إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [6]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شروط قطع يد السارق انتفاء الشبهة، كسرقة الأصول من الفروع والعكس، ورجوع السارق عن إقراره فيه خلاف، وتقطع يد السارق من مفصل الكف ويستغنى بالطب الحديث عن الحسم. وهناك خلاف بين الفقهاء فيما يصنع بالسارق إذا تكررت سرقته، ومن سرق مالاً من غير حرزه تضاعف عليه

    1.   

    تابع شروط القطع في السرقة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن تنتفي الشبهة، فلا يقطع بالسرقة من مال أبيه وإن علا، ولا من مال ولده وإن سفل، والأب والأم في هذا سواء، ويُقطع الأخ وكل قريب بسرقة من مال قريبه، ولا يقطع أحد من الزوجين بسرقته من مال الآخر ولو كان محرزاً عنه، وإذا سرق عبد من مال سيده أو سيد من مال مكاتبه، أو حر مسلم من بيت المال، أو من غنيمة لم تخمس، أو فقير من غلة موقوفة على الفقراء، أو شخص من مال فيه شركة، أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه لم يقطع، ولا يقطع إلا بشهادة عدلين، أو بإقرار مرتين، ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع، وأن يطالب المسروق منه بماله، وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت، ومن سرق شيئاً من غير حرز ثمراً كان أو كثراً أو غيرهما أضعفت عليه القيمة ولا قطع].

    تقدم لنا القطع في السرقة، وذكرنا من شروط القطع: وجود السرقة، وأنه لا يقطع بالانتهاب، والاختلاس، والخيانة، إلا ما يتعلق بجحد العارية، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه يقطع بجحد العارية، وعند جمهور أهل العلم أنه لا يقطع، وتقدم دليل كل، وأيضاً تقدم لنا من الشروط: النصاب، وأنه شرط خلافاً للظاهرية، وما قدر النصاب، وأن قدر النصاب على المشهور من مذهب الإمام أحمد : إما ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عرض يساوي أحدهما، وتقدم لنا أن الأقرب في ذلك والمعتبر هو الذهب، وأنه ربع دينار، كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً) فإذا سرق ربع دينار قطعت، وإذا سرق من الفضة أو من العروض ما يساوي ربع دينار قطعت، وإذا سرق أقل من ذلك فإنه لا قطع.

    وتقدم لنا أيضاً من الشروط: الحرز، وأن أهل العلم رحمهم الله يرون الحرز، خلافاً للظاهرية، وذكرنا دليل جمهور أهل العلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما.

    الشرط الخامس: انتفاء الشبهة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن تنتفي الشبهة، فلا يقطع بالسرقة من مال أبيه وإن علا).

    انتفاء الشبهة ليس خاصاً بحد السرقة، وإنما هو عام في سائر الحدود، وتقدم الكلام على ذلك، وتقدم أن الشبهة عرفت بتعاريف، منها: ما يشبه الثابت وليس بثابت، وأن الظاهرية لا يرون الشبهة خلافاً لأكثر أهل العلم، وأنه لم يثبت في درأ الحدود بالشبهات حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ورد ذلك عن الصحابة: عن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما.

    قال رحمه الله: (فلا يقطع بالسرقة من مال أبيه وإن علا، ولا من مال ولده وإن سفل، والأب والأم في هذا سواء)، القطع في سرقة الأصول بعضهم من بعض، وكذلك الفروع بعضهم من بعض، هذه المسألة تنقسم إلى أقسام:

    سرقة الأصول من الفروع

    القسم الأول: سرقة الأصول، إذا سرق الأب من مال ولده فيرى الجمهور أنه لا يقطع، والأصول يشمل: الآباء، والأمهات المباشرين، والأجداد، والجدات، فإذا سرق الأصول من الفروع فلا قطع للشبهة، والشبهة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنت ومالك لأبيك )، ولأن الأصل أن له حق في مال ولده بالنفقة ونحو ذلك.

    والرأي الثاني: أن الأصول تقطع بالسرقة من الفروع، وهو رأي الظاهرية لعموم الأدلة.

    والرأي الثالث: أن الأب، والجد من قبل الأب، والجدة من قبل الأب لا يقطعون، وأما من عدا ذلك فإنه يقطع، وهذا رأي الإمام مالك ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة : ( أنت ومالك لأبيك ).

    والذي يظهر والله أعلم أن الأب لا يقطع إذا سرق من مال ولده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنت ومالك لأبيك )، وكما تقدم لنا في القصاص أن الأب إذا قتل ولده فإنه لا يقاد به، كما جاء ذلك في حديث عمر رضي الله تعالى عنه، وكذلك أيضاً الأم لعظم حقها، وأما بقية الأصول فالظاهر والله أعلم أنهم يقطعون لعموم الأدلة.

    سرقة الفروع من الأصول

    القسم الثاني: سرقة الفروع من مال الأصول، يرى جمهور العلماء أنه إذا سرق الفروع من مال الأصول فإنهم لا يقطعون.

    والرأي الثاني وهو رأي الإمام مالك والظاهرية: أنهم يقطعون للعمومات، وهذا القول هو الأقرب والله أعلم، فالجمهور يقولون: إنهم لا يقطعون للشبهة، والشبهة هي: أنه يجب على الأصول أن ينفقوا على الفروع، فالفروع لهم حق في مال الأصول؛ ولأن كلاً من الفروع والأصول يتبسط في مال الآخر.

    القطع بين القرابات عند الأصول والفروع

    قال رحمه الله تعالى : (ويقطع الأخ وكل قريب بسرقة مال قريبه).

    هذه المسألة وهي القطع بين القرابات، عدا الأصول والفروع، والقرابات كذوي الأرحام، والإخوة، وبني الإخوة، والأعمام.

    فإذا سرق بعض ذوي الأرحام من بعض، كأن يسرق الأخ من مال أخيه فإن جمهور العلماء على القطع للعمومات، وعند الحنفية أنه لا قطع؛ يدخل بعضهم على بعض دون إذن فكان ذلك شبهة، والصواب في هذه المسألة: أن ذوي الأرحام إذا سرق بعضهم من بعض فإنهم يقطعون.

    السرقة بين الزوجين

    قال رحمه الله: (ولا يقطع أحد من الزوجين بسرقته من مال الآخر ولو كان محرزاً عنه).

    إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر فإنه لا يقطع، وهذا هو مذهب الحنفية، والمؤلف رحمه الله يرى أنه لا قطع، واستدلوا على ذلك بما جاء أن عبد الله الحضرمي قال: إن عبدي سرق مرآة امرأتي، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أرسله، لا قطع عليه، غلامكم سرق متاعكم، فإذا كان الرقيق لا يقطع، فمالكه لا يقطع من باب أولى.

    الرأي الثاني: وهو مذهب الظاهرية، وقال به الإمام مالك رحمه الله تعالى: أنه إذا سرق أحد الزوجين من الآخر فإنه يقطع، ما دام أنه محرز عنه لعموم الأدلة، وهذا القول يظهر والله أعلم أنه هو الصواب، وما جاء عن عمر في قصة عبد الله الحضرمي يظهر والله وأعلم أنه ليس محرزاً؛ لأنه مرآة، والغالب أن المرآة لا تكون محرزة، والرقيق يدخل البيت والمرآة تكون في متناول يده، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: غلامكم أخذ متاعكم.

    سرقة الرقيق من مال سيده

    قال رحمه الله: (وإذا سرق عبد من مال سيده... لم يقطع).

    إذا سرق عبد من مال سيده، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: إنه لا قطع لما تقدم، في قصة عبد الله الحضرمي، وأنه ذكر لـعمر أن رقيقه سرق مرآة امرأته، فقال عمر : أرسله لا قطع، غلامكم أخذ متاعكم، وهذا قول جمهور أهل العلم، وجاء أيضاً عن ابن مسعود : أن رجلاً جاءه فقال: عبد لي سرق قباء لعبد لي آخر، فقال: لا قطع، مالك سرق مالك.

    والرأي الثاني رأي الظاهرية: أنه يقطع للعمومات.

    والذي يظهر والله أعلم أنه إذا سرق الرقيق من مال السيد وكان المال محرزاً عنه أنه يقطع.

    قال رحمه الله: (أو سيد من مال مكاتبه... لم يقطع).

    لأن المكاتب رقيق ما بقي عليه درهم.

    سرقة الحر المسلم من بيت المال

    قال رحمه الله: (أو حر مسلم من بيت المال).

    الحر المسلم إذا سرق من بيت المال، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا قطع؛ لأن هذا الحر المسلم له حق في بيت المال، فكان ذلك شبهة.

    والرأي الثاني: وهو قول الإمام مالك رحمه الله أنه يقطع، وهذا القول هو الصواب للعمومات.

    السرقة من الغنيمة قبل أن تخمس

    قال رحمه الله: (أو من غنيمة لم تخمس).

    إذا سرق من غنيمة لم تخمس لا يقطع، ويفهم من كلامه أنها إذا خمست يقطع؛ لأنها إذا لم تخمس فلبيت المال فيها خمس الخمس، وإذا سرق من بيت المال لا يقطع، الغنيمة أولاً تخمس، أي: تقسم خمسة أجزاء، يخرج الخمس الأول. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41].

    والأربعة الأخماس الباقية هذه تكون للغانمين، فإذا سرق من هذه الأربعة الأخماس الباقية فإنه يقطع، لكن لو سرق من الغنيمة قبل أن تخمس فإنه لا قطع؛ لأن لبيت المال خمس الخمس، وإذا كان لبيت المال خمس الخمس وهو لا يقطع بالسرقة من بيت المال، فهنا كأنه سرق من بيت المال فلا قطع، لكن تقدم لنا أن الصواب أنه إذا سرق من بيت المال فإنه يقطع، وهو رأي الإمام مالك رحمه الله للعمومات، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة.

    سرقة فقير من غلة موقوفة على الفقراء

    قال رحمه الله: (أو فقير من غلة موقوفة على الفقراء).

    لكونه داخلاً فيها، ولنفرض أن رجلاً وقف هذا البيت على الفقراء، أجرنا هذا البيت بعشرة آلاف ريال، فجاء فقير من الفقراء وسرق هذه العشرة، أو من هذه العشرة، مثلاً: ألف ريال، أو ألفي ريال، هل يقطع أو لا يقطع؟ قال المؤلف رحمه الله: إنه لا يقطع؛ لأن له حقاً فيها، لكن نقول: حتى وإن كان له حق فيها فإن هذا لا يترتب عليه أن يهتك الحرز، وأن يسرق، وعلى هذا نقول: الصواب في هذه المسألة: أنه إذا سرق من الغلة الموقوفة على الفقراء أنه يقطع لعموم الأدلة.

    سرقة الشخص من مال له فيه شركة

    قال رحمه الله: (أو شخص من مال فيه شركة، أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه).

    إذا كان له نصيب في هذه الشركة، ثم أتى إلى محل الشركة، وكسر القفل، ودخل وسرق، هل يقطع أو لا يقطع؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: إنه لا يقطع، وهذا قول جمهور العلماء رحمهم الله؛ لأن السارق يملك المسروق على وجه الشيوع، فكان ذلك شبهة تدرأ عنه الحد، كما تقدم.

    والرأي الثاني: أنه يقطع، وهذا رأي الظاهرية، للعمومات، لكن الظاهرية يقيدونه بشرط أن يسرق أزيد من نصيبه.

    قال رحمه الله: (أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه).

    يعني سرق من هذه الشركة التي أبوه شريك فيها، في الصورة الأولى هو شريك فيها، لكن في الصورة الثانية أبوه شريك فيها، وهو إذا سرق من مال أبيه تقدم أنهم يرون أنه لا يقطع، وإذا سرق من مال ابنه تقدم أنه لا يقطع، فيقول المؤلف: (أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه).

    كما مثلنا: كابنه وكأبيه ونحو ذلك كما تقدم.

    قال: (لم يقطع).

    للشبهة وتقدم أن رأي الظاهرية أنه يقطع، لكن قالوا : يشترط أن يكون أخذ أزيد من حقه، والمالكية لهم تفصيل في هذه المسألة:

    الشرط السادس: ثبوت السرقة

    قال رحمه الله: (ولا يقطع إلا بشهادة عدلين، أو بإقرار مرتين، ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع).

    من شروط القطع في السرقة: ثبوت السرقة، يرى المؤلف رحمه الله تعالى: أنها تثبت بواحد من أمرين، وتقدم أن الصواب أنها تثبت بواحد من أمور ثلاثة:

    الأول: الشهادة: ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، وهل للنساء مدخل في الشهادة في الحدود أو لا؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك ثلاثة آراء: الرأي الأول: أن النساء لهن مدخل في الشهادة في الحدود، وقيل: إنه لا مدخل لهن، وقيل: إنهن يشهدن تبعاً للرجال، فالآراء في هذه المسألة ثلاثة، وهذا سيأتينا إن شاء الله في كتاب الشهادات.

    قال رحمه الله: (أو بإقرار مرتين).

    هذا الأمر الثاني مما تثبت به السرقة، وهو: الإقرار مرتين، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    الرأي الثاني: رأي الشافعية، وهو رواية عن الإمام مالك رحمه الله تعالى: أنه يكتفى بمرة واحدة، ويدل لقول الذين قالوا: إنه لابد من مرتين: أن النبي صلى الله عليه وسلم، ( أتي بلص قد سرق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما إخالك سرقت، -يعني: ما أظنك سرقت- قال: بلى فأعادها عليه مرتين أو ثلاثاً ) لكن هذا الحديث ضعيف، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والذين قالوا: إنه يكتفى بمرة واحدة استدلوا بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء:135]، فهذا الرجل قام بالقسط وشهد على نفسه فنقول: يكتفى بمرة واحدة، وكما تقدم لنا في حديث حد الزنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإن اعترفت فارجمها ) وأيضاً: أن اليهوديين اعترفا فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال رحمه الله: (ولا ينزع)، يعني: يرجع، (عن إقراره حتى يقطع).

    تقدم الكلام على هذه المسألة في حد الزنا، وهل يقبل رجوعه أو لا يقبل المذهب أنه يقبل رجوعه مالم يتم القطع.

    والرأي الثاني: رأي الإمام مالك ، أنه قبل الشروع في تنفيذ الحد يقبل رجوعه، وبعد الشروع لا يقبل.

    والرأي الثالث: أنه لا يقبل مطلقاً.

    والرأي الرابع: إن جاء تائباً نقبل رجوعه، وإن لم يأت تائباً فإنه لا يقبل رجوعه، وقد تقدم الكلام على هذا.

    الشرط السابع: مطالبة المسروق منه بماله

    قال رحمه الله: (وأن يطالب المسروق منه بماله).

    يشترط أن يطالب المسروق بماله، وعلى هذا إذا لم يطالب المسروق بماله فإنه لا قطع، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو قول أكثر أهل العلم.

    والرأي الثاني: رأي الإمام مالك ، واختاره شيخ الإسلام : أنه لا يشترط أن يطالب المسروق بماله، فإذا ثبت عند القاضي السرقة فله أن يقيم الحد؛ لأن حد السرقة المغلب فيه حق الله عز وجل.

    والجمهور استدلوا بقصة صفوان ، وفيها: أن صفوان أتى بالذي سرق رداءه، ثم بعد ذلك عفا عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هلا كان قبل أن تأتيني به )، فهنا فيه مطالبة صفوان ، والجواب عن هذا سهل، وهو أنه إذا طالب المسروق منه ثبت القطع، فالأقرب في هذه المسألة: أنه لا تشترط مطالبة المسروق منه بماله، فإذا ثبتت السرقة عند القاضي، فنقول: إنه يقطع.

    1.   

    موضع القطع من يد السارق

    قال رحمه الله: (وإذا وجب القطع) إذا توفرت الشروط وجب القطع.

    قال رحمه الله: (وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف).

    (يعني من الكوع)، تقطع اليد اليمنى من مفصل الكف: من الكوع، ويدل لهذا قول الله عز وجل: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38], واليد إذا أطلقت فإن المقصود بها الكف، ويدل لهذا أن الله سبحانه وتعالى قال في الوضوء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، قال: وأيديكم إلى المرافق، فلما كان غسل اليد إلى المرفق قال الله: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، وتقطع الكف اليمنى، أولاً: لأنه ورد في قراءة ابن مسعود : فاقطعوا أيمانهما، وهذه القراءة ضعيفة، غير ثابتة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ ولأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وعن عمر ، وإن كان الأثر الوارد عن عمر ضعيفاً، ويدل لهذا أيضاً قول الله عز وجل في المحاربين كما سيأتينا: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ [المائدة:33].

    وقطع اليد والرجل من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى.

    قال رحمه الله: (من مفصل الكف وحسمت).

    الحسم في اللغة: القطع.

    وأما في الاصطلاح: فهو كي موضع القطع بالنار أو بالزيت لكي تستد العروق لئلا ينزف الدم، والآن بعد تقدم الطب لا حاجة إلى مثل هذا، فالجرح يعالج بالخياطة والأدوية، والحقن التي تمنع من نزيف الدم.

    1.   

    عقوبة السارق إذا عاد للسرقة بعد القطع

    إذا عاد وسرق مرة أخرى، هل يقطع أو لا يقطع؟

    الرأي الأول: ذهب عطاء إلى أنه يقطع في المرة الأولى فقط ولا يقطع بعد ذلك.

    والرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم أنه يقطع؛ لأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله عنهم، الأئمة يتفقون على أنه يقطع في الثانية، لكنهم يختلفون في الثالثة كما سيأتينا إن شاء الله، فنقول: إنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه قطع يد رجل، بعد يده ورجله، وكذلك ورد عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه: أنه أراد أن يقطع رجلاً بعد اليد والرجل، فقال عمر : السنة اليد، أي: أنه يقطع اليد بعد اليد والرجل، وهذا يدل على أنه قطع في الثانية وقطع في الثالثة.

    والذي يقطع في الثانية الرجل اليسرى قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ [المائدة:33]، والقطع من خلاف أن بعد اليمنى تقطع اليسرى.

    وهل تقطع من مفصل الكعب أو تقطع من ظهر القدم؟ للعلماء رأيان في ذلك:

    الرأي الأول: أنه يقطع من مفصل الكعب بحيث تقطع جميع الرجل.

    والرأي الثاني: أنه لا يقطع من مفصل الكعب، وإنما يقطع من ظهر القدم من معقد الشراك بحيث يبقى العقب يطأ عليه ولكي تعتدل مشيته، وهذا يظهر والله أعلم أنه أقرب في هذه المسألة، والمشهور من المذهب أنه يقطع من مفصل كعبه.

    1.   

    عقوبة السارق إذا سرق للمرة الثالثة

    إذا عاد في الثالثة وسرق فالمشهور من المذهب أنه لا قطع، يعني يقطع في الثانية، وأما في الثالثة فقالوا: يحبس إلى أن يتوب، ويحرم أن يقطع، وهذا أيضاً هو قول الحنفية.

    والرأي الثاني: رأي المالكية والشافعية: أنه إذا سرق في الثالثة نقطع يده اليسرى، وإذا سرق في الرابعة نقطع رجله اليمنى، هذا المشهور من مذهب الشافعية والمالكية، والحنابلة يقولون: إنه لا يقطع في الثالثة؛ لأنه ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال في السارق: ( إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله )، ولم يرد أكثر من ذلك.

    والرأي الثاني يستدلون بورود ذلك عن الصحابة كما تقدم أنه ثابت عن أبي بكر وعمر .

    والذي يظهر والله أعلم أن هذه المسألة يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، فإن رأى القاضي أن يقطعه قطعه، وإن رأى أنه لا يقطعه فإنه لا يقطعه، وأيضاً فإن الآثار في هذا مختلفة عن الصحابة، فـعمر وعلي ورد عنهما بإسناد حسن عدم القطع في الثالثة، وورد أيضاً في الحديث: ( اقطعوا يده، واقطعوا رجله ) لكن الحديث ضعيف.

    1.   

    قتل السارق إذا سرق بعد الثالثة

    لو فرضنا أننا قطعناه، ثم قطعناه، ثم حبسناه على رأي الحنابلة، والحنفية، أو قطعناه على رأي الشافعية، والمالكية، ثم كرر السرقة هل يقتل أو لا يقتل؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: رأي جمهور أهل العلم: أنه لا قتل، واستدلوا بحديث ابن مسعود : ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث ) خرجاه في الصحيحين.

    والرأي الثاني: وهو قول عند المالكية، والشافعية: أنه يقتل في الخامسة حداً، لحديث جابر رضي الله تعالى عنه ( أنه أتي به في الخامسة فقالوا: اقتلوه ) يعني قطع في الأولى والثانية والثالثة والرابعة، ثم في الخامسة في الحديث قال: (اقتلوه)، وهذا الحديث ضعيف لا يثبت بل هو منكر، ومثله أيضاً: حديث الحارث بن حاطب أنه قال في الخامسة: (اقتلوه)، وهذا أيضاً ضعيف لا يثبت.

    والرأي الثالث: أنه يقتل تعزيراً، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والأصل الذي بنى عليه أنه كالصائل، فإن الصائل يدفع بالأسهل فالأسهل، وإذا لم يندفع إلا بالقتل يقتل، وهذا إذا لم يندفع بالعقوبات المقدرة ولا يندفع شره إلا بالقتل فإنه يقتل.

    1.   

    حكم من سرق شيئاً من غير حرز

    قال رحمه الله: (ومن سرق شيئاً من غير حرز ثمراً كان أو كثراً أو غيرهما أضعفت عليه القيمة ولا قطع).

    إذا سقط القطع لتخلف شرط أو لوجود مانع، كأن سرق من غير حرز ثمراً أو كثراً أو غيرهما أضعفت عليه القيمة، لكن ما هو الشيء الذي إذا سرقه تضعف عليه القيمة؟ المؤلف رحمه الله أطلق قال: (سواء كان ثمراً أو كثراً أو غيرهما تضعف عليه القيمة).

    هذا ما ذهب إليه الماتن في هذه المسألة مخالفاً المذهب، والمذهب أن التضعيف خاص بأشياء: الثمر، والجمار، والطلع، والماشية، هذه الأربعة هي التي إذا سرقها وسقط عنه القطع تضاعف عليه القيمة، قالوا: لأن التضعيف إنما ورد في هذه الأشياء فقط، وكما جاء في حديث عبد الله بن عمرو قال: لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم، عن الثمر المعلق قال: ( فعليه غرامة مثليه )، قال : ولا قطع لفوات الشرط الذي هو الحرز.

    1.   

    ثبوت الحد بالقرائن

    قلنا: إن حد السرقة يثبت بواحد من أمور ثلاثة: الشهادة، والإقرار، والقرائن، وهذه سبق أن تكلمنا عليها، وأن جمهور العلماء رحمهم الله لا يرون ثبوت الحد بالقرائن، ويرى الإمام مالك رحمه الله تعالى، وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم أن الحد يثبت بالقرائن، وقد تقدم قول عمر رضي الله تعالى عنه: ألا إن الرجم حق في كتاب الله على من أحصن إذا كانت البينة، أو الاعتراف، أو الحبل، وثبت عن عثمان رضي الله تعالى عنه جلدُ من تقيأ الخمر، وعمر جلد من وجد منه رائحة الخمر، وكذلك ابن مسعود جلد من وجد منه رائحة الخمر، وعلى هذا إذا دلت القرينة على السرقة وأن هذا سرق، كما لو وجد المتاع المسروق في بيت السارق فهذه قرينة على أنه سرق، ولذا فإنه يقطع.

    1.   

    حد قطاع الطريق

    قال رحمه الله: (باب حد قطاع الطريق)، وبعض العلماء يقول: (باب حد المحاربين).

    الطريق هو: ما يطرقه الناس، أي: مكان سلوك الناس، وسمي بذلك لأن الناس يطرقونه بأقدامهم.

    الحكمة من تشريع حد قاطع الطريق

    حد قطاع الطريق من محاسن الشريعة، مع أن سائر الحدود من محاسن الشريعة، لكن هذا يظهر فيه تحقيق الأمن أكثر؛ لأن حد الحرابة، وحد المحاربين، وقطاع الطريق، فيه السرقة بالسلاح، وإذا حصلت السرقة بالسلاح وجدت الفوضى واختل الأمن، فلا يأمن الناس على أموالهم ولا على أعراضهم، ودمائهم، فهنا ليست سرقة وإنما أخذ للمال؛ لأن السرقة هي أخذ على وجه الخفية، والصحيح أنه لا تشترط الخفية كما سيأتينا بل هنا أخذ للمال عن طريق السلاح.

    الأدلة على مشروعية حد قاطع الطريق

    والأصل فيه قول الله عز وجل: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33].

    وكذلك أيضاً: ما ثبت في الصحيح من قصة العرنيين الذين قتلوا الراعي واستاقوا إبل النبي صلى الله عليه وسلم، وقتلهم النبي عليه الصلاة والسلام، وفعل بهم ما فعلوا بالراعي.

    1.   

    الأسئلة

    عقوبة من تناول المخدرات

    السؤال: [هل تأخذ المخدرات حكم الخمر؟].

    الجواب: كل مسكر خمر، وكما تقدم لنا أن السكر هو: تغطية العقل على وجه اللذة والطرب، فهذه المخدرات نوع من السكر يثبت فيها عقوبة الخمر.