إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النفقات [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صلة الرحم النفقة على الأقارب: الأصول والفروع والحواشي وذوي الأرحام، ولوجوب النفقة شروط، ومن كان له رقيق وجب عليه نفقته من غذاء وكساء ونحو ذلك، وأن لا يكلفه من العمل فوق طاقته.

    1.   

    النفقة على الأقارب

    قال المؤلف رحمه الله: [باب نفقة الأقارب والمماليك من الآدميين والبهائم.

    تجب أو تتمتها لأبويه وإن علوا، ولولده وإن سَفل، حتى ذوي الأرحام منهم حجبه معسر أو لا، وكل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم سوى عمودي نسبه، سواء ورثه الآخر كأخ، أو لا كعمة وعتيق بمعروف، مع فقر من تجب له، وعجزه عن تكسبه، إذا فضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته، وكسوة وسُكنى من حاصل أو مُتحصل لا من رأس مال وثمن ملك وآلة صنعة.

    ومن له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم، فعلى الأم الثلث، والثلثان على الجد، وعلى الجدة السُدس، والباقي على الأخ، والأب ينفرد بنفقة ولده، ومن له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما، ومن أمه فقيرة وجدته موسرة فنفقته على الجدة، ومن عليه نفقة زيد فعليه نفقة زوجته كظئر لحولين، ولا نفقة مع اختلاف دين إلا بالولاء، وعلى الأب أن يسترضع لولده ويؤدي الأجرة ولا يمنع أمه إرضاعه، ولا يلزمها إلا لضرورة كخوف تلفه، ولها طلب أجرة المثل، ولو أرضعه غيرها مجاناً بائناً كانت أو تحته، وإن تزوجت آخر فله منعها من إرضاع ولد الأول ما لم يضطر إليها.

    فصل في نفقة الرقيق: وعليه نفقة رقيقه طعاماً وكسوة وسكنى، وألا يكلفه مشقاً كثيراً، وإن اتفقا على المخارجة جاز، ويريحه وقت القائلة والنوم والصلاة.

    ويريحه وقت القائلة والنوم والصلاة، ويُركبه في السفر عقبة، وإن طلب نكاحاً زوجه أو باعه، وإن طلبته الأمة وطئها أو زوجها أو باعها.

    فصل: في نفقة البهائم.

    وعليه علف بهائمه وسقيها وما يصلحها، وأن لا يحملها ما تعجز عنه، ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها، فإن عجز عن نفقتها أُجبر على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن أكلت].

    تقدم لنا ما يتعلق بمسقطات النفقة، وأن النفقة تسقط بأشياء، تقدم بيان هذه الأشياء، كذلك تقدم لنا ما يتعلق بإعسار الزوج بالنفقة، هل تملك المرأة بذلك فسخ عقد النكاح أو أنها لا تملكه؟ وذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله تعالى، وكذلك هل تسقط النفقة بمضي الزمان أو أنها لا تسقط.. إلخ؟

    قال المؤلف رحمه الله: (باب نفقة الأقارب والمماليك ومن الآدميين والبهائم).

    الأقارب: جمع قريب، والمراد بهم هنا الأصول والفروع والحواشي وذوي الأرحام، وسيأتي بيان حكم نفقة كل صنف من هذه الأصناف.

    والمماليك: جمع مملوك وهم الأرقاء، والبهائم: جمع بهيمة من سائر الحيوان.

    النفقة على الأصول والفروع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (تجب أو تتمتها لأبويه وإن علوا، ولولده وإن سفُل).

    الأقارب كما سلف لنا لا يخلو أمرهم من أن يكونوا أصولاً أو فروعاً أو حواشي أو من ذوي الأرحام، فعندنا أولاً: الأصول والفروع، هل تجب نفقتهم أو لا تجب نفقتهم؟ المشهور من المذهب -وهو أيضاً مذهب الحنفية والشافعية- أن الأصول والفروع تجب نفقتهم مطلقاً، يعني: سواء كانوا وارثين أو كانوا غير وارثين، فتجب نفقة أصوله من آبائه وإن علو، ولو كانوا من ذوي الأرحام، كأب الأم، وتجب أيضاً نفقة فروعه وإن نزلوا، وإن كانوا من ذوي الأرحام كابن البنت.

    ودليل ذلك: الأدلة العامة في وجوب صلة هؤلاء، كقول الله عز وجل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36]، وأيضاً قول الله عز وجل: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، وأيضاً حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك)؛ ولأن الإنسان بضعة من أبيه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فاطمة بضعة مني يريبها ما يريبني)، وأبناؤه بضعة منه، فالنفقة على أصوله وفروعه نفقة على نفسه، فإذا أنفق على فروعه ففروعه بضعة منه، وإذا أنفق على أصوله فهو بضعة منهم، فالنفقة عليهم نفقة على النفس.

    الرأي الثاني: أن النفقة بالنسبة للأصول والفروع لا تجب إلا للولدين المباشرين، أو الوالدين المباشرين، نعم لا تجب إلا للولدين المباشرين، يعني: الابن والبنت، أو الوالدان المباشران، يعني: الأم والأب، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36]، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك)، والصواب في هذه المسألة -وهو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، وهو المشهور من المذهب- أن النفقة لا تجب للأصول وإن علو، وللفروع وإن نزلوا، حتى ولو كانوا من ذوي الأرحام.

    قال المؤلف: (حتى ذوي الأرحام منهم).

    الأرحام مثل: أب الأم، وابن البنت.

    قال: (حجبه معسر).

    يعني: الغني حجبه معسر، فمثلاً: من له أب وجد يجب عليه أن ينفق عليهما جميعاً، يجب أن ينفق على أبيه الفقير، وعلى جده الفقير، مع أنه لا يرث جده؛ لكونه محجوباً بالأب، فالنفقة على الأصول والفروع لا يعتبر فيها التوارث، يجب أن ينفق على أصوله وفروعه، سواء كان يرثهم أو لا يرثهم؛ ولهذا يجب أن ينفق حتى على ذوي الأرحام منهم، فنشترط للنفقة على الأصول والفروع غنى المنفق، وفقر المُنفق عليه، وأما التوارث فهذا لا يعتبر في الأصول والفروع، وإنما يعتبر في الحواشي كما سيأتينا.

    النفقة على الحواشي

    قال رحمه الله: (وكل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم).

    تقدم ما يتعلق بالأصول والفروع، والآن ما يتعلق بالحواشي، هل تجب النفقة لهم أو لا تجب النفقة لهم؟ المشهور من المذهب: أن النفقة تجب لهم، لكن بشرط كما سيأتينا إن شاء الله.

    والرأي الثاني: الحواشي المراد بهم الأخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم، هل تجب النفقة لهؤلاء أو لا تجب لهم؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وكذلك هو قول أبي حنيفة: أن النفقة تجب لهم، والرأي الثاني رأي مالك والشافعي: أن النفقة لا تجب لهم، ودليل الحنابلة والحنفية قول الله عز وجل: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233]، فهذا يشمل الحواشي، لكن الحنفية أوسع من الحنابلة لا يشترطون التوارث، وتجب عندهم النفقة أما المذهب فإنه يشترط التوارث.

    فلا تجب النفقة إلا بثلاثة شروط: فقر المُنفق عليه، وغنى المنفق، وأن يكون المُنْفق وارثاً للمُنفَق عليه؛ لقول الله عز وجل: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233].

    وأما الحنفية فيستدلون بالأدلة الكثيرة الواردة في صلة الأرحام، قال تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26]، قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الرحم: (ومن صلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله).. إلخ.

    وأما عند مالك والشافعي فتقدم أنهم لا يرون وجوب النفقة للحواشي، واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن معي ديناراً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنفقه على نفسك. قال: معي آخر، قال: أنفقه على ولدك. قال: معي آخر. قال: أنفقه على زوجتك قال: معي آخر. قال: أنفقه على عبدك. قال: معي آخر، قال: فاصنع به ما شئت)، فقال: أنفقه على نفسك، أنفقه على ولدك، أنفقه على زوجتك، أنفقه على عبدك، ثم قال: (اصنع به ما شئت)، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحواشي.

    والأقرب في هذه المسألة والله أعلم: هو ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية رحمهم الله تعالى، فالحنابلة كما تقدم يشترطون أن يكون المنفق وارثاً للمُنفَق عليه؛ لقول الله عز وجل: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233].

    النفقة على ذوي الأرحام

    قال: (لا برحم).

    يعني: لا يجب عليه أن ينفق على أقاربه من ذوي الأرحام.

    لما تكلم المؤلف على النفقة على الأصول والفروع والحواشي، شرع في بيان حكم النفقة على ذوي الأرحام، وهم أقارب الشخص ممن لا يرث بفرض أو تعصيب، فالحواشي يرثون بفرض أو تعصيب، وذوو الأرحام: أقاربه الذين لا يرثون بفرض أو تعصيب.

    قال المؤلف: (لا برحم سوى عمودي نسبه).

    مثال ذوي الأرحام: الخال والخالة، هل تجب نفقتهم أو لا تجب نفقتهم؟

    قال المؤلف رحمه الله: (لا برحم)، بمعنى: أن النفقة لا تجب لهؤلاء، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو قول جمهور العلماء، والرأي الثاني رأي الحنفية: أن النفقة تجب لذوي الأرحام، والحنفية -رحمهم الله- هم أحسن الناس فيما يتعلق بذوي الأرحام، ولهذا تجب النفقة لذوي الأرحام، كذلك لا يُقطع بالسرقة من ذوي الأرحام.

    دليل الجمهور: استدلوا بقول الله عز وجل: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233]، وذوو الأرحام لا يرثون أو لا توارث بينهم؛ فلا تجب النفقة عليهم.

    أما الحنفية فقد استدلوا بالأدلة الدالة على صلة الرحم، كقول الله عز وجل: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26]، وأيضاً قول الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1]، وقوله عز وجل: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22]، والأدلة كثيرة في صلة الرحم، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه).

    قال رحمه الله: (لا برحم سوى عمودي نسبه).

    بمعنى: أن الأصول والفروع تجب النفقة لهم حتى ولو كانوا من ذوي الأرحام كما سلف.

    قال: (سواء ورثه الآخر كأخ أو لا كعمة وعتيق بمعروف).

    يقول المؤلف: لا تجب لذوي الأرحام سواء ورثه الآخر كأخ، يعني: كأخ للمنفق أو لا كعمة، فلا توارث بين العمة وابن أخيها؛ لأنها من ذوي الأرحام فلا تجب النفقة، والعتيق لا يرث من سيده؛ فلا تجب النفقة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بمعروف).

    يعني: تجب النفقة بالمعروف؛ لقول الله عز وجل: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، وأيضاً حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).

    وقول المؤلف رحمه الله: (سواء ورثه الآخر كأخ، أو لا كعمة وعتيق بمعروف).

    كأخ أي: كأخ للمنفق، فيجب على الأخ أن ينفق على أخيه إذا كان يرثه، يعني: إذا كان المنفِق يرث المُنفَق عليه، فهذان أخوان زيد وعمرو، زيد غني وعمرو فقير، يجب على زيد أن ينفق على عمرواً وإذا كان زيد يرث عمرو، إذا كان لا يرثه بأن كان محجوباً فإنه لا يجب عليه أن ينفق عليه، فمثلاً زيد غني وأخوه عمرو فقير، وعمرو له إبل، فلا يجب على زيد أن ينفق على عمرو على المشهور من المذهب؛ لأن المنفِق لا يرث المُنفَق عليه، فقال المؤلف: (سواء ورثه الآخر كأخ). يعني: يرثه، (أو لا كعمة). فإن العمة لا ترث من ابن أخيها فرضاً ولا تعصيباً، وهو يرثها بالتعصيب، فما دام أنه يرث هذه العمة بالتعصيب، فإنه يجب عليه أن يُنفق عليها.

    شروط النفقة على الحواشي

    الذي يُشترط أن يكون الوارث هو المُنفِق، أما المُنفَق عليه لا يُشترط أن يكون وارثاً للمُنفِق، فالعمة لا ترث من ابن أخيها، لكن ابن أخيها يرثها، فيجب عليه أن يُنفق عليها.

    ومثله أيضاً العتيق، فالمولى يرثه السيد بالولاء، والعتيق لا يرث سيده على المشهور من المذهب، فيجب على السيد أن يُنفق على عتيقه الذي أعتقه.

    والخلاصة في ذلك: أنه يُشترط أن يكون المُنفق وارثاً للمُنفَق عليه، سواء كان المُنفَق عليه يرث أو لا يرث، المهم أن يكون المنفق هو الوارث؛ لقول الله عز وجل: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233].

    وضرب المؤلف رحمه الله مثالاً. قال: (كأخ)، فالأخ وارث، زيد يرث عمرو وعمرواً يرث زيداً، وقد يكون المُنفق وارثاً والمُنفَق عليه غير وارث. مثاله: قال: (كالعمة) أي: كالعمة مع ابن أخيها، فهي لا ترثه وهو يرثها، ويجب عليه أن ينفق عليها، ومثل العتيق أيضاً السيد يجب عليه أن يُنفق على عتيقه وهو يرثه، مع أن العتيق لا يرث.

    قال رحمه الله: (بمعروف). يعني: أن النفقة مرجعها المعروف، وذكرنا دليل ذلك.

    قال: (مع فقر من تجب له وعجزه عن تكسبه).

    يعني: النفقة على الحواشي يشترط لها شروطاً:

    الشرط الأول: أن يكون المنفِق وارث المُنفَق عليه كما تقدم.

    الشرط الثاني: أن يكون المنفق عليه فقيراً، فإن كان غنياً فإنه لا تجب له النفقة، وهذا معنى قول المؤلف: (مع فقر من تجب له).

    الشرط الثالث: قوله: (وعجزه عن تكسبه)، وعلى هذا إذا كان قادراً على التكسب فلا تجب النفقة له، وهنا يقال له: اعمل.

    إذاً: يعني الشرط الثالث: أن يكون المنفق عليه عاجزاً عن الكسب، وعلى هذا إذا كان قادراً على الكسب، فإنه لا يُنفق عليه؛ لأن النفقة إنما تجب إلا على سبيل المواساة، ومن كان قادراً على التكسب مستغنٍ عن المواساة.

    قال: (إذا فضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته، وكسوة وسُكنى من حاصل أو مُتحصل).

    هذا الشرط الرابع: أن يكون المنفق غنياً، لكن ما هو ضابط الغني؟ قال: ضابط الغني الذي يجد قوته وقوت زوجته ورقيقه يومه وليلته، كذلك يجد الكسوة له ولرقيقه ولزوجته ويجد السُكنى، وعلى هذا إذا كان يجد طعام نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته، فالزائد يجب عليه أن ينفقه، فالذي يجد الكسوة ويجد السكن، ويجد أيضاً الطعام والشراب لنفسه ولزوجته ورقيقه يومه وليلته غني، والزائد يجب عليه أن ينفقه على أقاربه.

    قال: (من حاصل). يعني: مال توفر عنده. (أو متحصل) مثل الراتب، وغلة الوقف، ونتاج السائمة، وغلة المزرعة، المهم حاصل موجود أو متحصل، أي: شيء يأتيه.

    قال المؤلف: (لا من رأس مال وثمن ملك وآلة صنعة).

    هذا الشرط الخامس: أنه لا يجب عليه أن ينفق عليه من رأس المال، ولا من ثمن ملك، ولا آلة صنعة لحصول الضرر، فإذا كان عنده رأس مال تجارة قدره عشرة آلاف، فمن ربحها يُنفق على نفسه وعلى زوجته وأولاده، ولا نقول: يجب عليك أن تُنفق على أقاربك من هذا المال؛ لأن هذا رأس مال تجارة.

    ولنفرض أن شخصاً عنده محل تجاري يساوي خمسين ألفاً، ويدر عليه في الشهر ألف ريال، وهذه الألف تكفيه لزوجته ونفسه ورقيقه، فهل نقول: يجب أن تبيع بعض هذا المحل لكي تنفق على أقاربك أو نقول: لا يجب؟ نقول: لا يجب، فإذا كان هذا المحل يُحصل مقدار النفقة فلا يجب عليه أن يبيع شيئاً منه، لكن إذا كان المحل واسعاً، ويحصل منه ثمناً كثيراً، نقول: خذ ما تحتاجه من النفقة، والزائد من هذا المُتحصل أنفقه على أقاربك.

    أيضاً ثمن ملك، أي: ما يملكه من البيت الذي يسكنه، والآلة التي يركبها، فلا يجب عليه أن يبيع هذا البيت إذا كان البيت بقدر حاجته، لكن إذا كان البيت واسعاً وفائضاً عن حاجته، فالذي يظهر أنه يجب أن يبيع ما زاد عن حاجته، وينفقه على أقاربه، لكن إذا كان بقدر حاجته -السيارة بقدر حاجته، الحوائج الأصلية بقدر حاجته- لا يجب أن يبيع شيئاً من ذلك لكي ينفق على أقاربه.

    قال: (وآلة صنعة). شخص عنده آله يحترف بها، نقول: لا يجب عليه أن يبيع هذه الآلة لكي ينفق على أقاربه، ولنفرض أن عنده مصنعاً صغيراً، أو ورشة للحدادة أو النجارة ونحو ذلك، فنقول: لا يجب عليه أن يبيع هذه الأشياء لكي ينفق على أقاربه، وإنما يُنفق على نفسه من ربح هذه الأشياء، وإن فضل شيء عن نفقته ونفقة زوجته ورقيقه فإنه ينفقه على أقاربه.

    حكم نفقة غير الأب الوارث على من يرثه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم).

    إذا كان له وارثان، لكن ليس أحدهم أباً، فقد ضرب المؤلف مثالاً قال: (فعلى الأم الثلث والثلثان على الجد).

    لو كان هناك شخص له أم وجد، لو افترضنا أن شخصاً فقيراً له أم غنية وجد غني، فكيف ترثه الأم لو هلك هذا الشخص؟ الثلث، إذاً: عليها ثلث النفقة، وكيف يرثه الجد؟ له الباقي تعصيباً، يعني: الثلثان، نقول: على الجد ثُلثا النفقة.

    قال: (وعلى الجدة السُدس).

    يعني: من له جدة وأخ لغير أم، فعلى الجدة السُدس والباقي على الأخ، يعني: هذا رجل فقير وله أخ شقيق غني وجدة غنية، فكم يجب على الجدة من النفقة؟ السُدس؛ لأنها هكذا ترثه، وكم يجب على الأخ الشقيق؟ الباقي؛ لأنه هكذا يرثه، فلو مات هذا الفقير عن جدة وأخ شقيق فالجدة لها السُدس والأخ الشقيق له الباقي.

    نفقة الأب على ولده، ونفقة الولد على أبيه

    قال: (والأب ينفرد بنفقة ولده).

    لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فلو كان هناك وارثان أحدهما أب، قال: الأب ينفرد بنفقة الولد، وإذا أخذنا بالقاعدة السابقة: شخص له أب موسر وابن موسر وهو فقير، كم ينفق عليه الأب؟ السُدس، والابن الباقي، لكن هنا قال المؤلف: ما دام أنه وجد أب فإن الأب ينفرد بالنفقة، يعني: تجب جميع النفقة على الأب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـهند : (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).

    والرأي الثاني: أن النفقة عليهما جميعاً؛ لأنهما سواء في القُرب.

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن له ابن فقير وأخ موسر فلا نفقة له عليهما).

    يعني: الابن لا يجب عليه أن ينفق على أبيه؛ لأنه فقير، والأخ الموسر لا يجب أن ينفق على أخيه لكونه محجوباً بالابن، لكونه ليس وارثاً، فلا تجب نفقة الابن لفقره والأخ الشقيق لكونه محجوباً هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والرأي الثاني في المذهب: أن النفقة تجب مرتبة، فإذا تعذرت من القريب فإنه يُصار إلى البعيد، فالابن هو القريب، وتعذرت النفقة منه لكونه فقيراً، فإننا نصير إلى البعيد وهو الأخ.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن أمه فقيرة وجدته موسرة فنفقته على الجدة).

    أما الأم فلكونها فقيرة، وأما الجدة فما دام أنها من عمودي النسب فلا يشترط التوارث، فتجب النفقة مطلقاً، فهذا شخص له أم فقيرة وجدة موسرة، فالأم لا تجب عليها النفقة لكونها فقيرة، والجدة الموسرة يجب أن تُنفق ولو كانت محجوبة لا ترث؛ لأن عمودي النسب لا يشترط فيهما التوارث.

    قال: (ومن عليه نفقة زيد فعليه نفقة زوجته).

    يعني: إذا وجب عليك أن تُنفق على قريب من أقاربك -على أخيك لكونك ترثه- فيجب أيضاً أن تُنفق على زوجته؛ لأن ذلك من حاجة الفقير.

    قال: (كظئر لحولين). الظئر: هي المرضعة، فيجب الإنفاق عليها لمدة حولين، فإذا كان هناك قريب فقير لك، وهو صغير يحتاج إلى مرضعة، فيجب عليك أن تُنفق على هذه المرضعة لمدة حولين؛ لقول الله عز وجل: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].

    اشتراط الدين في النفقة على الأقارب

    قال: (ولا نفقة مع اختلاف دين إلا بالولاء).

    هذا الشرط السادس، يعني: اتفاق الدين شرط في النفقة على الحواشي، وشرط أيضاً في النفقة على الأصول والفروع، فنحن في الأصول والفروع اشترطنا شرطين:

    فقر المُنفق عليه، وغنى المنفق، وأيضاً نشترط اتفاق الدين، وفي الحواشي اشترطنا خمسة شروط، هذا هو الشرط السادس: اتفاق الدين؛ لأنه مع اختلاف الدين انقطعت الموالاة والأخوة والنصرة والمواساة، فتنقطع مثل هذه الأشياء، وكذلك التوارث، فبالنسبة لعمودي النسب ذكرنا أنه لا يُعتبر التوارث، فنقول: مع اختلاف الدين انقطعت الصلات والمواساة والأخوة والنصرة، وهذا ظاهر في عمودي النسب، وفي الحواشي أيضاً عدم التوارث مع اختلاف الدين.

    قال المؤلف رحمه الله: (إلا بالولاء).

    فلو كان السيد مسلماً وعتيقه الذي أعتقه كافراً، يجب عليه أن ينفق عليه، ولماذا استثنوا الولاء؟ قالوا: لأن التوارث يكون بالولاء مع اختلاف الدين, فهذه المسألة مبنية على أنه يثبت التوارث بالولاء حتى مع اختلاف الدين، والصواب في ذلك: أن اختلاف الدين يمنع التوارث حتى في الولاء، وعلى هذا نقول: الصواب في ذلك: أنه لا يُستثنى، وأنه لا يجب على المسلم أن ينفق على عتيقه الكافر، وهذا القول كما تقدم هو الصواب، وهو مذهب المالكية والشافعية، فالصواب كما ذكرنا أنه لا توارث بالولاء، وحينئذ لا تجب النفقة، لكن المذهب يبنون النفقة على أنهم يثبتون التوارث بالولاء حتى مع اختلاف الدين، يتضح ذلك في قوله: (ولا نفقة).

    وجوب استرضاع الوالد لولده

    قال: (وعلى الأب أن يسترضع لولده ويؤدي الأجرة، ولا يمنع أمه إرضاعه، ولا يلزمها إلا لضرورة كخوف تلفه، ولها طلب أجرة المثل، ولو أرضعه غيرها مجاناً بائناً كانت أو تحته).

    الأب يجب عليه أن يسترضع لولده؛ لقول الله عز وجل: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، فيجب أن يستأجر مرضعة لولده؛ لقول الله عز وجل: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، وإن طلبت أمه أن ترضعه فإنه يجب عليه أن يمكنها، وإذا طلبت الأم أجرة على هذا الإرضاع فهل تجب لها الأجرة أو لا تجب لها الأجرة؟

    نقول بأن هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تكون المرأة في غير حبال الزوج، فيجب عليه أن يعطيها أجرة؛ لقول الله عز وجل: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، وقال: وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [الطلاق:6]، فإذا كانت في غير حبال الزوج فيجب عليه أن يعطيها الأجرة.

    القسم الثاني: أن تكون في حبال الزوج، فالمشهور من المذهب أنه تجب لها الأجرة، حتى ولو كانت في عصمة الزوج، فيجب على الزوج أن يعطي الأم الأجرة وهي ترضع ولدها إذا قالت: أنا لا أرضعه إلا بأجرة؛ لظاهر الآية: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].

    والرأي الثاني: أنه لا يجب لها الأجرة ما دام أنها في عصمة الزوج وتحته؛ لقول الله عز وجل: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233]، فهذا شيء يجب على المرأة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب في هذه المسألة.

    فتلخص لنا أن إرضاع الأم أنه ينقسم إلى قسمين، والصواب في ذلك: أنه إذا كانت في غير عصمة الزوج لها أن تطلب الأجرة، أما إن كانت في عصمة الزوج فالصواب ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله: أنه لا يجوز لها أن تأخذ أجرة على إرضاع ولدها.

    قال: (ولا يلزمها إلا لضرورة كخوف تلفه).

    يعني: لا يجب على الأم أن ترضع ولدها إلا لضرورة؛ لقول الله عز وجل: وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [الطلاق:6]. قال: (ولها طلب أجرة المثل).

    قوله: (كخوف تلفه)، يعني: ألا يقبل هذا الصبي إلا ثدي أمه؛ لقول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    قال: (ولو أرضعه غيرها مجاناً بائناً كانت أو تحته).

    تكلمنا عليه وقلنا بأن الأم لا تخلو من أمرين كما تقدم.

    قال: (وإن تزوجت آخر فله منعها من إرضاع ولد الأول ما لم يضطر إليها).

    إذا تزوجت آخر فللزوج الثاني أن يمنع هذه المرأة أن ترضع ولدها من الزوج الأول؛ لأن هذا يفوت عليه كمال الاستمتاع، ولا شك أن المرأة إذا كان معها طفل، فإن هذا الطفل يحتاج إلى مراعاة وإرضاع وحمل ونحو ذلك.. إلخ، وهذا يفوت على الزوج شيئاً من الاستمتاع؛ فقال المؤلف رحمه الله تعالى: (له أن يمنعها)، لكنه استثنى. قال: (ما لم يضطر إليها).

    بألا يقبل إلا ثدي أمه فيجب عليه أن يمكنها لما تقدم، أو أن المرأة اشترطت ذلك في العقد، فالمسلمون على شروطهم.

    1.   

    النفقة على الرقيق

    قال: (فصل في نفقة الرقيق: وعليه نفقة رقيقه طعاماً وكسوة وسُكنى، وألا يكلفه مشقاً كثيراً).

    نفقة الرقيق واجبة، وهذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بنفقة الرقيق وتزويجه ونحو ذلك.

    قال: (ويجب عليه نفقة رقيقه)، ويدل لذلك ما ثبت في صحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يُكلف من العمل إلا ما يطيق).

    ونفقة الرقيق تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: نفقة واجبة، وذلك بأن ينفق عليه من غالب قوت الرقيق، وكسوتهم وسكناهم، يعني: ما يأكله الأرقاء في ذلك المكان وذلك الزمان، ويلبسونه ويسكنونه، هذه نفقة واجبة، يعني: أن يُنظر إلى العُرف في ذلك الزمان والمكان فيما يتعلق بطعام الرقيق وكسوتهم وسكناهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف)، والمعروف يُرجع إلى اختلاف الزمان والمكان، فننظر إلى ما يأكله الأرقاء ويطعمون ويشربون ويلبسون.

    القسم الثاني: نفقة مستحبة، وهو أن يطعمه السيد مما يطعم، وأن يلبسه مما يلبس؛ لحديث أبي ذر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس)، وهذا يدل على أنه يُستحب أن يطعمه مما يطعم، وأن يُلبسه مما يلبس.

    قال: (وأن لا يكلفه مشقاً كثيراً)، يعني: لا يُكلف هذا الرقيق مشقة ما يشق عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن كلفتموهم فأعينوهم).

    قال: (وإن اتفقا على المخارجة جاز، ويريحه وقت القائلة).

    المخارجة: هي عوض معلوم يُجعل على الرقيق كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر، هذه هي المخارجة، فمثلاً يتفق الرقيق مع سيده أن يأتيه كل يوم بخمسة دراهم، فهذا جائز ولا بأس به بشرط كما سيأتي.

    في الفائدة من المخارجة:

    القول الأول: أن الفائدة من المخارجة أنه يستريح بقية النهار، إذا أتى بالعوض المضروب عليه يستريح بقية النهار.

    الرأي الثاني وهو ما ذهب إليه ابن القيم : أن ما زاد على العوض المضروب يكون ملكاً للرقيق، له أن يتصرف فيه، فيملك أن يبيع، أن يتصدق به، أن يهبه، أن يأكله..الخ، وهذا القول هو الصواب، وهو ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله تعالى.

    كذلك يدل على المخارجة وما يتعلق به: أن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكان ابن الزبير رحمه الله تعالى له ألف مملوك على كل واحد منهم كل يوم درهم.

    ويشترط في المخارجة أن تكون بقدر كسبه، يعني: لا يجوز أن تزيد المخارجة على قدر كسبه، فلو فرضنا أنه يكتسب في اليوم عشرة دراهم فلا يجوز للسيد أن يزيده على عشرة دراهم.

    قال: (ويريحه وقت القائلة والنوم والصلاة).

    وقت القائلة، يعني: وسط النهار، كذلك وقت النوم ووقت الصلاة، يعني: يريحه في مثل هذه الأشياء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن كلفتموهم فأعينوهم)، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تكلفوهم ما يغلبهم).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويُركبه في السفر عُقبة).

    تقدم لنا ما يتعلق بنفقة الرقيق، وأن نفقة الرقيق تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: نفقة واجبة، وهي أن ينفق عليه ما يُنفق على الرقيق عُرفاً.

    والقسم الثاني: نفقة مستحبة، وهي أن يُنفق عليه مما ينفق على نفسه، أن يطعمه مما يطعم، وأن يُلبسه مما يلبس.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويُركبه في السفر عُقبة)، يعني: إذا سافر برقيقه فإنه يُركبه تارة، ويُمشيه تارة أخرى، يتناوب مع رقيقه في الركوب وفي النزول، وهذا مقتضى العدل، إذا لم يتهيأ مكان للركوب فإنه يُركبه عُقبة، يعني: تارة يركب، وتارة ينزل بالتناوب.

    قال: (وإن طلب نكاحاً زوجه).

    لأن النكاح داخل في النفقة.

    اختلف العلماء رحمهم الله هل التزويج داخل في النفقة، أو أنه ليس داخلاً في النفقة؟

    نقول بأنه داخل في النفقة كما سيأتي إن شاء الله، فإذا طلب الرقيق نكاحاً فإن سيده يزوجه، ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32]، فهذا أمر من الله سبحانه وتعالى.

    قال: (أو باعه).

    إما أن يزوجه؛ لأن الرقيق لا يملك، وأيضاً لابد من إذن السيد في الزواج، أو أن يبيعه، فإذا اشتراه السيد الآخر فإنه يزوجه.

    قال: (وإن طلبته الأمة وطئها أو زوجها أو باعها).

    يعني: الأمة إذا طلبت التزويج، فإن السيد مخير بين أمور ثلاثة: إما أن يزوجها، وإما أن يطأها إعفافاً لها، وإما أن يبيعها دفعاً للضرر عنها.

    وما يتعلق بالتأديب.. إلخ هذا سيأتينا إن شاء الله في الفصل القادم بإذن الله.

    وهل للرقيق أن يتسرى؟ يعني: أن يشتري له سيده أمة يطأها أو لا؟

    المشهور من المذهب: أن الرقيق لا يتسرى؛ لأنه لا يملك، والله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المعارج:29-30]، وهذا قول أكثر أهل العلم، والرقيق لا يملك.

    والرأي الثاني: أن له أن يتسرى؛ لورود ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كـابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وهذا قول الظاهرية، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة.

    والقول بأن الرقيق لا يملك، هذا فيه نظر، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع)، هذا يدل على أنه يملك، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الرقيق يملك.

    1.   

    النفقة على البهائم

    قال رحمه الله: (فصل: وعليه علف بهائمه وسقيها وما يصلحها).

    يجب على مالك البهيمة أن ينفق عليها من الطعام والشراب، وأن يعمل لها ما يصلحها، بأن يعمل لها ما يقيها من البرد في وقت الشتاء، وما يقيها من الشمس في وقت الصيف، ويدل لهذا حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض). والبهائم محبوسة لمصالح مالكها من الركوب والنسل والدر ونحو ذلك، فيجب عليه أن يطعمها أو أن يتركها تأكل من خشاش الأرض، فدل ذلك على وجوب نفقة البهائم؛ ولأن عدم نفقة البهائم يؤدي إلى هلاكها، وهي مال، وهذا تضييع للمال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.

    قال: (وما يصلحها).

    كما تقدم أيضاً عليه أن يُصلح البهائم، بأن يعمل لها ما يقيها البرد والحر.

    قال: (وأن لا يحملها ما تعجز عنه).

    أن لا يحملها ما تعجز عنه، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لما مر صلى الله عليه وسلم ببعير لحق ظهره ببطنه، فقال: (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فكلوها صالحة واركبوها صالحة)، رواه الإمام أحمد وأبو داود ؛ لما في ذلك من تعذيبها، والقاعدة: لا ضرر ولا ضرار.

    وكذلك يحرم لعنها؛ لحديث عمران بن حصين في صحيح مسلم لما لعنت امرأة ناقتها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة)، وهذا من باب التعزير مما يدل على حرمة اللعن، وليس المؤمن باللعان ولا بالطعان ولا بالفاحش البذيء.

    كذلك يحرم ضرب الوجه والوشم فيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لعن من وشم في الوجه؛ لحديث جابر لما مر النبي صلى الله عليه وسلم على حمار وشم في وجه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لعن الله الذي وشمه)، رواه مسلم في صحيحه، لكن إذا كان هناك حاجة، كأن يكون هناك مداواة بأن يحتاج إلى الكي، فهذا جائز ولا بأس به، وإن احتيج للوشم للعلامة فإنه لا يوشم في الوجه، وإنما يوشم في الرجل أو في الورك أو في الأذن ونحو ذلك.

    قال: (ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدها).

    هذه قاعدة لا ضرر ولا ضرار؛ لحديث: (لا ضرر ولا ضرار).

    قال: (فإن عجز عن نفقتها أُجبر على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن أُكلت).

    إذا عجز عن نفقتها؛ يعني: النفقة واجبة، فيُخير إما أن يبيعها بأن ينقل الملك فيها بالبيع أو الهبة ونحو ذلك، أو أن يؤجرها لمن ينفق عليها، أو أن يأكلها إن كانت مما تؤكل، أو أن يُسيبها تأكل من خشاش الأرض.

    1.   

    حكم النفقة على المال من غير البهائم

    ما سبق كان بالنسبة للنفقة على البهائم، بقي حكم النفقة على ماله من غير البهائم، يعني: مما لا روح فيه، فهل يجب عليه أن ينفق على بيته، يعني: أن يصون البيت لئلا يتهدم، أو ينفق على النخل فيسقيه ويسقي الأشجار والزروع، أو أن هذا ليس واجباً؟

    المشهور من المذهب: أنه لا يجب عليه أن ينفق على بيته، أو على سيارته، والسيارة تحتاج إلى تشحيم أو إلى زيت، فلو لم يوضع فيها الزيت تعطلت وفسدت. نقول: لا يجب عليه أن يُنفق، بل يقولون: يُستحب، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وأيضاً مذهب الشافعية والحنفية؛ لأن هذه الأشياء لا حرمة لها في نفسها؛ ولأن تنمية المال ليس واجباً، وهذه الأشياء ليس لها حرمة فالحيوان له حرمة، والرقيق له حرمة، أما هذه ليس لها حرمة، وأيضاً تنمية المال ليس واجباً.

    الرأي الثاني: أنه يجب عليه أن ينفق عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال؛ لحديث المغيرة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال)، في الصحيحين، ولا شك أن هذا من إضاعة المال؛ ولقوله سبحانه وتعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:26-27]، وهذا لا شك أنه نوع من التبذير، والصواب بأنه يجب حفظ ماله والإنفاق عليه، إلا إذا كانت النفقة كثيرة، ولا يترتب عليها فائدة معتبرة، ولنفرض أن عنده نخلاً لو ذهب ليسقيه لاحتاج إلى حفر آبار، وشراء المعدات والمكائن والكهرباء، وهو لا يترتب عليه كثير فائدة، فهنا نقول: لا يجب عليه في هذه الحالة حتى لو هلك هذا النخل، لكن إذا كان يترتب عليه فائدة ومصلحة، هنا يجب أن ينفق عليه، أو أن يبيعه.

    إذاً: الضابط في ذلك: إذا كان ترك النفقة تضييع للمال فلا يجوز أن يضيع المال، لابد إما أن ينفق عليه أو أن يخرجه عن ملكه بالبيع أو بالهبة أو بالوقف أو نحو ذلك.