إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النفقات [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النفقة حق للزوجة لكنها تسقط بمسقطات كالنشوز، والنفقة راجعة إلى العرف، وإلى حال الزوج إيساراً وإعساراً، وتجب لها إذا سلمت نفسها لزوجها، وقد اختلف في حق الزوج في الفسخ إذا أعسر زوجها عن النفقة عليها، وفي خدمتها لزوجها خلاف، ورد بعض العلماء ذلك إلى العرف.

    1.   

    مسقطات النفقة عن الزوجة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن حُبست -ولو ظلماً- أو نشزت أو تطوعت بلا إذنه بصوم أو حج، أو أحرمت بنذر حج أو صوم، أو صامت عن كفارة أو عن قضاء رمضان مع سعة وقته، أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقطت، ولا نفقة ولا سُكنى لمتوفى عنها. ولها أخذ نفقة كل يوم من أوله، لا قيمتها، ولا عليها أخذها، فإن اتفقا عليه أو على تأخيرها أو تعجيلها مدة طويلة أو قليلة جاز، ولها الكسوة كل عام مرة في أوله، فإذا غاب ولم ينفق لزمته نفقة ما مضى، وإن أنفقت في غيبته من ماله فبان ميتاً، غرمها الوارث ما أنفقته بعد موته.

    فصل:

    ومن تسلم زوجته أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ وجبت نفقتها، ولو مع صغر زوج ومرضه وجبه وعنته، ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال، فإن سلمت نفسها طوعاً ثم أرادت المنع لم تملكه، وإذا أعسر بنفقة القوت أو الكسوة أو بعضها أو المسكن فلها فسخ النكاح، فإن غاب ولم يدع لها نفقة وتعذر أخذها من ماله واستدانتها عليه فلها الفسخ بإذن الحاكم].

    فتقدم لنا شيء من أحكام النفقة، وذكرنا أن النفقة في اللغة مأخوذة من النفوق وهو الهلاك، وتطلق أيضاً على الدراهم.

    وأما في الاصطلاح: فهي كفاية من يمونه طعاماً وشراباً وكسوة وسكناً ونكاحاً. وذكرنا أن النفقة واجبة، وذكرنا دليل ذلك من القرآن ومن السنة والإجماع.

    وذكرنا أن أسباب النفقة ثلاثة أسباب: النكاح، والقرابة، والملك، وبدأ المؤلف رحمه الله تعالى بالنكاح؛ لأنه آكد هذه الأسباب، إذ إنهم يرون أن النفقة في النكاح عوض، وأن عقد النكاح من عقود المعاوضة، فالنفقة عِوض، والمعوض هو الاستمتاع. وهل يُعتبر حال الزوجة، أو حال الزوجة أو حالهما جميعاً؟

    ذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة، وأن المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه يُعتبر حالهما جميعاً.

    وهل تجب النفقة للبائن أو لا تجب؟ وذكرنا أن المشهور من مذهب الإمام أحمد -وهو الراجح -أنها تجب للبائن إن كانت حاملاً، وأن أبا حنيفة يرى أنها تجب للبائن مطلقاً، وأما مالك والشافعي فيفصلون في المسألة كما تقدم.

    المسقط الأول: الحبس ولو ظلماً

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن حُبست ولو ظلماً أو نشزت).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان مسقطات النفقة:

    المسقط الأول: (إذا حُبست).

    قال المؤلف رحمه الله: (ولو ظلماً) فيرى المؤلف رحمه الله أنها إذا حُبست بغير حق فإن النفقة تسقط، والعلة في ذلك أن النفقة عِوض وأن عقد النكاح معاوضة، فهنا تعذر بذل المعوض وهو الاستمتاع فيسقط العوض، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم.

    والرأي الثاني رأي المالكية: أن النفقة لا تسقط؛ لأن المنع هنا ليس من جهتها، فالحبس هنا بغير حق، فإذا كان من غير جهتها فنقول: بأن النفقة لا تسقط، وهذا الذي ذهب إليه المالكية رحمهم الله تعالى هو الصواب في هذه المسألة، وعلى هذا نقول: الصواب في هذه المسألة أن النفقة لا تسقط إذا حُبست بغير حق.

    وأما القول بأن النفقة عوض، وأنها مقابل المعوض وهو الاستمتاع، فهذا فيه نظر، وقد سبق أن تكلمنا في أول كتاب النكاح ما هو مورد عقد النكاح، هل مورده أنه عقد معاوضة، أو أنه عقد ازدواج واشتراك.. إلخ، يقوم كل واحد من الزوجين بما عليه من حق للآخر، وذكرنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رجح القول الأول، وأن عقد النكاح ليس من عقود المعاوضة، وكذلك أيضاً أطال ابن القيم رحمه الله في بيان ذلك في كتابه الهدي.

    المسقط الثاني: الحبس بحق

    المسقط الثاني: إذا حبست بحق. هنا قال لك المؤلف: (ومن حُبست ولو ظلماً) المسقط الثاني: كأن تُحبس بحق، فهنا يُحكى الاتفاق على أن النفقة تسقط، كما لو تعدت على آخر فجنت، أو ارتكبت جرماً، المهم ظلمت سواء في حق الله أو في حق المخلوق بما يقتضي حبسها، فما دام أنها حُبست بحق، فإن عدم التمكين جاء من قِبلها فتكون كالناشز، وحينئذ تسقط نفقتها، وقد حُكي الاتفاق على ذلك.

    المسقط الثالث: النشوز

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو نشزت)، إذا نشزت فإن نفقتها تسقط، والنشوز: هو أن تمتنع الزوجة من بذل حق الزوج، فإذا نشزت نقول: بأن نفقتها تسقط عليها؛ لأن عدم التمكين جاء من قِبلها.

    المسقط الرابع: التطوع بالصوم مع حضور الزوج بغير إذنه

    قال رحمه الله تعالى: (أو تطوعت بلا إذنه بصوم أو حج).

    هذا المسقط الرابع: إذا تطوعت بلا إذنه بصوم سقطت نفقتها؛ لأن المرأة ممنوعة من أن تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها إذا كان حاضراً، فإذا تطوعت بالصيام وهو لم يأذن فتكون كالناشز لكونها عاصية، فتسقط نفقتها.

    قال المؤلف: (أو تطوعت بلا إذنه بصوم أو حج)، وقال بعض العلماء: بأنها لا تسقط النفقة، رأي ابن حمدان صاحب الرعاية أن النفقة لا تسقط؛ لأن الزوج يتمكن من الاستمتاع، فبإمكانه أن يُفسد صيام هذه المرأة ما دام أنها لم تأذن، وهذا الذي يظهر والله أعلم أنه أقرب هو الرأي الثاني، ما دام أن الزوج متمكن من الاستمتاع فله أن يُفسد صيامها إذا صامت تطوعاً بلا إذنه؛ لأنه ليس لها الحق في أن تتطوع ما دام أن الزوج يمنع من ذلك.

    المسقط الخامس: التطوع بالحج بغير إذن الزوج

    قال المؤلف رحمه الله: (أو حج)، هذا هو المسقط الخامس، إذا تطوعت بالحج بغير إذنه فإن نفقتها تسقط؛ لأنه ليس لها أن تسافر إلا بإذن الزوج، فسفرها بغير إذن الزوج هذا معصية تسقط به نفقتها، وقد حُكي الاتفاق على ذلك، ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا أذن في صوم التطوع، أو في حج التطوع أن نفقتها لا تسقط عليها؛ لأن الحق له وقد أسقطت.

    وقوله: (بلا إذنه بصوم أو حج)، مفهوم كلام المؤلف رحمه الله أنه إن كان بإذنه -أي: الزوج- أن النفقة لا تسقط، وهذا هو مذهب المالكية وهذا هو الصوب في هذه المسألة.

    المسقط السادس: النذر بالحج أو الصوم..

    قال المؤلف: (أو أحرمت بنذر حج أو صوم، أو صامت عن كفارة أو عن قضاء رمضان مع سعة وقته).

    هذا المسقط السادس: إذا فعلت واجباً من الواجبات عليها، كما لو نذرت حجاً ثم أحرمت به، أو نذرت صوماً ثم شرعت فيه، أو صامت عن كفارة، أو عن قضاء رمضان، فيقول المؤلف رحمه الله عن قضاء رمضان مع سعة وقته بأن النفقة تسقط عليها، وهذه المسألة إن كان ذلك بإذن الزوج فإن النفقة لا تسقط؛ لأن الحق للزوج وقد أسقطه يعني: عدم الاستمتاع هذا حق للزوج وقد أسقطه الزوج.

    وإن كان بغير إذن الزوج، فهل تسقط النفقة أو لا تسقط النفقة؟

    كلام المؤلف رحمه الله تعالى بأن النفقة تسقط، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى بأنها منعت نفسها بسبب لا من جهته.

    والرأي الثاني: أن النفقة لا تسقط؛ لأنها بحاجة إلى إبراء ذمتها، وهذا القول هو الأقرب والله أعلم، إلا إذا تقصدت النذر لكي تمنع نفسها من الزوج، فنقول هنا: تسقط نفقتها.

    فالخلاصة في ذلك: إن كان بإذن الزوج فإنه لا تسقط نفقتها؛ لأن الحق في الاستمتاع إنما هو للزوج وقد أسقط حقه.

    والقسم الثاني: أن يكون بغير إذن الزوج، فهذا موضع خلاف، وذكرنا أن الأقرب والله أعلم في هذه المسألة أن النفقة لا تسقط؛ لأنها بحاجة إلى إبراء ذمتها، والأصل وجوب النفقة.

    المسقط السابع: السفر

    قال المؤلف رحمه الله: (أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقطت).

    هذا المسقط السابع: السفر، والسفر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن تسافر لحاجة الزوج، فهذا لا تسقط نفقتها؛ لأن السفر لحاجته وقد أذن في ذلك.

    القسم الثاني، إذا أذن الزوج في ذلك حقيقة أو حكماً، لا تسقط نفقتها؛ لأن الحق له في ترك الاستمتاع وقد أذن فيه، فإن أذن الزوج فإن النفقة لا تسقط؛ لأن الحق في الاستمتاع للزوج وقد أسقط حقه، وإن لم يأذن وسافرت لحاجتها بلا إذنه، فنقول: بأن نفقتها تسقط؛ لأن سفرها سفر معصية، والواجب عليها أن تستأذن الزوج، فهي كالمرأة الناشز، والناشز هذه لا نفقة لها.

    القسم الثالث: أن يكون السفر لحاجة أجنبي، فإن كان بإذن الزوج لم تسقط النفقة؛ لأن الحق في الاستمتاع إنما هو للزوج، فإذا أذن فيه فقد أسقط حقه، وإن كان بغير إذن الزوج فكما تقدم، نقول: بأن نفقتها تسقط لكونها عاصية في هذا السفر.

    المسقط الثامن: وفاة الزوج

    قال المؤلف: (ولا نفقة ولا سُكنى لمتوفى عنها).

    المتوفى عنها زوجها لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون حائلاً ليست حاملاً فهذه لا نفقة لها ولا سُكنى، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، فالله سبحانه وتعالى حدد نصيب المتوفى عنها، وهو إما الربع أو الثمن، وإذا أوجبنا لها النفقة والسُكنى فإنما ذلك سيكون في التركة، وحينئذ تأخذ أزيد مما حدده الله عز وجل لها، هذا إذا كانت حائلاً.

    الأمر الثاني: أن تكون حاملاً، فهذا أيضاً عند جمهور العلماء أنه لا نفقة لها ولا سُكنى، والرواية الثانية عند الحنابلة رحمهم الله أن لها النفقة كالبائن، والأقرب والله أعلم ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى، وفرق بين البائن والمتوفى عنها؛ لأن المتوفى عنها المال وأصبح تركة انتقل للورثة، بخلاف البائن، فإن المال مال الزوج، فالذي يظهر هو ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله.

    1.   

    وقت وجوب النفقة وضرب القيمة

    قال المؤلف رحمه الله: (ولها أخذ نفقة كل يوم من أوله، لا قيمتها).

    يقول المؤلف رحمه الله: الزوجة تأخذ نفقة كل يوم في أوله، يعني: عند طلوع الشمس؛ لأنه أول وقت الحاجة، فلا يؤخر عن ذلك.

    وهذا الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى إنما يُصار إليه عند التنازع، أما إذا لم يكن هناك تنازع فيُرجع في مثل هذه المسائل إلى العُرف، حسبما تعارف عليه الناس، وحسبما اتفق عليه الزوجان، فإذا تعارف الناس أن النفقة تكون في أول الشهر أو في آخر الشهر، أو أنها تكون في كل يوم بيومه، فحسبما تعارف عليه الناس؛ لأن هذه الأحكام أطلقها الشارع كما سبق لنا: ما جاء مطلقاً على لسان الشارع فإنه يُرجع إلى العرف في تحديده وضبطه، فنقول: مثل هذه المسائل نرجع فيها إلى أعراف الناس؛ لقول الله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19].

    أيضاً بالنسبة للقيمة: هل لها أن تأخذ قيمة أو ليس لها أن تأخذ قيمة؟ نقول: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرض قيمة، وإنما المعتبر في النفقة إنما هو حال الزوج كما هو قول الشافعي رحمه الله؛ لقول الله سبحانه وتعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، فالمعتبر هو حال الزوج، ينفق عليها الزوج حسب عسره ويسره.

    أما ضرب نفقة فهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال المؤلف: (لا قيمتها)، اللهم إلا في حال التنازع، قد يحتاج القاضي إلى أن يضرب نفقة. يعني: مثل هذه المسائل متى تأخذ النفقة؟ وهل تضرب القيمة؟ وكم القيمة؟ هذه يصير إليها القاضي في حال التنازع؛ لأنه في حال التنازع نحتاج إلى ضبط فتضبط النفقة بكذا وكذا من الدراهم، أو بكذا وكذا من الزمان، وفي كذا وكذا من المكان، نحتاج إلى الضبط دفعاً ودرءاً للنزاع، أما إذا لم يكن شيء من ذلك فالمرجع إلى أعراف الناس وما اتفق عليه الزوجان، فإذا اتفق الزوجان على شيء يُرجع إليه، أو يرجعان على أعراف الناس، وإن تنازعوا نرجع إلى القاضي، وهي ثلاث مراتب:

    الأولى: إذا اتفق الزوجان على شيء فالأمر إليهما.

    الثانية: إذا لم يتفقا نرجع إلى أعراف الناس.

    الثالثة: إذا حصل التنازع حتى مع وجود العُرف نرجع إلى حكم الحاكم؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف ويدرأ النزاع، والحاكم له أن يضبط هذه الأشياء في الزمان والمكان والعدد والقيمة ونحو ذلك.

    قال: (ولا عليها أخذها).

    يعني: لو أن الزوج قال: سأعطيكِ كل شهر ألف درهم، هل يجب على الزوجة أن تأخذها أو لا يجب عليها أن تأخذها؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى لا يجب على الزوجة أن تأخذها، ولو رفضت فإن الأمر إليها، وقالت: أنا لا آخذ الدراهم، تأتي بالطعام، تأتي بالشراب ونحو ذلك، فنقول: بأن الأمر إليها.. إلخ؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضرب قيمة الدراهم أو دنانير، وأيضاً قالوا: أن هذه معاوضة، فلا يُجبر عليه من امتنع منها.

    قال المؤلف: (فإن اتفقا عليه أو على تأخيرها أو تعجيلها مدة طويلة أو قليلة جاز).

    وهذا كما تقدم على مراتب: إن اتفق الزوجان على شيء كأن تكون النفقة في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره، أو أن تكون النفقة من كذا أو كذا أو من الدراهم أو من الدنانير أو على قدرها فالأمر راجع إليهما، فإذا لم يتفقا على شيء، نقول: يُرجع في ذلك إلى أعراف الناس، إذا لم يتفقا على العُرف، نقول: نرجع إلى القاضي لكي يدرأ الخلاف والنزاع والشقاق.

    كسوة الزوجة

    قال: (ولها الكسوة كل عام مرة في أوله).

    يقول المؤلف: لها الكسوة كل عام مرة في أوله، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب الشافعية، وقالوا: لها الكسوة كل عام في أول العام؛ لأن أول العام هو أول أوقات الحاجة، فتُدفع الكسوة في أول العام.

    الرأي الثاني: رأي الحنفية والمالكية: أن الكسوة تُدفع كل ستة أشهر، الحنفية والمالكية قالوا: الكسوة تُدفع كل ستة أشهر؛ لأن العُرف أن الكسوة تبدل في مثل هذه المدة.

    والصواب في هذه المسائل: أن يقال: بأن الله سبحانه وتعالى قال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، فنقول: بأن الكسوة راجعة إلى المعروف، والمعروف أن الكسوة عند الحاجة، فإذا احتاجت إلى الكسوة فإنه يشتري لها كسوة، وقد تحتاج إلى كسوة الشتاء، وقد تحتاج إلى كسوة الصيف، وقد تحتاج إلى كسوة في مناسبات طارئة.. إلخ، فنقول: الصواب في هذه المسألة: أن الكسوة مرتبطة بالحاجة، ولهذا الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: لو أن هذه الكسوة سُرقت أو احترقت أو بليت، هل يجب عليه أن يدفع كسوة أخرى أو لا يجب؟ قالوا: لا يجب، الواجب أن يعطيها كل عام مرة في أوله، وتبرأ ذمته من ذلك، فلا يجب عليه مرة أخرى، والصواب كما ذكرنا: أن الكسوة متعلقة بالحاجة، فمتى احتاجت إلى الكسوة فإنه يدفعها إليها، فإذا لم تحتج إلى الكسوة فإنه لا يجب عليه أن يدفعها إليها، وهذا القول بأنها متعلقة بالحاجة اختيار ابن نصر الله من الحنابلة رحمهم الله تعالى، وأن الكسوة كإناء الدار وكماعون الدار.. الخ، وماعون الدار وإناء الدار متعلق بالحاجة.

    حكم سقوط النفقة بالتقادم

    قال رحمه الله: (فإذا غاب ولم ينفق لزمته نفقة ما مضى، وإن أنفقت في غيبته.. إلخ).

    يقول المؤلف رحمه الله: إذا غاب ولم ينفق لزمته نفقة ما مضى. هذه المسألة يُعبر عنها العلماء رحمهم الله بقولهم: هل تسقط النفقة بمضي الزمان أو أن النفقة لا تسقط بمضي زمان؟ نفقة الزوجات الفقهاء يقولون بأنها لا تسقط بمضي الزمان، خلافاً للحنفية؛ لأنهم يرونها معاوضة. يعني: هذا مبني على القول بأنها معاوضة، والعوض لا يسقط، وأنت إذا أجرت شخصاً بيتاً واستوفى المنافع ومضى زمناً وما أعطاك الأجرة فهل تسقط الأجرة أو لا تسقط؟ لا تسقط الأجرة.

    لو بعت سلعة ومضى زمناً ولم يعطك المشتري الثمن، فإن الثمن لا يسقط بمضي الزمن.

    أيضاً يقولون: بأن نفقة الزوجات لا تسقط بمضي الزمان، بخلاف نفقة الأقارب فإن نفقة الأقارب يرون أنها تسقط بمضي الزمان، فلو أن رجلاً لم يُنفق على أبنائه لمدة شهر سقطت النفقة، أو لم ينفق على آبائه أو حواشيه كما سيأتينا، فيرون أن النفقة تسقط، لكن بالنسبة لنفقة الزوجات يرون أن النفقة لا تسقط، فالمذهب وهو قول المالكية والشافعية: أن النفقة لا تسقط بمضي الزمان، ودليلهم على ذلك: أنها معاوضة كما تقدم، وقالوا أيضاً: أنه ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم أن يطلقوا أو ينفقوا، فإذا طلقوا فإنهم يدفعون نفقة ما مضى.

    الرأي الثاني: رأي الحنفية. يقولون بأن النفقة تسقط بمضي زمن، وعلى هذا لو أن الزوج لم ينفق على زوجته لمدة يوم أو يومين أو أسبوع أو أسبوعين.. إلخ، لا تملك أن تطالبه مرة أخرى، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة هند ، فإن هنداً أتت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له أن أبا سفيان رجل شحيح، وأنه لا يعطيها من النفقة ما يكفيها وبنيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، ولم يفرض لها النبي صلى الله عليه وسلم نفقة ما مضى، وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة، وأن نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان، فلو أن الزوجة عملت أو أعطيت نفقة ونحو ذلك فإنها لا تملك المطالبة، اللهم إلا إذا استدانت.

    لو أن الزوجة استدانت وأنفقت، فهنا يستثنى، ونقول: يجب على الزوج أن يسدد، فإذا لم يحصل الدين وجاءتها النفقة من يمين أو شمال أو نحو ذلك، فنقول: بأن النفقة تسقط بمضي الزمان، وأما القول: بأنها معاوضة فتقدم الجواب عن ذلك، وأن هذا ليس عن طريق المعاوضة، وكما ذكر ابن القيم رحمه الله حصل على التسليم بأنها معاوضة، فإن المعاوضة حصلت بالمهر.

    وأما أثر عمر رضي الله تعالى عنه فنقول: بأن عمر رضي الله تعالى عنه أمر بدفع نفقة ما مضى لمن طلق، أما من لم يطلق فلم يأمره عمر رضي الله تعالى عنه بدفع نفقة ما مضى، بل هو دليل لما ذهب إليه الحنفية أن نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان.

    1.   

    شرط وجوب النفقة على الزوجات

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: ومن تسلم زوجته أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ وجبت نفقتها).

    متى تجب نفقة الزوجة؟ هل تجب نفقة الزوجة بالعقد أو أنها تجب بالتسليم؟

    قال المؤلف رحمه الله: تجب نفقة الزوجة بشرطين:

    الشرط الأول: أن تكون هذه الزوجة ممن يوطأ مثلها، والتي يوطأ مثلها من كان لها تسع سنوات فما فوق على المشهور من مذهبنا هذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: أن يتسلمها الزوج، أو يبذل ولي هذه المرأة تسليم المرأة، يعني: يقال للزوج: خذ زوجتك، أو هي تبذل نفسها، تقول: استلمني، فإذا توفر الشرطان وجبت النفقة.

    والقول بأنه يُشترط بأن تكون الزوجة ممن يوطأ مثلها، هذا مبني على أنها معاوضة؛ لأن المعوض هو الاستمتاع، والعوض هو النفقة، وعلى هذا إذا كان هذا الشرط مبنياً على ذلك ونحن لا نُسلم بأن عقد النكاح عقد معاوضة، نقول: الصواب في ذلك أن هذا ليس شرطاً، وأن المرأة سواء كانت يوطأ مثلها أو كانت لا يوطأ مثلها إذا تسلمها الزوج أو بذله الولي.. إلخ، فنقول: تجب النفقة، هذا هو الصواب في هذه المسألة.

    قال: (ولو مع صغر زوج ومرضه وجبه وعنته).

    يعني: حتى ولو كان الزوج لا يطأ مثله، لو كان هذا الزوج له خمس سنوات، أو كان مجبوباً، يعني: مقطوع الذكر، أو كان عنيناً لا يريد النساء، أو كان مريضاً، تجب النفقة؛ لأن المنع هنا ليس من جهة الزوجة، وإنما هو من جهة الزوج، فالمعاوضة الآن موجودة فتجب النفقة.

    1.   

    متى تمنع الزوجة تسليم نفسها من زوجها

    قال: (ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال، فإن سلمت نفسها طوعاً ثم أرادت.. إلخ).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لها أن تمنع نفسها حتى تقبض صداقها الحال. يعني: لو أن الزوج طلب تسليم زوجته والصداق حال، فللزوجة أن تمتنع من أن تُسلم نفسها حتى تقبض صداقها الحال؛ لأنه لا يمكنها استدراك منفعة البُضع لو عجزت عن أخذه بعد ذلك.

    ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا كان الصداق مؤجلاً، فإنها لا تملك أن تمنع من تسليم نفسها؛ لأن الحق في حلول الصداق لها وقد أسقطته.

    قال المؤلف: (فإن سلمت نفسها طوعاً ثم أرادات المنع لم تملكه).

    يعني: لو أن المرأة سلمت نفسها والصداق حال، والزوج لم يعطها الصداق، وبعد يوم أو يومين طالبته بالصداق وما أعطاها الصداق، هل تملك أن تمنع نفسها أو نقول: بأنها لا تملك بأن تمنع نفسها؟

    قال المؤلف رحمه الله: لا تملك أن تمنع نفسها؛ لأنها أسقطت حقها بتسليم نفسها، وكان الواجب عليها أن لا تسلم نفسها حتى تتسلم الصداق، لكن ما دام أنها سلمت نفسها فإنها لا تملك أن تمنع نفسها بعد ذلك.

    والصواب في هذه المسألة أن يقال: بأنها كما ذكر المؤلف رحمه الله إذا سلمت نفسها لا تملك أن تمنع نفسها إلا في حالتين:

    الحالة الأولى: إذا غرها الزوج، وأظهر لها أنه سيسلمها الصداق ثم ماطل فهنا تملك أن تمنع نفسها.

    الحالة الثانية: إذا كان هناك عُرف جارى أن المرأة تسلم نفسها ثم تطالب بالصداق ويُدفع الصداق، فإنه في هذه الحالة يكون على ما جرى العُرف كما هو عندنا الآن العُرف لا تطالب المرأة، قد تُسلم نفسها ثم بعد ذلك عُرف الناس أنها تُعطى الصداق، لكن لو أن الزوج خالف هذا العُرف، نقول لها: تمنع؛ لأن الشرط العُرفي كالشرط اللفظي، فنقول: تمنع في هاتين الحالتين:

    إذا كان هناك غرر.

    والحالة الثانية: إذا كان هناك عُرف يتعارف الناس على أن المرأة تُسلم نفسها ولو لم تتسلم الصداق ثم بعد ذلك تُسلم إليه ولا تُمنع منه، فإذا ماطل الزوج فنقول هنا: لها الحق في المنع.

    1.   

    الإعسار بالنفقة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإذا أعسر بنفقة القوت أو الكسوة أو بعضها أو المسكن فلها فسخ النكاح).

    هذه المسألة مبنية على ما تقدم.

    وأيضاً نحب أن ننبه على مسألة سقوط النفقة بمضي الزمان. وقلنا بأنها تسقط النفقة بمضي الزمان، لكن استثنينا مسألة وهي ما إذا استدانت الزوجة بسبب هذه النفقة فإنها ترجع عليه بهذا الدين.

    وهنا إذا أعسر بنفقة القوت أو الكسوة أو بعضها أو المسكن فلها فسخ النكاح. إذا أعسر الزوج بالنفقة، هل للزوجة حق الفسخ أو ليس لها حق الفسخ؟

    كذلك لو أعسر ببعض النفقة، كأن يجد نفقة الصباح، لكن لا يجد نفقة المساء، يعني: يجد الطعام في الصباح، لكن لا يجد الطعام في المساء، ويجد الثوب في الشتاء، لكن لا يجده في الصيف، فهل للزوجة حق الفسخ أو ليس لها حق الفسخ؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول أن الزوجة لها حق الفسخ وأدلة ذلك

    الرأي الأول وهو قول جمهور العلماء: أن الزوجة لها حق الفسخ، كما تقدم كثير من الفقهاء يبنون هذا على أنها معاوضة، فهي تبذل المعوض وهو الاستمتاع، فيجب عليه أن يبذل العوض، وإذا أعسر بالعوض فلها حق الفسخ، مثل المستأجر يبذل الأجرة، لكن فلو أن البيت انهدم في نصف السنة تنفسخ الأجرة أو لا تنفسخ الأجرة؟ تنفسخ الأجرة؛ لأن المنافع تستوفى شيئاً فشيئاً، فكذلك الاستمتاع يستوفى شيئاً فشيئاً، كلما استمتع عليه العوض، وكلما استهلك منفعة هذه الإجارة عليه الأجرة، ولو انهدم البيت انفسخت الأجرة، فكذلك هنا لها حق الفسخ.

    واستدل الجمهور بأدلة من أدلتهم: قول الله عز وجل: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، وليس من المعروف أن يمسكها وهي تجوع، أو تتعرى، هذا ليس من المعروف. قال: فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229].

    وكذلك استدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أنه يُفرق بينهما )، رواه الدارقطني ، وهو ضعيف، وقد أعله أبو حاتم رحمه الله. قال بأن الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بمن تعول)، تقول امرأتك: أنفق علي أو طلق المهم هذا الحديث: (في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أن يُفرق بينهما)، ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الرأي الثاني: أنه لا يفرق بإعسار الزوج على النفقة وأدلة ذلك

    الرأي الثاني: أنه لا يُفرق بإعسار الزوج على النفقة، وهذا رأي الحنفية؛ لقول الله عز وجل: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، ولحديث جابر رضي الله تعالى عنه في سؤال زوجات النبي صلى الله عليه وسلم النفقة، وليس عنده عليه الصلاة والسلام شيء ينفق عليهن، فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى عائشة وجعل يجأ في عنقها، وقام عمر رضي الله تعالى عنه إلى ابنته حفصة وجعل يجأ في عنقها، فهذا دليل على أنه لا يُفسخ.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم ما كان عنده شيء، وكن يسألنه النفقة، وزوجة أبي بكر سألته النفقة وليس عنده شيء.. إلخ، ومع ذلك أبو بكر جعل يجأ في عنق عائشة رضي الله تعالى عنها، فلو كان سؤالها بحق لما أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، كذلك فعل عمر رضي الله تعالى عنه بـحفصة ، فلو كان سؤالها بحق لما أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، والصحابة رضي الله تعالى عنهم كان كثير منهم فقيراً لا يجد شيئاً، يُمسي وليس عنده شيء، ويُصبح وليس عنده شيء، وذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنهم كانوا يرون ثلاثة أهلة -يعني: في شهرين- ما أوقد في بيت النبي صلى الله عليه وسلم نار)، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان فقيراً، وفي بعض الأحيان كان النبي صلى الله عليه وسلم ليس عنده شيء.

    الراجح

    فالصواب في هذه المسألة: أن الزوجة لا تملك الفسخ في هذه المسألة، لكن إذا أرادت الزوجة أن تتكسب فالزوج ليس له أن يمنعها من التكسب، وكذلك ذكر الحنفية أن الزوجة لها أن تستدين وتشتري الطعام في ذمة الزوج، وحينئذ نقول: ليس لها حق الفسخ، لكن عندنا حالتان:

    الحالة الأولى: ما يتعلق بالكسب، لها حق التكسب، فإذا أرادت أن تعمل، كأن تطبخ للناس أو أن تغسل للناس أو أن تنظف.. إلخ، فليس للزوج حق في منعها. هذه المسألة الأولى.

    المسألة الثانية كما ذكر الحنفية: أنها إذا استدانت في ذمة الزوج لها ذلك، ويلزم الزوج أن يُسدد إذا أيسر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن غاب ولم يدع لها نفقة، وتعذر أخذها من ماله، واستدانتها عليه، فلها الفسخ بإذن الحاكم).

    إذا غاب الزوج ولم يدع لزوجته نفقة، وتعذر أخذها من ماله واستدانتها فلها الفسخ، فالأقسام حينئذ إذا غاب الزوج أربعة:

    القسم الأول: أن يدع لها نفقة، فنقول: ليس لها حق الفسخ.

    القسم الثاني: أن تتمكن من أخذ هذه النفقة من ماله، فليس لها حق الفسخ.

    القسم الثالث: أن تتمكن من الاستدانة في ذمة الزوج، فهنا نقول: بأنه ليس لها حق الفسخ.

    القسم الرابع: إذا لم تتمكن من شيء من ذلك، يعني: لم يترك لها نفقة، ولم تتمكن من أخذها من ماله، وكذلك لم تتمكن من الاستدانة، فيقول المؤلف رحمه الله: لها حق الفسخ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله؛ لأن الإنفاق عليها من ماله متعذر، فكان لها الخيار كحال الإعسار. يقول: لها حق الفسخ كما لو أعسر بالنفقة.

    1.   

    ملخص المذاهب الأربعة في أحقية الزوجة في فسخ النكاح

    الأصح عند الشافعية أنه ليس للزوجة حق الفسخ؛ لأن الزوج هنا ليس معسراً، والشافعية إنما يثبتون حق الفسخ بالإعسار، أما الحنفية أصلاً لا يرون حق الفسخ حتى مع الإعسار، وهذا القول هو الصواب، الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنفية، وهو قول الشافعية، أنه ليس لها حق الفسخ، أما المالكية والحنابلة رحمهم الله يرون أن الزوجة لها حق الفسخ، إلا أنهم يشترطون لذلك شروطاً، يعني: هم يضيقونه ويقيدونه ببعض الشروط، والأقرب في هذه المسألة كما سلف لنا أنه ليس لها حق الفسخ.

    ويؤخذ من قول المؤلف رحمه الله: أنها إذا قدرت على شيء من ماله لها أن تنفق سواء كان الزوج غائباً أو حاضراً، يعني: إذا امتنع من النفقة وقدرت الزوجة على شيء من ماله، فلها أن تأخذ بقدر كفايتها، وكفاية أولادها بالمعروف، وهذه المسألة تسمى مسألة الظفر، وسبق أن تكلمنا على هذه المسألة، ودليلها حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.

    1.   

    حكم خدمة الزوجة زوجها وإخدامها

    بقي لنا أيضاً مسألة في نفقة الزوجة: وهي هل يجب على الزوج خادم للزوجة، يعني: أن يشتري لها رقيقاً يخدمها...إلخ، أو يأتي بامرأة تخدمها.. إلخ؟

    المشهور من المذهب أن هذه المسألة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما يتعلق بخدمة الزوج من طبخ طعامه، وغسل ماعونه، وتنظيف بيته، وغسل ثيابه. قالوا: بأن هذا لا يجب على الزوجة؛ لأن المعقود عليه منفعة الاستمتاع، فأنت ما عقدت على هذه المرأة لكي تعمل، عقدت عليها لأجل الاستمتاع، وهذا كما تقدم مبني على مسألة أنها عوض.

    القسم الثاني: ما يتعلق بخدمة الزوجة نفسها، كطبخ طعامها وغسل ماعونها وتنظيف ثيابها ونحو ذلك، فقالوا: بأن هذا راجع إلى العُرف، فإذا كان مثلها يُخدم فيجب أن يأتي بمن يخدمها، وإذا كان مثلها لا يُخدم فإنه لا يجب أن يأتي بمن يخدمها.

    والرأي الثالث: أن المرجع في ذلك العُرف، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأنه يجب على مثلها لمثله ما يجب على مثلها لمثله بالمعروف، وحسب العُرف، فإذا كانت المرأة من قوم يخدمن نساؤهم أزواجهن، فإنه يجب عليها أن تخدم زوجها، وإذا كانت من قوم نساؤهم لا يخدمن أزواجهن، فإنه يجب أن يأتي بخادمة، وهذا دليله قول الله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، ويدل على ذلك صنيع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن كن يخدمن النبي صلى الله عليه وسلم، (كان النبي صلى الله عليه وسلم يُخرج رأسه إلى عائشة رضي الله تعالى عنها فترجله وهي حائض)، يعني: تسرحه وهي حائض.

    و فاطمة رضي الله تعالى عنها اشتكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما تجد من شدة الرحى وسألته خادماً رقيقاً فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تُسبح الله ثلاثاً وثلاثين، وأن تحمده ثلاثاً وثلاثين، وإلى أن تُكبره أربعاً وثلاثين عند النوم.