إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المسكر ما غطى العقل على وجه اللذة، وهو محرم بالكتاب والسنة؛ سواء كان من العنب أو غيره، ولا يجوز التداوي بالخمر، واختلف العلماء في عقوبة الخمر هل هي حد أم تعزير، وتثبت هذه العقوبة بأحد ثلاثة أمور: إقرار، أو شهادة، أو توافر القرائن على ذلك، وفي قتل شارب الخ

    1.   

    قذف الميت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب حد المسكر.

    كل شراب أسكر كثيرة فقليله حرام، وهو خمر من أي شيء كان، ولا يباح شربه للذة ولا لتداو ولا لعطش ولا غيره، إلا لدفع لقمة غص بها ولم يحضره غيره، وإذا شربه المسلم مختارا عالما أن كثيره يسكر فعليه الحد ثمانون جلدة مع الحرية، وأربعون مع الرق.

    باب التعزير:

    وهو التأديب، وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كاستمتاع لا حد فيه، وسرقة لا قطع فيها، وجناية لا قود فيها، وإتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنا ونحوه، ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات، ومن استمنى بيده بغير حاجة عزر].

    تقدم لنا حد القذف، وذكرنا تعريف القذف في اللغة والاصطلاح، ومن هو المحصن في باب حد القذف، وأن المحصن في باب حد القذف، هو المسلم، العاقل، الحر، وهل الرقيق محصن أو ليس محصناً؟

    تكلمنا على هذه المسألة، وكذلك أيضاً العفيف، وهل يشترط البلوغ أو يكفي أن يكون ممن يطأ مثله، تقدم الكلام على هذه المسألة، وما هي عقوبة من قذف هذا المحصن سواء كان حراً أو رقيقاً.

    كذلك أيضاً تقدم لنا ما يتعلق بصريح القذف وكنايته، وكذلك أيضاً إذا عرض في القذف، وهل يحد أو لا يحد؟

    مسألة: إذا قذف ميتاً هل يحد أو لا يحد؟

    نقول: نعم يحد إذا طالب وارث الميت المحصن؛ لأن المعرة تلحق بذلك.

    مسألة: هل يورث حد القذف أو لا يورث؟ بمعنى أنه إذا مات المقذوف فهل لورثته حق المطالبة بحد القذف أو لا؟ المشهور من المذهب التفصيل، فإن كان طالب قبل موته فإنَّ حد القذف لا يسقط، وإن كان لم يطالب سقط حد القذف.

    والرأي الثاني: أنه يورث، طالب المقذوف أو لم يطالب؛ لأن المعرة تلحق بذلك، ولأن الله سبحانه وتعالى قال: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4].

    وكون المقذوف لم يعف فإن الحق لا يزال باقياً، وعلى هذا نقول: الورثة لهم أن يطالبوا بحد القذف، ولو عفا بعض الورثة وطالب بعض الورثة فإنه يحد للباقين؛ لأن المعرة تلحق بذلك، فمثلاً: لو قذف رجل، وله خمسة أبناء، طالب بالحد ثلاثة، وعفا اثنان نقول: إنه يحد كاملاً.

    أما إذا قذف نبياً من الأنبياء أو صحابياً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهذا سيأتينا إن شاء الله قريباً في باب أحكام المرتد، وسيأتينا ما يتعلق بسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكذلك أيضاً ما يتعلق بسب الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    1.   

    حد المسكر

    قال رحمه الله: (باب حد المسكر).

    تعريف المسكر وحكمه

    السكر: هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب.

    فتغطية العقل تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تكون على وجه اللذة والطرب، فهذا هو المسكر.

    والقسم الثاني: ألا تكون على وجه اللذة والطرب، كتغطية العقل بالإغماء، والبنج، والتداوي، ونحو ذلك.

    والخمر محرمة حتى عند أهل الكتاب، إلا أن أهل الكتاب يستحلونها، ويدل على التحريم قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].

    وأيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ) رواه مسلم في صحيحه، والإجماع منعقد على ذلك.

    قال رحمه الله: (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام، وهو خمر من أي شيء كان).

    فسر المؤلف رحمه الله تعالى الخمر بقوله: كل شراب مسكر فهو خمر.

    اختلاف العلماء في تفسير الخمر

    اختلف العلماء رحمهم الله في تفسير الخمر.

    الرأي الأول، وهو رأي جمهور أهل العلم: أن الخمر كل مسكر من أي نوع كان، ودليلهم على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم كما روى مسلم عن عبد الله بن عمر : ( كل مسكر خمر وكل خمر حرام) وهذا ظاهر ونص في تعريف الخمر.

    الرأي الثاني: أن الخمر هو ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، وهذا رأي أبي حنيفة رحمه الله، ودليله على ذلك قول الله عز وجل: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف:36].

    وقد رآى أنه يعصر عناقيد العنب، وكذلك استدلوا بحديث ابن عمر أنه قال: لقد حرمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء، رواه البخاري ، يقصد بقوله: وما بالمدينة منها شيء، خمر العنب، وإلا فإنه كما جاء في حديث أنس في صحيح البخاري : ( وعامة خمرنا البسر والتمر )، فقوله: في حديث ابن عمر : ( لقد حرمت الخمر وما في المدينة منها شيء )، يدل على أن المراد بالخمر عصير العنب.

    الرأي الثالث: أن الخمر هو ما كان من عصير العنب أو التمر، قال به: أبو يوسف ، واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخمر من هاتين الشجرتين: العنبة والتمر).

    والصواب في هذه المسألة هو: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى من أن كل مسكر خمر، وأما قوله: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف:36] وقد رآه يعصر عناقيد العنب، فنقول: إن القاعدة عندنا أن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص، وأيضاً قوله: ( لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء ). نقول: إن كون خمر العنب غير موجود في المدينة، إلا أنه وجد غيره من الخمور، كخمر التمر، وخمر البسر، وغير ذلك، وكذلك أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الخمر من هاتين الشجرتين ) هذا مبني على الغالب، فالغالب أن الخمر يكون من العنب، وكذلك أيضاً يكون من التمر.

    وأبو حنيفة يتفق مع الجمهور على أن من شرب قليلاً من خمر العنب فإنه يحد، أي: إذا شرب مسكراً يحد، فإذا شرب قليلاً من خمر غير العنب فالجمهور يرون أنه يحد، وعند أبي حنيفة لا يحد.

    فالأقسام ثلاثة:

    القسم الأول: أن يشرب من خمر العنب فيحد مطلقاً.

    القسم الثاني: أن يشرب مسكراً فيحد مطلقاً أيضاً.

    القسم الثالث: أن يشرب قليلاً من غير خمر العنب، فهذا على حسب الخلاف، الجمهور يرون أنه يحد ما دام أنه شرب من الخمر، والرأي الثاني على رأي أبي حنيفة أنه لا يحد.

    قال رحمه الله: (ولا يباح شربه للذة).

    شرب الخمر للذة محرم ولا يجوز، وتقدمت الأدلة على ذلك.

    1.   

    التداوي بالخمر

    قال رحمه الله: (ولا لتداوٍ).

    سيأتينا إن شاء الله في كتاب الأطعمة ما يتعلق بالتداوي بالمحرمات، وأنه لا يتداوى بالمحرم، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، لما روى طارق بن سويد أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنها ليست بدواء ولكنها داء ) وهذا رواه مسلم ، وعند الحنفية والظاهرية أنه يجوز التداوي بيسير الخمر، لقول الله عز وجل: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119].

    قالوا: هذا دليل على أنه يجوز التداوي بيسير الخمر، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنه لا ضرورة إلى هذا الدواء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما أنزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه، وجهله من جهله.

    قال رحمه الله: (ولا لعطش).

    أيضاً لا يجوز شربه للعطش، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، بخلاف الحنفية.

    والحنفية هم أوسع الناس في باب الأشربة، والمالكية أوسع الناس في باب الأطعمة، كما تقدم لنا في القواعد النورانية، فقال: حتى للعطش فلا يجوز؛ للعمومات، وقد ذكر العلماء أنها تزيد العطش، ولا تطفئ حرارته، خلافاً للحنفية فإنهم يجوزون ذلك بقدر ما يدفع العطش.

    قال رحمه الله: (ولا غيره إلا لدفع لقمة غص بها ولم يحضره غيره).

    يعني بغير ما تقدم للذة والتداوي والعطش، فإذا غص بلقمة طعام ولم يحضره إلا هذا الشراب من الخمر، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: لا بأس أن يشرب ما يدفع به هذه اللقمة؛ لأن هذا موضع ضرورة؛ ولأنه لولم يشرب ويدفع هذه اللقمة لأدى ذلك إلى هلاكه، فما دام أنه موضع ضرورة فقال: هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله، خلافاً للإمام مالك ؛ فإنه رحمه الله تعالى لا يجوز ذلك. فإن حضر عنده بول وخمر يقدم البول على الخمر؛ لأن مفسدة الخمر أعظم من مفسدة البول فالخمر مسألته عظيمة، فهو يغطي العقل، وإذا غطي العقل ربما قتل، أو جنى، أو ارتد، نسأل الله السلامة، وإذا كان هناك بول، وماء نجس، وخمر، قالوا: يقدم الماء النجس، وإذا شرب البول فإن ضرره يرتفع بإذن الله عز وجل، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قاعدة وهي: أن ما أبيح شرعاً ارتفع ضرره قدراً.

    1.   

    عقوبة شرب الخمر

    قال رحمه الله: (وإذا شربه المسلم مختاراً عالماً أن كثيره يسكر فعليه الحد ثمانون جلدة مع الحرية).

    عقوبة شرب الخمر تحتها ثلاث مسائل:

    عقوبة الخمر حد وليست تعزيراً

    المسألة الأولى: هل هي حد أو تعزير؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أنها حد، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم، حتى إنه نقل الإجماع على ذلك، كما نقله القرطبي ، والقاضي عياض وابن قدامة ، وغيرهم من أهل العلم، واستدلوا على ذلك بإجماع الصحابة على أنه حد، وإن اختلفوا في العدد.

    واستدلوا أيضاً على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم : (أتي برجل قد شرب فجلده بجريدتين نحو أربعين ) وفعله أبو بكر فلما كان في عهد عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف : أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر .

    الرأي الثاني: أن عقوبة شرب الخمر تعزير، وإلى هذا يميل الشوكاني رحمه الله تعالى، واستدل على ذلك بحديث السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقوم إليه بأرديتنا ونعالنا وأيدينا أي: يضربونه بأرديتهم ونعالهم وأيديهم، مما يدل على أنه تعزير، وأيضاً مما يدل على أنه تعزير، أن عمر رضي الله تعالى عنه زاد، ولو كان حداً ما زاد.

    مقدار الجلد للشارب

    إذا قلنا: إنه حد على رأي الجمهور فما قدره؟

    قدره عند جمهور العلماء ثمانون جلدة، لفعل عمر رضي الله تعالى عنه، والرأي الثاني: أنه أربعون، وهذا رأي الشافعي ، وللإمام أن يزيد إلى ثمانين، كما تقدم في حديث السائب بن يزيد أنهم كانوا يؤتى إليهم بالشارب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإمرة أبي بكر ، وصدر من خلافة عمر ، فيقومون إليه بأيديهم ونعالهم وأرديتهم، حتى كان صدرٌ من خلافة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين، فقالوا: إن هذا دليل على أنه يجلد أربعين، وأيضاً حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم (جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين ) مما يدل على أنها أربعون، وللإمام أن يزيد إلى ثمانين كما زاد عمر رضي الله تعالى عنه، وكذلك ورد عن علي رضي الله تعالى عنه كما في صحيح مسلم ، (أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين، وأن أبا بكر جلد أربعين، وأن عمر جلد ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي)، يعني الأربعين، ويظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله من أنه أربعون، وللإمام أن يزيد إلى ثمانين أنه أقرب.

    قتل الشارب في الرابعة

    المسألة الثالثة: هل تصل عقوبة شرب الخمر إلى درجة القتل أو لا؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: رأي جمهور أهل العلم: أن عقوبة شرب الخمر لا تصل إلى القتل ولو تكرر ذلك منه كثيراً، فلو جلد عدة مرات ولم يرتدع، فإنه لا يصل ذلك إلى القتل، واستدلوا على ذلك بحديث قبيصة بن ذؤيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه، ثم إنه أتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل ) وكانت رخصة، هذا رواه أبو داود ، غير أن الحديث ضعيف.

    الرأي الثاني: رأي الظاهرية: أنه يقتل بعد ثلاثة حدود، ويجب قتله لحديث معاوية رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ) رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، وأبو داود وغيره، ونحو ذلك من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والظاهرية يقولون: إن قتله في الرابعة على سبيل الحد، يعني أنه واجب، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وعند ابن القيم أن قتله يكون تعزيراً، وشيخ الإسلام عنده أصل وهو أن من لم يندفع بالحدود المقدرة يكن حكمه حكم الصائل، والصائل تدفعه بالأسهل، فإذا لم يندفع إلا بالقتل يقتل، فمن يسرق وتكررت منه السرقة، ويقام عليه الحد في كل مرة، ثم لا يندفع شره إلا بالقتل فإنه يقتل، ومثله: الذي يشرب الخمر ولا يندفع شره إلا بالقتل فإنه يقتل، وعلى هذا فقس.

    1.   

    حد الرقيق

    قال رحمه الله: (وأربعون مع الرق).

    هذا ما عليه جمهور أهل العلم أن الرقيق يجلد أربعين؛ لأنه على النصف من الحر، لقول الله عز وجل: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25].

    والرأي الثاني: رأي الظاهرية: أنه لا فرق بين الحر والرقيق للعمومات، وتقدم ذلك.

    1.   

    وسائل إثبات شرب المسكر

    عقوبة شرب المسكر تثبت بواحد من أمور ثلاثة:

    الإقرار

    الأمر الأول: الإقرار، فإذا اعترف فإنه تثبت عليه العقوبة، ويقول: المشهور من المذهب، أنه يكتفى بمرة واحدة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:135].

    فهذا الرجل قام بالقسط وشهد على نفسه، فيجلد، ولما تقدم في الأحاديث في حد الزنا، وأنه يثبت بمرة واحدة.

    الشهادة

    الأمر الثاني: الشهادة، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282].

    فلابد من عدلين على المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وسيأيتنا إن شاء الله في كتاب الشهادات.

    القرائن

    الأمر الثالث: القرائن، وهل يثبت الحد بالقرائن أو لا يثبت؟

    تقدم الكلام على ذلك، وأن أكثر أهل العلم لا يرون أنه يثبت بالقرائن، والصواب في ذلك ما ذهب إليه الإمام مالك واختاره شيخ الإسلام ابن القيم أن الحد يثبت بالقرائن، ويدل لذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه جلد من وجد منه رائحة الخمر، وعثمان رضي الله تعالى عنه جلد من تقيأ الخمر، كما في صحيح مسلم ، وابن مسعود رضي الله تعالى عنه أيضاً جلد من وجد منه رائحة الخمر، فهذا فعل الصحابة، وفعل الخلفاء رضي الله تعالى عنهم يدل على ثبوت الحد بالقرائن، فإنه ما تقيأها إلا لأنه شربها.

    1.   

    عصير الفواكه والنبيذ

    العصير: هو ماء الفواكه والأصل فيه الحل، لقول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، وقال سبحانه وتعالى: وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ [الرحمن:10].

    فالأصل حل العصير، وكذلك النبيذ، والنبيذ هو ما ينبذ في الماء من تمر أو عسل أو زبيب لكي يحلى، والنبي صلى الله عليه وسلم شرب النبيذ كما في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى، فقال رجل: ألا آتيك بنبيذ -كما في حديث جابر- قال: نعم، فسقاه ) فنقول: الأصل في العصير والنبيذ الحل، لكن المشهور من المذهب أن العصير يحرم إذا أصبح يغلي كغليان القدر، أي: له فقاعات، أو أتى عليه ثلاثة أيام، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له أول الليل، فيشربه إذا أصبح، والليلة التي تجيء والغد إلى العصر ثم بعد ذلك يأمر به فيهراق، أو يسقى الخادم ) رواه مسلم ، وقالوا: كون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به فيهراق هذا يدل على أنه بعد ثلاثة أيام لا يجوز؛ لأنه أصبح مظنة الإسكار.

    الرأي الثاني: أن العصير لا يحرم إلا إذا أصبح مسكراً، سواء مضى عليه ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر؛ لأن العبرة بالإسكار، وليست العبرة بمرور زمن، فقد يمر عليه يومان، أو ثلاثة، أو أربعة وهو لا يسكر؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم: ( يأمر به فيهراق أو يسقى الخادم ) ولو كان محرماً ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقى الخادم، وهذا القول هو الصواب وعليه أكثر أهل العلم: أن العبرة بكونه مسكراً، فإذا غلى فهو مظنة الإسكار فيجتنبه المسلم.

    1.   

    حكم الخليطين والانتباذ في بعض الأوعية

    المراد بالخليطين: أن ينبذ في الماء نوعان، كأن ينبذ في الماء تمر وزبيب، أو بسر وتمر ونحو ذلك، جاء في حديث أبي قتادة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( نهى أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حدة ) وأيضاً في حديث أبي سعيد في مسلم: (من شرب النبيذ منكم فليشربه زبيباً فرداً، أو تمراً فرداً) فقالوا: إنه يكره، وهذا المشهور من المذهب، والرأي الثاني: أنه يحرم، وهو رأي الإمام مالك رحمه الله لظاهر النهي.

    والرأي الثالث: أنه يباح، لكن يظهر أن ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى من الكراهة أنه وسط والله أعلم.

    وورد النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية كما في صحيح مسلم : الحنتم، والمزفت، والنقير، والدبا، ثم بعد ذلك نسخ النهي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً ).

    1.   

    التعزير

    قال رحمه الله: (باب التعزير: وهو التأديب، وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة).

    جعل المؤلف باب التعزير بين أبواب الحدود، وليت المؤلف رحمه الله تعالى أخره، وجعل الحدود متتابعة؛ لأن الحدود عقوبات مقدرة، ولأنه سيذكر باب التعزير، ثم بعد ذلك سيتكلم عن حد القطع في السرقة، ثم قطاع الطريق فلو أن المؤلف رحمه الله أخر باب التعزير لكان أحسن.

    التعزير.. تعريفه وحكمه

    التعزير في اللغة: المنع، ويأتي بمعنى: النصرة، ويطلق أيضاً على التأديب.

    وأما في الاصطلاح: فهو عقوبة غير مقدرة شرعاً في معصية.

    وحكم التعزير واجب، ويدل عليه قول الله عز وجل: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]، هذا الأصل فيه من القرآن، ومن السنة حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على ذلك وهم أبناء عشر ) وهذا الضرب واجب على الولي، والصبي لا تجب عليه الصلاة، لكن يجب على وليه أن يأمره بها لسبع، وأن يضربه على ذلك لعشر سنوات.

    ما يجب فيه التعزير

    قال رحمه الله: (وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كاستمتاع لا حد فيه).

    الاستمتاع الذي لا حد فيه مثاله: لو أن رجلاً لقي امرأة أجنبية واستمتع منها بما لا يصل إلى الحد، وهو الوطء في الفرج فإن الإمام يعزره، فيؤدبه بما يردعه ويزجره، كما سيأتينا.

    قال: (وسرقة لا قطع فيها).

    كما لو سرق أقل من نصاب، كما سيأتينا إن شاء الله في باب حد السرقة أن القطع في حد السرقة لابد أن يبلغ نصابه، ولابد -أيضاً- أن يسرق من حرز، فإذا سرق من غير حرز أو سرق دون نصاب فإنه لا حد عليه، لكن يعزره الإمام بما يردعه.

    قال: (وجناية لا قود فيها).

    يعني بقوله: جناية لا قود فيها أي: لا قصاص فيها، كما لو صفعه، أو لكمه، هذا هو المشهور عند الفقهاء أنه لا قصاص فيها، وعلى هذا يعزره الإمام، فلو أن شخصاً صفع شخصاً أو لكمه، أو نحزه، ونحو ذلك، يقولون: لا قصاص في هذه الأشياء. وحق المجني عليه تعزير، يعزر الإمام أو القاضي الجاني.

    والرأي الثاني أن هذه الأشياء فيها قصاص، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله، فإذا صفعه فله أن يصفعه، وإذا لكمه فله أن يلكمه، وإذا نحزه له أن ينحزه، لقول الله عز وجل: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40].

    قال رحمه الله: (وإتيان المرأة المرأة).

    إذا أتت المرأة المرأة فهذا فيه التعزير، يعزر الإمام هاتين المرأتين.

    قال: (والقذف بغير الزنا).

    كما لو قال: يا كلب، يا حمار، ونحو ذلك، فالمجني عليه لا يبادله بمثل هذه الألفاظ، وإنما يرفع أمره إلى القاضي فيعزر.

    والرأي الثاني: ذهب إليه ابن القيم رحمه الله أن له أن يبادله بمثل هذه الألفاظ، فإذا قال له: يا كلب، يقول له: يا كلب، وإذا قال له: يا حمار، يقول له: يا حمار.

    قال رحمه الله: (ونحوه) أي: نحو ما تقدم.

    قال رحمه الله: (ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات) عقوبة التعزير تحتها مسائل:

    1.   

    مقدار التعزير جلداً

    المسألة الأولى: حد التعزير بالنسبة للجلد، للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، أن التعزير بالجلد لا يزاد على عشر جلدات، واستدلوا على ذلك بحديث أبي بردة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) رواه البخاري ومسلم .

    الرأي الثاني: رأي المالكية والشافعية والحنفية أنه يزاد على عشر جلدات، لكن لا يبلغ به أدنى الحدود، واستدلوا على ذلك بحديث النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين) هذا الحديث رواه البيهقي وهو مرسل لا يثبت.

    الرأي الثالث: أنه لا حد له في الجلد، لورود ذلك عن الصحابة، وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، واختاره ابن القيم وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله، وهذا هو الصواب، وعلى هذا فالتعزير يزيد وينقص بحسب عظم الجريمة والجناية والجاني. وكيف الجواب عن حديث أبي بردة الذي استدل به الحنابلة (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله

    أجاب عنه العلماء رحمهم الله بأجوبة كثيرة منها: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المراد بذلك: التأديب، كتأديب الرجل زوجته، والمعلم تلميذه، والأب ولده، والسيد عبده.

    1.   

    مسائل مستثناة يزاد فيها التعزير على عشرة أسواط

    الحنابلة يرون أنه لا يزاد على عشرة أسواط، إلا في مسائل استثنوها:

    المسألة الأولى: يقولون: من شرب مسكراً في نهار رمضان يضرب مائة جلدة، ثمانون للحد، لكونه شرب المسكر، وعشرون لكونه أفطر في نهار رمضان، لورود ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه.

    المسألة الثانية: يقولون: من وطء أمة امرأته حُدَّ حد الزاني ما لم تكن أحلتها له، فإذا أحلتها له جلد مائة جلدة.

    المسألة الثالثة: قالوا: من وطء أمة له فيها شرك يعزر بمائة سوط إلا سوطاً، لورود ذلك عن عمر ، من وطء أمة له فيها شرك، يعني مشتركة بينه وبين غيره، فإنه يجلد مائة سوط إلا سوطاً. فهذه الآثار عن الصحابة تدل على الزيادة مما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم وهو الزيادة على عشر جلدات.

    وأقل التعزير لا حد له عند جمهور العلماء وعند بعض الحنفية أنه يحد بثلاث جلدات، وجمهور العلماء لا يرون التعزير بالقتل؛ لأن الأصل في دم المسلم الحرمة، كما جاء في حديث ابن مسعود : (لا يحل دم مرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث).

    والرأي الثاني: رأي الحنفية أنه يعزر بالقتل في الجرائم التي عظمت بالتكرار، وشرع في جنسها القتل.

    والرأي الثالث: رأي المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإمام له أن يعزر بالقتل، وكما تقدم لنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يبني هذا القول على أصل، وهو دفع الصائل، فإذا كان لا يندفع إلا بالقتل فإنه يقتل، ومما يستدل به على التعزير بالقتل حديث أبي هريرة في الصحيحين: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) وأيضاً مما يدل لذلك: قتل الجاسوس، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الجاسوس.