها، يعاد تكرير مثل هذه الأشياء، وتكون أعلافاً لمثل هذه الدواجن، فهل نقول: إن هذه الدواجن محرمة أو ليست محرمة؟ سيأتينا هذا الخلاف.

    فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنها لا تكون جلالة إلا إذا كان أغلب علفها النجاسة، وأصحاب الدواجن الآن يضعون بالنسبة لمثل هذه الأشياء يخلطونها مع أطعمة هذه الدواجن بنسبة، فالذي يظهر والله أعلم أن هذه النسبة لا تتجاوز ثلاثين بالمائة، وعلى هذا على المذهب لا تكون هذه من قبيل الجلالة؛ لأنها على المذهب لا تكون جلالة إلا إذا كان أغلب طعامها النجاسة، وعلى الرأي الثاني أنها لا تكون جلالة ينهى عنها إلا إذا ظهر أثر النجاسة في لحمها أو عرقها وفي الطعام والرائحة ونحو ذلك.

    1.   

    الإضطرار إلى مال الغير

    قال رحمه الله: (ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه لدفع برد أو استسقاء ماء ونحوه وجب بذله له مجاناً).

    الاضطرار إلى عين مال الغير

    إذا اضطر الإنسان إلى مال الغير فإن هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يضطر إلى عين مال الغير؛ كأن يضطر إلى رز مال زيد، أو يضطر إلى خبز مال زيد، هنا اضطر إلى عين مال الغير، اضطر إلى خبزه، اضطر إلى رزه، إلى بره لكي يأكله، فهل يجب على صاحب الطعام أن يبذله للمضطر أو لا يجب؟

    هذا فيه تفصيل، إن كان صاحب الطعام محتاجاً إليه فهو أولى به، وإن كان غير محتاج إليه فإنه يجب عليه أن يبذله له، فإن لم يبذله للمضطر فللمضطر أن يقاتله حتى يأخذه منه.

    لكن إذا بذله له هل يبذله مجاناً أو بعوض؟ المشهور من المذهب أن صاحب الطعام يبذله للمضطر بعوض، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التفصيل، قال: إن كان فقيراً فإنه يجب عليه أن يبذله له مجاناً، وإن كان المضطر ليس فقيراً معه دراهم فإنه يأخذه بالعوض، هذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأنه يرى أن إطعام الجائع وكسوة العاري من فروض الكفايات.

    كما قلنا: إذا اضطر إلى عين مال الغير، فإن كان صاحبه محتاجاً فإنه يكون أولى به، لكن هل له أن يؤثر غيره على نفسه ولو هلك؟

    مثلاً عندنا الآن رجلان في مخمصة، كل منهما مضطر، ومع أحدهما خبزة، صاحب الخبزة أولى بها، وليس له أن يدفعها إلى المضطر الآخر ما دام أنه محتاج، لكن هل له أن يؤثر غيره على نفسه حتى ولو هلك، أو ليس له ذلك؟ هذا موضع خلاف، فقال بعض العلماء: له ذلك، واستدل بقول الله عز وجل: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، وقالوا: إن هذا هو أبلغ الجود، وإليه يميل ابن القيم رحمه الله.

    والرأي الثاني: أنه ليس له ذلك؛ لقول الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]، وقيل بالتفصيل، إن كان المؤثر له أثر في الإسلام، كأن يكون صاحب علم أو صاحب شجاعة وقيادة ونحو ذلك فإنه يشرع أن يؤثره على نفسه، وإن لم يكن كذلك فإنه لا يؤثره على نفسه.

    هذا القسم الأول، وهو ما إذا اضطر إلى عين مال الغير.

    الإضطرار إلى نفع مال الغير

    القسم الثاني ما أشار إليه المؤلف رحمه الله بقوله: (ومن اضطر إلى نفع مال الغير).

    في هذا القسم اضطر إلى نفع مال الغير، مثاله: اضطر إلى ثوب زيد لكي يتقي به من البرد، اضطر إلى إنائه لكي يطبخ فيه الطعام، إلى دلوه لكي يستقي به الماء، إلى سيارته لكي يأتي بها من الصحراء ونحو ذلك، فقال المؤلف: (مع بقاء عينه لدفع برد أو استسقاء ماء ونحوه وجب بذله مجاناً) نعم يجب ما دام أنه اضطر إلى النفع، وتقدم لنا أنه إذا اضطر إلى عين مال الغير يدفعه بعوض، لكن إذا اضطر إلى نفع مال الغير هنا يدفعه مجاناً؛ لقول الله عز وجل: وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:7]، فالله سبحانه وتعالى ذمهم على منعهم للماعون.

    1.   

    الأكل من ثمر بستان الغير

    قال: (ومن مر بثمر بستان في شجر أو تساقط عنه ولا حائط عليه ولا ناظر فله الأكل منه مجاناً من غير حمل).

    هذه المسألة من مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه إذا مر بثمر بستان كالنخيل، أو البرتقال، أو التفاح، أو الموز، أو نحو ذلك، فهل له أن يأكل من هذا الثمر أو نقول: ليس له أن يأكل؟ المشهور من المذهب أن له أن يأكل لكن بشروط كما سيأتينا.

    واستدلوا على ذلك، بأن هذا هو الوارد عن جمع من الصحابة، كـعمر وابن عباس وأنس ، وكذلك أيضاً ابن عمر رضي الله عنهم، وكذلك أيضاً جاء مرفوعاً من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.

    الرأي الثاني: رأي جماهير أهل العلم، أنه إذا مر بثمر بستان ليس له أن يأكل، واستدلوا على ذلك أن الأصل في مال المسلم الحرمة، والله عز وجل قال: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، وأيضاً ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)، وفي الصحيحين: (لا يحلبن أحد شاة أحد إلا بإذنه).

    والصحيح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة، وأنه إذا مر بثمر هذا البستان له أن يأكل لكن بشروط.

    قال: (ومن مر بثمر بستان في شجرة أو تساقط عنه ولا حائط عليه) كما جاء عن ابن عباس بإسناد صحيح، قال: (إذا مررت بنخل أو نحوه وقد أحيط عليه حائط فلا تدخله إلا بإذن صاحبه)، الشرط الأول: أن يكون الثمر على الشجر أو تساقط.

    والشرط الثاني: ألا يكون هناك حائط ولا ناظر كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    قال: (من غير حمل).

    هذا الشرط الثالث: أن يأكل لكن لا يحمل كما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: [إذا مررت ببستان فكل ولا تتخذ خبنة].

    الشرط الرابع: ألا يصعد الشجر أو أن يرميه بشيء.

    الشرط الخامس: ألا يأكل من الثمر الذي قد جمع.

    الشرط الأخير: ألا يترتب على هذا الأكل ضرر لصاحب،البستان، يعني ربما أن يكون البستان قريباً من البلد، وإذا ظهرت الثمرة قد يكون البستان صغيراً، وأتى الناس وأكلوه، فإذا كان سيترتب عليه ضرر نقول: لا ضرر ولا ضرار، والأصل هو حرمة مال المسلم، وقد جاء في حديث أبي سعيد في سنن أبي داود والترمذي وإن كان فيه ضعف، من رواية الحسن: (إذا أتيت حائط بستان فناد صاحب البستان فإن أجابك وإلا فكل).

    1.   

    حكم ضيافة المسلم

    قال رحمه الله: (وتجب ضيافة المسلم المجتاز في القرى يوماً وليلة).

    هذه المسألة أيضاً من مفردات مذهب الحنابلة، حكم ضيافة المسلم، هل هي واجبة أو ليست واجبة؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنها واجبة، وأنه يجب على المسلم أن يضيف أخاه المسلم، لكن بشروط كما سيأتينا، وعند أكثر أهل العلم أن هذه الضيافة ليست واجبة، ودليلهم على عدم الوجوب أن الأصل في مال المسلم الحرمة والعصمة، فلا نوجب شيئاً في ماله.

    لكن الحنابلة الذين قالوا بالوجوب، استدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته)، خرجه في الصحيحين، وأيضاً حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: (إذا أمروا لكم بحق الضيف وإلا فخذوا منهم حق الضيف)، فرخص النبي صلى الله عليه وسلم لهم، إذا ما أضافوا وظفرت بشيء من مالهم أن تأخذ مقدار الضيافة، مما يدل على أن الضيافة واجبة.

    وجاء أيضاً في سنن أبي داود وابن ماجه ومسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة الضيف حق واجب)، فقال: حق واجب، وهذا ظاهر في الوجوب.

    شروط وجوب الضيافة

    والحنابلة الذين قالوا: بأنها واجبة، وهذا الوجوب يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون مسلماً، وعلى هذا فالكافر لا تجب ضيافته وإنما تستحب ضيافته، ولهذا أسماء رضي الله تعالى عنها لما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم (أن أمها جاءتها وهي راغبة، مشركة، أفتصلها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: صليها)، مما يدل على أن ضيافة المشرك مشروعة.

    قال: (المجتاز) هذا الشرط الثاني: أن يكون هذا الضيف مجتازاً، يعني ماراً، أما إذا جاء وأقام في البلد، فإنه لا تجب ضيافته، لكن إذا كان ماراً هنا تجب الضيافة.

    قال: (في القرى) هذا الشرط الثالث، وعلى هذا إذا كان في الأمصار في المدن ما تجب الضيافة، لأن المدن تكثر فيها أماكن المسافرين، التي يلجأ إليها المسافرون، فلا تجب الضيافة في الأمصار، وإنما تجب الضيافة في القرى.

    والصحيح أنه لا فرق؛ لعموم الأدلة.

    قدر الضيافة الواجبة

    قال: (يوماً وليلة) هذا قدر الضيافة الواجبة، والسنة ثلاثة أيام، وأما قدر الضيافة الواجبة فيوم وليلة، وقد تقدم لنا ما جاء في السنن: (ليلة الضيف حق واجب)، وأيضاً تقدم لنا حديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته).

    وهل يجب عليه أن يدخله في بيته أو لا يجب عليه؟ الصواب في مثل هذه المسائل أننا نرجع فيها إلى أعراف الناس.

    1.   

    الذكاة

    قال رحمه الله تعالى: (باب الذكاة).

    الذكاة في اللغة: تمام الشيء، ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل سريع القبول، فإذا كان تام العقل سريع القبول يسمى هذا ذكياً.

    أما في الاصطلاح: فهي نحر أو الحيوان المأكول البري المقدور عليه، بقطع ثلاثة من أربعة: الودجان والحلقوم والمريء.

    1.   

    حكم الذكاة

    والأصل في الذكاة القرآن، والسنة، والإجماع. أما القرآن فقول الله عز وجل: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، وأما السنة فحديث رافع بن خديج في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل)، والإجماع قائم على ذلك.

    قال رحمه الله: (لا يباح شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة إلا الجراد والسمك، وكل ما لا يعيش إلا في الماء).

    قال المؤلف رحمه الله: إن الحيوان المأكول لابد له من ذكاة، لكن استثنى من ذلك شيئين لا تشترط لهما الذكاة:

    الشيء الأول: ما لا نفس له سائلة، هذا لا حاجة فيه إلى الذكاة، ومعنى ما لا نفس له سائلة: أي: ليس له دم؛ لأن المقصود من الذكاة هو إخراج هذه الرطوبات، وحينئذ إذا لم يكن له دم وليس له نفس سائلة، فلا حاجة إلى الذكاة.

    فمثلاً الجراد لا نفس له سائلة، ولا حاجة لتأتي بالسكين وتقطع رأسه، وغير ذلك مما يباح من الحشرات، لا حاجة إلى الذكاة.

    الشيء الثاني: حيوان البحر، أي: ما لا يعيش إلا في البحر، هذا لا حاجة إلى ذكاته، وتقدم لنا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحل ميتته)، وتقدم لنا قول الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة:96] ، وأن صيده ما أخذ حياً، وأن طعامه ما أخذ ميتاً، مما يدل على أنه لا حاجة إلى التذكية.

    1.   

    شروط الذكاة الجائزة

    قال رحمه الله: (ويشترط للذكاة أربعة شروط: أهلية المذكي بأن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً).

    الذكاة يشترط لها شروط:

    الشرط الأول: الأهلية، أهلية المذكي، والأهلية تكون بأمرين: الأمر الأول: العقل، والأمر الثاني: الدين، وعلى هذا إذا انتفى العقل لم تحل الذكاة، وكذلك أيضاً إذا انتفى الدين لم تحل الذكاة كما سيأتينا.

    قال: (بأن يكون عاقلاً) العقل دليله قول الله عز وجل: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة:3]، فقول الله عز وجل: إلا ما ذكيتم يدل على القصد، والقصد يحتاج إلى عقل، وعلى هذا قال المؤلف رحمه الله: (ولا تباح ذكاة سكران)، فالسكران مغطى على عقله، وحينئذ لا قصد له فلا تصح ذكاته، (ومجنون)؛ لأنه يشترط العقل.

    وأيضاً صبي لم يميز؛ لأنه لا يتأتى القصد منه، ومعتوه لا إدراك له فحكمه حكم المجنون.

    فنقول: الأمر الأول: العقل، وعلى هذا السكران والمجنون والمغمى عليه، والصبي الذي لم يميز، كل هؤلاء ذكاتهم غير صحيحة، وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، هو قول جمهور أهل العلم خلافاً للشافعية، فإن الشافعية لا يشترطون العقل، والصواب ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    شرط الدين

    قال رحمه الله تعالى: (مسلماً أو كتابياً ولو مراهقاً أو امرأة أو أقلف أو أعمى).

    المراد بالدين أمران: إما أن يكون مسلماً وإما أن يكون كتابياً: يهودياً أو نصرانياً، هؤلاء هم الذين تباح ذبيحتهم، وعلى هذا لو ذكَّى المجوسي والوثني والمرتد والدهري والشيوعي، وغير ذلك هؤلاء كلهم ذكاتهم في حكم الميتة، فلابد أن يكون مسلماً، أو كتابياً، أما المسلم فبالإجماع.

    ويدل على ذلك أيضاً حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن قوماً حديث عهد بكفر يأتون بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أو لا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: سموا أنتم وكلوا)، فأباح النبي صلى الله عليه وسلم ذبيحة المسلم، حيث قال: (سموا أنتم وكلوا)، فأنتم لستم مسئولين عن فعلهم، إنما أنتم مسئولون عن فعلكم.

    أما الكتابي: اليهودي أو النصراني فأيضاً تباح ذكاته، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة:5]، والنبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة التي صنعتها اليهودية.

    شروط حل ذكاة الكتابي

    لكن الكتابي يشترط لحل ذكاته شروط:

    الشرط الأول: أن يكون أبواه كتابيين، وعلى هذا إذا كان أبواه غير كتابيين لا تحل، وعلى هذا اليهودي إذا أراد أن يذكي لابد أن يكون أبوه كتابياً وأمه كتابية، والنصراني لابد أن يكون أبوه كتابياً، وأمه أيضاً كتابية، هذا ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية والمالكية، أن هذا ليس شرطاً، وهذا الذي مال إليه ابن القيم رحمه الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى علق الحكم بأديانهم، ولم يعلق الحكم بأنسابهم، فالصحيح في ذلك أنه حتى ولو كان أبوه مجوسياً أو وثنياً ونحو ذلك، المهم أن يكون هو كتابياً.

    الشرط الثاني: أن يأتي بالشروط الشرعية عند الذكاة، يعني لابد أن يذكي تذكية شرعية من إنهار الدم، وأن يذكر اسم الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رافع بن خديج : (ما أنهر الدم) ما شرطية، (وذكر اسم الله عليه)، لابد من هذين: من إنهار الدم، ومن ذكر اسم الله عز وجل، وهذا يشمل الكتابي وغير الكتابي، وهذا ما عليه جماهير العلماء، وعلى هذا إذا كان يذكي تذكية غير شرعية مثل أن تصعق البهيمة أو تضرب بالمسدس أو نحو ذلك مع رأسها، فإن ضرب العجل حتى مات أو قارب الموت، نقول: هذا لا يحل، لابد أن يأتي بالشروط الشرعية، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم.

    وقد تردد ابن العربي المالكي في ذلك، حيث سئل عن النصراني يفتل عنق الدجاجة، هل تحل؟ فقال: هي من طعامه وطعام أحباره ورهبانه. وذكر في موضع آخر في نفس كتابه أحكام القرآن لـابن العربي أن ذلك لا يحل، فتارة قال: هي من طعامه وطعام أحباره ورهبانه. وتارة قال: بأنها لا تحل، وهذا هو الصواب.

    فالصواب في هذه المسألة أنه لابد من التذكية الشرعية، وأنها طعام أهل الكتاب حلال إذا توفرت فيه الشروط الشرعية.

    الشرط الأخير: أن يدين بدين أهل الكتاب، فلابد أن يدين بدين النصارى إن كان نصرانياً، ولابد أن يدين بدين اليهود إن كان يهودياً، أما إن كان ملحداً مرتداً لا يعترف بالأديان، الدين مجرد اسم لا يؤدي شيئاً من الشعائر، ولا يعترف بالدين ونحو ذلك، فهذا مرتد لا تحل ذكاته، لكن إذا كان يدين بشيء من دين النصارى، حتى ولو كان الدين المحرف؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر عنهم الشرك بالله عز وجل، وذكر إباحة نسائهم وإباحة ذبائحهم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17].

    المهم أن الله سبحانه وتعالى ذكر عنهم الشرك، ومع ذلك أباح ذبائحهم ونساءهم، فنقول: إنه لابد أن يعترف وأن يكون مقراً بأنه صاحب دين، أما إذا كان لا يعترف بالأديان، ولا يدين بها، وإنما هي مجرد اسم فقط، فهذا مرتد لا تحل ذكاته، لكن إذا كان يعتقد أنه نصراني أو أنه يهودي ويؤدي ولو شيئاً من الشعائر، فنقول: إن ذبيحته حلال ونساءهم حلال.

    حكم تذكية المراهق والمرأة والأقلف والأعمى

    قال رحمه الله تعالى: (ولو مراهقاً)؛ لأن المراهق له قصد صحيح.

    قال: (أو امرأة)، يعنى تذكية المرأة صحيح، ويدل على ذلك قصة المرأة التي بسلع لما عدا الذئب على شاة فاستخلصتها منه، ثم أخذت حجراً فذكتها به.

    قال: (أو أقلف)، يعني غير مختون؛ لعموم أدلة الذكاة.

    قال: (أو أعمى)؛ لعموم أدلة الذكاة، فما دام أن الأعمى يتمكن عن طريق اللمس بمعرفة موضع التذكية صح ذلك.

    ذكر من لا تباح ذكاته

    قال: (ولا تباح ذكاة سكران ومجنون ووثني ومجوسي ومرتد).

    لما تقدم من أنه يشترط الأهلية، والأهلية هي: العقل والدين، والله عز وجل قال: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5]، فيؤخذ من ذلك أن طعام غير أهل الكتاب ليس حِلاً لنا، فطعام الوثني ليس حِلاً، وكذلك طعام المجوسي، والمقصود ذبائحهم، أما الأطعمة التي ليست من قبيل الذبائح فهي حلال حتى من الوثني، لكن المقصود الذبائح.

    شروط الآلة التي يجوز بها التذكية

    قال رحمه الله تعالى: (الثاني: الآلة، فتباح الذكاة بكل محدد ولو مغصوباً من حديد وحجر وقصب وغيره إلا السن والظفر).

    تباح الذكاة بكل محدد، ويدل لذلك حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل)، فقال: أنهر الدم، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تعطيه المدية، والمدية المقصود بها السكين، فكل محدد تصح التذكية به كما قال لك المؤلف: حديد محدد، حجر محدد، قصب محدد، خشب محدد إلى آخره.

    لكن إذا كان مغصوباً، هل تصح التذكية به أو لا تصح؟

    نقول: أما كحكم تكليفي فهذا محرم ولا يجوز، وما دام أنه حق للغير ولم يرضَ باستعماله، فنقول: إن هذا محرم ولا يجوز، لكن كحكم وضعي، هل تحل الذبيحة بهذا المغصوب أو نقول: إنها لا تحل؟ هذا موضع خلاف، والصحيح في ذلك أنها حلال كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأن النهي هنا لا يعود إلى ذات المنهي عنه ولا إلى شرطه، وإنما يعود إلى أمر خارج.

    قال: (إلا السن والظفر)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم فكل، ليس السن والظفر)، خرجاه في الصحيحين، فالنبي صلى الله عليه وسلم استثنى شيئين: الشيء الأول: السن، وعلل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: (وسأخبركم، أما السن فعظم)، فيؤخذ من هذا أن التذكية بكل العظام لا تجوز.

    قال المؤلف رحمه الله: (إلا السن) أي: الذي يحرم هو التذكية بالسن، أما التذكية ببقية العظام فإنها جائزة ولا بأس بها، هذا ظاهر كلام المؤلف رحمه الله، والرأي الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو التذكية بكل العظام، وليس خاصاً ذلك بالسن، بل يشمل جميع العظام. فالتذكية بكل العظام لا تجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل فقال: (أما السن فعظم)، فيشمل كل العظام، ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستجمر بالعظام؛ لأن الاستجمار بالعظام يؤدي إلى تلويثها بالنجاسة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه العظام طعام إخواننا من الجن، يجدونها أوفر ما تكون لحماً، فكذلك إذا ذكى بها سيؤدي إلى تلويثها بالنجاسة، بالدم المسفوح.

    فالخلاصة في ذلك أن النهي ليس خاصاً بالسن كما هو ظاهر كلام المؤلف رحمه الله، بل الصواب أن هذا شامل لكل العظام، وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى.

    لكن المذهب ومذهب أبي حنيفة أن هذا خاص بالسن.

    بل إن الحنفية يشترطون أن يكون السن متصلاً، فإن كان منفصلاً فإنه تصح التذكية به والصحيح في ذلك أنه سواء كان متصلاً أو منفصلاً لا تصح التذكية به، بل لا تصح التذكية بسائر العظام كما هو مذهب الشافعية رحمهم الله تعالى.