إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الديات [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العاقلة هم عصبة الجاني ويستثنى من العاقلة الرقيق وغير المكلف والفقير والأنثى، كما أن العاقلة لا تتحمل عن الجاني عمداً محضاً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً لم تصدق به، وكفارة القتل الواجبة على الإنسان يشترط لها أن يكون أزهق روحاً وأما ما دون النفس فلا كف

    1.   

    تابع شروط العاقلة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا عقل على رقيق وغير مكلف، ولا فقير ولا أنثى, ولا مخالف لدين الجاني، ولا تحمل العاقلة عمداً محضاً، ولا عبداً ولا صلحاً، ولا اعترافاً لم تصدقه به، ولا ما دون ثلث الدية التامة.

    فصل في كفارة القتل:

    من قتل نفساً محرمة خطأً مباشرة أو تسبباً فعليه الكفارة].

    انتهينا في الدرس السابق من أحكام الديات، وسبق لنا ما يتعلق بديات الأعضاء والمنافع والجروح والكسور، وذكرنا ما يتعلق بهذه الديات من أقسام، ثم بعد ذلك تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الحكومة، وكيف تقدر، وذكرنا كيفية ذلك، ثم بعد ذلك شرعنا في العاقلة، وعرفنا العاقلة في اللغة والاصطلاح، وذكرنا أن جمهور أهل العلم على أن العاقلة مشروعة، وأنه يجب عليها أن تتحمل الدية.

    والعاقلة هم العصبات، سواء كانوا عصبات نسب أو عصبات سبب، وعصبات النسب هم الأصول والفروع والحواشي. وعصبات السبب: المعتق وعصبته، يعني: أصوله وفروعه وحواشيه، هؤلاء العصبات هم الذين يتحملون الدية.

    أما الجاني فإنه لا يتحمل الدية، كما هو المذهب ومذهب الشافعية والظاهرية ويدل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالعقل على العصبة). وهو في الصحيحين.

    وعند الحنفية أن الجاني يدخل في العقل ويتحمل شيئاً من الدية، لورود ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه.

    والصواب في هذه المسألة ما دل عليه ظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالعقل على العصبة ).

    العقل على الحر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا عقل على رقيق).

    من يعقل من العصبة يشترط فيه شروط:

    الشرط الأول: أن يكون حراً، وعلى هذا فالرقيق لا عقل عليه، ولا يتحمل شيئاً من الدية، ويدل لذلك: أن الرقيق مال وهو لا يملك، وملكه ضعيف، فليس من أهل المواساة والنصرة، والعقل معتمده وأساسه المواساة والنصرة.

    العقل على المكلف

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وغير مكلف) الصغير والمجنون هل يعقلان أو لا يعقلان؟

    للعلماء رحمهم الله تعالى رأيان:

    الرأي الأول: هو ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو قول جمهور أهل العلم: أن غير المكلف لا يعقل، فالصغير والمجنون لا يتحملان شيئاً من الدية.

    ويدل لذلك: أن القلم مرفوع عنهما، ولأن العقل مبني على النصرة وهما ليسا من أهل النصرة.

    وذهب الظاهرية إلى أن المجنون والصبي يعقلان؛ ودليلهم على ذلك: حديث أبي هريرة في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العصبة)، على عاقلة المرأة وهم عصبتها، والصبي من العصبة، وكذلك المجنون من العصبة.

    والذي يظهر -والله أعلم- أن مثل هذه المسألة ترجع إلى اجتهاد القاضي، فإن رأى القاضي أن يحمل الصبي كأن يكون الصبي ذا مال، وقد يكون المجنون ذا مال.. الخ, فإن رأى أن يحمله فهذا موضع اجتهاد.

    العقل على الغني

    قال: (ولا فقير).

    هذا الشرط الثالث: أن يكون من يعقل غنياً، وعلى هذا فالفقير لا يجب عليه شيء من العقل، وهذا قول جمهور أهل العلم.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7]، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وكما سلف لنا أن العقل مبني على النصرة، والفقير ليس من أهل النصرة، خلافاً لما ذهب إليه الحنفية من أن الفقير يعقل.

    وأما ضابط الغني الذي يتحمل الدية فقد قال العلماء: هو الذي يملك نصاباً زكوياً، فإذا كان يملك نصاباً زكوياً فهو غني يتحمل الدية ويدخل في العاقلة، وسبق أن أشرنا إلى هذه المسألة، وأن الغني مصطلح يختلف باختلاف أبواب الفقه، فالغني في باب زكاة الفطر يختلف عن الغني في باب زكاة المال ويختلف عن الغني في باب العاقلة.

    المهم أن هذا المصطلح لا بد أن نفهم كل باب بحسبه، ومثل ذلك أيضاً الرشد في باب العبادات، يختلف عن الرشد في باب المعاملات، ويختلف عن الرشد في باب الأنكحة.

    العقل على الذكر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا أنثى).

    هذا الشرط الرابع: أن يكون من يعقل ذكراً، وعلى هذا فالأنثى لا تحمل شيئاً من الدية، وهذا قول جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى، وحكي الإجماع على ذلك، وقد ورد عن عمر رضي الله عنه, ولكنه ضعيف لا يثبت.

    وقال بعض الحنفية وبعض الحنابلة: بأن المرأة تعقل وتتحمل شيئاً من الدية.

    مخالفة دين الجاني

    قال: (ولا مخالف لدين الجاني).

    الشرط الخامس: ألا يكون مخالفاً لدين الجاني، فإن كان مخالفاً لدين الجاني فإنه لا عقل، فالمسلم لا يعقل عن الكافر، والكافر لا يعقل عن المسلم؛ لقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:73]، ولأن العقل مبني على أساس النصرة، والمسلم لا ينصر الكافر والعكس.

    وذهب الشعبي إلى خلاف ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وأن الكافر يكون داخلاً في العصبة.

    والذي يظهر -والله أعلم- هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو أن الكافر لا يعقل عن المسلم، والمسلم لا يعقل عن الكافر؛ لانتفاء الأخوة باختلاف الدين، فإذا كان كذلك فتنتفي النصرة والمواساة.

    العقل إذا كان عمداً محضاً

    قال رحمه الله تعالى: (ولا تحمل العاقلة عمداً محضاً).

    هذا الشرط السادس: أن لا تكون الجناية عمداً محضاً، فإن كانت الجناية عمداً محضاً فإن العاقلة لا تحمل ذلك؛ لأن المتعمد لا يستحق المساواة، وعلى هذا فالجناية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    إن كانت عمداً محضاً فإن العاقلة لا تحملها؛ لأن المتعمد لا يستحق المواساة؛ لأنه متعدٍ، وإلا فإن ذلك يكون مدعاة إلى التعدي والجناية ونحو ذلك.

    القسم الثاني: أن تكون الجناية خطأً، فإذا كانت خطأً فإن العاقلة تحملها.

    القسم الثالث: أن تكون الجناية شبه عمدٍ، فهل تحمل العاقلة شبه العمد أم لا؟

    جمهور أهل العلم أن العاقلة تحمل شبه العمد، ويدل لذلك حديث أبي هريرة في قصة المرأتين: (فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها, فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها) ، وهذا في الصحيحين، وهذا القتل شبه عمد.

    والرأي الثاني: ذهب إليه بعض المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة إلى أن العاقلة لا تتحمل شبه العمد؛ لوجود التعدي، إذ أن شبه العمد فيه شيء من قصد الجناية، فشبه العمد فيه تعدٍ.

    والأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لدلالة حديث أبي هريرة، والجاني في شبه العمد وإن تعمد الجناية إلا أنه لم يقصد القتل.

    وعلى هذا نقول بأن الجناية لا تخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن تكون عمداً، فهذه لا تتحملها العاقلة.

    والحالة الثانية: أن تكون خطأً هذه تتحملها العاقلة.

    الحالة الثالثة: أن تكون شبه عمدٍ، فهذه الحالة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    الجناية على الرقيق

    قال: (ولا عبداً).

    يعني: لا تحمل العاقلة عبداً، هذا الشرط السابع، ألا تكون الجناية على رقيق، فإن كانت الجناية على رقيق، كأن: قتل رقيقاً خطأً أو شبه عمد فهل تحمل العاقلة الجناية على الرقيق أو لا تحمل؟

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: العاقلة لا تحمل الجناية على الرقيق؛ لأن الرقيق مال وإتلافه كإتلاف سائر الأموال، فكما أن إتلاف مال من الأموال كما لو أتلف سيارته لا تحمل العاقلة ذلك، فكذلك أيضاً لا تحمل الرقيق؛ لأن الرقيق يباع ويشترى فهو مال.

    العقل إذا كانت الجناية صلحاً عن إنكار

    قال: (ولا صلحاً).

    هذا الشرط الثامن: ألا يكون ذلك صلحاً عن إقرار، يعني: أن العاقلة لا تحمل الجناية إذا كانت صلحاً عن إنكار.

    وصورة المسألة: أن يدعي شخص على شخص أنه قتل قريبه كابنه أو أبيه، ويطالبه بديته، والمدعى عليه أنكر القتل، يقول: أنا ما قتلت، وهو يدعي عليه القتل، ثم بعد ذلك صالحه، وبدلاً من أن يذهب المدعي إلى القاضي ويقيم الدعوى، ثم بعد ذلك يحضر المدعى عليه ويلزم باليمين .. إلخ, افتداءً ليمينه صالح المدعي على أن يعطيه كذا وكذا من المال، يعطيه عشرة آلاف أو يعطيه عشرين ألفاً.. إلخ. فهذا صلح عن إنكار.

    فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: العاقلة لا تتحمل الصلح إذا كان عن إنكار؛ لأن المدعى عليه بإمكانه أن يذهب إلى القاضي ويحلف فتبرأ يمينه. أما كونه يصالح بمال فنفع هذا المال افتداءً ليمينه، فبدلاً من أن يذهب قال: أنا أعطيك هذه الدراهم لكي لا أذهب وأحلف عند القاضي.. إلخ.

    فيقرر المؤلف رحمه الله تعالى أن العاقلة لا تتحمل هذا، وقد جاء عن ابن عباس موقوفاً: لا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً، وهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيه ضعف لكن المعنى يدل على ذلك؛ لأن هذا المال ما ثبت بالجناية وإنما ثبت بالصلح وباختياره، وإلا بإمكانه أن يذهب إلى القاضي ويحلف وتبرأ الذمة، وإن كان هناك بينة فإن المدعي يقيم البينة وتثبت الدية، وإذا ثبتت الدية تتحملها العاقلة، فكونه يصالح فهو الآن افتدى يمينه وذهابه إلى القاضي .. إلخ.

    العقل إذا لم تصدق العاقلة بالقتل

    قال: (ولا اعترافاً لم تصدق به) ادعى أنه قتل قريبه كابنه أو أبيه ونحو ذلك، ثم اعترف المدعى عليه أنه قتله خطأً، أو شبه عمد، فالعاقلة لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تصدق المدعى عليه بالاعتراف، فهو لا يتحمل، يعني: صدقت المدعى عليه بالاعتراف وأن اعترافه صحيح، فهنا تتحمل الدية.

    الأمر الثاني: أن تنكر هذا الاعتراف ولا تصدق به.

    فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأن العاقلة لا تتحمل. وهذا هو المشهور من المذهب, وهو قول جمهور أهل العلم؛ لما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    قال: (ولا اعترافاً).

    أي: أنها لا تتحمل الاعتراف.

    والرأي الثاني: أن العاقلة تتحمل هذا الاعتراف، إذا اعترف فإنه يجب عليها أن تصدق به وأن تتحمله؛ لعموم حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    وهذا القول هو الصحيح والصواب في هذه المسألة: إذا كان الجاني المدعى عليه غير متهم -قد تكون هذه الدعوة عن طريق الحيلة بحيث يدعي عليه أنه قتل وهو لم يقتل ويصدقه المدعى عليه لكي تتحمل عاقلته- فإن العاقلة تتحمل الدية.

    فالصواب في هذه المسألة: أن المدعى إذا اعترف وكان غير متهم بهذا الاعتراف, وإن لم تصدق العاقلة فإنه يجب أن تصدق وأن تتحمل؛ لعموم الحديث.

    تحمل العاقلة إذا كانت الدية دون الثلث

    قال: (ولا ما دون ثلث الدية).

    أي: أن العاقلة تتحمل الثلث فما فوق، وعلى هذا لو أنه جنى عليه موضحة، ودية الموضحة خمس من الإبل، هل تكون في مال الجاني أو في مال العاقلة؟

    قال المؤلف: في مال الجاني، ولا تكون في مال العاقلة يعني: أنها لا تتحمل إلا الثلث فما فوق.

    واستدلوا على ذلك بأن هذا وارد عن عمر رضي الله تعالى عنه، أنه لا تحمل شيئاً حتى يبلغ عقل المأمومة، ودية المأمومة: ثلث الدية، وهذا الأثر عن عمر رضي الله تعالى عنه ضعيف. وهذا هو المشهور من المذهب ومذهب المالكية.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية أنها تحمل القليل والكثير من دية النفس وما دون النفس.

    أما الظاهرية: فقالوا: لا تحمل إلا دية النفس، أما ما دون النفس فإنها لا تحمله؛ لأن النص إنما جاء في أنها تحمل النفس فقط، فأصبحت الآراء في هذه المسألة ثلاثة:

    والذي يظهر -والله أعلم- أنما ذهب إليه الظاهرية إذا لم يكن هناك شيء من الآثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثابت في هذه المسألة فيقتصر على ما ورد في السنة في قتل النفس. أما ما دون النفس فيظهر -والله أعلم- ما دام أنه لم يرد شيء في السنة فالأصل أن الذي يتحمل هو الجاني. والله أعلم.

    تعجيل العاقلة الدية وتأجيلها

    بالنسبة للدية التي على العاقلة في الخطأ وشبه العمد، هل هي مؤجلة أو حالاً؟

    للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك قولان:

    القول الأول: أن الدية على العاقلة مؤجلة لثلاث سنوات؛ لورود ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه فإنه جعل على العاقلة ثلاث سنوات, أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وهو ضعيف، وكذلك روي عن علي رضي الله تعالى عنه عند البيهقي وهو ضعيف أيضاً.

    والرأي الثاني: أن الدية للعاقلة حالة وليست مؤجلة. وهذا قال به الظاهرية؛ لأنه لم يثبت نص في التأجيل، فالأصل أنها حالة.

    الدية على الجاني إذا لم يكن لديه عاقلة

    إذا وجبت الدية على العاقلة ولم يكن للشخص عاقلة, أو كان له عاقلة وهذه العاقلة فقيرة لا تستطيع أن تتحمل الدية، فهل تسقط الدية، أو تجب في بيت المال، أو تجب في مال الجاني.. إلخ؟

    المشهور من المذهب أن العاقلة إذا كانت فقيرة لا تستطيع أن تتحمل الدية، أو لم يكن هناك عاقلة، فإن بيت المال يتحمل الدية، وهذا كما تقدم هو قول الحنابلة رحمهم الله تعالى، وهو قول جمهور أهل العلم خلافاً للحنفية.

    ويدل على ذلك ما سيأتينا في باب القسامة في قصة عبد الله بن سهل لما قتل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وداه مائة من إبل الصدقة، خلافاً للحنفية الذين يجعلون الدية في مال الجاني إذا لم يمكن تحميل العاقلة، لأن الأصل أن الدية واجبة في مال الجاني.

    والأقرب -والله أعلم- هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.

    أما إذا لم يمكن تحميل بيت المال لأنه قد يتعذر بيت المال كما في كثير من البلاد الإسلامية اليوم بيت المال ليس منتظماً لا يصرف في مصارفه الشرعية، فالمشهور من المذهب أن الدية تسقط؛ لأن الدية واجبة على العاقلة فإذا لم يتمكن من ذلك فإنها تسقط ولا تحمل الدية على الجاني.

    وعند الحنفية والمالكية أنها تجب على الجاني؛ لأن الله عز وجل قال: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92].

    والذي يظهر أن ما ذهب إليه الحنفية والمالكية هو الأقرب في هذه المسألة؛ لئلا يذهب الدم هدراً، فنقول: يجب على العاقلة إذا أمكن ذلك، أما إذا لم يمكن ذلك ولم يمكن من بيت المال، فنقول: إنها تجب على الجاني في ماله؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92].

    1.   

    كفارة القتل

    قال رحمه الله تعالى: (فصل: من قتل نفساً محرمة).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان شروط وجوب الكفارة في قتل النفس، وهذا من محاسن الشريعة لكي تعظم الدماء، فلما سقط القود في الخطأ وشبه العمد وجبت الكفارة المغلظة، ولهذا فإن كفارة القتل المغلظة ليس فيها إطعام، مثل الظهار والوطء في نهار رمضان.. إلخ. لكن كفارة القتل هذه ليس فيها إطعام، وإنما هو عتق أو صيام.

    وفي هذا الفصل يذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بشروط وجوب كفارة القتل، أما ما يتعلق بأجناس الكفارة: العتق، وشروط وجوب العتق، وشروط صحة الإعتاق، ومتى ينتقل إلى الصيام، وهل يشترط التتابع في الصيام، وما الذي يقطع التتابع، وما الذي لا يقطع التتابع، ومتى ينتقل إلى الإطعام، وما هو جنس الطعام، وماذا يشترط في المسكين المطعم .. إلخ مما يتعلق بمباحث الكفارات فهذا تقدم الكلام عليه في كتاب الظهار.

    أما هنا فسنذكر فقط شروط وجوب الكفارة في القتل. ما هي شروط وجوب الكفارة في القتل؟

    1.   

    شروط وجوب كفارة القتل

    قال رحمه الله تعالى: (من قتل نفساً).

    هذا الشرط الأول: إزهاق النفس، وعلى هذا إذا كانت الجناية على ما دون النفس فإنه لا كفارة.

    وقوله: (من قتل نفساً)، هل يشمل نفسه أو ليست داخلة في ذلك؟

    المشهور من المذهب وهو ما يفهم من كلام المؤلف في قوله: (من قتل نفساً)، أنه حتى لو قتل نفسه، فإنه تجب الكفارة وتخرج من التركة، يعني: لو أن شخصاً قتل نفسه خطأً أو شبه عمد.. إلخ فإن الكفارة واجبة وتخرج من التركة. وعند أكثر أهل العلم أن الكفارة ليست واجبة.

    ويدل على ذلك: أن عامر بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قتل نفسه كما في صحيح البخاري ، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب كفارة، لكن علماء المذهب يستدلون بعموم قول الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92]، والأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.

    وقوله: (من قتل نفساً) هل هذا خاص بالحر أو يشمل الرقيق؟

    جمهور أهل العلم أنه شامل للحر والرقيق، سواء قتل حراً أو قتل رقيقاً، لعموم الآية: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92].

    وعند الإمام مالك رحمه الله تعالى: أن الرقيق لا يدخل في ذلك؛ لأن الرقيق مال، ونقول: صحيح أن الرقيق مال، لكنه نفس، فالصواب في ذلك أنه تجب الكفارة في قتل الرقيق.

    وقوله أيضاً: (محرمة).

    هذا الشرط الثاني: أن تكون محرمةً، وعلى هذا إذا كانت النفس مباحة الدم مثل: المرتد والحربي والزاني المحصن فإنه لا كفارة بقتل هؤلاء.. إلخ. وهل هذا خاص بالمسلم، أو أنه يشمل نفس الكافر المعصومة؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    جمهور العلماء أنه شامل للمسلم وللكافر إذا كانت نفسه معصومة، وعلى هذا إذا قتل معاهداً أو مستأمناً -وقد دخل بلاد المسلمين بأمان في حاجة- حتى ولو كان كافراً فتجب الكفارة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم؛ لعموم الآية: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ .. إلى أن قال الله عز وجل: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، فالقرآن في هذا ظاهر.

    وعند الإمام مالك والحسن البصري أنه لا تجب الكفارة، لقول الله عز وجل: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء:92] ولكن هذا المفهوم يعارضه منطوق قول الله عز وجل: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92].

    فالصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأنه لا يشترط الإسلام ما دام هذه النفس معصومة حتى لو كانت كافرة فإنه تجب الكفارة بقتلها.

    قال: (خطأً مباشرة أو تسبباً).

    يشترط أن تكون الجناية خطأً، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن شبه العمد ليس داخلاً، فالجناية لا تخلو من ثلاث حالات:

    إن كانت خطأً، فالكفارة واجبة بالاتفاق، والقرآن صريح في ذلك: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92] وإن كان القتل شبه عمد فالجمهور أيضاً أن الكفارة واجبة، للآية: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92]. وشبه العمد ملحق بالخطأ؛ لأنه لم يقصد القتل، والخطأ قتل إلا أنه لم يقصد القتل.

    والرأي الثاني في هذه المسألة وقال به أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أنه لا تجب الكفارة في القتل شبه العمد لظاهر حديث أبي هريرة ؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أوجب الكفارة.

    والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر الكفارة في حديث أبي هريرة، فنقول: الكفارة دلت عليها أدلة أخرى وليس بلازم أن يذكر الحكم في كل موضع؛ لأن الحكم دل عليه الدين الشرعي.

    أما بالنسبة للقسم الثالث: إذا كان القتل عمداً فجمهور العلماء أن الكفارة لا تجب في قتل العمد؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في قتل الخطأ: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92]، وقال في قتل العمد: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، ولم يذكر الله عز وجل الكفارة، وأيضاً نفهم أن عدم إيجاب الكفارة في قتل العمد ليس من باب التخفيف، وإنما هو من باب الزجر والردع.

    والرأي الثاني في هذه المسألة وهو رأي الشافعي رحمه الله تعالى: أن الكفارة تجب في قتل العمد، ودليل ذلك حديث عاصم بن قيس رضي الله تعالى عنه: (أنه وأد بنات في الجاهلية، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتق عن كل واحدة رقبة) وهذا رواه عبد الرزاق وهو ضعيف. وإن ثبت هذا الحديث فإن هذا ليس على سيبل الكفارة وإنما هذا على سبيل الاستحباب والصدقة؛ لكي يكفر ما بدر منه، وهذا أصل عند الشافعية، وتقدم لنا نظير ذلك أن الشافعية رحمهم الله تعالى يوجبون الكفارة في قتل العمد، وسيأتينا أيضاً أنهم يوجبون الكفارة في اليمين الغموس.

    وابن القيم رحمه الله تعالى أجاب عن سؤال: الكفارة متى تجب في الشرع؟ يقول: الكفارة أوجبها الشرع في شيء أصله مباح ثم عرض له التحريم، فلا تجب الكفارة في شيء أصله محرم، فمثلاً: الوطء في نهار رمضان، كونه يطأ زوجته هذا مباح، لكن عارض التحريم لكونه في شهر رمضان، الظهار: الزوجة مباحة، لكن عارض التحريم لهذا التشبيه القبيح فوجبت الكفارة، ومثل ذلك أيضاً القتل في الخطأ، له أن يفعل ما فعل، مباح، لكن لما حصل عارض التحريم وجبت الكفارة.

    قال ابن القيم رحمه الله: ما كان أصله محرماً مثل اليمين الغموس ومثل قتل العمد إلخ، فهذا لا تجب فيه الكفارة.