إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قطاع الطريق هم الذين يعرضون للناس بالسلاح لأخذ أموالهم جهاراً في الصحراء أو البنيان، وهذا الحد بينه وبين القصاص فروق، وهناك خلاف في إلحاق هذا الحد بحد السرقة في الشروط، وللعلماء في عقوبة المحاربين مسلكان: الترتيب، والتخيير واختلف الفقهاء في المراد بنفيهم

    1.   

    تابع حد قطاع الطريق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: حد قطاع الطريق:

    وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة، فمن منهم قتل مكافئاً أو غيره كالولد والعبد والذمي وأخذ المال قتل ثم صلب حتى يشتهر، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل حتماً ولم يصلب، وإن جنوا بما يوجب قوداً في الطرف تحتم استيفاؤه، وإن أخذ كل واحد من المال قدر ما يقطع بأخذه السارق ولم يقتلوا قطع من كل واحد يده اليمنى، ورجله اليسرى في مقام واحد، وحسمتا ثم خلي، فإن لم يصيبوا نفساً ولا مالاً يبلغ نصاب السرقة نفوا بأن يشردوا فلا يتركون يأوون إلى بلد، ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان لله من نفي وقطع وصلب وتحتم قتل، وأخذ بما للآدميين من نفس وطرف ومال إلا أن يعفى له عنها، ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله آدمي، أو بهيمة، فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك ولا ضمان عليه، فإن قتل فهو شهيد، ويلزمه الدفع عن نفسه وحرمته دون ماله].

    كنا قد توقفنا على باب: حد قطاع الطريق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء والبنيان).

    قال: (باب: حد قطاع الطريق).

    ويعبر عنهم بعض العلماء بقوله: باب حد المحاربين. والأمر في هذا سهل، والحد تقدم لنا تعريفه، والقطاع: جمع قاطع، والطريق هو ما يطرقه الناس. أو هو: المكان الذي يسلكه الناس ويعبرون منه، وسمي هذا المكان طريقاً؛ لأن الناس يطرقونه بأقدامهم.

    وعرفهم المؤلف رحمه الله بقوله: (وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء والبنيان فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة).

    والخلاصة في ذلك: أن قطاع الطريق هم الذي يأخذون المال عن طريق السلاح، فهؤلاء هم قطاع الطريق.

    الأصل في حكمهم القرآن والسنة والإجماع:

    أما القرآن فقول الله عز وجل في سورة المائدة: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33].

    وأما السنة: فقصة العرنيين الذين قتلوا الراعي وأخذوا إبل النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلهم النبي عليه الصلاة والسلام.

    والإجماع منعقد على حكمه في الجملة وإن اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في بعض أحكامهم كما سيأتينا.

    والنظر الصحيح يقتضي ذلك؛ لأن أخذ المال بالسلاح فيه إرهاب للناس وعدم أمن لهم، فكون هذه العقوبة فيهم، -كما سيأتينا إن شاء الله- هي ضرب من ضروب تحقيق الأمن، وهو من محاسن هذه الشريعة.

    قال رحمه الله: (وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء والبنيان).

    1.   

    شروط قاطع الطريق

    قطاع الطريق يشترط لهم شروط، هي:

    الشرط الأول: أن يكون بالسلاح

    قال رحمه الله: (بالسلاح).

    أن يكون عن طريق السلاح، وهذا كالإجماع من العلماء رحمهم الله، وعلى هذا لو أخذ المال لا عن طريق السلاح وإنما انتهبه فإنه لا يكون قاطع طريق، لكن لو أخذه عن طريق الخنق، فهل يكون قاطع طريق أو لا يكون قاطع طريق؟

    أكثر أهل العلم أنه لا يكون قاطع طريق.

    والرأي الثاني وبه قال أبو يوسف من الحنفية وكذلك أيضاً قال به المالكية: أنه في حكم قاطع الطريق.

    ويظهر والله أعلم أن مثل هذه المسائل إنما هي من باب السياسية الشرعية التي يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام وما يراه الأصلح.

    والسلاح أياً كان سواء كان سلاحاً معروفاً، حتى ولو كان عصاً، أو أخذ حجراً، أو سكيناً، أو مسدساً، أو غير ذلك من أنواع السلاح، إذا أخذ به وقاتل فإنه يكون قاطع طريق.

    قال رحمه الله: (في الصحراء والبنيان).

    أما في الصحراء فهو قاطع طريق، لكن إذا كان يفعل هذا في البنيان هل هو قاطع أو ليس قاطع طريق؟

    المؤلف رحمه الله يقول: لا فرق بين الصحراء والبنيان، وأنه يكون قاطع طريق في الصحراء وفي البنيان. وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: أنه إذا كان في الصحراء فهو قاطع طريق وأما إذا كان في البنيان فلا، وهذا قول الحنفية، قالوا: لأنه إذا كان في البنيان فإنه سيلحقه الغوث -سيستغيث ويغاث- بخلاف ما إذا كان في الصحراء، والصواب في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم لعموم الأدلة وأنه يكون قاطع طريق سواء كان في الصحراء أو كان في البنيان.

    الشرط الثاني: أخذ المال مباشرة

    قال رحمه الله: (فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة).

    هذا الشرط الثاني: أن يكون ذلك عن طريق المجاهرة، وعلى هذا إذا كان عن طريق الاختفاء فإنه لا يكون قاطع طريق.

    والرأي الثاني في هذه المسألة أن هذا ليس شرطاً، وأنه حتى ولو كان سراً، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو قول عند المالكية.

    ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه إذا أتي بالرجل وقد دعا الرجل إلى منزله لأجل عمل كخياطة أو غير ذلك ثم رفع عليه السلاح لكي يأخذ ماله فحكمه حكم قاطع الطريق.

    ومثل ذلك أيضاً ما ذكره ابن العربي المالكي قال: كنت أيام حكمي بين الناس -لأنه تولى القضاء رحمه الله- إذا أتي بالرجل وقد دعاه الرجل إلى منزله وأمر أصحابه أن يرفعوا عليه السلاح حتى يأخذ ما معه حكمت بأنهم قطاع طريق.

    وعلى هذا لا يشترط أن يكون مجاهرةً حتى ولو كان سراً، وهذا نوع من أنوع قتل الغيلة، ولهذا العفو في القصاص جائز -بل هو مشروع ومستحب إذا لم يترتب عليه مفسدة- إلا في قتل الغيلة فلا مكان للعفو بل يتحتم القتل.

    قال رحمه الله: (فمن قتل منهم مكافئاً أو غيره، كالولد، والعبد، وأخذ المال قتل ثم صلب حتى يشتهر).

    عدم اشتراط المكافأة

    في حد قطاع الطريق لا تشترط المكافأة بخلاف القصاص فإنها تشترط، فمثلاً في غير حد قطاع الطريق: الحر هل يقتل بالعبد؟ عند الجمهور لا يقتل الحر بالعبد، لكن في حد قطاع الطريق يقتل الحر بالعبد؛ لأن هذا حد وليس قصاصاً.

    ولهذا قال المؤلف : (من قتل منهم مكافئاً أو غيره).

    والوالد في القصاص لا يقتل بولده لكن هنا يقتل. والمسلم لا يقتل بالكافر في القصاص لكن في حد قطاع الطريق يقتل.

    ففرق بين الحد والقصاص.

    1.   

    الفروق بين القصاص وحد قطع الطريق

    الفرق الأول: أن القتل في القصاص تشترط فيه المكافأة كما سبق لنا وأما القتل في حد قطاع الطريق فإنه لا تشترط فيه المكافأة.

    الفرق الثاني: أن القصاص الخيرة فيه لأولياء الدم، فلهم العفو دون مقابل، ولهم أن يأخذوا الدية، ولهم أن يقتصوا، وأما حد قطاع الطريق فلا خيار، وإنما هو إلى الإمام ويجب عليه أن يقيمه.

    الفرق الثالث: في القصاص يجوز الصلح على الدية وعلى أكثر من الدية، وأما حد قطاع الطريق فإنه لا صلح، بل هذا حد تجب إقامته، والصلح في حدود الله وحقوقه إنما يكون ذلك بإقامتها.

    قال رحمه الله: (فمن قتل منهم مكافئاً أو غيره كالولد، والعبد، والذمي، وأخذ المال قتل ثم صلب حتى يشتهر).

    وقول المؤلف رحمه الله أيضاً قبل ذلك: (مجاهرة لا سرقة).

    وعلى هذا لو كان عن طريق السرقة فإنه لا يكون حد قطاع الطريق وإنما يكون حكمه حكم حد السرقة.

    وهل يشترط لحد قطاع الطريق شروط السرقة من الحرز والنصاب أو لا يشترط؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أنه يشترط إلحاقاً له بحد السرقة بجامع أن كلاً منهما أخذ للمال.

    وعلى هذا لو أخذوا دون نصاب فلا يحكم عليهم بحد قطاع الطريق وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وأنه يشترط النصاب وكذلك أيضاً يشترط الحرز.

    الرأي الثاني: أن هذا ليس شرطاً وأن حد قطاع الطريق حد مستقل بذاته لا يلحق بغيره.

    وهو قول عند المالكية، وهذا القول هو الصواب.

    ونظير ذلك كما تقدم لنا في السرقة جحد العارية، فنقول: إن جحد العارية سنة مستقلة بنفسها لا تلحق بغيرها، وعلى هذا فالصواب في هذه المسألة: أننا لا نشترط الحرز، وكذلك أيضاً لا يشترط النصاب، ولا تشترط أيضاً المكافأة كما ذكر المؤلف رحمه الله، فكما أن المكافأة لا تشترط فكذلك لا نشترط الحرز ولا النصاب؛ لأن هذه مسائل مستقلة بذاتها.

    1.   

    عقوبة قطاع الطريق

    للعلماء رحمهم الله في أحكام قطاع الطريق مسلكان:

    المسلك الأول مسلك الترتيب: وهذا ما عليه أكثر أهل العلم في الجملة، بمعنى أنهم يرتبون على كل حالة حكماً مستقلاً لها، ويقولون: إذا فعل كذا فحكمه كذا، وإذا فعل كذا فحكمه كذا.

    المسلك الثاني: مسلك التخيير، وأن الإمام مخير فيهم، كما قال الله عز وجل: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33].

    وهذا مسلك الظاهرية ويوافقهم المالكية في كثير من المسائل ويجعلون الأمر من قبيل التخيير.

    قال المؤلف رحمه الله: (قتل وأخذ المال).

    الحالة الأولى: القتل وأخذ المال

    الحالة الأولى: إذا قتل وأخذ المال.

    يقتل ويصلب، والصلب: أن يربط على عمود أو عود، ونحو ذلك وتمد يداه.

    ومتى يكون هذا الصلب؟ وما مدته؟

    للعلماء رحمهم الله خلاف في ذلك: فقال بعض العلماء: يكون بعد القتل، وكلام المؤلف أنه يقتل أولاً ثم يصلب، فعلى كلام المؤلف أن الصلب يكون بعد القتل.

    والرأي الثاني: أنه يصلب قبل القتل.

    وأما مدته فلم يحددها المؤلف. قال رحمه الله: (حتى يشتهر).

    فكلام المؤلف أنه يصلب حتى يشتهر أمره، يعني يتناقل الناس خبره لكي تحصل الحكمة من الصلب هي الردع والزجر.

    وقيل: يحدد بثلاثة أيام.

    وقيل: يصلب ما لم يحصل عليه التغيير.

    والذي يظهر والله أعلم: أن مثل هذه المسائل من قبيل السياسة الشرعية مادام أن النصوص محتملة، وأنه يرجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام.

    الحالة الثانية: القتل دون أخذ المال

    قال رحمه الله: (وإن قتل ولم يأخذ المال قتل حتماً).

    هذه الحالة الثانية: قتل ولم يأخذ المال، فالحكم أنه يقتل ولا يصلب.

    وقوله: (حتماً)؛ لأن هذا من قبيل الحد وليس من قبيل القصاص.

    الحالة الثالثة: الجناية على الأطراف

    قال رحمه الله: (وإن جنوا بما يوجب قوداً في الطرف تحتم استيفاؤه).

    هذه الحالة الثالثة: إذا جنوا بما يوجب قوداً في الطرف، كقطع يد أو قطع رجل ونحوهما، تحتم استيفاؤه، كما لو قتلوا نفساً. وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، والمشهور من المذهب: أنه هنا لا يتحتم استيفاؤه، وأن الخيرة تكون للمجني عليه. ولعل ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله هو الصواب. إلحاقاً لما دون النفس بالنفس، كما أنهم إذا قتلوا نفساً يتحتم القتل فكذلك إذا جنوا بما دون النفس، ومن باب أولى أنه يتحتم القصاص، هذا الأقرب؛ لأن حكمهم هو حكم قطاع الطريق.

    الحالة الرابعة: أخذ المال دون قتل أو جناية

    قال رحمه الله: (وإن أخذ كل واحد من المال قدر ما يقطع بأخذه السارق ولم يقتلوا قطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا).

    هذه الحالة هي الرابعة: إذا أخذوا المال ولم يقتلوا ولم يجنوا على ما دون النفس وإنما أخذوا المال فقط فإنهم تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.

    وقول المؤلف رحمه الله: (قدر ما يقطع بأخذه السارق) تقدم أن المشهور من المذهب أنهم يشترطون النصاب، وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أن النصاب ليس شرطاً، وعلى هذا فيكون قوله: (قدر ما يقطع بأخذه السارق) مبنياً على المذهب.

    قال رحمه الله: (قطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد).

    أي: في وقت واحد، أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ [المائدة:33]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل بالعرنيين. يعني: جمع عليهم العقوبات التي فعلوها بالراعي مرة واحدة. هذا من وجه.

    ومن وجه آخر: وهو ظاهر القرآن: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ [المائدة:33]. وهذا ظاهر أنه في وقت واحد.

    وأيضاً وجه ثالث: أن تكرار الفعل مرة بعد أخرى يكون أشد عذاباً. فكونه يقطع اليوم ثم بعد فترة ينتظر القطع مرة أخرى.

    هذا يكون أشد عذاباً له، من حيث العذاب الحسي، ومن حيث العذاب المعنوي، فيكون ما ذكره المؤلف رحمه الله في مقام واحد ظاهراً.

    قال: (وحسمتا).

    تقدم الكلام على ذلك في باب حد السرقة.

    الحالة الخامسة: إخافة السبيل دون قتل أو أخذ مال

    قال رحمه الله: (فإن لم يصيبوا نفساً ولا مالاً يبلغ نصاب السرقة نفوا بأن يشردوا فلا يتركون يأوون إلى بلد).

    الحالة الخامسة: لم يقتلوا ولم يأخذوا المال ولم يجنوا على ما دون النفس وإنما أخافوا السبيل، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: يشردون. يقول الله عز وجل: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33] .

    والمراد بالأرض: أن ينفوا من الأرض التي يطرقها الناس، وعلى هذا يشردون في الصحاري والبراري، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى وهو قول الظاهرية.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية أن المراد بالنفي هو: حبس المحارب في البلد التي وقعت فيه المحاربة.

    وعند المالكية: أنه ينفى من البلد إلى بلد آخر ويسجن فيه. أي: إذا حارب مثلاً في هذا البلد ينفى إلى بلد آخر ويسجن في ذلك البلد.

    والذي يظهر والله أعلم كما تقدم لنا: أن الإمام يرجع في ذلك إلى المصلحة الشرعية.

    من تاب من الحرابة قبل أن يقدر عليه

    قال رحمه الله: (ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان لله من نفي).

    هذا الحكم السادس أن حقوق الله تسقط بالتوبة مادام أنه تاب قبل أن يقدر عليه، فهو لم يقتل ولم يأخذ المال ولم يجنِ على ما دون النفس وإنما أخاف السبيل وتاب فتسقط حينئذ حقوق الله: من نفي وقطع وصلب؛ لأن هذا حق من حقوق الله عز وجل، ولو أخذ المال فإن المال يرد إلى أصحابه، والقطع حق الله يسقط.

    الترتيب والتمييز في عقوبة المحارب

    قال رحمه الله: (وتحتم قتل).

    هذا الأمر الرابع: ويعني أن الأمر بعد التوبة انقلب إلى أولياء الدم، فإذا قتل المحارب ثم تاب قبل أن يقدر عليه يكون الأمر راجعاً إلى أولياء المقتول إن شاءوا أخذوا الدية، وإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا كالقصاص قال: (وأخذ بما للآدميين من نفس وطرف ومال إلا أن يعفى له عنها).

    فأصبحت أربعة أحكام بعد القدرة عليه تسقط عنه، وهي: النفي وقطع اليد والرجل، والمال يعطى لأصحابه، والصلب؛ لأن حق الآدمي لا يسقط إلا بعفوه عنه.

    فأصبحت الأحكام إذاً ستة أحكام، هذا على مسلك الترتيب.

    والمسلك الثاني مسلك التخيير: وأن الأمر في ذلك راجع إلى الإمام سواء قتل وأخذ المال، أو قتل ولم يأخذ المال، أو أخذ المال فقط، أو أخاف السبيل.

    واستدلوا بظاهر الآية: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33]، قالوا: إن (أو) هنا للتخيير. والجمهور الذين قالوا بعدم التخيير استدلوا بآثار مرفوعة، لكنها لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا لمال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض. وهذا رواه الشافعي ، والبيهقي ، وابن أبي شيبة ، وعبد الرزاق من طرق لكنه ضعيف.

    وأما الذين أخذوا بظاهر الآية فقالوا: إن (أو) في القرآن تأتي للتخيير، والأمثلة على ذلك كثيرة: من ذلك: قول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].

    ومن ذلك أيضاً: قول الله عز وجل في كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89].

    وهناك قاعدة وهي: إذا دار الأمر بين الاستقلال والافتقار فالأصل الاستقلال، فإذا قلنا إن: (أو) للتخيير فلا حاجة إلى تقدير: أن يقتلوا، أو يصلبوا.

    وإذا قلنا: إنها ليست للتخيير؛ وإنما هي للتنويع فإننا نحتاج إلى تقدير فقوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [المائدة:33]، يعني: إذا قتلوا وأخذوا المال يقتلون ويصلبون، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا تقطع أيديهم، وهذا ما ذهب إليه الظاهرية ويوافقهم المالكية، وهذا هو الأقرب والله أعلم، وهذه المسألة كما ذكرنا أنه يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام.

    1.   

    أحكام الصيال

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله آدمي أو بهيمة فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك).

    ذكر المؤلف رحمه الله أحكام الصائل في باب حد الحرابة بجامع التعدي، فالصائل فيه شبه بالمحارب بجامع التعدي.

    تعريف الصيال

    الصول في اللغة: الاقتحام.

    وأما في الاصطلاح: فهو التعدي على الشخص إما طلباً لدمه، أو ماله، أو حرمته.

    يقول المؤلف: (فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك ولا ضمان عليه فإن قتل فهو شهيد).

    كيفية دفع الصائل

    إذا صال على إنسان آدميٌ أو بهيمة يريد نفسه، أو ماله، أو حرمته فيدفعه بالأسهل فالأسهل، فإن كان يندفع بالدفع دفعه، أو بالتخويف خوفه، أو بالضرب، أو بالجرح، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك.

    وقد جاء في ذلك حديث لكنه ضعيف، والأصل عندنا أن الصائل مادام معصوم الدم فالأصل هو حرمة دمه، وعلى هذا تدفعه بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فلك ذلك، ويدل لذلك أيضاً: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : (أن رجلاً جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال: أريت إن قاتلني قال: قاتله؟ قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار. قال: أريت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد ) فهذا يدل على أنه لا بأس من قتاله.

    لكن يستثنى من ذلك إن خشي أن يبدره الصائل بالقتل فله أن يبدره بالقتل، يعني: لو أنه جلس يخوفه بالله، وهذا أخرج السلاح وقتله نقول: له أن يبدره.

    وشيخ الإسلام يقول: إن خشي أن يبدره بالقتل فله أن يبدره بالقتل؛ لأن بعض الناس فيه شر وليس عنده خوف من الله عز وجل، ولو شرع يخوفه أو يعظه أو يضربه فربما أخرج السلاح وقتله، فيقول: له أن يقتله، وأن يبدره بالقتل.

    قال رحمه الله: (فله الدفع بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك).

    لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (قاتله) والقاعدة: أن ما ترتب على المؤذون غير مضمون، فإن قتل فهو شهيد، ولا ضمان عليه إن قتل الصائل، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هو في النار) مما يدل على أنه غير مضمون، ولو كان مضموناً ما كان في النار، فإن قتل فهو شهيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أريت إن قتلني قال: فأنت شهيد)، أي: شهيد في أحكام الآخرة فيما يتعلق بالثواب، وأما في الدنيا فلا يأخذ أحكام الشهداء بل يغسل ويكفن ويصلى عليه.

    وبهذا يُعلم أن الشهداء ينقسمون إلى قسمين:

    القسم الأول: شهيد في الدنيا والآخرة.

    والقسم الثاني: شهيد في الآخرة دون الدنيا.

    فشهيد الدنيا والآخرة هو: من قتل في سبيل الله.

    وشهيد الآخرة دون الدنيا هو: الذي قتل دفاعاً عن دمه أو عن عرضه أو عن ماله والمبطون، والحرق، والغرق، والمرأة تموت بجمع يعني: بنفاس.

    الدفاع عن النفس والعرض

    قال رحمه الله: (ويلزمه الدفع عن نفسه، وحرمته).

    يجب على الشخص أن يدافع لزوماً عن نفسه؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] .

    وكذلك يجب عليه أن يدافع عن نفس غيره؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] .

    ويجب عليه أيضاً أن يدافع عن حرمته أي: عن عرضه، ويجب أيضاً أن يدافع عن عرض أخيه المسلم.

    وهذا باتفاق العلماء.

    الدفاع عن المال

    قال رحمه الله: (دون ماله).

    هل يجب عليه أن يدفع عن ماله أو لا يجب عليه؟

    المشهور من المذهب: أنه لا يجب عليه.

    والرأي الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يجب عليه أن يدفع عن ماله، وتقدم لنا الكلام على هذه المسألة وأن المشهور من المذهب أنه لا يلزمه أن يحفظ ماله.

    والصحيح: أنه يجب عليه أن يحفظ ماله وأن يدافع عنه؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:5] ، وهذا فيه أمر بحفظ المال. وكذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة : عن إضاعة المال.