إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يثبت حد الزنا إما بالإقرار، أو بالشهادة من أربعة تقبل شهادتهم، في مجلس واحد أو مجالس، ولكل من هذين المثبتين شروط. وإذا صدر القذف من مكلف لمحصن جلد ثمانين إن كان حراً، وأربعين إن كان عبداً، وللمقذوف أن يعفو عن قاذفه؛ لأن حد القذف حق له، والقذف منه الصريح و

    1.   

    تابع شروط وجوب حد الزنا

    الشرط الثالث: ثبوت الزنا

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث: ثبوت الزنا، ولا يثبت إلا بأحد أمرين: أحدهما أن يقر به أربع مرات في مجلس أو مجالس ويصرح بذكر حقيقة الوطء، ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، الثاني: أن يشهد عليه في مجلس واحد بزناً واحد، يصفونه أربعة ممن تعتبر شهادتهم فيه، سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين، وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد، لم تحد بمجرد ذلك.

    باب حد القذف:

    إذا قذف المكلف محصناً جلد ثمانين جلدة إن كان حرا، وإن كان عبداً أربعين، والمعتق بعضه بحسابه، وقذف غير المحصن يوجب التعزير، وهو حق للمقذوف، والمحصن هنا: الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الملتزم الذي يجامع مثله ولا يشترط بلوغه، وصريح القذف : يا زاني، يا لوطي ونحو ذلك، وكنايته: يا قحبة، يا فاجرة، يا خبيثة، وفضحت زوجك، أو نكست رأسه، أو جعلت له قروناً، ونحو ذلك، وإن فسره بغير القذف قبل ويعزر.

    وإن قذف أهل بلد أو جماعة لا يتصور منهم الزنا عادة عزر. ويسقط حدّ القذف بالعفو، ولا يستوفى بدون الطلب].

    تقدم معنا تعريف الزنا، وذكرنا تعريفه في اللغة والاصطلاح، وما عقوبة الزاني إذا كان محصناً، وما عقوبته إذا كان غير محصن، وتقدم معنا من هو المحصن؟ وأن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر: أن المحصن في باب حد الزنا من جمع خمس صفات، الوطء في القبل، وأن يكون في نكاح صحيح، وأن يكون الزوجان بالغين، عاقلين، حرين، وتقدم معنا ما يتعلق باللواط وهل حد اللوطي كالزاني أو لا؟ وتقدم لنا أيضاً ما يتعلق بوطء الميتة، ووطء البهيمة.. إلى آخره.

    قال رحمه الله: (الثالث) من شروط العقوبة أو من شروط حد الزنا، (ثبوت الزنا، ولا يثبت إلا بأحد أمرين)، وسيأتينا أن الحد يثبت بواحد من أمور ثلاثة: إما البينة، أو الاعتراف، أو الحبل.

    الإقرار بالزنا وشروط قبوله

    قال رحمه الله: (أحدهما: أن يقر به أربع مرات).

    هذا الأمر الأول مما يثبت به حد الزنا، الإقرار، ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:135].

    فهذا الرجل قام بالقسط، وهو العدل وشهد على نفسه فتقبل شهادته، ويدل لذلك أيضاً حديث ماعز؛ فإنه أقر على نفسه رضي الله تعالى عنه، وكذلك الغامدية ، وكذلك ما يتعلق باليهوديين، وأيضاً في الصحيحين ( واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ).

    الإقرار يشترط له شروط:

    الشرط الأول: العدد كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أربع مرات) فمن شروط صحة الإقرار أن يقر به أربع مرات، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة ، واستدلوا على ذلك: بأن النبي صلى الله عليه وسلم رد ماعزاً أربع مرات.

    الرأي الثاني: رأي مالك والشافعي أنه يكتفى بمرة واحدة، ويدل لذلك حديث أبي هريرة في قصة العسيف قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) قال: اعترفت، هذا يصدق بمرة واحدة، وأيضاً قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:135].

    فهذا قام بالقسط وشهد على نفسه ولا يشترط أن يكرر ذلك، وأيضاً ما يتعلق بـالغامدية فإنه لم يرد أنها أقرت أربع مرات، وكذلك قصة اليهوديين.. إلى آخره.

    وأما قصة ماعز فإنه اشتبه أمره على النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبه جنون؟ وكذلك أيضاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم من يستنكهه -يعني يشمه- هل شرب خمراً أو لا؟ مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حصل له تردد في أمره، وعلى هذا نقول: إنه لا يشترط أن يكرر الإقرار أربع مرات، وأنه يكتفى بمرة واحدة، إلا إذا اشتبه أمره على القاضي، فإن القاضي يرده كما رد النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً .

    قال رحمه الله: (أن يقر به أربع مرات في مجلس أو مجالس).

    الشرط الثاني: المجلس، فهل يشترط أن يكون الإقرار في مجلس، أو في مجالس؟ للعلماء رحمهم الله رأيان، الذين اشترطوا العدد، والذين لم يشترطوه، فالحنفية يقولون: لا بد من اتحاد المجلس، أي: أن يكون في مجلس واحد.

    والحنابلة يقولون: لا يشترط أن يكون في مجلس واحد، ولهذا قال لك المؤلف: (في مجلس أو مجالس) وهذا كله مبني على اشتراط العدد، وتقدم لنا أن الصواب في العدد أنه ليس شرطاً، وعلى هذا فإن هذه المسألة مفرعة على اشتراط العدد، ولو قلنا باشتراط العدد -كما يقول الحنفية والحنابلة- فإنه لا يشترط اتحاد المجلس بعموم الأدلة.

    قال رحمه الله: (ويصرح بذكر حقيقة الوطء).

    هذا الشرط الثالث وهو: أن يصرح بذكر حقيقة الوطء فلا تكفي الكناية؛ لأن الكناية تحتمل ما لا يوجب الحد فلا يكفي أن يقول: أتيت امرأة، بل لا بد أن يأتي بما يدل على أنه وطء هذه المرأة.

    قال رحمه الله: (ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد).

    هذا الشرط الرابع: أن يستمر على إقراره، فلا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، وعلى هذا لو رجع قبل تمام الحد، يعني: شرعنا في رجمه ثم قال: رجعت، أنا كاذب ونحو ذلك، هل يقبل رجوعه أو لا يقبل رجوعه؟ المشهور من المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم: أنه يقبل رجوعه، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ماعز : ( هلا تركتموه ) لما قال: ( ردوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هلا تركتموه )، لكن هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي والإمام أحمد والحاكم ، وهو معلول بالإرسال.

    الرأي الثاني: رأي المالكية، أنه يقبل رجوعه ما لم يشرع في تنفيذ الحد، فإذا شرع في تنفيذ الحد، فإننا لا نقبل رجوعه.

    الرأي الثالث: وذهب إليه أبو ثور وهو رواية عن الإمام مالك ، وقول للشافعي ، وذهب إليه الحسن البصري وسعيد بن جبير: أنه لا يقبل رجوعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن رجعت، أو إلا أن ترجع، وأيضاً لعموم قول الله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2].

    والرأي الأخير في هذه المسألة هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يقبل رجوعه إن جاء تائباً، أما إذا لم يأت تائباً فإنه لا يقبل رجوعه، يعني هذا الرجل جاء إلى القاضي، وأقر عنده بالزنا بغية الطهارة، ثم بعد ذلك رجع، فإننا نقبل رجوعه، أما إذا وجد متلبساً بالفاحشة ثم بعد ذلك أقر واعترف، فلا نقبل رجوعه؛ لأنه لم يأت تائباً.

    وقال بعض أهل العلم: إن وصف الجناية فلا نقبل رجوعه، مثل لو قال: فعلت كذا، وفعلت كذا، هذا لا يقبل رجوعه، وإن كان إقراره مجملاً نقبل رجوعه، والذي يظهر -والله أعلم- أن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة كلام جيد.

    الشهادة على الزنا وشروط قبولها

    قال رحمه الله: (الثاني: أن يشهد عليه في مجلس واحد بزناً واحد يصفونه أربعة ممن تقبل شهادتهم فيه).

    هذا الثاني مما يثبت به حد الزنا: الشهادة، ويدل لذلك قول الله عز وجل: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13].

    وأيضاً قول الله عز وجل: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4].

    والبينة يثبت بها حد الزنا بالإجماع، دل عليه قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4]، وقوله: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13].. إلى آخره.

    الشهادة يشترط لها شروط:

    الشرط الأول: العدد، لابد من أربعة، وهذا محل إجماع، والقرآن صريح في ذلك.

    الشرط الثاني: قال المؤلف رحمه الله: (في مجلس واحد)، أي: لا بد أن يشهدوا في مجلس واحد، فلو شهدوا في مجالس هل تقبل شهادتهم أو لا تقبل؟ المذهب أن شهادتهم غير مقبولة، وهو قول الحنفية، والمالكية.

    والرأي الثاني رأي الشافعية والظاهرية: أنه لا يشترط، سواء أتوا القاضي في مجلس أو في مجالس، وعلى هذا لو كان للقاضي مجلسان، مجلس في الصباح. ومجلس في المساء، فلا بد أن يأتوا في مجلس واحد على رأي الجمهور، أما على رأي الشافعية فلو أتى بعضهم في مجلس الصباح وأتى بعضهم في مجلس المساء كفى ذلك، هذا رأي الشافعية، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة، لعموم قول الله عز وجل: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4]، وقوله: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13]. وهذا يشمل ما إذا أتوا في مجلس أو في مجالس.

    الشرط الثالث: أن يأتوا جميعاً، وعلى هذا إذا أتوا متفرقين فإنه لا تقبل شهادتهم، وهذا رأي الحنفية والمالكية، والرأي الثاني رأي الحنابلة: أن هذا ليس شرطاً، سواء أتوا جملة أو أتوا متفرقين، وهذا القول هو الصواب، ويدل لذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه.

    قال رحمه الله: (بزناً واحد) هذا الشرط الرابع، أن يشهدوا على فعل واحد، وعلى هذا لو شهد بعضهم أنه زنى في يوم الإثنين، والبعض الآخر شهد أنه زنى في يوم الثلاثاء، هل يصح ذلك أو لا يصح؟ نقول: لا يصح؛ لأن يوم الإثنين فعل مستقل، لا بد له من بينة مستقلة، لا بد من أربعة، ويوم الثلاثاء فعل مستقل لابد له من بينة مستقلة، فيشترط أن يشهدوا على فعل واحد.

    قال رحمه الله: (يصفونه).

    هذا الشرط الخامس: أن يصفوا الزنا، وأنهم رأوا الذكر في الفرج، وهذا صعب جداً؛ ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الزنا لم يثبت بالبينة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهده، وكذلك من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهدنا ما ثبت الزنا بالبينة، وإنما يثبت بالإقرار.

    قال: (أربعة ممن تقبل شهادتهم فيه).

    هذا الشرط السادس: أن يكون الشهود ممن تقبل شهادتهم فيه، وهذا سيأتينا إن شاء الله قريباً في باب الشهادات في كتاب القضاء بإذن الله عز وجل، وسيأتينا إن شاء الله هل تقبل شهادة النساء في الحدود أو لا تقبل؟ وأن جمهور العلماء لا يرون قبول شهادة النساء في الحدود، ومن العلماء من قال: تقبل شهادة النساء في الحدود، ومنهم من قال: تقبل تبعاً للرجال، فإذا شهد اثنان وأربع نسوة صح، أما لو شهد ثمان نسوة فلا يجوز، ومنهم من قال: تقبل مطلقاً، فلو شهد ثمان نسوة كفى ذلك، والجمهور أنها لا تقبل وهذا سيأتينا إن شاء الله، قال رحمه الله: (سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين).

    ثبوت الزنا بالقرائن

    قال رحمه الله: (وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بمجرد ذلك).

    هذا الأمر الثالث مما يثبت به حد الزنا، وهو القرائن، فهل يثبت الحد بالقرائن؟

    المذهب وهو قول جمهور أهل العلم أن الحد لا يثبت بالقرائن؛ لأن القرينة تورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.

    والرأي الثاني: أن الحد يثبت بالقرائن، وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى، واختاره شيخ الإسلام ونصره ابن القيم ، ويدل لذلك قول عمر كما في الصحيحين: (ألا إن الرجم حق في كتاب الله على من أحصن إذا كانت البينة، أو الاعتراف، أو الحبل) والحبل هو الحمل فهذا دليل على أن الحد يثبت بالقرائن، ومما يدل لذلك: أن عثمان رضي الله تعالى عنه جلد من تقيأ الخمر، وابن مسعود رضي الله تعالى عنه جلد برائحة الخمر، من وجد منه رائحة الخمر، وهذه قرينة على أنه شرب الخمر.

    قال رحمه الله: (وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بمجرد ذلك) يعني بمجرد الحمل.

    وهل يجب أن تسأل أو لا يجب أن تسأل؟ المشهور من المذهب أنها لا تسأل، والصحيح في ذلك أنها إذا كانت مغيبة ليس لها زوج ولا سيد أنها تسأل، وللإمام أو نائبه أن يسألها، لكن إن ادعت ما يسقط الحد، كأن تكون مكرهة، أو وطئت بشبهة ونحو ذلك فإن الحد لا يثبت عليها.

    1.   

    حد القذف

    تعريف القذف وحكمه

    قال رحمه الله: (باب حد القذف).

    القذف في اللغة: الرمي، وفي الاصطلاح: الرمي بزنا أو لواط.

    والقذف محرم ولا يجوز، والإجماع قائم على ذلك، ويدل عليه من القرآن قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4]، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [البقرة:160].

    ومن السنة حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اجتنبوا السبع الموبقات ) وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منها: ( وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).

    مقدار حد القذف

    قال رحمه الله: (إذا قذف المكلف محصناً جلد ثمانين).

    القاذف لا يخلو من أمرين: إما أن يكون حراً، وإما أن يكون رقيقاً، فإن كان القاذف حراً فعقوبته ثمانون جلدة بالإجماع، ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4] هذه العقوبة الأولى، وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [النور:4] هذه العقوبة الثانية، وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4] هذه العقوبة الثالثة.

    إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [البقرة:160]، فإذا تاب فعندنا ثلاثة أشياء: الإجماع على أن الجلد لا يسقط؛ لأنه حق آدمي، والاتفاق على أن وصف الفسق يزول عنه، لكن بقينا في الأمر الثالث، وهو قبول الشهادة، هل تقبل شهادته أو نقول: إن شهادته غير مقبولة؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو رأي الحنابلة وهو قول جمهور أهل العلم: أن شهادته مقبولة لقول الله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [النور:5]؛ ولأن وصف الفسق لما زال عنه فإن شهادته تقبل والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية أن شهادته غير مقبولة؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [النور:4]. قال: أبداً؛ لكن يقال: إن قوله: أبداً هذا ما لم يتب، فإن تاب تاب الله عز وجل عليه قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [المائدة:34]. وأيضاً فإن هذه المسألة مبنية على مسألة أصولية، وهي الاستثناء الوارد على جمل متعاطفة بالواو، هل يعود إلى الجميع أو يعود إلى الأخيرة فقط؟

    الأصوليين يقولون: إنه يعود إلى الجميع، والحنفية يقولون: يعود إلى الجملة الأخيرة فقط.

    فمثلاً: لو قال: هذا وقف على زيد وعمر وبكر إلا الفاسق، هل يعود إلى الجميع أو يعود إلى الأخير؟ على رأي الجمهور يعود على الجميع، وهذا يعني أن ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب.

    1.   

    شروط المقذوف

    قال رحمه الله: (محصناً).

    إذا قذف محصناً -وسيأتينا إن شاء الله من هو المحصن في باب حد القذف- حتى ولو كان هذا المحصن مجبوباً يعني قطع ذكره، أو كانت امرأة رتقاء يعني انسد فرجها أو فرجها مسدود، فإن من قذفه يجلد ثمانين جلدة.

    قال رحمه الله: (وإن كان عبداً أربعين، والمعتق بعضه بحسابه) إذا كان القاذف رقيقاً، ما عقوبته؟

    المؤلف رحمه الله تعالى يرى أن عقوبته أربعون، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، ودليلهم على ذلك قول الله عز وجل: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25].

    الرأي الثاني: أنه لا فرق بين الحر والرقيق، وهذا قول الظاهرية وأن الرقيق يجلد ثمانين جلدة لقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ [النور:4].

    قال رحمه الله: (والمعتق بعضه بحسابه).

    يعني إذا كان بعضه حراً وبعضه رقيقاً، فبحسابه. مثال ذلك: هذا نصفه حر ونصفه رقيق وقذف محصناً فنجلده ستين: نصف الحر أربعين، ونصف الرقيق عشرين، هذا على القول: بأن الرقيق على النصف من الحر، وإذا قلنا: إن الرقيق كالحر تماماً فالمبعض من باب أولى يجلد ثمانين جلدة.

    قال رحمه الله: (وقذف غير المحصن يوجب التعزير).

    إذا كان المقذوف غير محصن عزر الإمام القاذف بما يردعه ويزجره، وغير المحصن: هو من خلت منه صفة من صفات الإحصان.

    قال رحمه الله: (وهو حق للمقذوف).

    حد القذف هل هو حق لله عز وجل أو أنه حق للآدمي المقذوف؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: رأي جماهير العلماء أن حد القذف حق للمقذوف، لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن دماءكم، وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) قال: وأعراضكم عليكم حرام، فحد القذف شرع درءاً عن أعراض المعصومين.

    الرأي الثاني: رأي الحنفية، أن حد القذف حق لله عز وجل؛ لأنه انتهاك لحرمة الله عز وجل؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت براءة عائشة جلد من قذفها، ولم يستأذن عائشة والأقرب في هذه المسألة أن يقال: إن حد القذف حق للآدمي وفيه حق لله عز وجل، وعلى هذا لو أن الآدمي عفا فيبقى التعزير حق الله سبحانه وتعالى.

    قال رحمه الله: (والمحصن هنا الحر).

    المحصن في باب حد القذف يختلف عن المحصن في باب حد الزنا، المحصن في باب حد القذف من جمع صفات: الصفة الأولى: الحرية، وعلى هذا فالرقيق ليس محصناً، فإذا قذف فقاذفه يعزر، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى وهو قول جمهور أهل العلم.

    ودليلهم ما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال ) وهذا يدل على أنه لا يقام عليه الحد في الدنيا، مما يدل على أنه ليس محصناً، ويجاب عن ذلك: أن الحديث يراد به الردع والزجر؛ لأن الرقيق مغلوب على أمره، فكما يقام عليه في الدنيا أيضاً يقام عليه يوم القيامة، أو يقال: إن هذا خاص بالسيد كما قلنا في القصاص، فإذا قتله سيده إما أن يقال هذا أو يقال هذا.

    الرأي الثاني: أن الرقيق محصن، وهذا قول الظاهرية، واستدلوا على ذلك بعموم قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4]. فيدخل في ذلك الرقيق، وأيضاً ثبت أن ابن عمر سئل عن رجل قذف أم ولد رجل، فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: يجلد الحد صاغراً، وأم الولد أمة، حتى يموت سيدها تعتق بموت سيدها، فما ذهب إليه الظاهرية والله أعلم أقوى.

    قال رحمه الله: (المسلم).

    هذه الصفة الثانية: وهي الإسلام، وعلى هذا فالكافر ليس محصناً، ومن قذفه لا يحد، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [النور:23]. وفي الصحيحين: ( اجتنبوا السبع الموبقات ) قال: ( وقذف المحصنات، الغافلات، المؤمنات)، فقال: المؤمنات، مما يدل على أن الكافر ليس محصناً.

    قال رحمه الله: (العاقل).

    يخرج المجنون؛ لأنه لا تلحقه المعرة بالقذف، وهذا باتفاق الأئمة، أن من شروط الإحصان أن يكون عاقلاً، فالمجنون هذا لا يلحقه العار بالقذف لأنه مرفوع عنه القلم.

    قال رحمه الله: (العفيف).

    يخرج غير العفيف، المتتابع في الفواحش، الذي يلغ في الفواحش، فمن كان غير عفيف لا يتورع عن الوقوع في الفواحش فهذا ليس محصناً، فإذا قذفه شخص فإنه لا يحد، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ [النور:23]. قال: الغافلات يعني عن فعل الفاحشة، وقال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: ( وقذف المحصنات الغافلات ).

    قال رحمه الله: (الملتزم).

    هذه اللفظة يبدو أنها سبق قلم من المؤلف رحمه الله، وإلا فإنه يغني عن هذه اللفظة قوله: المسلم؛ لأنه يلزم من ذلك إذا قلنا به أن الذمي يكون محصناً؛ لأنه ملتزم، والملتزم يعني من هو ملتزم لأحكام الشريعة وهو المسلم والذمي، فيترتب على ذلك أن يكون الذمي ملتزماً محصناً فهذه سبق قلم، ولهذا فإن صاحب الفروع رحمه الله لم يذكر هذه اللفظة، وكذلك ما ذكرها في الإقناع، ولا في المنتهى، ولا في المغني، ولا في الشرح الكبير.

    قال رحمه الله: (الذي يجامع مثله ولا يشترط بلوغه).

    هذه الصفة الخامسة، والذي يجامع مثله هو على المذهب ابن عشر سنوات، أو بنت تسع سنوات، وعلى هذا إذا قذف صبياً له ثنتا عشرة سنة، يكون قد قذف محصناً، ولو قذف صبياً له ثمان سنوات فإنه لم يقذف محصناً، وهذا هو المشهور من المذهب.

    الرأي الثاني: أنه لابد من البلوغ، وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو الصواب، فنشترط للإحصان أن يكون بالغاً؛ لأن الصبي -كما تقدم- مرفوع عنه القلم.

    1.   

    القذف الصريح والكناية

    قال رحمه الله: (وصريح القذف يا زاني، يا لوطي، ونحو ذلك) كقوله: يا عاهر، أو قد زنيت، أو زنا فرجك، ونحو ذلك، وصريح القذف: هو ما لا يحتمل إلا القذف، والكناية: ما يحتمل القذف وغيره، والصريح والكناية هذه يرجع فيهما إلى العرف أي: أعراف الناس؛ لأن هناك ألفاظاً ذكرها المؤلف رحمه الله في الكناية، لكنها في عرف الناس من الصريح، وإذا تلفظ بها الشخص فإنها قذف.

    قال رحمه الله: (وكنايته) كناية القذف (يا قحبة).

    فهذه اللفظة يقولون: إنها من الكناية؛ لأنها تحتمل الرمي بالزنا، وتحتمل غير ذلك؛ لأن القحبة في اللغة تطلق على المرأة العجوز، وتطلق على السعال، فهي تحتمل هذا وهذا، لكنها في عرف الناس اليوم من الصريح، فإذا قال: يا قحبة! فالمقصود بذلك الزنا، ويا فاجرة! أيضاً هذه تحتمل الزنا، وتحتمل أيضاً عدم الزنا، فالفجور يأتي ويراد به الزنا، ويراد به الانبعاث ومنه الفجر.. إلى آخره.

    قال رحمه الله: (ويا خبيثة).

    فإنها تحتمل الزنا، وتحتمل الخبث والرداءة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كسب الحجام خبيث ) يعني: رديء، قوله: يا خبيثة! يحتمل أنه أراد بذلك رداءة الأقوال والأفعال ونحو ذلك، ويحتمل -كما ذكر المؤلف- الزنا.

    قال رحمه الله: (وفضحت زوجك، أو نكست رأسه، أو جعلت له قروناً، ونحو ذلك).

    يعني أن هذه الأشياء تحتمل الزنا، وتحتمل غيره، فضحت زوجك بالزنا، ونكست رأسه بالزنا، أو جعلت له قروناً يعني في الزنا، أو أنك فضحت زوجك بكثرة الشكاية، ونكست رأسه بكثرة الشكاية، وجعلت له قروناً، يعني جعلتيه لك مذللاً مسخراً ونحو ذلك، مثل هذه الأشياء يرجع فيها إلى الأعراف، فما دل العرف على أنه صريح فهو صريح، وما لم يدل العرف على أنه صريح يعني يحتمل الرمي بالزنا وغيره نقول: إنه ليس صريحاً.

    قال رحمه الله: (وإن فسره بغير القذف قبل ويعزر).

    لأن مثل هذه الألفاظ تحتمل الزنا، وتحتمل غيره، فإذا قال: يا فاجر! يا خبيث! قال: القصد بالخبيث: رداءة الفعل، نقول: يقبل، ويعزر.

    1.   

    قذف الجماعة

    قال رحمه الله: (وإن قذف أهل بلد أو جماعة لا يتصور منهم الزنا عادة عزر).

    هذه المسألة تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يقذف جماعة لا يتصور منهم الزنا لكثرتهم، فهنا يعزر للقطع بكذبه؛ ولأن المعرة لا تلحقهم بهذا القذف.

    القسم الثاني: أن يقذف جماعة يتصور منهم الزنا بكلمات، يعني قال لهؤلاء الجماعة: أنت زنيت، وأنت، وأنت .. إلى آخره، فهل يحد حداً واحداً أو يجب عليه لكل واحد حد؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، المشهور من مذهب الإمام أحمد والشافعي أنه إذا كان بكلمات فإنه يحد لكل واحد حداً مستقلاً؛ لأنه رمى كل واحد، والله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4].

    الرأي الثاني رأي الحنفية والمالكية: أنه يكتفى بحد واحد، بناءً على تداخل الحدود، والأقرب -والله أعلم- في هذه المسألة هو الرأي الأول؛ لأنه بكلمات وحقوق الآدميين لا تتداخل.

    القسم الثالث: أن يرمي جماعة يتصور منهم الزنا بكلمة واحدة، القسم الذي قبله بكلمات، لكن هنا بكلمة واحدة، فيقول لهؤلاء الجماعة: أنتم زناة، فهل يجب حد واحد أو يجب لكل واحد حد؟

    للعلماء رأيان: المشهور من المذهب وهو قول أكثر أهل العلم أنه يجب عليه حد واحد؛ لأنه رمي واحد.

    والرأي الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول الشافعي في الجديد: أنه يجب عليه لكل واحد حد؛ لأنه يصدق عليه أنه قذف كل واحد، ويظهر -والله أعلم- أن مثل هذه المسألة يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام.

    1.   

    سقوط حد القذف

    قال رحمه الله: (ويسقط حد القذف بالعفو ولا يستوفى بدون الطلب).

    لأن حد القذف حق للآدمي، فإذا عفا الآدمي سقط حقه، لكن يبقى حق الله عز وجل فيعزر، يعزره القاضي؛ لأنه انتهك حرمة الله، نقول: الحد ثمانون سقط، لكن يبقى حق الله عز وجل، ولا يستوفى بدون الطلب باتفاق الفقهاء رحمهم الله، وعلى هذا إذا لم يطالب المقذوف لا يستوفى، لكن يبقى حق الله عز وجل، فللقاضي أن يجلده.

    1.   

    التعريض بالزنا

    بقيت هناك مسألة أو مسألتان في آخر حد القذف:

    التعريض بالزنا: إذا عرض بالزنا، كما لو قال لشخص: أنا لست بزانٍ، فهو ما قال: أنت زانٍ، إنما قال: أنا لست بزانٍ، أو قال له: أمي ليست بزانية، يفهم من ذلك أنه يعرض له بالزنا، وأنك زانٍ، وأن أمك زانية، فهل يجب الحد أو لا يجب الحد؟ للعلماء رحمهم الله رأيان:

    الرأي الأول: وهو رأي أكثر أهل العلم أنه لا يجب الحد، ويستدلون على ذلك، بأن الله سبحانه وتعالى قال: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ [البقرة:235].

    قال: عرضتم من خطبة النساء، فأباح الله عز وجل التعريض -كما تقدم معنا في خطبة المعتدة- ونهى عن التصريح مما يدل على أن التعريض أقل من التصريح، ولهذا أباح الله عز وجل التعريض، مما يدل على أن التعريض أخف من التصريح، وأيضاً حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة الرجل الذي عرض بامرأته قال يا رسول: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم، أنّا لها ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق يا رسول -يعني أتى من أب بعيد- فقال: وهذا لعله نزعه عرق ) فهنا عرض بزوجته، ومع ذلك لم يتعرض له النبي صلى الله عليه وسلم.

    الرأي الثاني: وبه قال الإمام مالك أنه إذا عرض يحد، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [النساء:156]. سماه الله عز وجل بهتاناً عظيماً، مع أنهم عرضوا فقط، حيث قالوا: مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28].

    فهم ما قذفوها بالزنا مباشرة، لكن يقولون: أبوك ما كان سيئاً ولا كانت أمك زانية.

    وعلى كل حال فإنه يعزر، لكن هل يحد أو لا يحد؟ هذا هو موضع الخلاف.