إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الديات [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل من أتلف من الإنسان ما فيه شيء واحد ففيه دية النفس، وما فيه شيئان ففي أحدهما نصف الدية وفي كليهما دية كاملة، والأنف فيه دية كاملة؛ المنخران ثلثا الدية والحاجز بينهما ثلث، وأما الأجفان الأربعة ففيها دية كاملة وفي واحد منها ربع الدية، وأصابع اليدين فيها ا

    1.   

    ديات الأعضاء ومنافعها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ديات الأعضاء ومنافعها:

    من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف واللسان والذكر ففيه دية النفس، وما فيه منه شيئان كالعينين والأذنين والشفتين واللحيين وثديي المرأة وثندوتي الرجل واليدين والرجلين والإليتين والأنثيين وإسكتي المرأة ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها، وفي المنخرين ثلثا الدية، وفي الحاجز بينهما ثلثها، وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي كل جفن ربعها، وفي أصابع اليدين الدية كأصابع الرجلين، وفي كل إصبع عشر الدية، وفي كل أنملة ثلث عشر الدية، والإبهام مفصلان، وفي كل مفصل نصف عشر الدية، كدية السن ].

    تقدم معنا ما يتعلق بدية النفس، وتقدم بيان قدر دية نفس المسلم الحر الذكر، وكذلك ما يتعلق بنفس الكافر، ودية الأنثى الحرة المسلمة، ودية الكافرة، وكذلك ما يتعلق بدية الجنين، وما يتعلق بالقن، وكيف تضمن نفسه, وكذلك ما يتعلق بضمان جراحه.. إلخ.

    فالمؤلف رحمه الله تعالى تكلم أولاً عن دية النفس، ثم شرع الآن في بيان ديات ما دون النفس من الأطراف, والمنافع, والجروح, والكسور.

    1.   

    ضابط ديات الأعضاء

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (باب ديات الأعضاء ومنافعها: من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف واللسان والذكر ففيه دية النفس).

    هذا ضابط ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، إذا كان في الإنسان شيء واحد ففيه دية النفس كاملة؛ ودليل ذلك حديث عمرو بن حزم وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في الأنف دية كاملة ). وكذلك أوجب في اللسان دية كاملة، وأوجب في الذكر دية كاملة.. إلخ، وهو يدل لهذا الضابط الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وهو أنه إذا كان في الإنسان شيء واحد فجني عليه، فإن فيه دية كاملة.

    وإذا كان فيه شيئان، فإن في هذين الشيئين دية كاملة، وفي إحداهما نصف الدية، فالعينان فيهما دية كاملة، وفي إحدى العينين نصف الدية كما سيأتينا، وكذلك أيضاً في اليدين دية كاملة، وفي إحداهما نصف الدية.

    ويدل لهذا الضابط أيضاً حديث عمرو بن حزم وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب: وفي العينين الدية ) وأيضاً في حديث عمرو بن حزم : (وفي الأذن خمسون من الإبل) ، وعلى هذا فقس.

    الضابط الثالث: إذا كان في الإنسان ما يتركب من ثلاثة أشياء ففي الجناية عليه الدية، وفي الجناية على أحدها ثلث الدية، وهذا كالأنف فيها الدية، وفي أحد المنخرين ثلث الدية، وفي الحاجز بينهما ثلث الدية، كما سيأتينا.

    وإذا كان في الإنسان أربعة أشياء فجني عليها ففيها الدية، وفي أحدها ربع الدية، هذه كلها ضوابط.

    وإذا كان في الإنسان عشرة أشياء كالأصابع ففيها الدية، وفي أحدها عشر الدية وهكذا..

    اقرأ علينا من باب دية الأعضاء الموجودة عندكم في الأوراق.

    1.   

    دية الأنف

    (الأنف ففيه دية نفس كاملة).

    الأنف فيه دية كاملة، ودليل ذلك حديث عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب: وفي الأنف إذا أوعب جدعاً الدية ). والأنف إذا جني عليه ففيه الدية كاملة، وهذا القسم الأول.

    (ثانياً: استئصال المارن؛ أجمع أهل العلم على وجوب الدية كاملة باستئصال مارن الأنف).

    هذا القسم الثاني: مارن الأنف وهو ما لان من الأنف، فهذا فيه الدية كاملة. ودليل ذلك الإجماع.

    (وإذا قطع بعض المارن وجب من الدية بقدر ما قطع).

    هذا القسم الثالث، إذا قطع من المارن شيء وجب من الدية بقدر ما قطع، فهذا المارن فيه الدية كاملة، فإذا قطع نصفه ففيه نصف الدية، وإذا قطع ثلثه ففيه ثلث الدية، وعلى هذا فقس.

    (وفي المنخرين ثلثاها، وفي الحاجز بينهما الثلث، وفي أحد المنخرين ثلث الدية).

    في المنخرين: الأيمن والأيسر ثلثا الدية، وفي أحدهما ثلث الدية، وفي الحاجز بينهما أيضاً ثلث الدية، والمؤلف رحمه الله تعالى يرى أن الأنف مركب من منخرين وحاجز، فالمنخر الأيمن فيه ثلث الدية، والأيسر فيه ثلث الدية، والحاجز بينهما فيه الثلث.

    (وفي قطع القصبة مع المارن الواجب في ذلك الدية فقط).

    يعني: المارن هذا ما لان منه هذا فيه الدية، لكن لو قطعه من القصبة، فهل يزاد على الدية مقابل القصبة أو لا يزاد؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، والمشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك وهو: قول أكثر أهل العلم أن الأنف فيه دية، ولا يزاد شيء للقصبة، حتى لو أخذت القصبة.

    والرأي الثاني: رأي الشافعي: أنه تجب للمارن دية، والقصبة لها حكومة.

    (إذا أذهب الشم مع قطع الأنف تجب ديتان؛ لأن الشم في غير الأنف).

    هذا القسم السادس، إذا قطع الأنف وذهب الشم تجب ديتان: دية للعضو، ودية للمنفعة؛ لأن المنفعة خارج العضو، وعندنا عضوان منفعتهما خارجهما، وهما: الأنف والأذن، أما اليد فإن المنفعة في نفس العضو، فإذا قطع اليدين ففيهما دية واحدة، مع أنه ذهب العضو وذهبت المنفعة، لكن المنفعة هنا داخل العضو، أما الأنف فإن المنفعة خارج العضو، وعلى هذا إذا جنى على الأنف وذهب الأنف وذهبت المنفعة فإنه يجب على الجاني ديتان: الدية الأولى للعضو، والدية الثانية للمنفعة.

    (الأنف المشلول).

    القسم السابع: الأنف المشلول، إذا جنى عليه ففيه دية كاملة، مائة من الإبل، مع أنه مشلول، لأن المقصود من الأنف الجمال والمنفعة، وليس المقصود منفعة الشم، لأن منفعة الشم ليست في نفس العضو، فإذا جنى على هذا العضو فإنه تجب فيه دية كاملة.

    1.   

    دية اللسان

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (واللسان).

    إذا جنى على اللسان، أيضاً تحته أقسام:

    (أجمع أهل العلم على وجوب الدية كاملة في قطع لسان الكبير الناطق).

    هذا القسم الأول: لسان الكبير الناطق، هذا فيه دية كاملة، ويدل لذلك ما جاء في حديث عمرو بن حزم : ( وفي اللسان الدية ) .

    (لسان الصغير فيه دية لسان الناطق الكبير، أي: الدية كاملة بشرط أن يحركه بالبكاء، وإلا وجب فيه ما يجب في لسان الأخرس).

    القسم الثاني: لسان الصغير الذي لم يتكلم حتى الآن، إذا جني على لسانه فالعلماء رحمهم الله يقولون: فيه دية كاملة؛ بشرط أن يحركه عند البكاء، يعني: إذا بكى وحرك لسانه فإن فيه دية كاملة.

    وإذا كان لا يحركه عند البكاء ففيه حكومة، والحكومة غير مقدرة.

    (لسان الأخرس، ذهب الجمهور إلى أن فيه حكومة لأنه لا تقدير فيه).

    القسم الثالث: لسان الأخرس الذي لا يتكلم، فقول جماهير العلماء على أن فيه حكومة، إذ أنه لا تقدير فيه.

    (قطع بعض اللسان إذا لم يذهب من الكلام شيء، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن فيه بقدر ما ذهب منه، وإذا ذهب مع القطع بعض الكلام ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن فيه الأكثر مما قطع منه أو ما ذهب من كلامه).

    القسم الرابع: إذا قطع بعض اللسان، فهذا لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: إذا لم يذهب شيء من الكلام؛ فالشافعية والحنابلة ذهبوا إلى أن فيه بقدر ما قطع منه، فمثلاً: إذا قطع منه الربع، ولم يذهب شيء من الكلام, تكون أرش الجناية في هذه الحالة ربع الدية؛ لأن اللسان فيه الدية كاملة.

    وهذا ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وعند الحنفية أن فيه حكومة، لكن ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة أقيس، فإذا كان قطع منه الربع ففيه ربع الدية، والخمس فيه خمس الدية، ما دام أنه لم يذهب شيء من الكلام.

    الحالة الثانية: إذا ذهب شيء من الكلام، ففيه الأكثر مما قطع منه أو ما ذهب من كلامه.

    منفعة الكلام فيه دية كاملة، واللسان فيه دية كاملة، فننظر ما هو الأكثر ذهاباً، فلو فرض أنه قطع ثلث لسانه وذهب نصف كلامه، فهنا يجب نصف الدية ونعتبر هنا المنفعة.

    والعكس بالعكس إذا قطع نصف لسانه وذهب ثلث كلامه نعتبر هنا العضو, فنقول: فيه نصف الدية.

    1.   

    دية الذكر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والذكر ففيه دية النفس).

    الذكر إذا قطع ففيه دية كاملة، ويدل لذلك حديث عمرو بن حزم، وفيه: ( وفي الذكر الدية ) .

    (ثانياً: ذكر العنين، ذهب المالكية والشافعية إلى أن الدية تجب فيه كاملة؛ لعموم الحديث، وذهب الحنفية إلى أنه تجب فيه الحكومة؛ لأن منفعته الإنزال والجماع وقد عدم ذلك منه).

    العنين هو الذي لا يتمكن من الوطء، فهذا العنين الذي لا يتمكن من الجماع إذا قطع ذكره هل تجب في ذكره دية كاملة أو نقول: فيه حكومة؟

    للعلماء رحمهما الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: ما ذهب إليه المالكية والشافعية أنه تجب فيه دية كاملة؛ ودليل ذلك ما تقدم من حديث عمرو بن حزم.

    والرأي الثاني: مذهب الحنفية أنه تجب فيه حكومة؛ لأن المنفعة قد زالت منه، فهو كالذكر المشلول، والذكر المشلول سيأتينا أن فيه حكومة.

    والذي يظهر -والله أعلم- أن يقال في مثل هذه المسألة أن ينظر إلى هذا الذكر، هل هو كالمشلول تماماً، أو أن هناك فرقاً بينه وبين المشلول؟ لأن كونه لا يجامع لا يلزم من ذلك أن يكون كالمشلول تماماً، فإن كان هذا الذكر كالمشلول تماماً فكما قال الحنفية: فيه حكومة. وإن كان كالصحيح إلا أنه لا يجامع، ولا يحصل له انتشار في الجماع، فيظهر -والله أعلم- أن فيه دية كما ذهب إليه المالكية والشافعية.

    القسم الثالث: ذكر الخصي؛ والخصي: هو الذي قطعت منه البيضتان مع الجلدة، فذكر الخصي الخلاف فيه كما تقدم، قول المالكية: فيه دية كاملة لعموم الحديث، وعند الحنفية: أن الواجب فيه حكومة؛ لأن منفعته فيما يتعلق بالجماع والإنزال قد زالت.

    قال: (ذكر الخنثى, فقد ذكر المالكية أنه يجب فيه نصف دية، ونصف حكومة، فأما نصف الدية فلاحتمال ذكورته، ونصف حكومة لاحتمال أنوثته).

    ذكر الخنثى، إذا كان هناك خنثى، له آلة ذكر وآلة أنثى، يعني: خنثى مشكل لم يتبين أمره هل هو ذكر أو أنثى؟

    فالمالكية ذكروا أن فيه نصف دية ونصف حكومة، أما نصف الدية فلاحتمال أنه ذكر، وأما نصف حكومة فلاحتمال أنه أنثى.

    قال: (ذكر الأشل).

    إذا كان الذكر مشلولاً فهذا فيه حكومة؛ لأن العضو الأشل كالميت ذهبت منفعته، فالعلماء يجعلون فيه حكومة.

    قال: (قطع الحشفة، تجب الدية كاملة بقطع الحشفة، وإذا قطع جزء من الحشفة وجب من الدية بقدر الذاهب).

    الحشفة رأس الذكر، وإذا قطعت ففيها الدية كاملة، يعني: إذا قطع الذكر كله ففيه الدية كاملة، والحشفة إذا قطعت لوحدها فيها الدية كاملة، وإذا قطع بعض الحشفة فبقدر ما قطع من الدية، وإذا قطع نصف الحشفة في ذلك نصف الدية.

    (إذا كانت الجناية على ذكر قد ذهبت حشفته ففيه حكومة).

    إذا كانت الجناية على ذكر قد ذهبت حشفته، يعني: قطع ذكراً قد قطعت حشفته، وبقي الذكر دون الحشفة، وجاء شخص وقطع بقية الذكر، فالعلماء يقولون: فيه حكومة.

    1.   

    دية العينين

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وما فيه منه شيئان كالعينين والأذنين والشفتين واللحيين وثديي المرأة وثندتي الرجل واليدين والرجلين والإليتين والأنثيين وإسكتي المرأة ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها).

    ودليل ذلك ما تقدم من حديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب: ( وفي العينين الدية ) .

    العينان: تحتهما أقسام:

    (الأول: أجمع أهل العلم على أن في العينين إذا أصبيتا خطأً الدية، وفي العين الواحدة نصفها).

    هذا القسم الأول: إذا فقأ العينين جميعاً ففيهما الدية، وفي إحدى العينين نصف الدية، ودليل ذلك ما تقدم من حديث عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه: ( وفي العينين الدية ) . ولو ذهب البصر؛ لأن المنفعة هنا داخل العضو، فتجب دية واحدة، وسيأتي أنه إذا أذهب البصر وبقيت العينان، فإنها تجب دية كاملة، ففي المنفعة دية لوحدها، وفي العضو إذا أتلف دية واحدة ولو ذهبت المنفعة.

    (عين الأعور). القسم الثاني: عين الأعور، وهذا فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، لو أن شخصاً فقأ عين أعور، سيذهب بصره بالكلية، لأن العين تقوم مقام العينين، فلو جاء شخص وفقأ عين أعور، فهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله:

    المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب المالكية: أن عين الأعور فيها دية كاملة، يعني: هذا رجل عينه اليمنى سليمة، والعين اليسرى عوراء، فجاءوا وفقئوا عينه اليمنى السليمة، فذهب بصره، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد، ومذهب الإمام مالك أن فيه دية كاملة؛ لأنه الآن أذهب البصر كله، وأذهب المنفعة كلها، وهذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي وأبي حنيفة: أن عين الأعور كسائر أعين الناس لا فرق فيه نصف الدية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وفي العينين الدية ). ومفهوم الحديث: أن العين الواحدة فيها نصف الدية.

    والحقيقة أن المسألة محل اجتهاد، وما ذكره الحنابلة والمالكية أن فيها الدية كاملة لأنه أذهب المنفعة كلها، هذا له وجه وله قوة، خصوصاً أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وما ذكره الحنفية والشافعية أن فيه نصف الدية كسائر أعين الناس وهو ظاهر مفهوم الحديث، هذا أيضاً له وجه. فكلا القولين له قوة، فيرجع في ذلك إلى اجتهاد القاضي.

    قال: (إذا كان الجاني أعور، إذا كانت الجناية خطأً فلا خلاف بين أهل العلم في أن الذي يجب بهذه الجناية نصف الدية).

    هذه المسألة عكس المسألة السابقة، فإن المسألة السابقة جني على عين الأعور السليمة، لكن هذه المسألة هذا رجل أعور عينه اليمنى سليمة، وعينه اليسرى عوراء وفقأ عين شخص اليمنى، هل نقتص من الأعور أو لا نقتص؟ إن قلنا بالقصاص، ذهب بصره بالكلية، وإن قلنا بعدم القصاص, هل نلزمه دية كاملة أم نلزمه نصف الدية لكونه جنى على عينه؟

    هذه المسألة لا تخلو من قسمين:

    القسم الأول: أن تكون جنايته خطأً. فهنا لا يلزم الأعور إلا بنصف الدية كغيره، فهذا رجل أعور عينه اليمنى سليمة، جنى على العين اليمنى من شخص، هنا نقول: لا نقتص منه؛ لأنه خطأ ويلزم بنصف الدية.

    القسم الثاني: أن تكون جنايته عمداً، فقأ هذه العين اليمنى المقابلة لعينه السليمة، فهل نقتص منه أو لا نقتص منه؟

    المشهور من المذهب: أنه لا قصاص؛ لأنه لو قلنا بالقصاص لزم من ذلك ذهاب المنفعة بالكلية، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد: يسقط القصاص مع أنه عمد، ويلزم هذا الأعور بدية كاملة.

    الرأي الثاني: ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى: أن المجني عليه إن شاء اقتص وفقأ عين هذا الأعور، وإن شاء أخذ دية كاملة.

    والرأي الثالث: رأي أبي حنيفة والشافعي: أنه إن شاء اقتص وإلا له نصف الدية.

    والذي يظهر والله أعلم: أنه من جهة القصاص، مادام أنه متعمد، فليس لعرق ظالم حق، ما دام أنه تعمد الجناية فيقتص منه حتى لو ذهب بصره.

    فما ذهب إليه الحنابلة من إسقاط القصاص هذا ضعيف، ولهذا الجمهور: المالكية والحنيفة والشافعية يثبتون القصاص.

    فالصواب: أن هذا الأعور إذا جنى على شخص وأخذ عينه المقابلة لعينه السليمة أنه يقتص منه للعمومات: ( كتاب الله القصاص ) لكن إذا لم يرد القصاص المجني عليه، وأنه لو اقتص من هذا الشخص ذهب بصره بالكلية فهل له نصف الدية أو له الدية كاملة؟ المالكية والحنابلة يقولون: له الدية كاملة. والشافعية والحنفية يقولون: له نصف الدية، وهذا أقرب إلى ظاهر السنة.

    فالخلاصة: أن جناية الأعور كغيره، يقتص منه ولو ذهب بصره، وإذا سقط القود فإنه ليس للمجني عليه ولا يلزم الجاني إلا بنصف الدية.

    1.   

    دية الأذنين

    قال: (والأذنين).

    فالأذنان تحتهما أقسام، وقد جاء في حديث عمرو بن حزم: ( وفي الأذن خمسون من الإبل ) .

    قال: (الأول: قطع الأذنين السليمتين، فيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية).

    الأذنان السليمتان فيهما الدية كاملة، وفي أحد الأذنين نصف الدية.

    قال: (ثانياً: قطع بعض الأذن، ذهب الحنابلة إلى أنه يجب بقدر ما قطع من ديتها).

    إذا قطع بعض الأذن، قطع نصف الأذن، نقول: يجب نصف دية الأذن، قطع ربع الأذن، نقول: يجب ربع دية الأذن، وعلى هذا فقس.

    وعند الحنفية أنه يجب حكومة، لكن ما ذهب إليه الحنابلة أقيس وأقرب إلى القواعد.

    قال: (ثالثاً: إذا ذهب السمع بقطع الأذنين ذهب الجمهور إلى وجوب ديتين).

    إذا ذهب السمع بقطع الأذنين وجب ديتان: الدية الأولى للعضو. والدية الثانية للمنفعة، فتجب ديتان، ومنفعة السمع ليست في نفس العضو، وإنما هي في خارج العضو، فتجب ديتان: دية للعضو، ودية للمنفعة.

    قال: [رابعاً: إذا كانت الأذنان قد شلتا قبل ذلك فقطعهما شخص، ففيها وجوب الدية كاملة).

    إذا كانت الأذنان مشلولتين فتجب الدية كاملة؛ لأن المقصود منفعة الجمال، كما قلنا في الأنف المشلول: إذا قطع ففيه الدية كاملة.

    1.   

    دية الشفتين

    قال: (والشفتين): (في الشفتين الدية كاملة).

    وهذا كما تقدم في الضابط أن كل ما فيه شيئان ففيه الدية، وفي أحدهما نصف الدية.

    قال: (ثانياً: قطع بعض الشفة فيه من الدية بقدر الذاهب).

    فالشفتان إذا قطعتا فيهما الدية كاملة، ولو قطع نصف الشفة السفلى، فنقول: يجب نصف دية الشفة السفلى.

    قال: (الشفة الشلاء).

    يعني الشفة المشلولة فيها حكومة كما تقدم معنا في الذكر المشلول فيه حكومة.

    1.   

    دية اللحيين

    قال: (واللحيين).

    قال: (اللحيان إذا قلع من دون الأسنان فيهما الدية، لأن فيهما جمالاً وكمالاً كسائر ما في البدن).

    كسائر ما في البدن مما فيه شيئان، فاللحيان إذا قطع ففيهما دية، وإذا قطع أحدهما ففيه نصف الدية.

    قال: (وإذا قلع اللحيان مع الأسنان، فيه ديتان).

    إذا قلع اللحيان مع الأسنان، ففيه ديتان؛ لأن عندنا عضوين: الأسنان فيهما دية، واللحيان فيهما دية، عندنا عضوان من جنسين مختلفين، فإذا قطع اللحيان مع الأسنان فالأسنان فيهما دية كاملة، واللحيان فيهما دية كاملة.

    1.   

    دية الثديين وثندوتي الرجل

    قال: (وثديي المرأة وثندوتي الرجل).

    (الثديان فيهما دية كاملة).

    للضابط الذي تقدم، وهو مستقرأ من السنة، وأن كل شيء فيه شيئان في الإنسان ففيه دية كاملة، وفي أحدهما نصف الدية.

    قال: (ثانياً: إذا كانت الجناية بقطع الحلمتين وجوب الدية مطلقاً، وفي أحدهما نصف الدية).

    الثديان إذا قطعا فيهما الدية، لو قطع الحلمتين فالحلمتان فيهما الدية كاملة، مثل: حشفة الذكر، فيه الدية كاملة، والحلمتان فيهما الدية كاملة، وفي إحدى الحلمتين نصف الدية.

    ونظير ذلك الأصابع مع الكف، إذا قطع الأصابع ففيهما الدية كاملة.

    قال: (استرسال الثديين).

    يعني: إذا جنى على هذه المرأة بأن ضربها على ثديها واسترسل الثدي، فهذا فيه حكومة.

    قال: (رابعاً: قطع ثديي الرجل، ذهب الحنابلة إلى أن فيهما الدية).

    للضابط الذي ذكرنا بالنسبة لثديي الرجل، وهو أن كل ما فيه منه شيئان ففيه دية كاملة، وفي أحدهما نصف الدية، وثندوتي الرجل كثديي المرأة، فكما أن ثديي المرأة فيهما الدية، فكذلك أيضاً بالنسبة لثندوتي الرجل فيهما الدية.

    والجمهور أن فيهما حكومة، لأن ثندوتي الرجل هذه ليست فيهما منفعة، وإنما هي جمال فقط، بخلاف ثدي المرأة ففيه منفعة، فلا يقاس هذا على هذا، وكلا القولين قوي، وما ذهب إليه الحنابلة، هذا أقرب إلى الأصول والقواعد، وأن كل شيء منه فيه شيئان ففيه دية، وفي أحدهما نصف الدية.

    وأيضاً: ما ذكر الجمهور أن ثندوتي الرجل ليست فيها منفعة وإنما مجرد جمال.. إلخ. أيضاً هذا له قوة، لكن يظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه الحنابلة أقرب؛ لأنه أقيس، ومنطبق على الأصول والقواعد.

    1.   

    دية اليدين

    قال: (واليدين).

    (اليدان. أولاً: دية اليدين، أجمع أهل العلم على وجوب الدية في قطع اليدين).

    كما في حديث عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه: ( وفي اليد خمسون من الإبل ).

    قال: (ثانياً: إذا كان القطع من فوق الكوع فلا يجب إلا دية فقط على الأقرب).

    يعني: اليد فيها دية كاملة، سواء قطعها من المفصل هنا، أو قطعها من المرفق، أو قطعها من الكتف، فالكل فيها دية كاملة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: مذهب الشافعية والحنفية أن الكف فيه دية، وما زاد ففيه حكومة، ونظير هذا الأنف، وتقدم لنا أن المارن فيه دية، والقصبة فيها حكومة وهو قول الشافعية، حيث يقولون: لو أخذ القصبة مع المارن فهذا فيه دية وحكومة.

    وهم أيضاً يقولون: إذا أخذ الكف وزاد على ذلك، أخذ مع الكف الذراع أو نصف الذراع ويجب للكف دية يد كاملة، وما زاد يجب فيه حكومة.

    قال: (يجب في قطع يد الأقطع نصف الدية كغيره).

    إذا كان هناك شخص يده اليمنى مقطوعة، فجاء شخص وقطع يده اليسرى أصبح الآن أقطع، فهل نلحق هذا الأقطع بالأعور؟ لأنه كما تقدم لو جاء شخص وفقأ عين الأعور فالحنابلة يقولون: فيه دية كاملة, وهنا قالوا: لا، هناك فرق بين عين الأعور ويد الأقطع، فاليد لا تقوم مقام اليدين, بخلاف العين فإنها تقوم مقام العينين، ولهذا قالوا في عين الأعور: فيها دية كاملة، وأما يد الأقطع كغيرها من الأيدي، فيه نصف الدية.

    والفرق أن عين الأعور تقوم مقام العينين في النظر، وأما يد الأقطع فإنها لا تقوم مقام اليدين في الحركة والبطش ونحو ذلك. ولهذا قال: (كغيره).

    قال: (رابعاً: قطع اليد الشلاء فيها حكومة).

    كما تقدم كالذكر الأشل ونحو ذلك هذا فيه حكومة.

    قال: (خامساً: يد الأعسم إذا كانت سليمة ففيها الدية كاملة).

    الأعسم هو الذي يعمل بيده اليسرى، فهذا إذا قطعت يده اليمنى، وإن كان لا يعمل إلا بيده اليسرى فتجب فيه دية اليد كاملة، خمسون من الإبل.

    قال: (سادساً: إذا جنى على يده فعوجها أو نقص قوتها أو شالها، فعليه حكومة).

    إذا جنى على هذه اليد فأصبح فيها اعوجاج أو شيل أو نقصت قوتها، فنقول: فيها حكومة، كما سيأتي.

    1.   

    دية الرجلين

    قال: (والرجلين).

    (الرجلان: أولاً: قطع الرجلين، أجمع أهل العلم على أن في الرجلين الدية).

    لحديث عمرو بن حزم ، وفيه: ( وفي الرجل نصف الدية ) فإذا قطع الرجلين ففيهما الدية كاملة، وإذا قطع إحدى الرجلين ففيها نصف الدية.

    والكلام الذي تكلمنا عليه في اليد، لو أنه قطع فوق الكعب، يعني قطعه من الركبة، أو قطعه من الفخذ، نقول: تجب دية الرجل كاملة، لكن هل لما زاد له أرش، أو نقول: ليس له أرش، يأتي الخلاف السابق.

    فالمشهور من المذهب: لو قطعه من الركبة سواء قطعه من الكعب أو قطعه من الركبة، ففيه دية فقط.

    والرأي الثاني: أنه تجب حكومة لما زاد.

    قال: (ثانياً: الرجل العرجاء تجب الدية كاملة).

    الرجل العرجاء؛ لأن المنفعة باقية، كونه يعرج فيها مادام أنه يمشي بها، فنقول: الرجل العرجاء هذه تجب فيها دية كاملة، كيد الأعسم، تجب فيها دية كاملة.

    القسم الثالث أيضاً: إذا كانت هذه الرجل مشلولة، فكما قلنا في اليد المشلولة حكومة، وكما في الذكر المشلول حكومة، فالرجل المشلولة هذه فيها حكومة.

    1.   

    دية الإليتين

    قال: (والإليتين).

    (قطع الإليتين فيهما الدية، وإحداهما نصف الدية).

    قطع الإليتين فيهما الدية وفي إحدى الإليتين نصف الدية؛ والقاعدة أن ما فيه منه شيئان ففيه الدية، وفي أحدهما نصف الدية.

    (وفي قطع جزء منهما يجب من الدية بقدر الذاهب).

    إذا أتى بالسكين أو بالسيف وقطع جزءاً من الإلية أو بالسيف ونحو ذلك، فينظر كم ذهب؟ الربع، أو الخمس من هذه الإلية، فإذا قطع ربع الإلية اليمنى، نقول: فيه ربع دية الإلية اليمنى، وعلى هذا فقس.

    1.   

    دية الأنثيين

    قال: (والأنثيين).

    (قطع الأنثيين فيها الدية، وفي كل واحدة منهما نصف الدية).

    يعني: الخصيتان فيهما الدية إذا قطعهما، وإذا قطع إحداهما ففيها نصف الدية.

    وبعض العلماء كـسعيد يفرق بين الخصية اليسرى والخصية اليمنى، فيقول: بأن اليسرى فيها ثلثا الدية؛ لأن فيها منفعة الإنزال ونحو ذلك. وأما اليمنى ففيها ثلث الدية، لكن الأقرب هو ما مشى عليه المؤلف رحمه الله تعالى وهو الأقيس والأقعد.

    فنقول: الخصيتان فيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية ..

    1.   

    دية الركب

    (الركب، وجوب الحكومة في إتلاف الركب).

    الركب كما قال المؤلف رحمه الله: تجب فيه حكومة، والركب هو ما فوق الذكر، فإتلافه فيه حكومة لعدم التقدير.

    1.   

    دية اسكتا المرأة

    قال: (وإسكتي المرأة).

    (اسكتا المرأة وهما اللحمان المحيطتان بالفرج من جانبيه كإحاطة الشفتين فيها الدية).

    اسكتا المرأة كما تقدم، والقاعدة ما فيه منه شيئان ففيه دية، وفي أحدهما نصف الدية، وإذا قطع بعضه فبقدر ما ذهب منه، بقسطه من الدية، فإسكتا المرأة فيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية.

    1.   

    دية الأجفان

    قال رحمه الله: (وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي الجفن ربعها).

    (الأجفان، جميع أجفان العينين فيه الدية).

    الأجفان: أجفان العينين فيهما الدية كاملة.

    قال: (قطع بعض الجفن في ذلك قسطه من دية الجفن).

    والأجفان أربعة: إذا قطع أحد الأجفان ففيه ربع الدية، وإذا قطع جميع الأجفان ففيها الدية كاملة.

    قال: إذا قطع بعض الجفن ففي ذلك قسطه من دية الجفن، فإذا قطع نصف الجفن الأعلى ففيه نصف دية الجفن الأعلى، والجفن الأعلى فيه ربع الدية، ففيه نصف ربع الدية.

    (القسم الثالث: قلع العينين بأجفانها، يجب هنا ديتان).

    إذا قلع العينين بأجفانها وجبت ديتان، لأنهما عضوان من جنسين مختلفين، فنقول: إذا قلع العينين ثم قلع الأجفان يجب ديتان: دية للأجفان، ودية للعينين.

    وإذا قطع الأجفان بالأهداب هي واحدة، مثل اليد مع الأصابع دية واحدة، لأن هذه تابعة، والأهداب تابعة للأجفان، فإذا قلع الأجفان وذهبت الأهداب ففيها دية، مع أن الأهداب فيها دية كما سيأتينا.

    لكن لو قلع الأجفان وذهب مع ذلك الأهداب فدية واحدة، لأن الأهداب تزول بزوال الأجفان، ونظير ذلك إذا قطع اليد وذهبت الأصابع دية واحدة، مع أنه لو قطع الأصابع فقط دون أن يقطع الكف ففيه دية كاملة.

    1.   

    دية الأصابع

    قال رحمه الله: (وفي أصابع اليدين الدية كأصابع الرجلين، وفي كل أصبع ربع الدية، وفي كل أنملة ثلث عشر الدية، والإبهامان مفصلان، وفي كل مفصل نصف عشر الدية، كدية السن).

    (الأصابع، يجب في كل أصبع عشر من الإبل، وإذا كان القطع من غير مفصل كما لو قطع بعض الأنملة، ففيه بقسطه من دية الأنملة).

    ودليل ذلك حديث عمرو بن حزم : (في كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل), ففي كل إصبع عشر من الإبل.

    القسم الثاني: (كل أنملة ثلث عشر الدية إلا الإبهام، ففيه نصف عشر الدية) الإصبع الواحدة فيها ثلاثة أنامل، فإذا قطع الأنملة الأولى ففيها ثلث عشر الدية، والأنملة الثانية: فيها ثلثا عشر الدية، والأنملة الثالثة قطع الأصبع بكامله تجب عشر من الإبل. وإذا قطع الأنملة من الإبهام ففيها نصف عشر الدية، وإذا قلع الإبهام بكاملها ففيها الدية. ودية الإصبع عشر من الإبل. وبعض الأنملة بقدره، فإذا قطع نصف الأنملة فنقول: نصف ثلث عشر الدية.

    (الإصبع الزائدة فيها حكومة).

    الإصبع الزائدة فيها حكومة، والمالكية يقولون: إن كانت الإصبع الزائدة قوية مثل الإصبع الأصلية ففيها دية كاملة عشر من الإبل، والغالب أن الزائدة ليست قوية. فيظهر ما ذهب إليه الجمهور أن فيها حكومة. والغالب أن الزائدة هذه لا ينتفع بها, وليست قوية مثل الإصبع الأصلية.

    (كل أنملة ثلث عشر الدية، والإبهام وفي كل مفصل نصف عشر الدية).

    كل أنملة ثلث عشر الدية، وأما الإبهام ففي كل مفصل نصف عشر الدية.

    (قلع الظفر أو تسويده فيه حكومة).

    قلع الظفر أو تسويده فيه حكومة.