إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السرقة: أخذ المال خفية، ويقطع فيها إذا بلغ المسروق نصاباً، وأخذ من حرز مثله، ولا قطع على خائن الوديعة أو منتهب أو مختلس لفقدان شروط السرقة، والمعتبر في القطع وقت السرقة، ويرجع الحرز إلى أعراف الناس، ويختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال

    1.   

    تابع عقوبة التعزير

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن استمنى بيده بغير حاجة عزر.

    باب القطع في السرقة:

    إذا أخذ الملتزم نصاباً من حرز مثله من مال معصوم لا شبهة له فيه على وجه الاختفاء قطع، فلا قطع على منتهب، ولا مختلس، ولا غاصب، ولا خائن في وديعة، أو عارية أو غيرها، ويقطع الطرار الذي يبط الجيب أو غيره ويأخذ منه.

    ويشترط أن يكون المسروق مالاً محترماً، فلا قطع بسرقة آلة لهو ولا محرم كالخمر، ويشترط أن يكون نصاباً وهو ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، أو عرض قيمته كأحدهما، وإذا نقصت قيمة المسروق أو ملكها السارق لم يسقط القطع، وتعتبر قيمتها وقت إخراجها من الحرز، فلو ذبح فيه كبشاً، أو شق فيه ثوباً فنقصت قيمته عن نصاب ثم أخرجه، أو أتلف فيه المال لم يقطع، وأن يخرجه من الحرز، فإن سرقه من غير حرز فلا قطع، وحرز المال ما العادة حفظه فيه ويختلف باختلاف الأموال والبلدان، وعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه، فحرز الأموال والجواهر، والقماش في الدور والدكاكين والعمران، وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، وحرز البقل وقدور الباقلاء ونحوهما وراء الشرائج إذا كان في السوق حارس، وحرز الحطب والخشب الحظائر، وحرز المواشي الصير، وحرزها في المرعى بالراعي، ونظره إليها غالباً ].

    تقدم لنا بقية الكلام على حد القذف، وذكرنا ما يتعلق بالتعريض بالزنا، وهل يجب فيه الحد أو لا يجب فيه الحد؟ وأن جمهور أهل العلم رحمهم الله لا يوجبون فيه الحد بخلاف الإمام مالك رحمه الله.

    وأيضاً: سبق لنا ما يتعلق بحد المسكر، وما هو المسكر؟ وهل عقوبة شرب المسكر حد أو تعزير؟ وإذا قلنا: إنها حد فما قدرها عند العلماء رحمهم الله تعالى؟ ومتى يحرم العصير؟ ومتى يحرم النبيذ؟

    وتقدم لنا أيضاً التعزير وذكرنا تعريفه، ومتى يجب التعزير، أو ما هي الذنوب التي يجب فيها التعزير؟ وأن المؤلف رحمه الله ذكر ضابطاً، وأن التعزير يجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.

    أنواع التعزير

    وذكرنا أن عقوبة التعزير تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: التعزير بالجلد، وأن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه لا يزاد على عشر جلدات، كما في حديث أبي بردة رضي الله تعالى عنه.

    والرأي الثاني: أنه لا يبلغ بالتعزير جلداً أدنى الحدود؛ لحديث النعمان : ( من بلغ حداً في غير حد فهو من الآثمين )، لكنه ضعيف.

    وذكرنا الرأي الثالث: وأنه لا حد له فيما يتعلق بالجلد؛ لورود ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وتقدم لنا أن المشهور من المذهب أنه لا يزاد على عشر جلدات، إلا أنهم استثنوا من ذلك صوراً، وأن مذهب الحنفية والشافعية أنه لا يبلغ بها أدنى الحدود، وعند الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه غير مقدر لورود ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    القسم الثاني: التعزير بالقتل، هل يعزر بالقتل أو لا يعزر بالقتل؟ تكلمنا عن هذه المسألة.

    القسم الثالث: التعزير بقطع الأطرف، وإذهاب المنافع، وحلق اللحية ونحو ذلك، كقطع اليد، أو الإصبع، والتعزير بإذهاب المنافع كإذهاب منفعة السمع، أو البصر، أو حلق اللحية فهذا يحرم ولا يجوز؛ لأنه من المثلة، والنبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن المثلة )، ولأن التعزير بمثل هذه الأشياء لم يرد.

    القسم الرابع: التعزير بأخذ المال وإتلافه، وللعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول وهو قول أكثر أهل العلم في الجملة: أنه لا يجوز التعزير بأخذ المال وإتلافه، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام )، فالأصل في مال المسلم الحرمة.

    الرأي الثاني: أنه يجوز التعزير بأخذ المال وإتلافه، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأيده ابن القيم رحمه الله، وذكر له أدلة كثيرة، ومن أدلته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار )، فهنا التحريق بالنار فيه التعزير بإتلاف المال، والتعزير بالقتل.

    ومن الأدلة على ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة: ( فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا )، فقوله: (فإنا آخذوها)، أي: الزكاة، وشطر ماله، أي: المال الذي منع زكاته، وأخذ شطر المال هو من قبيل التعزير.

    ومن الأدلة على ذلك: تحريق مسجد الضرار، فإنه ضرب من ضروب التعزير.

    ومن الأدلة على ذلك: كسر أوعية الخمر، ونحو ذلك.

    حكم الاستمناء

    قال رحمه الله: (ومن استمنى بيده بغير حاجة عزر)؛ لأنه معصية، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:5-6]، فالأصل هو حفظ الفرج إلا من الزوجة، أو ملك اليمين: السرية، فيقول المؤلف رحمه الله: إذا كان لغير حاجة فإنه يعزر، لكن إذا احتاج إلى ذلك، كأن يخاف على نفسه من الزنا، فإن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن مفسدة الزنا أعظم من مفسدة الاستمناء، فتدرأ أعلى المفسدتين بأخفهما؛ لأن الأصل حفظ الفرج، لما ذكرنا من الدليل، وحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: ( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك )، فيدخل في ذلك حفظها من الاستمناء، وكما قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: إنه نوع من استمتاع الإنسان بنفسه.

    1.   

    حد السرقة

    قال رحمه الله: (باب القطع في السرقة:

    إذا أخذ الملتزم نصاباً).

    تعريف السرقة وحكمها

    السرقة في اللغة: تدل على الاستتار والاستخفاء، وأخذ الشيء خفية. وأما في الاصطلاح فهي: أخذ مال من مالكه، أو نائبه على وجه الاختفاء من حرز مثله.

    والسرقة محرمة في سائر الشرائع.

    وحفظ المال متفق عليه فيها، ويدل على التحريم قول الله عز وجل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]. وأيضاً قول الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188].

    وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده ).

    والإجماع قائم على ذلك، لما في ذلك من الفساد، وعدم انتظام الأمور، وأمن الناس على أموالهم وممتلكاتهم، ولهذا وجبت فيه هذه العقوبة المغلظة، وهي قطع هذا الطرف الفاسد.

    1.   

    ضابط المال المسروق

    قال رحمه الله: (إذا أخذ الملتزم نصاباً).

    الملتزم تقدم لنا تفسيره، وأنه المسلم والذمي، أما المعاهد والمستأمن فهذان ليس ملتزمين، فلا يقطعان حداً، فإذا سرق المسلم أو سرق الذمي قطع.

    وقوله رحمه الله: (نصاباً من حرز مثله).

    سيأتينا إن شاء الله الكلام على النصاب في الشروط.

    وقوله رحمه الله: (من حرز مثله).

    أيضاً سيأتينا الكلام عن الحرز.

    وقال رحمه الله: (من مال معصوم).

    المعصوم واحد من أربعة: المسلم، والذمي، والمستأمن، والمعاهد، هؤلاء الأربعة هم المعصومون، وأموالهم معصومة، ودماؤهم معصومة، وعلى هذا إذا سرق من أحد هؤلاء الأربعة، أو إذا توفرت الشروط وجب القطع.

    وأما الكافر الحربي الذي بيننا وبينه حرب، فهذا ليس معصوم الدم ولا المال.

    قال رحمه الله: (لا شبهة له فيه).

    وهذا سيأتينا إن شاء الله.

    1.   

    شروط القطع في السرقة

    الشرط الأول: أن يكون على وجه الاختفاء

    قال رحمه الله: (على وجه الاختفاء قطع).

    من شروط القطع في السرقة: وجود السرقة، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38].

    قال رحمه الله: (فلا قطع على منتهب، ولا مختلس، ولا غاصب، ولا خائن في وديعة، أو عارية أو غيرها).

    لا قطع على منتهب، المنتهب هو: الذي يأخذ المال معتمداً على قوته، فهذا لا قطع عليه، لعدم وجود السرقة، لما جاء في السنن: ( لا قطع على منتهب، ولا مختلس، ولا خائن ).

    قال رحمه الله: (ولا مختلس).

    المختلس هو: الذي يخطف الشيء من صاحبه معتمداً على غفلة صاحب المال يهرب به، فهذا لا قطع عليه؛ لعدم توفر شرط القطع.

    قال رحمه الله: (ولا غاصب).

    الغاصب هو: الذي أخذ المال أيضاً معتمداً على قوته، وقهر صاحب المال، فلم يأخذه على وجه الاختفاء وإنما أخذه جهاراً.

    قال رحمه الله: (ولا خائن في وديعة).

    الخائن في الوديعة، لا يقطع لعدم السرقة، مثاله: إنسان أودعته ألف ريال، أو عشرة آلاف ريال، ثم بعد ذلك خان في الوديعة وقال: لم تودعني شيئاً، فنقول هنا: لا يقطع لعدم وجود السرقة، ولما تقدم في الحديث: ( لا قطع على منتهب، ولا مختلس، ولا خائن ).

    قال رحمه الله: (أو عارية).

    الخائن أي: في العارية، يرى المؤلف رحمه الله تعالى أن الخائن في العارية لا قطع عليه، وهو رحمه الله تعالى يخالف المذهب في هذه المسألة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن جاحد العارية يقطع، ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره في قصة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا أعرف شيئاً يدفعه.

    الرأي الثاني رأي جمهور أهل العلم: أنه لا قطع على جاحد العارية، ودليلهم على ذلك عدم وجود السرقة، قال الله عز وجل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، فهنا لا سرقة، وحديث: ( لعن الله السارق )، وهنا أيضاً لا سرقة، واستدلوا أيضاً بما جاء في حديث ابن مسعود أن هذه المرأة سرقت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فجاء في الحديث أنها سرقت.

    والذي يظهر والله أعلم ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله: إني لا أعرف شيئاً يدفع الحديث، وما دام أنه ثبت الحديث فإنه يقال به، وعلى هذا نقول: إن جاحد العارية يقطع، والجواب عن أدلة الجمهور؟ القائلين: إنه لا بد للقطع من وجود سرقة:

    أن نقول: إن هذا أصل ثابت، وسنة مستقلة، تكون مستثناة من الأصل في السرقة، فنقول: كما أنه يقطع بالسرقة أيضاً يقطع بجحد العارية.

    وأما حديث ابن مسعود أنها سرقت .. فهذا اللفظ ضعيف لا يثبت، والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قطعها لكونها، تستعير المتاع وتجحده، هذا هو الصواب.

    قال رحمه الله: (ويقطع الطرار الذي يبط الجيب أو غيره ويأخذ منه).

    الطرار عرفه المؤلف بأنه الذي يبط الجيب أو غيره، كالحقيبة ونحو ذلك، يأتي إلى الجيب فيشق الجيب بالسكين أو الموسى ونحو ذلك، فإذا سقط المتاع، أو النقود أخذه، أو يأتي إلى الحقيبة ويشقها ثم يأخذ ما في وسطها، فهذا يقطع؛ لأنه سرق من حرز.

    الشرط الثاني: أن يكون المسروق مالاً محترماً

    قال رحمه الله: (ويشترط أن يكون المسروق مالاً محترماً).

    الشرط الثاني قال المؤلف: أن يكون المسروق مالاً محترماً شرعاً، والمال المحترم هو ما أباح الشارع الانتفاع به والعقد عليه. مثل: الأطعمة، والمراكب، والألبسة، والآلات، ويخرج شيئان:

    الشيء الأول: الذي لم يبح الشارع أن ينتفع به، وهو سائر المحرمات، فسائر المحرمات لم يبح الشارع الانتفاع بها، فلا قطع بسرقتها، وعلى هذا لو سرق خمراً، أو دخاناً، أو آلة لهو، فإنه لا يقطع؛ لأن هذه الأموال المحرمة ليست محترمة عند الشارع.

    الشيء الثاني: ما يباح الانتفاع به، ولا يجوز العقد عليه، وهي المختصات مثل: كلب الصيد، وكلب الحرث، وكلب الماشية، ومثل الميتة، فهذه يجوز لك أن تنتفع بها، لكن ليس لك أن تعقد عليها؛ لأن الشارع أباح لك الانتفاع دون العقد.

    وحينئذ أصبحت الأقسام ثلاثة: مال محترم يقطع فيه، مال غير محترم لا قطع فيه، الثالث: المختصات لا قطع فيها.

    قال رحمه الله: (فلا قطع بسرقة آلة لهو).

    لا قطع بسرقة آلة لهو، لكونها غير محترمة.

    قال: (ولا محرم كالخمر).

    لأنه ليس محترماً.

    حكم سرقة الحر

    إذا سُرق الحر، هل يقطع سارقه أو لا؟ نقول: الحر ليس مالاً فلا يقطع بسرقته، فلو سرق إنسان صبياً صغيراً، أو جارية صغيرة، فنقول: إنه لا يقطع بسرقة هؤلاء، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم؛ لأن هذه ليست أموالاً، خلافاً للإمام مالك رحمه الله تعالى.

    حكم سرقة المصحف

    هل يقطع بسرقة المصحف أو لا يقطع؟

    المذهب أنه لا يقطع؛ لأنه لا يجوز بيعه، والصحيح أن المصحف يقطع بسرقته، وهذا هو الصواب في هذه المسألة، وهو قول مالك والشافعي ؛ لأن المصاحف أصبحت الآن تجارة وأموالاً تكلف الأوراق، والمداد، والطباعة، والتجليد.

    حكم سرقة الماء

    المشهور من المذهب أنه لا يقطع بسرقة الماء؛ لأن الناس شركاء في ثلاثة، والصحيح أن المياه أصبحت الآن تجارة، ينقى، ويكرر، ويعبأ، ويغلف ونحو ذلك، فنقول: إنه يقطع بسرقة الماء.

    إذا سرق الخمر، وكان قصده سرقة الإناء الذي فيه الخمر، نقول: إنه يقطع.

    الشرط الثالث: بلوغ النصاب

    قال رحمه الله: (ويشترط أن يكون نصاباً وهو ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، أو عرض قيمته كأحدهما).

    اشتراط النصاب تحته مسائل:

    المسألة الأولى: جمهور العلماء على أن النصاب شرط، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في صحيح مسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً )، فيشترط للقطع أن يكون المسروق نصاباً.

    القول الثاني: رأي الظاهرية والحسن البصري : أن هذا ليس شرطاً، واستدلوا بالعمومات: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، وأيضاً ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده ). فقال: يسرق البيضة، والبيضة لا تأتي بنصاب؛ لأن ثمنها أقل من ربع دينار، والحبل أيضاً أقل من ربع دينار، فلا يبلغ النصاب، ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: (تقطع يده).

    وأجاب الجمهور عن الأدلة بما يلي: أما الآية فإنها عامة خصت، وأما الحديث: ( لعن الله السارق يسرق البيضة، يسرق الحبل )، فقد أجاب عنه العلماء رحمهم الله بأجوبة:

    الجواب الأول: أن سرقة البيضة والحبل تكون سبباً لسرقة الكثير، فهو يتدرج به الأمر إلى أن يسرق الكثير.

    الجواب الثاني: أن المراد بالبيضة: التي يضعها المحارب على رأسه، تقي رأسه، والمراد بالحبل: حبل غليظ، وهذه ثمنها كثير.

    والجواب الثالث: أن الحديث خرج مخرج التحذير.

    قدر النصاب الذي يكون معه القطع

    إذا قلنا: إنه لا يقطع إلا إذا سرق نصاباً، فما قدر النصاب؟

    للعلماء رحمهم الله في هذا آراء:

    الرأي الأول، وهو المشهور من المذهب: أنه إما ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو عرض يساوي أحدهما، فإذا سرق من غير الذهب والفضة: من العروض، أو الأطعمة أو الآلات، أو الملابس، أو نحو ذلك، فلابد أن يساوي إما ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.

    الرأي الثاني، رأي أبي حنيفة : أن قدر النصاب عشرة دراهم، واستدلوا بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا قطع في أقل من عشرة دراهم )، وهذا حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وهو حديث ضعيف غير ثابت.

    الرأي الثالث: أن النصاب ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، فإن كان من غير الذهب والفضة فالمعتبر هو الذهب، وهو قول الشافعي .

    وعند المالكية: النصاب ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، فإن كان المسروق من غير الذهب والفضة فالمعتبر الفضة.

    والأقرب في هذه المسألة ما دلت عليه الأدلة كحديث عائشة ، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً )، وحديث ابن عمر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم ) هذا ثابت أنه قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الدينار الواحد يساوي اثني عشر درهماً، فثلاثة دراهم من الفضة كانت تساوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ربع دينار.

    والذي يظهر والله أعلم أن التقويم إنما يكون بالذهب، وعلى هذا إذا سرق من الذهب فلابد أن يبلغ ربع دينار، وإذا سرق من غير الذهب فلابد أن يبلغ نصاب الذهب، هذه الخلاصة، فنقول: المعتبر هو الذهب؛ لأن الذهب أنفس من الفضة، وحديث عائشة أيضاً فيه إثبات الذهب: إذ فيه ( لا تقطع اليد إلا في ربع دينار )، وكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما قطع في ثلاثة دراهم؛ لأن الثلاثة تساوي ربع الدينار، فالصحيح في ذلك: أن اليد تقطع في ربع دينار، فإن سرق من غير الذهب فلابد أن يبلغ نصاب الذهب، ولو بلغ ثلاثة دراهم لكنه ما بلغ ربع دينار فإنه لا يقطع؛ لأنه قد ترخص الفضة ويرتفع الذهب كما في وقتنا الآن.

    والدينار الواحد يساوي أربعة غرامات وربعاً، وقيمة الغرام اليوم مائتان، فنضرب أربعة غرامات وربعاً، في مائتين فتساوي: ثمانمائة وخمسين، فتقسم على أربعة وربع فتساوي تقريباً مائتين وثلاثة عشر، فإذا سرق في هذا الوقت مائتين وثلاثة عشر ريالاً قطع سواء سرق من الذهب أو من غير الذهب، فالمعتبر هو الذهب، بخلاف الفضة. والآن ثلاثة دراهم يمكن أن تساوي خمسين ريالاً، بل تساوي أقل.

    فلو سرق في هذا الوقت في يومنا هذا يوم ثمانية عشر من شهر ذي القعدة عام ألف وأربعمائة واثنين وثلاثين، مائتين وثلاثة عشر ريالاً فإنه يقطع، وأقل من ذلك لا يقطع.

    المعتبر في قيمة المسروق والقطع فيه هو وقت السرقة

    قال رحمه الله تعالى: (وإذا نقصت قيمة المسروق أو ملكها السارق لم يسقط القطع).

    المعتبر هو وقت السرقة، فإذا كان المسروق يبلغ ربع دينار وقت السرقة قطع، ولنفرض أنه سرق أطعمة، وهذه الأطعمة تساوي مائتين وثلاثة عشر ريالاً، ويوم أخرجها نزلت الأسعار، فأصبحت تساوي مائتين واثني عشر ريالاً، فنزلت ريالاً .. فنقول: ينظر في وقت إخراجه من الحرز ننظر هل تساوي أو لا تساوي؟ فإن كانت تساوي قطع، وإن كانت لا تساوي لا يقطع، هذا باتفاق الأئمة.

    قال: (أو ملكها السارق لم يسقط القطع).

    ولو أنه ملكها بعد أن سرق أو وهبت له، أو رثها ونحو ذلك، نقول: إنه لا يسقط القطع، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى خلافاً للحنفية، فإنهم يرون أنه إذا ملكها بعد السرقة سقط القطع، والصحيح أنها إذا كانت ليست ملكاً له فهو الآن يصدق عليه أنه سارق، فالصواب أنه لا يسقط القطع خلافاً للحنفية، فالحنفي يقول: نسقط القطع؛ لأنها أصبحت ملكاً له، والحنفية هم أوسع الناس في إسقاط القطع في السرقة، كما تقدم لنا أن الحنفية عندهم ضعف فيما يتعلق بالسياسة الشرعية، وأوسع الناس في القطع في السرقة هم المالكية، كما سيأتينا، ولهذا فإن الحنفية لا يوجبون القطع في كثير من الأشياء كسرقة الكتب، وسرقة الخضروات، هذه يقولون: ليس فيها قطع، وهذا كله ضعيف.

    قال رحمه الله: (وتعتبر قيمتها وقت إخراجها من الحرز).

    كما تقدم يعني أن قيمة العين المسروقة هو وقت إخراجها من الحرز؛ لأن هذا هو وقت السرقة التي يجب بها القطع.

    قال رحمه الله: (فلو ذبح فيه كبشاً، أو شق فيه ثوباً فنقصت قيمته عن نصاب ثم أخرجه).

    الذي يظهر والله أعلم أنه إذا فعله على سبيل التحيل أن الحيل لا تسقط الواجبات، فلو قال: أنا إذا أخرجت الكبش الآن حياً فإنه يساوي ثلاثمائة؛ لكن لو ذبحته أصبح لحماً لا يساوي إلا مائتين أو مائة وخمسين، أو الثوب يساوي ثلاثمائة، لو شقه أصبح لا يساوي إلا خمسين، فنقول: إذا فعل ذلك على سبيل التحيل فإن الحيل لا تسقط الواجبات، ولا تبيح المحرمات.

    قال رحمه الله: (فنقصت قيمته عن نصاب ثم أخرجه أو أتلف فيه المال لم يقطع).

    لأنه إذا تلف فيه المال في الحرز قبل أن يخرجه، كأن تلف المال في وسط الدكان قبل أن يخرجه، كانكسار الإناء ونحو ذلك، نقول: إنه لا يقطع؛ لأنه لم يخرج منه شيئاً.

    الشرط الرابع: إخراج المسروق من حرزه

    قال رحمه الله: (وأن يخرجه من الحرز).

    هذا الشرط الرابع، وهو أن يخرج المسروق من الحرز، أي أنه: يشترط الحرز، وعلى هذا لو أخذه من غير حرز فإنه لا قطع، واشتراط الحرز رأي جمهور العلماء، والرأي الثاني: أن الحرز ليس شرطاً، وهذا رأي الظاهرية للعمومات كما تقدم كقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38].

    وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده ) ويجاب عن هذه الأدلة: بأنها مخصصة بأدلة الحرز، مثل: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا قطع في ثمر معلق، ولا حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين فلا قطع إلا فيما بلغ ثمن الجرين ) المراح هو: الحضيرة: حضيرة الأغنام، والجرين هو: موضع تشميس الثمار، فحرز البهائم أن توضع في هذا المراح، وحرز الثمار أن توضع في أماكن تشميسها، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإذا آواه المراح أو الجرين ) يدل على الحرز، وآواه المراح، ورد هذا في السنن وإسناده حسن، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال رحمه الله: (فإن سرقه من غير حرز فلا قطع).

    نعم فلا قطع، وضابط الحرز أنه يرجع فيه إلى أعراف الناس، وهذا يختلف باختلاف المال، واختلاف الزمان، والمكان، وعدل السلطان وجوره، فالذهب حرزه خلاف حرز الكتب، الكتب لا يقفل عليها بأبواب الحديد، لكن الذهب والدراهم يقفل عليها بأبواب الحديد، والأواني يكفي أن تضعها في المطبخ؛ لأن حرز كل مال ما جرت العادة بحفظه فيه، ولهذا قال لك: (وحرز المال العادة حفظه فيه)، اعتاد الناس أن يحفظوا الكتب في المكتبة، وأن يحفظوا الملابس في الدولاب، وأن يحفظوا الذهب في دواليب الحديد، ونحو ذلك، قال رحمه الله: (ويختلف باختلاف الأموال، والبلدان، وعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه، فحرز الأموال والجواهر، والقماش في الدور والدكاكين، والعمران، وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة)، قال رحمه الله: (وعدل السلطان وجوره).

    كلما كان السلطان عادلاً فإنه سيستتب الأمن ويخف الحرز، لكن كلما كان ظالماً شاعت الفوضى والفساد، فلابد من التوثق في الحرز، قال رحمه الله: (وحرز البقل، وقدور الباقلاء ونحوها وراء الشرائج، إذا كان في السوق حارس).

    فالخضروات؛ والفواكه، والبقول، الآن بالستارة تغطيها، ولو جاء شخص ورفع الستار مع وجود الحارس وسرق.

    فنقول: إنه سرق من حرز، قال رحمه الله: (وحرز الحطب، والخشب: الحظائر).

    والحظائر هي: ما يعمل للإبل والغنم من الشجر تأوي إليه، فيربط بعضها ببعض، فالخشب والحطب حرزه أحواش الحطب، وقد جرت العادة أنه يحفظ بحوش، ويقفل الحوش، ولو جاء شخص وتسلق السور: سور الحوش أو الحظيرة وسرق الحطب فنقول: هذا سرقه من حرز، قال المؤلف رحمه الله: (وحرز المواشي الصير). وهو حظيرة الغنم (وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إليها غالبا).