إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الزنا جريمة عظيمة، ومرتكبها إما محصن وعقوبته الرجم، وإما بكر وعقوبته الجلد مائة، واختلف في التغريب، وحد اللوطي كالزاني وقيل: يقتل مطلقاً، واختلف في كيفية قتله، واختلف في حد وطء البهيمة ومآلها.

    1.   

    تابع حد الزنا

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب حد الزنا:

    إذا زنا المحصن رجم حتى يموت، والمحصن: من وطئ امرأته المسلمة أو الذمية في نكاح صحيح، وهما بالغان عاقلان حران، فإن اختل شرط منها في أحدهما فلا إحصان لواحد منهما، وإذا زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة وغرب عاماً ولو امرأة، والرقيق خمسين جلدة ولا يغرب، وحد لوطي كزان، ولا يجب الحد إلا بثلاثة شروط:

    أحدها: تغيب حشفته الأصلية كلها في قبل أو دبر أصليين حراماً محضاً، الثاني: انتفاء الشبهة، فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك أو لولده، أو وطء امرأة ظنها زوجته أو سريته أو نكاح باطل اعتقد صحته، أو نكاح أو ملك مختلف فيه ونحوه، أو أكرهت المرأة على الزنا الثالث: ثبوت الزنا، ولا يثبت إلا بواحد من أمرين].

    تقدم لنا ما يتعلق بشيء من أحكام الحدود على وجه العموم، ومن ذلك ما يتعلق بتعريف الحد وحكم إقامته ومن الذي يقيمه؟ وهل تقام الحدود في المساجد؟ وهل تؤخر الحدود لعارض أو لا؟ وحكم الشفاعة في الحدود، وشروط وجوب إقامة الحد.

    هذه الأحكام العامة سبقت لنا، ثم بدأ المؤلف رحمه الله في بيان أحكام الحدود على وجه التفصيل.

    قال رحمه الله: (باب حد الزنا).

    بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بحد الزنا؛ لأن الشارع غلظ في عقوبته، مما يدل على غلظ هذه الفاحشة.

    الزنا في اللغة: الفجور، وأما في الاصطلاح فقيل: إنه فعل الفاحشة في قبل أو دبر، وقيل: إن الزنا: هو فعل الفاحشة في فرج آدمية، والزنا محرم والشرائع السماوية كلها تتفق على تحريمه، بل الفطر تتفق على ذلك قال الله عز وجل: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69].

    وقال سبحانه وتعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32] .

    وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) والشارع جعل في عقوبة الزاني المحصن الرجم، مما يدل على أنه من كبائر الذنوب، وهذه العقوبة تتفق عليها الشرائع، فليس الرجم خاصاً بشريعة الإسلام، ولهذا في قصة اليهوديين اللذين زنيا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوراة، فجيء بها فإذا فيها آية الرجم.

    عقوبة الزاني المحصن

    قال رحمه الله تعالى: (إذا زنى المحصن رجم حتى يموت).

    المحصن له عقوبتان إذا زنا:

    العقوبة الأولى: الرجم وقد دل لها فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان الرجم موجوداً في كتاب الله لكنه نسخ لفظه وبقي حكمه، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين ورجم ماعزاً والغامدية ، وفي قصة العسيف في الصحيحين: ( واغذُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) وقال عمر رضي الله تعالى عنه كما في الصحيحين: (ألا إن الرجم حق في كتاب الله على من أحصن إذا كانت البينة، أو الاعتراف، أو الحبل) فالرجم على من أحصن ثابت بالإجماع.

    مسألة: هل يجلد قبل ذلك أو لا يجلد؟

    للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو رأي جمهور أهل العلم: أنه لا يجلد قبل ذلك، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً واليهوديين والغامدية ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم جلدهم.

    الرأي الثاني: أنه يجلد قبل ذلك، وهذا قال به الحسن البصري وإسحاق بن راهويه وابن المنذر ، وهو مروي عن الإمام أحمد رحمه الله، واستدلوا على ذلك بحديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم) فقال: الثيب بالثيب، وقال: الجلد والرجم، وأجاب عن هذا الحديث الإمام أحمد رحمه الله فقال: حديث عبادة كان أول، يشير الإمام أحمد إلى أنه منسوخ، وعلى هذا نقول: إن الصحيح في هذه المسألة أنه لا يجمع بين الجلد والرجم، وإنما يرجم فقط.

    قال المؤلف رحمه الله هذا بالنسبة للمحصن، وسيأتينا إن شاء لله ما يتعلق بغير المحصن.

    قال رحمه الله: (والمحصن من وطئ امرأته المسلمة، أو الذمية في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران).

    الأمور التي يتحقق بها الإحصان

    الإحصان في باب حد الزنا لا بد له من خمسة شروط، أو خمسة صفات، الصفة الأولى: الوطء في القبل، الصفة الثانية: أن يكون النكاح صحيحاً، الصفة الثالثة: أن يكون الزوجان بالغين، الصفة الرابعة: أن يكونا حرين، الصفة الخامسة: أن يكونا عاقلين، هذه خمس صفات، والمقصود بالوطء في القبل تغييب الحشفة، والحشفة المراد بها: رأس الذكر، يعني إذا غيب حشفته في فرج زوجته أصبح محصناً إلى يوم القيامة، حتى لو طلقها أو مات عنها فإنه يكون محصناً إلى يوم القيامة، على هذه الصفات التي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، ولو عقد على امرأته ولم يطأها ثم زنى فإنه ليس محصناً، بل عقوبته عقوبة البكر، ولو عقد عليها عقداً فاسداً كما لو عقد عليها بلا ولي، ووطئها ثم زنا، فعقوبته الجلد.

    ولو تزوج جارية صغيرة لم تبلغ ووطئها ثم زنى فعقوبته الجلد؛ لأنه لابد أن يكون الزوجان بالغين، كذلك لو تزوجت صغيراً لم يبلغ ووطئها الصغير، ثم زنت فعقوبتها الجلد، ولو تزوج مجنونة وأنجبت له أولاداً ثم زنى فعقوبته أيضاً الجلد، ولو تزوج أمة ثم زنى وأنجبت له أولاداً فإن عقوبته فعقوبة البكر: الجلد، ولو تزوجت هي رقيقاً ثم زنت فإن عقوبتها الجلد، أو تزوجت مجنوناً ثم زنت فإن عقوبتها الجلد، فلا بد أن تتوفر هذه الشروط الخمسة، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والرأي الثاني: أنه لابد من توفر شرطين فقط:

    الشرط الأول: الوطء في القبل.

    والشرط الثاني: أن يكون العقد صحيحاً، وهذا هو الذي دل عليه حديث عبادة رضي الله تعالى عنه، فإن في حديث عبادة : الثيب بالثيب، والثيوبة تدل على الوطء، ونشترط أن يكون العقد صحيحاً؛ لأن الشارع إنما يرتب الأحكام على العقود الصحيحة، فالصحيح في ذلك أننا نشترط شرطين، وعلى هذا لو تزوج مجنونة ووطئها ثم زنى فإن عقوبته الرجم لكونه محصناً، أو تزوج صغيرة ووطئها، أو تزوج أمة ووطئها فالصحيح أن عقوبته عقوبة الثيب، هذا الصواب في هذه المسألة.

    وهم يشترطون أن يكون الزوجان بالغين، عاقلين، حرين؛ لأن الكمال إنما يكون بهذه الأوصاف، فالإحصان صفة كمال ولا تنال صفة الكمال إلا بصفة كمال، ولا يكون الكمال إلا إذا كانا بالغين عاقلين حرين.

    عقوبة الزاني غير المحصن

    قال رحمه الله: (وإذا زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة وغرب عاماً ولو امرأة).

    تقدم فيما يتعلق بزنا المحصن، فإذا زنى غير المحصن فتحته عقوبتان:

    العقوبة الأولى: الجلد، وهذا موضع إجماع بين العلماء لقول الله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2].

    وحديث عبادة : ( والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ).

    العقوبة الثانية: التغريب، هذه العقوبة موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، فجمهور العلماء يرون التغريب في الجملة، وإن كانوا يستثنون بعض الصور كما سيأتينا أن الحنابلة يقولون: إن الرقيق لا يغرب، والمالكية يقولون: إن المرأة لا تغرب.

    الرأي الثاني: رأي الحنفية، فهم لا يقولون بالتغريب، وكما سلف أن الحنفية عندهم قاعدة وهي: الزيادة على النص نسخ، النص: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] فكوننا نأتي بالتغريب هذا زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، والآحاد لا ينسخ المتواتر؛ لأن السنة آحاد فلا تنسخ المتواتر، والآحاد لا ينسخ المتواتر، ولكن هذه مجرد دعاوى، فالقول بأن الزيادة على النص نسخ هذا غير صحيح، فجمهور الأصوليين يرون أن الزيادة على النص ليست نسخاً؛ لأن النسخ إنما يصار إليه إذا تقابل الدليلان ولم يمكن الجمع بينهما، وعلم المتأخر والمتقدم، فهنا يقال بالنسخ، أما إذا لم يكن هناك تعارض بين الدليلين فالقول بأن هذا نسخ قول ضعيف، وابن القيم رحمه الله رد هذه القاعدة، وكذلك أيضاً الشوكاني شدد في رد هذه القاعدة.

    قال رحمه الله: (وغرب عاماً ولو امرأة).

    هل المرأة تغرب أو لا تغرب؟

    جمهور العلماء أن المرأة تغرب لعموم الأدلة: ( والبكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام )، وعند المالكية أن المرأة لا تغرب؛ لأن المرأة تحتاج إلى محرم، والحنابلة يقولون: إنها تغرب مع محرمها، وعليها أجرته، وإذا لم يتيسر المحرم يقولون: إنها تغرب إلى دون مسافة القصر، وسيأتينا إن شاء الله ما المراد بالتغريب، فمن العلماء من يقول: إن التغريب المراد به الحبس، وعلى هذا إن تيسر المحرم فتغرب معه، وإذا لم يتيسر فإنها تحبس.

    عقوبة الرقيق إذا زنى

    قال رحمه الله: (والرقيق خمسين جلدة) الرقيق لا يرجم؛ لأنه لا يمكن أن يتنصف الرجم، لكن يجلد سواء كان محصناً أو غير محصن، يعني: سواء تزوج امرأة ووطئها أو لم يتزوجها، والله عز وجل يقول: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25].

    لكن يجلد مطلقاً، ويأخذ خمسين جلدة؛ لقول الله عز وجل: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25].

    وهل يغرب الرقيق أو لا يغرب؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن الرقيق لا يغرب، وإنما نجلده فقط خمسين جلدة، واستدلوا على ذلك بأن تغريب الرقيق إضرار بسيده، وهذا أيضاً قول الحنفية والمالكية، أي: أكثر أهل العلم يرون أن الرقيق لا يغرب، أما الحنفية فلا يرون التغريب أصلاً، وأيضاً يستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب ) في الصحيحين من حديث أبي هريرة ، وحديث علي في مسلم : ( أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ) قال: فليجلدها الحد، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم التغريب.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي أنه يغرب لعموم حديث عبادة : ( والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) وهذا القول هو الصواب، أنه يغرب، ويكون تغريبه على النصف من تغريب الحر، لقول الله عز وجل: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25].

    ما ذهب إليه الشافعية والظاهرية من أنه يغرب هو الذي يظهر والله أعلم.

    حد اللوطي

    قال رحمه الله: (وحد لوطي كزان).

    اللوطي أو اللواط: هو فعل الفاحشة في الذكر، حكمه حكم الزاني، وعلى هذا إن كان محصناً فعقوبته الرجم، وإن كان غير محصن فعقوبته الجلد والتغريب، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن حكم اللوطي كحكم الزاني، ودليلهم على ذلك ما رواه أبو موسى ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان ) وهذا رواه البيهقي وهو ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الرأي الثاني: أن عقوبته القتل بكل حال، سواء كان بكراً أو ثيباً، فاعلاً أو مفعولاً به، وكان راضياً ومكلفاً مختاراً، والدليل على ذلك إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على قتل اللوطي، وهذا قول المالكية، وهو قول عند الشافعية.

    والقول الثاني عند الشافعية يوافقون به الحنابلة أنه كالزاني، لكن اختلفوا في كيفية قتله، فمنهم من قال: يلقى من أعلى شاهق، ومنهم من قال: يلقى عليه حائط، ومنهم من قال: يحرق بالنار. واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل، والمفعول به ).

    وهذا الحديث موضع خلاف بين أهل العلم، أخرجه الترمذي وأبو داود ، والإمام أحمد رحمهم الله تعالى، وصححه الحاكم وهو ضعيف.

    الرأي الثالث: أن اللوطي يعزر، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى، بناءً على أنه لم يثبت في عقوبة اللوطي شيء.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه المالكية رحمهم الله، وأن عقوبة اللوطي القتل بكل حال؛ وذلك لإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    أقسام وطء الدبر

    وطء الدبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: وطء دبر الذكر، فهذا حكمه حكم اللوطي.

    القسم الثاني: وطء دبر المرأة الأجنبية هل هو زنا أو لواط؟ المذهب يجعلونه زنا، وهو محل احتمال أن حكمه حكم اللواط، ويحتمل أن يقال: إن حكمه حكم الزنا، لكونه لم يطأ ذكراً وإنما وطء امرأة، ويحتمل أن يأخذ حكم اللواط؛ لأنه وطء دبراً لم يطأ فرجاً، فيحتمل هذا ويحتمل هذا، وإن كان الاحتمال لجعله لواطاً أقوى.

    القسم الثالث: وطء دبر الزوجة، فهذا لا يأخذ حكم الزنا واللواط وإن كان محرماً إلا أنه يأخذ حكم التعزير. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه إذا تواطأ الزوجان على هذا العمل فإنه يفرق بينهما، لقول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].

    فالله سبحانه وتعالى أمر بالوطء في الحرث، وهو القبل: موضع الزرع، أما الدبر فهو موضع الأذى.

    1.   

    شروط وجوب حد الزنا

    الشرط الأول: تغييب الحشفة

    قال رحمه الله: (ولا يجب الحد إلا بثلاثة شروط: أحدها: تغييب حشفته الأصلية كلها في قبل، أو دبر أصليين حراماً محضاً).

    لا يجب الحد إلا بتغييب الحشفة، وعلى هذا لو أنه استمتع من امرأة أجنبية بما دون الوطء، أو أنه غيب بعض الحشفة لم يغيب جميع حشفته فإنه لا حد عليه، وإنما يعزر.

    قال المؤلف رحمه الله: (في قبل أو دبر أصليين).

    وهذا في الدبر بناءً على أنهم يرون أن وطء الدبر زنا.

    وقوله رحمه الله: (أصليين). فلو أنه غيب في فرج زائد، أو غيب حشفته الزائدة بأن كان له ذكران، الثاني زائد، فغيب حشفة الزائد، فهل يحد أو لا يحد؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يحد إلا إذا غيبت الحشفة من ذكر أصلي ليس من ذكر زائد، وأيضاً في فرج أصلي ليس في فرج زائد، والذي يظهر والله أعلم أن يقال: أن ينظر إلى هذا الزائد، فإذا كان يستمتع به كما يستمتع بالأصلي فإنه يأخذ حكمه، وإن كان لا يستمتع به كما يستمتع بالأصلي فإنه لا يأخذ حكمه.

    وقول المؤلف رحمه الله: (تغييب الحشفة الأصلية في قبل أو دبر).

    لو غيب في فرج بهيمة، فهل يأخذ حكم الزنا أو لا يأخذ حكم الزنا؟ وطء البهيمة محرم ولا يجوز، والعلماء رحمهم الله يتفقون على ذلك، ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:5-6].

    وإذا وطء بهيمة فله حكمان:

    الحكم الأول للواطئ، والحكم الثاني للبهيمة الموطوءة.

    أما الواطئ فجمهور العلماء يرون أنه يعزر؛ لأنه فعل شيئاً محرماً، ولم يثبت في عقوبته شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والرأي الثاني وهو قول للشافعي ورواية عن الإمام أحمد ، وقال به الحسن البصري : أن حكمه حكم الزاني؛ لأنه وطئ هذا الفرج، والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى؛ لأنه لم يثبت في وطئ البهيمة شيء، والأصل هو حرمة دم المسلم.

    وأما بالنسبة للبهيمة فإنها تقتل، وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه ) لكن هذا الحديث ضعيف، ولهذا فإن الجمهور لا يرون القتل للبهيمة؛ لأن هذا الحديث ضعيف، والعلة في قتل البهيمة درءاً لانتشار الفاحشة هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد ، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه ضعف لئلا يقال: هذه التي فعل بها كذا وكذا.

    لو وطئ ميتة هل يأخذ حكم الزنا أو لا يأخذ حكم الزنا؟ المالكية يرون أنه يأخذ حكم الزنا، إلا أنهم يستثنون ما إذا وطئ زوجته.

    والرأي الثاني: رأي الحنابلة والشافعية، أنه لا يجب الحد على وطء الميتة؛ لأن فرج الميتة لا يستمتع به عادة وهو كالمستهلك، والذي يظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه المالكية من أنه يأخذ حكم الحد هو الصواب في هذه المسألة، بل إن وطء الميتة اجتمع فيه وازعان:

    الوازع الشرعي والوازع الطبعي؛ فكونه يأتي امرأة ميتة ويزني بها، فإن هذا يدل على ضعف إيمانه، وانتكاس الفطرة عنده.

    الشرط الثاني: انتفاء الشبهة

    قال رحمه الله تعالى: (الثاني انتفاء الشبهة فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك، أو لولده).

    الشرط الثاني: انتفاء الشبهة، وهذا الشرط ليس خاصاً في حد الزنا، وليت المؤلف رحمه الله تعالى ذكره في شروط وجوب إقامة الحد، وقد سبقت لنا في الدرس الماضي، فانتفاء الشبهة ليس خاصاً في حد الزنا، بل إنه شرط في حد الزنا، والسرقة، وغير ذلك من الحدود.

    والشبهة عرفها الحنفية -وهم أوسع من تكلم في درء الحدود بالشبهات- فقالوا: إنها ما يشبه الثابت وليس بثابت، وقيل: إنها تعارض أدلة التحريم والإباحة.

    وهل الحد يدرأ بالشبهة أو لا يدرأ بالشبهة؟ جمهور العلماء يرون أن الحدود تدرأ بالشبهات.

    والرأي الثاني: رأي الظاهرية أنه متى وجب الحد فإنه يجب إقامته، والجمهور يستدلون بالحديث المشهور: ( ادرءوا الشبهات ما استطعتم ) رواه الإمام الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وله شواهد ضعيفة، والحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي ثبت عنه معنى هذا عمر وابن مسعود ، ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات، وورد عن ابن مسعود : ادرؤوا الحدود والقتل عن عباد الله ما استطعتم، وأثر عمر في مصنف ابن أبي شيبة ، وأثر ابن مسعود في مصنف عبد الرزاق .

    الرأي الثاني: أنه لا عبرة بالشبهات وأنه يجب إقامة الحد لعموم أدلة الحدود: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]. فيجب إقامة الحد متى ثبت الحد، والقول بالشبهات قول يؤدي إلى تعطيل كثير من الحدود، ولهذا فإن الذين يقولون: إن الحدود تدرأ بالشبهات أدى هذا القول إلى عدم إقامة كثير من الحدود، وضرب المؤلف رحمه الله أمثلة فقال رحمه الله: (فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك) هذه أمة مشتركة بين زيد، وعمر، وبكر، فلو جاء زيد ووطئها هل هذا الوطء مباح أو محرم؟ زنا أو غير زنا؟ مادام أنها مشتركة لا يجوز له أن يطأها؛ لأنه لا يجوز أن يطأ إلا ملكاً خالصاً، والمؤلف يقول: إنه لا يحد مع أنه يرى أنه محرم، فكيف لا يحد وهو قد وطئ فرجاً محرماً؟ يقول: إن شبهته أنه مالك لبعض هذه الأمة.

    بغض النظر هل هو مالك أو ليس مالكاً. لكن هل وطئ فرجاً محرماً أو مباحاً؟ ما دمنا نقول: إنه وطئ فرجاً محرماً فيجب إقامة الحد، ومثله أيضاً: لو وطئ أمة ليست له وإنما لولده فيها شرك، فهل يحد أو لا يحد؟ يقول: لا يحد؛ لأن الولد وما ملك لوالده، فكأن هذه الأمة له وهذه شبهة.

    قال رحمه الله: (أو وطئ امرأة ظنها زوجته أو سريته).

    لم يثبت الحد لوجود الجهل، فالحد لا يجب إلا بالعلم بالحكم الشرعي، والحكم الشرعي: أنه حرام، والحال: أن هذا فرج غير مباح، وهنا في هذه الحالة ما ثبت الحد، ظنها زوجته، أو ظنها سريته، أو في نكاح باطل اعتقد صحته، والنكاح الباطل هو الذي أجمع العلماء على بطلانه، كالنكاح في العدة، كأن تزوج امرأة في عدتها يعتقد صحته، أو نكاح مختلف فيه مثل: الزواج بلا ولي، الحكم هنا مادام أنه يعتقد الصحة نقول: إنه معذور؛ لأنه جاهل.

    قال رحمه الله: (أو نكاح أو ملك مختلف فيه).

    كشراء الفضولي، كرجل معه ألف ريال لزيد، فذهب واشترى بهذه الألف أمة لزيد، وزيد ما وكله، فهذا فضولي، فزيد الآن ملك هذه الأمة ملكاً مختلفاً فيه؛ لأن الحنابلة والشافعية لا يرون صحة تصرف الفضولي، ولو بالإجازة، بخلاف الحنفية والمالكية.

    فلو وطئها زيد الذي اشتريت له هذه الأمة، هل يحد أو لا يحد؟

    نقول: إذا كان يعتقد الصحة فلا يحد، وإن كان يعتقد عدم الصحة وأن هذا محرم فإنه يحد.

    قال رحمه الله: (أو نحوه).

    يعني نحو ما ذكر كأن يجهل تحريم الزنا، بأن يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن بلاد الإسلام.

    قال رحمه الله: (أو أكرهت المرأة على الزنا).

    ليست شبهة؛ لأنه ما ثبت الحد؛ إذ لا بد من الاختيار، فلو أكره على فعل الحد فلا شيء عليه، قال الله عز وجل: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    قوله رحمه الله: (أو أكرهت المرأة على الزنا).

    هل يفهم منه أن الرجل لو أكره على الزنا لا يعذر؟ أو نقول: بأنه لا مفهوم له؟

    له مفهوم على المذهب؛ فالرجل لا يدخل تحت الإكراه فيما يتعلق بالزنا؛ لأن الوطء لا بد له من انتشار، والانتشار لا بد له من رغبة، والرغبة تدل على اختيار الوطء، والصحيح في هذا أنه لا فرق بين المرأة والرجل، وأنه إذا أكره الرجل. على الزنا فهو معذور حينئذ، وهذا قد يحصل، فقد يرفع عليه السلاح ونحو ذلك، ومع ذلك يحصل له انتشار، لكن لو خلي بينه وبين نفسه ما فعل الفاحشة، فالصواب في هذه المسألة أنه لا فرق بين المرأة والرجل لعموم قول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    قال رحمه الله: (الثالث: ثبوت الزنا، ولا يثبت إلا بواحد من أمرين).

    هذا الشرط الثالث من شروط الحد، والزنا يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يثبت إلا بواحد من أمرين، وسيأتينا أن الزنا يثبت بواحد من أمور ثلاثة، البينة، أو الاعتراف، أو القرائن.