إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الجنايات [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرم الإسلام قتل النفس المعصومة، وشرع القصاص على من أزهقها ولو كانوا جماعة، وسواء كان القاتل مباشراً أو آمراً بغير حق كل ذلك يعد قتلاً موجباً للقصاص إذا توافرت فيه شروطه المعتبرة وهي: أن يكون المقتول معصوم الدم، والجاني حال الجناية مكلفاً، وأن يكون الم

    1.   

    تابع قتل الجماعة بالواحد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن سقط القود أدوا دية واحدة ومن أكره مكلفاً على قتل مكافئه فقتله فالقتل أو الدية عليهما، وإن أمر بالقتل غير مكلفٍ أو مكلفاً يجهل تحريمه أو أمر به السلطان ظلما من لا يعرف ظلمه فيه فقتل، فالقود أو الدية على الآمر، وإن قتل المأمور المكلف عالماً تحريم القتل فالضمان عليه دون الآمر، وإن اشترك فيه اثنان لا يجب القود على أحدهما منفرداً لأبوة أو غيرها، فالقود على الشريك، فإن عدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية،

    باب شروط القصاص:

    وهي أربعة: عصمة المقتول، فلو قتل مسلم أو ذمي حربياً أو مرتداً لم يضمنه بقصاص ولا دية، الثاني: التكليف، فلا قصاص على صغير ولا مجنون، الثالث: المكافأة بأن يساويه في الدين والحرية والرق، فلا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد، وعكسه يقتل، ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر، والرابع: عدم الولادة، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل، ويقتل الولد بكل منها.

    باب استيفاء القصاص

    يشترط له ثلاثة شروط: أحدها كون مستحقه مكلفاً].

    تقدم لنا شيء من المقدمة في اللغة والاصطلاح، وأن الجناية في اللغة أعم منها في الاصطلاح، فهي الاعتداء على البدن أو المال أو العِرض، وأما في الاصطلاح فهي: الاعتداء على البدن بما يوجب قصاصاً أو مالاً.

    وذكرنا أن الجنايات تنقسم إلى ثلاثة أقسام، فأنواع القتل ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: قتل العمد، وذكرنا ضابطه، والنوع الثاني: قتل شبه العمد، وذكرنا الخلاف فيه هل هو ثابت أو ليس بثابت؟ وعرفنا أن جمهور العلماء يثبتونه خلافاً للمالكية فإنهم لا يثبتونه في الجملة، والقسم الثالث: قتل الخطأ، وذكرنا صوره.

    وذكرنا أن الحنفية رحمهم الله تعالى يرون أن قتل العمد لا بد أن يكون بحديد، أو ما يقوم مقام الحديد في تفريق أجزاء البدن، وتكلمنا على هذه، وأن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في ذلك صوراً.

    ثم بعد ذلك شرع المؤلف رحمه الله في قتل الجماعة بالواحد، وعرفنا أن العلماء رحمهم الله لهم في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو رأي جمهور أهل العلم: أن الجماعة تُقتل بالواحد، وذكرنا أدلتهم.

    الرأي الثاني: أن الجماعة لا تقتل بالواحد، وهو قول الظاهرية.

    واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، وأجبنا عن هذا الاستدلال بأن المراد بقوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، المقصود بذلك هو جنس النفس.

    وعرفنا متى تُقتل الجماعة بالواحد؟ وقلنا تُقتل الجماعة بالواحد في صورتين:

    الصورة الأولى: إذا تمالئوا، بمعنى تواطئوا على قتله فإنهم يُقتلون، حتى النظير، يعني يشمل النظير والمباشر والممسك وغير ذلك، المهم مادام أنهم تواطئوا وتمالئوا على قتله فإنهم يُقتلون به.

    الصورة الثانية: إذا لم يتمالئوا، فالفقهاء رحمهم الله يقولون: لا بد أن يصلح فعل كل واحد منهم للقتل، فإذا صلح فعل كل واحد منهم للقتل فإنهم يُقتلون جميعاً.

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن سقط القود أدوا دية واحدة).

    إذا سقط القود -يعني: القصاص- عن هؤلاء الجماعة، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يلزم هؤلاء الجماعة إلا دية واحدة؛ لأن القتل واحد، فلا يلزم به أكثر من دية، نقول: بأن القتل واحد، وإذا كان كذلك فإنه لا يلزم به أكثر من دية!

    1.   

    القود بين الآمر والمباشر

    الجناية في قتل المكافئ بين الآمر والمباشر

    قال رحمه الله: (ومن أكره مكلفاً على قتل مكافئه فقتله فالقتل أو الدية عليهما).

    إذا حصل إكراه على القتل، بأن أكره شخص شخصاً على أن يقتل من يكافئه. وقول المؤلف رحمه الله: (على قتل مكافئه)، سيأتينا إن شاء الله في شروط وجوب القصاص بيان المكافأة بين القاتل والمقتول.

    فإذا حصل إكراه بأن قال: اقتل فلاناً وإلا قتلتك ونحو ذلك، فقتله، فعلى من القصاص في هذه الحالة؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك ثلاثة آراء:

    الرأي الأول: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، قال: (عليهما)، أي: على القاتل والمكره، فالقاتل يُقتل؛ لأنه باشر القتل، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178].

    الرأي الثاني: أن القصاص على المكرِه، أما المكرَه فإنه لا قصاص عليه، وهذا قال به أبو حنيفة ؛ لأن المكرَه رُفع عنه قلم التكليف، فالمباشر مكرَه. وإذا كان مكرَهاً فإن التكليف يُخفف عنه، كما قال الله عز وجل في الكفر: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    ويُجاب عن ذلك أن الإكراه وإن كان سبباً من أسباب التخفيف لكنه ليس كذلك دائماً، فليس له أن يقتل غيره لكي يقي نفسه، فنفسه ليست أولى بالبقاء من نفس المقتول.

    الرأي الثالث: عكس هذا الرأي، وأن القصاص على المكرَه، وأما المكرِه فإنه لا قصاص عليه، وهذا ذهب إليه بعض الحنفية، ودليلهم على ذلك: أن المكرَه هو الذي باشر القتل، فيُقتل، وأما المكرِه فلم يباشر، ويجاب عن ذلك: بأنه وإن لم يباشر القتل فإنه تسبب إليه، والضمان كما يكون في المباشرة أيضاً يكون في التسبب.

    فالصواب في ذلك: هو ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول أكثر أهل العلم، وأن كلاً من المكرِه والمكرَه يُقتص منه.

    وإذا سقط القود وعفا ولي الجناية، فإنهم يؤدون دية واحدة؛ لأن القتل واحد، فلا يلزم به أكثر من دية.

    ذكر بعض الصور التي تجعل القصاص على الآمر دون المباشر

    قال رحمه الله: (وإن أمر بالقتل غير مكلف أو مكلفاً يجهل تحريمه، أو أمر به السلطان ظلماً من لا يعرف ظلمه فيه فقتل، فالقود أو الدية على الآمر).

    هذه عدة صور، إذا حصل أمر بالقتل فنفذ المأمور ما أمر به الآمر، فعلى من يكون القود؟

    الصورة الأولى: قال: وإن أمر غير مكلف، أمر صبياً له عشر سنوات دون البلوغ، أو أمر مجنوناً بالقتل، فالقود هنا على الآمر، أما المأمور فإنه لا قود عليه؛ لأن المأمور كالآلة فلا يمكن إيجاب القصاص عليه، فوجب على المتسبب به. هذه الصورة الأولى.

    قال رحمه الله: (أو مكلفاً يجهل تحريمه).

    هذه الصورة الثانية، أمر مكلفاً يجهل تحريم القتل، كأن يكون حديث عهد بإسلام، فقال: اذهب واقتل فلاناً، فالقصاص هنا على الآمر دون المأمور؛ لأن المأمور ليس محل القصاص لكونه معذوراً بالجهل، فهو آلة للآمر، فيجب القصاص على الآمر؛ لأنه هو الذي تسبب إليه.

    قال رحمه الله: (أو أمر به السلطان ظلماً من لا يعرف ظلمه فيه).

    هذه الصورة الثالثة: السلطان أمر بالقتل ظلماً، لكن المأمور لا يعرف أن السلطان ظالم، ويظن أن السلطان قتله بحق، فالقود هنا على الآمر وليس على المأمور؛ لأن المأمور معذور، وإذا كان كذلك فلا يكون محل قصاص.

    ويُفهم من كلام المؤلف رحمه الله قوله: (من لا يعرف ظلمه فيه)، أنه إذا كان يعرف أن السلطان ظالم، وأن القتل بغير حق فقتل فإن القصاص على المأمور.

    قال رحمه الله تعالى: (فقتل فالقود أو الدية على الآمر)، يعني: إذا أمره السلطان فالمباشر لا قصاص عليه ولا دية؛ لأن طاعة السلطان واجبة، وهو يجهل أن السلطان ظالم في هذه المسألة، ويظن أنه محق فهو معذور، فنقول: بأنه لا شيء على المأمور لكونه معذوراً.

    قال رحمه الله تعالى: (وإن قتل المأمور المكلف عالماً تحريم القتل فالضمان عليه دون الآمر)، هذه كما قلنا: إذا كان يعرف أن السلطان ظالم في هذه المسألة، وأقدم على القتل، فإن الضمان يكون على المأمور؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

    صور القود على الشريكين في القتل المختلفين في الحكم حال الانفراد

    قال رحمه الله تعالى: (وإن اشترك فيه اثنان لا يجب القود على أحدهما منفرداً؛ لأبوة أو غيرها، فالقود على الشريك).

    صورة هذه المسألة: حصل قتل عمد اشترك فيه اثنان، سقط القود عن أحدهما لتخلف شرط وجوب القصاص.

    ومثال ذلك: أب ورجل أجنبي قتلا ابن الأب، وكما سيأتينا من شروط وجوب القصاص عدم الولادة، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: القصاص على شريك الأب، وإن كان الأصل أن القصاص عليهما جميعاً، لكنه سقط عن الأب لتخلف شرط وجوب القصاص.

    فيشترط لوجوب القصاص عدم الولادة بين القاتل والمقتول.

    مثال آخر: لو اشترك مسلم وكافر في قتل كافر، فالقصاص على الكافر، وأما المسلم.. فلا قصاص عليه؛ لأنه تخلف فيه شرط من شروط وجوب القصاص، وهو المكافأة في الدين، وهنا لا مكافأة.

    وهذا قول جمهور أهل العلم: أنه إذا سقط القصاص لتخلف الشرط عن أحد الشريكين، فإنه يبقى في الشريك الآخر الذي توفرت فيه شروط وجوب القصاص؛ لأن الأصل وجوب القصاص، ولتوفر الشروط فيه.

    وعند الحنفية أنه لا يجب القصاص، لا على الأب ولا على غيره، ولا على الكافر ولا على المسلم، واستدلوا على ذلك: بأن القتل هنا تركب من أمرين: من موجب للقصاص وغير موجب للقصاص، فلا يجب القصاص.

    والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأن القصاص واجب؛ لما تقدم من أن الأصل وجوب القصاص، لكنه سقط عن الشريك لتخلف شرط وجوب القصاص فيه، وإلا فإن العمدية متمحضة فيه.

    صورة أخرى: لو اجتمع في القتل مكلف وغير مكلف، كما لو اجتمع عاقل ومجنون، أو بالغ وصغير، أو آدمي وسبع في قتل هذا الشخص، فالعلماء يقولون: لا قصاص؛ لأن القتل هنا لم يتمحض في العمدية، بخلاف الصورة الأولى، إذا اشترك الأب وغير الأب، فالقتل هنا متمحض في العمدية لكنه سقط عن الأب لتخلف شرطه فيه، بخلاف السبع والآدمي، فالسبع لا يمكن منه القصد وإنما هو مفترس، وطبعه الافتراس، وكذلك الصبي ليس محلاً للقصد، والمجنون كذلك، فلم تتمحض العمدية في هذه الصور، بخلاف ما تقدم فلا يجب القصاص.

    قال رحمه الله تعالى: (فإن عدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية).

    إذا عدل ولي القصاص إلى طلب المال، يقول: (لزمه نصف الدية)، يلزم شريك الأب، أو شريك المسلم نصف الدية.

    ومثال ذلك: لو اجتمع أب وغير الأب في قتل هذا الولد، ثم إن ولي القصاص عفا عن القود إلى الدية، فإنه يلزم شريك هذا الأب نصف الدية.

    1.   

    شروط وجوب القصاص

    قال رحمه الله تعالى: (باب شروط القصاص).

    عندنا شروط وجوب القصاص، وشروط استيفاء القصاص، فشروط وجوب القصاص، تعني: ما هي الشروط التي لابد من توفرها حتى يجب القصاص؟

    وشروط استيفاء القصاص، تعني: ما هي الشروط التي لابد من توفرها لاستيفاء القصاص بعد وجوبه؟

    فشروط الاستيفاء تكون بعد الوجوب، وأما شروط الوجوب فيُنظر فيها في وجوب هذا القصاص، هل يجب أو لا يجب؟

    الشرط الأول: عصمة المقتول

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وهي أربعة: عصمة المقتول. فلو قتل مسلم أو ذمي حربياً أو مرتداً لم يضمنه بقصاص ولا دية).

    الشرط الأول: أن يكون المقتول معصوم الدم، فإن كان مباح الدم فإنه لا ضمان في قتله.

    فالمرتد مباح الدم، والزاني المحصن مباح الدم، والكافر الحربي الذي بيننا وبينه حرب مباح الدم، ويدل لذلك قول الله عز وجل: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة:5]، وأيضاً: حديث ابن مسعود: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني)، هذا مباح الدم، (والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، فالشرط الأول: أن يكون معصوم الدم، فإن كان مباح الدم فلا ضمان، لكنه يُعزر لكونه افتات عن الإمام.

    فالمرتد ليس لك أن تقتله، وإنما الإمام هو الذي يقتله، والزاني المحصن ليس لك أن تقتله، فالذي يقيم عليه الحد إنما هو الإمام.

    الشرط الثاني: التكليف

    قال رحمه الله: (الثاني: التكليف).

    هذا الشرط الثاني من شروط وجوب القصاص: التكليف، أي: أن يكون القاتل مكلفاً، وعلى هذا لو كان غير مكلف، كأن يكون صغيراً أو مجنوناً، فلا قصاص عليه.

    وقد تقدم لنا في صور الخطأ أن من صور قتل الخطأ: عمد الصبي والمجنون، فعمد الصبي والمجنون من صور قتل الخطأ، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (رُفع القلم عن ثلاثة)، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم: (الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق)، فلا قصاص على صغير ومجنون، بإجماع العلماء رحمهم الله أنه لا قصاص على الصغير ولا على المجنون، والمعتوه إذا قتل، وقد ذكرنا أحكام المعتوه.

    وعرفنا أن المعتوه ينقسم على قسمين:

    القسم الأول: معتوه لا إدراك معه، وهذا حكمه حكم المجنون.

    والقسم الثاني: معتوه معه إدراك، وهذا حكمه حكم الصبي المميز.

    أما السكران إذا قتل هل هو مؤاخذ أو ليس مؤاخذاً؟ جمهور العلماء يرون أن السكران مؤاخذ بأفعاله، فإذا قتل فإنه يُقتل؛ لعموم أدلة القصاص.

    والرأي الثاني: وهو رأي الشافعية، وقول الظاهرية: أن السكران لا يؤاخذ؛ لأنه قد غُطي على عقله، فإذا قتل فلا يُقام عليه القصاص؛ لأن القصاص يُشترط فيه التكليف، وهو أن يكون بالغاً عاقلاً ... إلخ.

    الشرط الثالث: المكافأة

    قال رحمه الله: (الثالث: المكافأة): يعني: المكافـأة بين القاتل والمقتول، والمكافأة في اللغة: المساواة، وأما في الاصطلاح فهي: المكافأة أو المساواة بين القاتل والمقتول في أمور خاصة، والعلماء رحمهم الله تعالى يبحثون المكافأة في بابين: الباب الأول في النكاح، في شروط صحة النكاح، والثاني هنا.

    وما هي الأمور الخاصة التي لابد منها في المكافأة بين القاتل والمقتول؟

    ذكرها المؤلف رحمه الله بقوله: (بأن يساويه في الدين والحرية والرق، فلا يُقتل مسلم بكافر).

    الفاء هذه للتفريق، وقتل المسلم بالكافر هذه مسألة تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: الكافر يُقتل بالكافر مطلقاً، سواء كان ذمياً، أو مستأمناً، أو معاهداً ... إلخ.

    القسم الثاني: الكافر لا يُقتل به المسلم إذا كان مستأمناً أو معاهداً. يعني إذا قتل مسلم معاهداً أو مستأمناً، فإن المسلم لا يُقتل به، وهذا ما عليه عامة العلماء.

    القسم الثالث: أن المسلم يُقتل به الكافر، الكافر إذا قتل مسلماً فإنه يُقتل مطلقاً.

    القسم الرابع: إذا قتل مسلم ذمياً، هل يُقتل به أو لا يُقتل؟ هذا موضع خلاف بين الجمهور والحنفية، ومن هو الذمي؟

    الذمي: هو الذي يبذل الجزية مقابل إقراره على دينه والتزام أحكام الإسلام، فيما يعتقد تحريمه وليس فيما اعتقد حله، ولابد أن نفهم أن أعلى أصناف الكفار هم أهل الذمة، ولهذا يجب على المسلمين كما ذكر ابن حزم الدفاع عنهم؛ لأنهم يبذلون الجزية للمسلمين، ولا يجوز التعرض لهم.. والعلماء رحمهم الله يفردونهم بأحكام خاصة بهم، ومن تلك المسائل هل يُقتل المسلم بالذمي أو لا يُقتل؟

    جمهور العلماء أن المسلم لا يُقتل بالذمي كما قال المؤلف: (فلا يُقتل مسلم بكافر)، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18]، وأيضاً حديث علي في صحيح البخاري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعي بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يُقتل مسلم بكافر)، نعم ألا لا يُقتل مسلم بكافر.

    الرأي الثاني: وهو رأي أبي حنيفة رحمه الله: أن المسلم يُقتل بالكافر الذمي، واستدلوا على ذلك بما روى عبد الرحمن بن البيلماني ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بذمي وقال: (أنا أولى من وفى بذمته، أنا أولى من وفى بذمته)، وهذا الحديث ضعيف مرسل رواه البيهقي وغيره، وقد جاء أيضاً عن عمر رضي الله عنه، وعن علي ، وهذه الآثار كلها ضعيفة لا تثبت، وعلى هذا فالصحيح في هذه المسألة أن المسلم لا يُقتل بالكافر، لكنه آثم عند الله عز وجل تلزمه الدية، وتجب عليه التوبة.

    قال رحمه الله تعالى: (ولا حر بعبد).

    العبد يُقتل بالحر، لكن هل يُقتل الحر بالعبد؟ للعلماء رحمهم الله في هذه المسألة ثلاث آراء:

    الرأي الأول: رأي أكثر أهل العلم: أن الحر لا يُقتل بالعبد؛ لقول الله عز وجل: الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة:178]، فيُفهم من ذلك أن الحر لا يُقتل إلا بالحر ولا يُقتل بالعبد.

    الرأي الثاني: رأي الظاهرية: أن الحر يُقتل بالرقيق؛ لعموم الأدلة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، و(كتاب الله القصاص)، فهذه عمومات الأدلة، ولأن هذا آدمي فيُقتل به الحر كما يقتل الرقيق بالرقيق.

    الرأي الثالث: التفصيل، وهو رأي الحنفية، وأنه يُقتل الحر بالرقيق إلا إذا كان سيداً، يعني السيد قتل رقيقه فإنه لا يقاد به، واستدلوا على ذلك بحديث عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده)، (لا يقاد المملوك من مولاه، ولا الوالد من ولده).

    وهذا الحديث تلقته الأمة بالقبول كما ذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى، وقد جاء حديث الحسن عن سمرة : (من قتل عبده قتلناه)، لكنه ضعيف، وجاء أيضاً حديث ابن عباس : (لا يقتل حر بعبد)، وهو ضعيف، وحديث علي : (من السنة ألا يقتل الحر بالعبد)، وهو ضعيف، ولا يوجد عندنا في المسألة إلا حديث عمر ، فمادام أن حديث عمر تلقته الأمة بالقبول، فيظهر والله أعلم أن ما ذهب إليه الحنفية مذهب قوي، فنقول: يُقتل الحر بالرقيق إلا إذا كان سيداً، لكنه آثم ويعتق عليه، ويُلزم بالدية، هذا هو الصواب، ورأي الظاهرية أيضاً قوي في هذه المسألة.

    قال رحمه الله: (وعكسه يُقتل).

    يعني يُقتل الكافر بالمسلم، ويُقتل الرقيق بالحر، ويُقتل الرقيق بالرقيق.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويُقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر).

    وهذا ما عليه جماهير العلماء: أنه لا يُنظر في القصاص إلى الذكورة والأنوثة، والصغر والكبر، المكافأة كما تقدم لنا: الملك والحرية والدين فقط، فيُقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر؛ لعمومات الأدلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45].

    وأيضاً حديث أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم (قتل اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ورض رأسه بين حجرين)، فهنا قُتل الذكر بالأنثى، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: ذهب إليه عكرمة وعطاء والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز : أن الذكر لا يُقتل بالأنثى، واستدلوا بظاهر الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، فيُفهم من الآية أن الأنثى تُقتل بالأنثى، وأن الذكر لا يُقتل بالأنثى، وهذا الاستدلال بالآية فيه نظر، وكيف نجيب على هذه الآية؟ لأن هذه الآية كما تقدم يستدل بها الجمهور، على أن الحر يقتل بالحر، ويُفهم منها أن الحر لا يُقتل بالرقيق.

    وأهل الرأي الثاني يرون أن الذكر لا يُقتل بالأنثى؛ لقوله: وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، فكيف نجيب على هذه الآية؟

    نقول: الجواب أن هذه الآية رد على ما كان عليه أهل الجاهلية، فأهل الجاهلية من ظلمهم وبغيهم كانوا إذا قتل رقيق لا يكتفون بقتل القاتل الرقيق، وإنما يأخذون بدلاً منه حراً، فقال الله عز وجل: الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة:178]، يعني: نقتل الحر إذا كان القاتل حراً، وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، يعني: من جهلهم وظلمهم أنه إذا قتلت عندهم أنثى، لا يأخذون القاتل، وقد يكون القاتل أنثى، وإنما يأخذون بدل القاتل الأنثى ذكراً، فقال الله عز وجل: وَالأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة:178]، هذه أنثى قتلت أنثى تقتل الأنثى، لا يقتل الذكر، فهذا ظلم، وإذا كان القاتل رقيقاً وقتل رقيقاً، يأخذون بدل القاتل الرقيق حراً، فقال الله عز وجل: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ [البقرة:178]، فالعبد إذا قتله عبد نقتله به، ولا نقتل بدلاً من العبد القاتل حراً، فهذه رد على ما كان عليه أهل الجاهلية.

    الشرط الرابع: عدم الولادة

    قال رحمه الله: (الرابع: عدم الولادة، فلا يُقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفُل، ويُقتل الولد بكل منهما).

    يقول المؤلف رحمه الله من شروط وجوب القصاص: عدم الولادة بين القاتل والمقتول، فإذا كان القاتل والداً للمقتول فإنه لا يُقتل به، وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون القاتل هو الوالد المباشر، كأن يقتل الأب ولده، أو أن تقتل الأم ولدها، فإذا كان القاتل هو الأب المباشر، فجمهور العلماء أنه لا يُقتل الوالد بولده؛ لحديث عمر السابق: (لا يقاد مملوك من مولاه، ولا والد من ولده)، ولأن الوالد هو الذي أنعم على الولد بالحياة، فلا يُقتل به، ويجب عليه بره.

    الرأي الثاني: رأي المالكية، أنه يُقتل به إذا تمحض القتل في العمدية، كأن يأتي به ويضجعه ويذبحه، أو يأتي بالرشاش ويذبحه، أما إذا لم يتمحض بالعمدية، كأن يكون هناك خصام وشجار وغضب ثم ضربه وهلك، فلا يُقتل به، هذا رأي المالكية.

    والذي يظهر والله أعلم: أن ما ذهب إليه جمهور أهل العلم قوي، وما ذهب أيضاً المالكية إليه قوي أيضاً، فيظهر والله أعلم أن مثل هذه يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، والأم كذلك لها حكم الأب تماماً.

    القسم الثاني: أن يكون القاتل هو الوالد غير المباشر، كالأجداد والجدات، فهذه المسألة الخلاف فيها أضعف، فأكثر أهل العلم يقولون لا يُقتل، ولهذا قال لك المؤلف: (وإن علا)، والرأي الثاني في المسألة: أنه يُقتل الجد والجدة؛ لعمومات أدلة القصاص.

    والعكس بالعكس، الولد إذا قتل والده فإنه يُقتل به، بل من باب أولى أنه يُقتل به؛ لأن هذا هو أعظم العقوق والقطيعة، ولعمومات أدلة القصاص.

    قال رحمه الله تعالى: (ويُقتل الولد بكل منهما)، لما ذكرنا من العموم.

    1.   

    شروط استيفاء القصاص

    قال رحمه الله: (باب استيفاء القصاص).

    ومعنى استيفاء القصاص هو: فعل مجني عليه أو وليه في الجاني مثل فعله.

    فالمراد باستيفاء القصاص هو إقامة القصاص بعد وجوبه، فإذا توفرت الشروط السابقة فلكي نقيم القصاص على هذا القاتل يشترط شروط:

    الشرط الأول: أن يكون الولي المستحق مكلفاً

    قال رحمه الله: (يشترط له ثلاثة شروط: أحدها كون مستحقه مكلفاً),

    الشرط الأول: قال: (كون مستحقه مكلفاً)، فإن كان صبياً أو مجنوناً لم يستوف، وحُبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة، هذا الشرط الأول، وعلى هذا إذا كان المقتول ورثته صغار، كأب قُتل ليس له إلا أولاد صغار أو مجانين، ما الحكم هنا؟

    يقول المؤلف رحمه الله: فإذا كان ورثة الدم صغاراً أو كانوا مجانين، أو كانوا صغاراً ومجانين، فالحكم هنا كما قال المؤلف: لا يستوفى القصاص إلى أن يكلف، إلى أن يبلغ الصبي، ويعقل المجنون، وصورة هذا الشرط أن يكون جميع الورثة غير مكلفين، إما صغاراً، أو مجانين، أو صغاراً ومجانين، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو رأي الشافعية، واستدلوا على ذلك بأن معاوية رضي الله عنه حبس هدبة بن خشرم حتى بلغ ابن القتيل، ولأن القصاص يقصد منه التشفي، ولا يحصل التشفي من الصغير حتى يبلغ، ولا من المجنون حتى يعقل.

    الرأي الثاني: أنه يُقتص من القاتل، وعلى ولي الصبي وولي المجنون المطالبة لهم بالدم، كما يطالب بأموالهم يطالب بحقهم من الدم، ويطالب بالقصاص، واستدلوا على ذلك بقصة الحسن رضي الله عنه، فإن الحسن قتل ابن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب ، وفي الورثة صغار، وأجيب عن ذلك قالوا: الحسن قتله لأنه قتل علياً غيلة، وقيل: قتله لأنه يعتقد كفره، وقيل: قتله لأنه قتل الإمام الأعظم.

    والذي يظهر -والله أعلم- أنه إن كانوا مجانين أنه يقام عليهم القصاص؛ لأن حبسه فيه تعذيب له، وكون المجنون يعقل هذا علمه عند الله عز وجل، فالعادة جرت أنه لا يعقل، وإن كان صغيراً فيظهر والله أعلم أنه يُنتظر، إلا إن رأى الإمام أن يقتله فله ذلك.